الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٧٦
الحديث رقم ٨٧٦ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الجمعة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ
٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ إِلَى هُنَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَسِيَاقُ بَقِيَّةِ الْآيَةِ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (فَاسْعَوْا فَامْضُوا) هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِالسَّعْيِ هُنَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجَرْيُ. وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ فَامْضُوا وَهُوَ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَاسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجُمُعَةِ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ: فَالتَّنْزِيلُ ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى إِيجَابِهَا، قَالَ: وَعُلِمَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي بَيْنَ الْخَمِيسِ وَالسَّبْتِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ: الْأَمْرُ بِالسَّعْيِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِذْ لَا يَجِبُ السَّعْيُ إِلَّا إِلَى وَاجِبٍ. وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ فَرْضِيَّتِهَا فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فَرْضِيَّتَهَا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَشْرُوعِيَّةُ النِّدَاءِ لَهَا، إِذِ الْأَذَانُ مِنْ خَوَاصِّ الْفَرَائِضِ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُبَاحِ - يَعْنِي نَهْيَ تَحْرِيمٍ - إِلَّا إِذَا أَفْضَى إِلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ التَّوْبِيخُ عَلَى قَطْعِهَا. قَالَ: وَأَمَّا وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ لِلْإِلْزَامِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ كَالتَّقْدِيرِ لَكِنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لَهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ذِكْرِ الصَّرْفِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَنِ اخْتِيَارِهِ وَتَعْيِينِهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ بِالتَّنْصِيصِ أَمْ بِالِاجْتِهَادِ.
وَفِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فَرْضِيَّتَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ لَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ مِنْ جِهَةِ إِطْلَاقِ الْفَرْضِيَّةِ وَمِنَ التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ.
قَوْلُهُ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ أَيِ الْآخِرُونَ زَمَانًا الْأَوَّلُونَ مَنْزِلَةً، وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُودُهَا فِي الدُّنْيَا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَهِيَ سَابِقَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يُحْشَرُ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ وَأَوَّلُ مَنْ يُقْضَى بَيْنَهُمْ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ هُنَا إِحْرَازُ فَضِيلَةِ الْيَوْمِ السَّابِقِ بِالْفَضْلِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِسَبْتٍ قَبْلَهُ أَوْ أَحَدٍ لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مُتَوَالِيَةً إِلَّا وَيَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَابِقًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ أَيْ إِلَى الْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي حُرِمَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى.
قَوْلُهُ: (بَيْدَ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ مِثْلُ غَيْرَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَبِهِ جَزَمَ الْخَلِيلُ وَالْكِسَائِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى بَيْدَ مِنْ أَجْلِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَغَوِيُّ، عَنِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدِ اسْتَبْعَدَهُ عِيَاضٌ وَلَا بُعْدَ فِيهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّا سَبَقْنَا بِالْفَضْلِ إذ هُدِينَا لِلْجُمُعَةِ مَعَ تَأَخُّرِنَا فِي الزَّمَانِ، بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهَا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ فِي فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ فِي الدُّنْيَا وَنَحْنُ السَّابِقُونَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَفِي
مُوَطَّأِ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هِيَ بِمَعْنَى عَلَى أَوْ مَعَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى غَيْرِ فَنُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَعَ فَنُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، وَالْمَعْنَى: نَحْنُ السَّابِقُونَ لِلْفَضْلِ غَيْرَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَوَجْهُ التَّأْكِيدِ فِيهِ مَا أُدْمِجَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى النَّسْخِ، لِأَنَّ النَّاسِخَ هُوَ السَّابِقُ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوُجُودِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا وَاضِحًا.
