استعارةٌ أصليَّةٌ (ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي) أي: ما فضل من لبن القدح الذي شربت منه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁، مفعولُ «أعطيت» الثَّاني (قَالُوا) أي: الصَّحابة (فَمَا أَوَّلْتَهُ) أي: عبَّرته (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) أوَّلتُه (العِلْمَ) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: المُؤوَّل به العلم، ووجه تفسير «اللَّبن» بـ «العلم»: الاشتراك في كثرة النَّفع بهما، وكونهما سببًا للصَّلاح، ذاك في الأشباح، والآخر في الأرواح، والفاء في «فما أوَّلته» زائدةٌ كهي في قوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ [ص: ٥٧] فافهم ذلك.
(٢٣) هذا (بابُ الفُتْيَا) بضمِّ الفاء (وَهُوَ) أي: العالِم المفتي المجيب المستفتي عن سؤاله (وَاقِفٌ) أي: راكبٌ (عَلَى الدَّابَّةِ) التي تُركَب، وفي بعض الرِّوايات: «على ظهر الدَّابَّة» (وَغَيْرِهَا) سواءٌ كان واقفًا على الأرض أو ماشيًا، وعلى كلِّ أحواله، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «أو غيرها».
٨٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالكٍ (قَالَ:
حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، القرشيِّ التَّيميِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة مئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي) بإثبات الياء بعد الصَّاد على الأفصح (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بفتح الواو، اسمٌ من «ودَّع»، والفتح في حاء «حَجَّة» هو الرِّواية، ويجوز كسرها، أي: حال وقوفه (بِمِنًى) بالصَّرف وعدمه (لِلنَّاسِ) حال كونهم (يَسْأَلُونَهُ) ﵊، فهو حالٌ من ضمير «وقف»، ويحتمل أن يكون من «النَّاس» أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًّا (١) لعلَّة الوقوف (فَجَاءَهُ رَجُلٌ) قال في «الفتح»: لم أعرف اسمه، وفي رواية الأَصيليِّ: «فجاء رجلٌ» (فَقَالَ): يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ) بضمِّ العين، أي: لم أفطن (فَحَلَقْتُ) رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) الهديَ (فَقَالَ) رسول الله ﷺ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال» (٢): (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) أي: ولا إثمَ عليك (فَجَاءَ آخَرُ) غيره (فَقَالَ): يا رسول الله (لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ) ﵊، وفي رواية أبي ذَرٍّ (٣): «فقال»: (ارْمِ) الجمرة (وَلَا حَرَجَ) عليك في ذلك (فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ) من أعمال يوم العيد: الرَّمي والنَّحر والحلق والطَّواف (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ) بضمِّ أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأوَّل حذفٌ، أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مُكرَّرةً على الفصيح، وحَسُنَ ذلك هنا أنَّه في سياق النَّفيِ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] ولمسلمٍ:
ما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ أو أُخِّر (١) (إِلَّا قَالَ) ﵊ للسَّائل (٢): (افْعَلْ) ذلك كما فعلته قبل، أو متى شئت (وَلَا حَرَجَ) عليك مُطلَقًا، لا في التَّرتيب ولا في ترك الفدية، وهذا مذهب إمامنا الشَّافعيِّ وأحمد وعطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: التَّرتيب واجبٌ يُجبَر بدمٍ لِمَا رُوي عن (٣) ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: مَنْ قدَّم شيئًا في حجِّه أو أخَّره فليُهرقْ لذلك دمًا، وتأوَّلوا الحديث، أي: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنَّكم (٤) فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد، فأسقط عنهمُ الحرج وأعذرهم لأجل النِّسيان وعدم العلم، ويدلُّ له قول السَّائل: «لم أشعر»، ويؤيِّده: أنَّ في رواية عليٍّ عند الطَّحاويِّ بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: رميت وحلقت ونسيت أن أنحر.
وفي الحديث: جواز سؤال العالِم راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كلِّ حالٍ، ولا يُعارَض هذا بما رُوِيَ عن مالكٍ من كراهة ذكر العلم والسُّؤال عن الحديث في الطَّريق لأنَّ الموقف بمنًى لا يُعدُّ من الطُّرقات؛ لأنَّه موقفُ سُنَّةٍ وعِبادةٍ وذِكرٍ، ووقت حاجةٍ إلى التَّعلُّم خوف الفوات؛ إمَّا بالزَّمان أو بالمكان.
(٢٤) هذا (بابُ مَنْ أَجَابَ) في (الفُتْيَا) أي: في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه (بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ) وسقط لفظ «باب» للأَصيليِّ.