الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٨٩
الحديث رقم ٨٨٩ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب السواك يوم الجمعة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ
٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا مُعَلَّقًا وَثَلَاثَةً مَوْصُولَةً، وَالْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّ فِيهِ: وَأَنْ يَسْتَنَّ أَيْ: يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِالسِّوَاكِ. وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِ الْجُمُعَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا خُصَّتِ الْجُمُعَةِ بِطَلَبِ تَحْسِينِ الظَّاهِرِ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ نَاسَبَ ذَلِكَ تَطْيِيبُ الْفَمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الذِّكْرِ وَالْمُنَاجَاةِ، وَإِزَالَةُ مَا يَضُرُّ الْمَلَائِكَةَ وَبَنِي آدَمَ. ثَانِي الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ: أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مُنَاسَبَتُهُ لِلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَبَبَ مَنْعِهِ مِنْ إِيجَابِ السِّوَاكِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ إِكْثَارِهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي فِعْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ. ثَالِثُ الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ. وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّهُ شُرِعَ فِي اللَّيْلِ لِتَجَمُّلِ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ فِي الْجُمُعَةِ أَحْرَى؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهَا التَّجَمُّلُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ بِلَفْظٍ آخَرَ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ الْمُوَطَّأِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: أَوْ عَلَى النَّاسِ لَمْ يُعِدْ قَوْلَهُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَكَذَا رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُهُمْ بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنِينَ بَدَلُ أُمَّتِي وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثَيُّ بِلَفْظِ: عَلَى أُمَّتِي دُونَ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) أَيْ: بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ، لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ الْآلَةُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيرَ، وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى فِي الْحِكَمِ تَأْنِيثَهُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ) لَمْ أَرَهَا أَيْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى لَكِنْ بِلَفْظِ: عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ: مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَلَا النَّافِيَةِ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفْيُ الْأَمْرِ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ، ثَانِيهُمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْعَاءَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةٍ لِأَنَّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اهـ.
وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ لَأَمَرْتَهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ بِهِ أَوْ لَمْ يَشُقَّ اهـ. وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ
أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ: هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَالْمَنْفِيُّ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا بِكُلِّ صَلَاةٍ لَا مُطْلَقُ الْأَمْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَيَّدِ نَفْيُ الْمُطْلَقِ وَلَا مِنْ ثُبُوتِ الْمُطْلَقِ التَّكْرَارُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ وَمَا ضَاهَاهَا مِنَ النَّوَافِلِ الَّتِي لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو شَامَةَ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا يَتَوَضَّئُونَ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِوَاكٍ، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا. وَكَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُنْدَبُ لِلرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إِلَّا إِنْ طَالَ الْفَصْلُ مَثَلًا، فَكَذَلِكَ السِّوَاكُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوُضُوءَ أَشَقُّ مِنَ السِّوَاكِ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالسِّوَاكِ نَوْمٌ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مُبَيَّنًا أَيْضًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى كَوْنَ الْمَشَقَّةِ هِيَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْأَمْرِ بِالسِّوَاكِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي وُجُوبِهِ مَرَّةً، وَإِنَّمَا الْمَشَقَّةُ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ.
وَفِي هَذَا الْبَحْثِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يُؤْخَذْ هُنَا مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ تَرْتَفِعُ إِذَا خُشِيَ مِنْهَا الْحَرَجُ. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفًا عَلَى النَّصِّ لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ لَا وُجُودَ الْمَشَقَّةِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَفِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَأَمَرْتُهُمْ أَيْ: عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّسَائِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: كُلِّ صَلَاةٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ كَوْنُهَا حالا تقرب إِلَى اللَّهِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ حَالَ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ إِظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبَزَّارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ الَّذِي يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصَلِّي، فَلَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَرِجَالُ إِسْنَادِهِ بَصْرِيُّونَ، وَقَوْلُهُ: أَكْثَرْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَقَدْ أَكْثَرْتُ إِلَخْ أَيْ: بَالَغْتُ فِي تَكْرِيرِ طَلَبِهِ مِنْكُمْ، أَوْ فِي إِيرَادِ الأخبار فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ: أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ، وَحَقِيقٌ أَنْ أَفْعَلَ، وَحَقِيقٌ أَنْ تُطِيعُوا. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: بُلِّغْتُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِطَلَبِهِ مِنْكُمْ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْآنَ صَرِيحَةً.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِلَفْظِ: عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ. وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلًا، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ بَابِ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
هو أقوى من الغسل على ما لا يخفى.
٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (وَحُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين، ابن عبد الرَّحمن، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (١)، شقيق بن سلمة الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) للتَّهجُّد (يَشُوصُ فَاهُ) بفتح أوَّله وضمِّ الشِّين المُعجَمة آخره صادٌ مُهمَلة، أي: يَدْلُك أسنانه أو يغسلها. وإذا كان السِّواك شُرِع ليلًا لتجمُّل الباطن فللجمعة أَحْرى وأَوْلى، لمشروعيَّة التَّجمُّل ظاهرًا وباطنًا.