قَوْلُهُ: (أُوتُوا الْكِتَابَ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَالضَّمِيرُ فِي أُوتِينَاهُ لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ: وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّوْرَاةَ لَمَا صَحَّ الْإِخْبَارُ، لِأَنَّا إِنَّمَا أُوتِينَا الْقُرْآنَ. وَسَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ قَوْلُهُ: وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَسَيَأْتِي تَامًّا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْحَمَوِيِّ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ بِفَرْضِهِ فَرْضُ تَعْظِيمِهِ، وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِهَذَا لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ فَتَرَكُوهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمٌ مِنَ الْجُمُعَةِ وُكِّلَ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ لِيُقِيمُوا فِيهِ شَرِيعَتَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْأَيَّامِ هُوَ وَلَمْ يَهْتَدُوا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَالَ عِيَاضٌ إِلَى هَذَا وَرَشَّحَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ لَقِيلَ: فَخَالَفُوا، بَدَلَ فَاخْتَلَفُوا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا فَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ تَعَيُّنُهُ أَمْ يَسُوغُ إِبْدَالُهُ بِيَوْمٍ آخَرَ فَاجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ فَأَخْطَئُوا. انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قَالَ: أَرَادُوا الْجُمُعَةَ فَأَخْطَئُوا وَأَخَذُوا السَّبْتَ مَكَانَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطَ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُمْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِعَيْنِهِ فَأَبَوْا، وَلَفْظُهُ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْيَهُودِ الْجُمُعَةَ فَأَبَوْا وَقَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا فَاجْعَلْهُ لَنَا، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَجِيبٍ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَيْفَ لَا وَهُمُ الْقَائِلُونَ ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
قَوْلُهُ: (فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِأَنْ نَصَّ لَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْ يُرَادَ الْهِدَايَةُ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلِلنَّصَارَى كَذَلِكَ، فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنُصَلِّي وَنَشْكُرهُ. فَجَعَلُوهُ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الْآيَةُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ الْحَدِيثَ.
فَمُرْسَلُ ابْنِ سِيرِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ الصَّحَابَةَ اخْتَارُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ وَهُوَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٨٧٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلةً وكرامةً (يَوْمَ القِيَامَةِ) في الحشر والحساب والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنَّة، ورواه مسلمٌ بلفظ: «نحن الآخرون من أهل الدُّنيا، والسَّابقون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق». (بَيْدَ أَنَّهُمْ) بفتح الباء (١) المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الدَّال المُهمَلة، بمعنى «غير» الاستثنائيَّة، أي: نحن السَّابقون للفضل، غير أنَّ اليهود والنَّصارى (أُوتُوا الكِتَابَ) التَّوراة والإنجيل (مِنْ قَبْلِنَا) زاد في رواية أبي زرعة الدَّمشقيِّ عن أبي اليمان شيخ المؤلِّف، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» عنه: «وأوتيناه»، أي: القرآن «من بعدهم» وذكره المؤلِّف من وجهٍ آخر عن أبي هريرة تامًّا بعد أبوابٍ [خ¦٨٩٦]. (ثُمَّ هَذَا) أي: يوم الجمعة (يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ
عَلَيْهِمْ) وعلينا تعظيمه بعينه، أو الاجتماع فيه، وروى ابن أبي حاتمٍ عن السُّدِّيِّ: أنَّ الله فرض على اليهود الجمعة، فقالوا: يا موسى (١)، «إنَّ الله لم يخلق يوم السَّبت شيئًا (٢)، فاجعله لنا فجُعِل (٣) عليهم». وفي بعض الآثار ممَّا (٤) نقله أبو عبد الله الأُبِّيُّ: «أنَّ موسى ﵊ عيَّن لهم يوم الجمعة، وأخبرهم بفضيلته، فناظروه بأنَّ السَّبت أفضل، فأوحى الله تعالى إليه: دعهم وما اختاروا»، والظَّاهر: أنَّه عيَّنه لهم؛ لأنَّ السِّياق دلَّ على ذمِّهم في العدول عنه، فيجب أن يكون قد عيَّنه لهم لأنَّه لو لم يعيِّنه لهم ووكل التَّعيين إلى اجتهادهم لكان الواجب عليهم تعظيم يومٍ لا بعينه، فإذا أدَّى الاجتهاد إلى أنَّه السَّبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدَّى الاجتهاد إليه، ولا يأثم، ويشهد له قوله: «هذا يومهم الَّذي فُرِض عليهم، فاختلفوا
فيه» فإنَّه ظاهرٌ أو نصٌّ في التَّعيين، وليس ذلك بعجيبٍ من مخالفتهم، وكيف لا وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]؟! ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن الحَمُّويي: «هذا يومهم الَّذي فَرَضَ الله (١) عليهم» (فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) هل يلزم بعينه أو يسوغ لهم إبداله بغيره من الأيَّام؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا (فَهَدَانَا اللهُ لَهُ) بأن نصَّ لنا عليه ولم يَكِلْنا إلى اجتهادنا؛ لاحتمال أن يكون ﷺ علمه بالوحي وهو بمكَّة، فلم يتمكَّن من إقامتها بها. وفيه حديثٌ عن ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقُطنيِّ: «ولذلك جَمَّع بهم أوَّل ما قدم المدينة» كما ذكره ابن إسحاق وغيره، أو هدانا الله له بالاجتهاد، وكما يدلُّ عليه مُرسَل ابن سيرين عند عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، ولفظه: «جمَّع أهلُ المدينة قبل أن يقدمها النَّبيُّ ﷺ، وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: إنَّ لليهود يومًا يجتمعون فيه كلَّ سبعة أيَّام، وللنَّصارى مثلُ ذلك، فَهَلُمَّ فلنجعلْ لنا (٢) يومًا نجتمع (٣) فيه، فنذكر (٤) الله تعالى ونصلِّي ونشكرُه، فجعلوه (٥) يوم العَرُوبة، واجتمعوا فيه (٦) إلى أسعدَ بنِ زُرارةَ، فصلَّى بهم … » الحديثَ، وله شاهدٌ بإسنادٍ حسنٍ عند أبي داود، وصحَّحه ابن خزيمة، وغيره من حديث كعب بن مالكٍ، قال: «كان أوَّلَ مَنْ صلَّى بنا الجمعة قبل مَقْدَم (٧) رسول الله (٨) ﷺ المدينة أسعدُ بن زُرارة». (فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) ولأبي ذَرٍّ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ إِلَى هُنَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَسِيَاقُ بَقِيَّةِ الْآيَةِ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (فَاسْعَوْا فَامْضُوا) هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْمُرَادِ بِالسَّعْيِ هُنَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجَرْيُ. وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ فَامْضُوا وَهُوَ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَاسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجُمُعَةِ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ: فَالتَّنْزِيلُ ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى إِيجَابِهَا، قَالَ: وَعُلِمَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي بَيْنَ الْخَمِيسِ وَالسَّبْتِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ: الْأَمْرُ بِالسَّعْيِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِذْ لَا يَجِبُ السَّعْيُ إِلَّا إِلَى وَاجِبٍ. وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ فَرْضِيَّتِهَا فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فَرْضِيَّتَهَا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَشْرُوعِيَّةُ النِّدَاءِ لَهَا، إِذِ الْأَذَانُ مِنْ خَوَاصِّ الْفَرَائِضِ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُبَاحِ - يَعْنِي نَهْيَ تَحْرِيمٍ - إِلَّا إِذَا أَفْضَى إِلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ التَّوْبِيخُ عَلَى قَطْعِهَا. قَالَ: وَأَمَّا وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ لِلْإِلْزَامِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ كَالتَّقْدِيرِ لَكِنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لَهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ذِكْرِ الصَّرْفِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَنِ اخْتِيَارِهِ وَتَعْيِينِهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ بِالتَّنْصِيصِ أَمْ بِالِاجْتِهَادِ.
وَفِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فَرْضِيَّتَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ لَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ مِنْ جِهَةِ إِطْلَاقِ الْفَرْضِيَّةِ وَمِنَ التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ.