ورواة الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ (٢)، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية واحدٍ عن اثنين، وسبقت مباحثه في «باب السِّواك» [خ¦٢٤٥] من «كتاب الوضوء».
(٩) (بابُ مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ) ولابن عساكر: «من يتسَّوك بسواك غيره».
٨٩٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
دَخَلَ) أخي (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ حجرتي في مرضه ﷺ (وَ) الحال أنَّه (مَعَهُ سِوَاكٌ) حال كونه (يَسْتَنُّ) أي: يستاك (به، فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى عبد الرَّحمن (رَسُولُ اللهِ ﷺ) قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لعبد الرَّحمن (أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ) فأخذته (فَقَصَمْتُهُ) بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة عند الأكثرين، أي: كسرته، فأَبَنْتُ منه الموضع الَّذي كان عبد الرَّحمن يستنُّ منه (١)، وللأَصيليِّ وابن عساكر كما في فرع «اليونينيَّة» وعزاها العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ لكريمة وابن السَّكن -زاد العينيُّ: والحَمُّويي والمُستملي -: «فقضمته» بالضَّاد المُعجَمة المكسورة، من القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، وقال في «المطالع»: أي: مضغته بأسناني وليَّنته، وفي روايةٍ: «ففصمته» بالفاء بدل القاف وبالصَّاد المُهمَلة، أي: كسرته من غير إبانةٍ (ثُمَّ مَضَغْتُهُ) بالضَّاد والغين المُعجَمتين (فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي) بسينين مُهمَلتين بينهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ وبعد الثَّانية نونٌ، من «باب الاستفعال»، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، وفي روايةٍ: «مستندٌ» بسينٍ واحدةٍ.
ورواته مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول.
وأخرجه المؤلِّف (٢) أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٨٩] و «الفضائل»، و «الخمس» [خ¦٣١٠٠] و «المغازي» [خ¦٤٤٣٨] و «مرضه ﵊» [خ¦٤٤٥٠] و «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٤]، وكذا أخرجه مسلمٌ في فضلها (٣) أيضًا.
(١٠) (بابُ مَا يُقْرَأُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: «يَقرأ» بفتحها مبنيًّا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا مُعَلَّقًا وَثَلَاثَةً مَوْصُولَةً، وَالْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّ فِيهِ: وَأَنْ يَسْتَنَّ أَيْ: يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِالسِّوَاكِ. وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِ الْجُمُعَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: كُلِّ صَلَاةٍ وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا خُصَّتِ الْجُمُعَةِ بِطَلَبِ تَحْسِينِ الظَّاهِرِ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ نَاسَبَ ذَلِكَ تَطْيِيبُ الْفَمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الذِّكْرِ وَالْمُنَاجَاةِ، وَإِزَالَةُ مَا يَضُرُّ الْمَلَائِكَةَ وَبَنِي آدَمَ. ثَانِي الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ: أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مُنَاسَبَتُهُ لِلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَبَبَ مَنْعِهِ مِنْ إِيجَابِ السِّوَاكِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ إِكْثَارِهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي فِعْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ. ثَالِثُ الْمَوْصُولَةِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ. وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّهُ شُرِعَ فِي اللَّيْلِ لِتَجَمُّلِ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ فِي الْجُمُعَةِ أَحْرَى؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهَا التَّجَمُّلُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ بِلَفْظٍ آخَرَ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ مِنْ طَرِيقِ الْمُوَطَّأِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: أَوْ عَلَى النَّاسِ لَمْ يُعِدْ قَوْلَهُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَكَذَا رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُهُمْ بِلَفْظِ: الْمُؤْمِنِينَ بَدَلُ أُمَّتِي وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثَيُّ بِلَفْظِ: عَلَى أُمَّتِي دُونَ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) أَيْ: بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ، لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ الْآلَةُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيرَ، وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى فِي الْحِكَمِ تَأْنِيثَهُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ) لَمْ أَرَهَا أَيْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى لَكِنْ بِلَفْظِ: عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ: مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَلَا النَّافِيَةِ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفْيُ الْأَمْرِ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ، ثَانِيهُمَا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْعَاءَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةٍ لِأَنَّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اهـ.
وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ لَأَمَرْتَهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ بِهِ أَوْ لَمْ يَشُقَّ اهـ. وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ
أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ: هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَالْمَنْفِيُّ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا بِكُلِّ صَلَاةٍ لَا مُطْلَقُ الْأَمْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَيَّدِ نَفْيُ الْمُطْلَقِ وَلَا مِنْ ثُبُوتِ الْمُطْلَقِ التَّكْرَارُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ وَمَا ضَاهَاهَا مِنَ النَّوَافِلِ الَّتِي لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو شَامَةَ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا يَتَوَضَّئُونَ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِوَاكٍ، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا. وَكَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُنْدَبُ لِلرَّاتِبَةِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إِلَّا إِنْ طَالَ الْفَصْلُ مَثَلًا، فَكَذَلِكَ السِّوَاكُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوُضُوءَ أَشَقُّ مِنَ السِّوَاكِ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالسِّوَاكِ نَوْمٌ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مُبَيَّنًا أَيْضًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى كَوْنَ الْمَشَقَّةِ هِيَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْأَمْرِ بِالسِّوَاكِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي وُجُوبِهِ مَرَّةً، وَإِنَّمَا الْمَشَقَّةُ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ.
وَفِي هَذَا الْبَحْثِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يُؤْخَذْ هُنَا مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ تَرْتَفِعُ إِذَا خُشِيَ مِنْهَا الْحَرَجُ. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفًا عَلَى النَّصِّ لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ لَا وُجُودَ الْمَشَقَّةِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَفِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَأَمَرْتُهُمْ أَيْ: عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّسَائِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: كُلِّ صَلَاةٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ كَوْنُهَا حالا تقرب إِلَى اللَّهِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ حَالَ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ إِظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبَزَّارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ الَّذِي يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصَلِّي، فَلَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَرِجَالُ إِسْنَادِهِ بَصْرِيُّونَ، وَقَوْلُهُ: أَكْثَرْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَقَدْ أَكْثَرْتُ إِلَخْ أَيْ: بَالَغْتُ فِي تَكْرِيرِ طَلَبِهِ مِنْكُمْ، أَوْ فِي إِيرَادِ الأخبار فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ: أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ، وَحَقِيقٌ أَنْ أَفْعَلَ، وَحَقِيقٌ أَنْ تُطِيعُوا. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: بُلِّغْتُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِطَلَبِهِ مِنْكُمْ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْآنَ صَرِيحَةً.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِلَفْظِ: عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ. وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلًا، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ بَابِ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
هو أقوى من الغسل على ما لا يخفى.
٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (وَحُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين، ابن عبد الرَّحمن، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (١)، شقيق بن سلمة الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) للتَّهجُّد (يَشُوصُ فَاهُ) بفتح أوَّله وضمِّ الشِّين المُعجَمة آخره صادٌ مُهمَلة، أي: يَدْلُك أسنانه أو يغسلها. وإذا كان السِّواك شُرِع ليلًا لتجمُّل الباطن فللجمعة أَحْرى وأَوْلى، لمشروعيَّة التَّجمُّل ظاهرًا وباطنًا.
ورواة الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ (٢)، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية واحدٍ عن اثنين، وسبقت مباحثه في «باب السِّواك» [خ¦٢٤٥] من «كتاب الوضوء».
(٩) (بابُ مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ) ولابن عساكر: «من يتسَّوك بسواك غيره».
٨٩٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
دَخَلَ) أخي (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ حجرتي في مرضه ﷺ (وَ) الحال أنَّه (مَعَهُ سِوَاكٌ) حال كونه (يَسْتَنُّ) أي: يستاك (به، فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى عبد الرَّحمن (رَسُولُ اللهِ ﷺ) قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لعبد الرَّحمن (أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ) فأخذته (فَقَصَمْتُهُ) بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة عند الأكثرين، أي: كسرته، فأَبَنْتُ منه الموضع الَّذي كان عبد الرَّحمن يستنُّ منه (١)، وللأَصيليِّ وابن عساكر كما في فرع «اليونينيَّة» وعزاها العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ لكريمة وابن السَّكن -زاد العينيُّ: والحَمُّويي والمُستملي -: «فقضمته» بالضَّاد المُعجَمة المكسورة، من القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، وقال في «المطالع»: أي: مضغته بأسناني وليَّنته، وفي روايةٍ: «ففصمته» بالفاء بدل القاف وبالصَّاد المُهمَلة، أي: كسرته من غير إبانةٍ (ثُمَّ مَضَغْتُهُ) بالضَّاد والغين المُعجَمتين (فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي) بسينين مُهمَلتين بينهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ وبعد الثَّانية نونٌ، من «باب الاستفعال»، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، وفي روايةٍ: «مستندٌ» بسينٍ واحدةٍ.
ورواته مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول.
وأخرجه المؤلِّف (٢) أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٨٩] و «الفضائل»، و «الخمس» [خ¦٣١٠٠] و «المغازي» [خ¦٤٤٣٨] و «مرضه ﵊» [خ¦٤٤٥٠] و «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٤]، وكذا أخرجه مسلمٌ في فضلها (٣) أيضًا.
(١٠) (بابُ مَا يُقْرَأُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: «يَقرأ» بفتحها مبنيًّا