قَوْلُهُ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ أَيِ الْآخِرُونَ زَمَانًا الْأَوَّلُونَ مَنْزِلَةً، وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُودُهَا فِي الدُّنْيَا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَهِيَ سَابِقَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يُحْشَرُ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ وَأَوَّلُ مَنْ يُقْضَى بَيْنَهُمْ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ هُنَا إِحْرَازُ فَضِيلَةِ الْيَوْمِ السَّابِقِ بِالْفَضْلِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِسَبْتٍ قَبْلَهُ أَوْ أَحَدٍ لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مُتَوَالِيَةً إِلَّا وَيَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَابِقًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ أَيْ إِلَى الْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي حُرِمَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى.
قَوْلُهُ: (بَيْدَ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ مِثْلُ غَيْرَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَبِهِ جَزَمَ الْخَلِيلُ وَالْكِسَائِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى بَيْدَ مِنْ أَجْلِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَغَوِيُّ، عَنِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدِ اسْتَبْعَدَهُ عِيَاضٌ وَلَا بُعْدَ فِيهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّا سَبَقْنَا بِالْفَضْلِ إذ هُدِينَا لِلْجُمُعَةِ مَعَ تَأَخُّرِنَا فِي الزَّمَانِ، بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهَا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ فِي فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ فِي الدُّنْيَا وَنَحْنُ السَّابِقُونَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَفِي
مُوَطَّأِ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هِيَ بِمَعْنَى عَلَى أَوْ مَعَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى غَيْرِ فَنُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَعَ فَنُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، وَالْمَعْنَى: نَحْنُ السَّابِقُونَ لِلْفَضْلِ غَيْرَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَوَجْهُ التَّأْكِيدِ فِيهِ مَا أُدْمِجَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى النَّسْخِ، لِأَنَّ النَّاسِخَ هُوَ السَّابِقُ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوُجُودِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا وَاضِحًا.
قَوْلُهُ: (أُوتُوا الْكِتَابَ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَالضَّمِيرُ فِي أُوتِينَاهُ لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ: وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّوْرَاةَ لَمَا صَحَّ الْإِخْبَارُ، لِأَنَّا إِنَّمَا أُوتِينَا الْقُرْآنَ. وَسَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ قَوْلُهُ: وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَسَيَأْتِي تَامًّا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْحَمَوِيِّ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ بِفَرْضِهِ فَرْضُ تَعْظِيمِهِ، وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِهَذَا لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ فَتَرَكُوهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمٌ مِنَ الْجُمُعَةِ وُكِّلَ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ لِيُقِيمُوا فِيهِ شَرِيعَتَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْأَيَّامِ هُوَ وَلَمْ يَهْتَدُوا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَالَ عِيَاضٌ إِلَى هَذَا وَرَشَّحَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ لَقِيلَ: فَخَالَفُوا، بَدَلَ فَاخْتَلَفُوا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا فَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ تَعَيُّنُهُ أَمْ يَسُوغُ إِبْدَالُهُ بِيَوْمٍ آخَرَ فَاجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ فَأَخْطَئُوا. انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قَالَ: أَرَادُوا الْجُمُعَةَ فَأَخْطَئُوا وَأَخَذُوا السَّبْتَ مَكَانَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطَ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُمْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِعَيْنِهِ فَأَبَوْا، وَلَفْظُهُ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْيَهُودِ الْجُمُعَةَ فَأَبَوْا وَقَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا فَاجْعَلْهُ لَنَا، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَجِيبٍ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَيْفَ لَا وَهُمُ الْقَائِلُونَ ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
قَوْلُهُ: (فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِأَنْ نَصَّ لَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْ يُرَادَ الْهِدَايَةُ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلِلنَّصَارَى كَذَلِكَ، فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنُصَلِّي وَنَشْكُرهُ. فَجَعَلُوهُ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الْآيَةُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ الْحَدِيثَ.
فَمُرْسَلُ ابْنِ سِيرِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ الصَّحَابَةَ اخْتَارُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ وَهُوَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٨٧٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلةً وكرامةً (يَوْمَ القِيَامَةِ) في الحشر والحساب والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنَّة، ورواه مسلمٌ بلفظ: «نحن الآخرون من أهل الدُّنيا، والسَّابقون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق». (بَيْدَ أَنَّهُمْ) بفتح الباء (١) المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الدَّال المُهمَلة، بمعنى «غير» الاستثنائيَّة، أي: نحن السَّابقون للفضل، غير أنَّ اليهود والنَّصارى (أُوتُوا الكِتَابَ) التَّوراة والإنجيل (مِنْ قَبْلِنَا) زاد في رواية أبي زرعة الدَّمشقيِّ عن أبي اليمان شيخ المؤلِّف، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» عنه: «وأوتيناه»، أي: القرآن «من بعدهم» وذكره المؤلِّف من وجهٍ آخر عن أبي هريرة تامًّا بعد أبوابٍ [خ¦٨٩٦]. (ثُمَّ هَذَا) أي: يوم الجمعة (يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ
عَلَيْهِمْ) وعلينا تعظيمه بعينه، أو الاجتماع فيه، وروى ابن أبي حاتمٍ عن السُّدِّيِّ: أنَّ الله فرض على اليهود الجمعة، فقالوا: يا موسى (١)، «إنَّ الله لم يخلق يوم السَّبت شيئًا (٢)، فاجعله لنا فجُعِل (٣) عليهم». وفي بعض الآثار ممَّا (٤) نقله أبو عبد الله الأُبِّيُّ: «أنَّ موسى ﵊ عيَّن لهم يوم الجمعة، وأخبرهم بفضيلته، فناظروه بأنَّ السَّبت أفضل، فأوحى الله تعالى إليه: دعهم وما اختاروا»، والظَّاهر: أنَّه عيَّنه لهم؛ لأنَّ السِّياق دلَّ على ذمِّهم في العدول عنه، فيجب أن يكون قد عيَّنه لهم لأنَّه لو لم يعيِّنه لهم ووكل التَّعيين إلى اجتهادهم لكان الواجب عليهم تعظيم يومٍ لا بعينه، فإذا أدَّى الاجتهاد إلى أنَّه السَّبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدَّى الاجتهاد إليه، ولا يأثم، ويشهد له قوله: «هذا يومهم الَّذي فُرِض عليهم، فاختلفوا
فيه» فإنَّه ظاهرٌ أو نصٌّ في التَّعيين، وليس ذلك بعجيبٍ من مخالفتهم، وكيف لا وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]؟! ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن الحَمُّويي: «هذا يومهم الَّذي فَرَضَ الله (١) عليهم» (فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) هل يلزم بعينه أو يسوغ لهم إبداله بغيره من الأيَّام؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا (فَهَدَانَا اللهُ لَهُ) بأن نصَّ لنا عليه ولم يَكِلْنا إلى اجتهادنا؛ لاحتمال أن يكون ﷺ علمه بالوحي وهو بمكَّة، فلم يتمكَّن من إقامتها بها. وفيه حديثٌ عن ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقُطنيِّ: «ولذلك جَمَّع بهم أوَّل ما قدم المدينة» كما ذكره ابن إسحاق وغيره، أو هدانا الله له بالاجتهاد، وكما يدلُّ عليه مُرسَل ابن سيرين عند عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، ولفظه: «جمَّع أهلُ المدينة قبل أن يقدمها النَّبيُّ ﷺ، وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: إنَّ لليهود يومًا يجتمعون فيه كلَّ سبعة أيَّام، وللنَّصارى مثلُ ذلك، فَهَلُمَّ فلنجعلْ لنا (٢) يومًا نجتمع (٣) فيه، فنذكر (٤) الله تعالى ونصلِّي ونشكرُه، فجعلوه (٥) يوم العَرُوبة، واجتمعوا فيه (٦) إلى أسعدَ بنِ زُرارةَ، فصلَّى بهم … » الحديثَ، وله شاهدٌ بإسنادٍ حسنٍ عند أبي داود، وصحَّحه ابن خزيمة، وغيره من حديث كعب بن مالكٍ، قال: «كان أوَّلَ مَنْ صلَّى بنا الجمعة قبل مَقْدَم (٧) رسول الله (٨) ﷺ المدينة أسعدُ بن زُرارة». (فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) ولأبي ذَرٍّ: