«أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَة�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٨

الحديث رقم ٨٨ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته…

«أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ. فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ».

سند حديث: ٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ…

٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ

رواة الحديث

شرح حديث: «أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ - قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ - قَالَ: احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْرِيضِ) هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَنْ قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ هُنَا فَقَدْ صَحَّفَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) هُوَ بِصِيغَةِ تَصْغِيرِ الْحَارِثِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لَهُ مَشْهُورٍ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (أَبِي جَمْرَةَ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (مِنْ شُقَّةٍ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: (وَتُعْطُوا) كَذَا وَقَعَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ، وَسَاغَ التَّقْدِيرُ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ اسْمٌ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ، فَقَالَ: وَأَنْ تُعْطُوا فَكَأَنَّ حَذْفَهَا مِنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ النَّقِيرُ) أَيْ: بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ. (وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرُ) أَيْ: بِالْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ لِيُثْبِتَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْمُقَيَّرِ التَّكْرَارُ لِسَبْقِ ذِكْرِ الْمُزَفَّتِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ جَازِمًا بِذِكْرِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ شَاكًّا فِي الرَّابِعِ وَهُوَ النَّقِيرُ، فَكَانَ تَارَةً يَذْكُرُهُ وَتَارَةً لَا يَذْكُرُهُ. وَكَانَ أَيْضًا شَاكًّا فِي التَّلَفُّظِ بِالثَّالِثِ، فَكَانَ تَارَةً يَقُولُ: الْمُزَفَّتُ، وَتَارَةً يَقُولُ: الْمُقَيَّرُ. هَذَا تَوْجِيهُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا عَدَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ عَالِيًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ إِلَّا فِي الْمُزَفَّتِ وَالْمُقَيَّرِ فَقَطْ، وَجَزَمَ بِالنَّقِيرِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَخْبِرُوهُ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: وَأَخْبِرُوا بِحَذْفِ الضَّمِيرِ.

٢٦ - بَاب الرِّحْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.

[الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٥١٠٤، ٢٦٦٠، ٢٦٥٩، ٢٦٤٠، ٢٠٥٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الرِّحْلَةِ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِمَعْنَى الِارْتِحَالِ، وَفِي رِوَايَتِنَا أَيْضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَةُ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يُرْتَحَلُ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: وَتَعْلِيمُ أَهْلِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي بَابٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) سَيَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْ عُقْبَةَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي كُنْيَةِ عُقْبَةَ فِي قِصَّةِ حبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً) اسْمُهَا غَنِيَّةٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ، وَكُنْيَتُهَا أُمُّ يَحْيَى كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ. وَهَجَمَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ اسْمُهَا، وَأَبُو إِهَابٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَعَزِيزٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالمرء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي روايتنا أيضًا: «الرَّحلة» بفتح الرَّاء، أي: الواحدة، وأمَّا بضمِّها فالمُرَاد به: الجهة، وقد يُطلَق على من يُرحَل إليه. انتهى. وفي هامش الفرع كأصله: بضمِّ الرَّاء، ورُقِمَ عليه علامة الأَصيليِّ، وزاد (١) في رواية كريمة وأبي الوقت بعد قوله: «النَّازلة»: (وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على «الرِّحلة»، وصُوِّب حذفه لمجيئه في بابٍ آخر.

٨٨ - وبالسَّند السَّابق قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ابن مقاتلٍ أبو الحسن» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ) بضمِّ العَيْن في الأولى وكسرها في الثَّانية (بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين مُصغَّرًا، النَّوفليُّ المكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بفتح العَيْن وسكون المُوحَّدة (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، زهير التَّيميُّ (٢) القرشيُّ الأحول، ونَسبَهُ لجدِّه أبي مليكة لشهرته به، وإِلَّا فأبوه عُبَيْد الله، بضمِّ العين (عَنْ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة (بْنِ الحَارِثِ) بن عامرٍ القرشيِّ المكيِّ، أبو سِروَعة؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وقد تُفتَح، أسلم يوم

الفتح وله في «البخاريِّ» ثلاثةُ أحاديثَ (١)، وعند المؤلِّف في «النِّكاح» في «باب شهادة المرضعة» [خ¦٥١٠٤]: أنَّ ابن أبي مُلَيْكة قال: حدَّثنا عبيد (٢) بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وسمعته من عقبة لكنِّي لحديث (٣) عبيدٍ أحفظ، فصرَّح بسماعه من عقبة، فانتفى قول أبي عمر: إنَّ ابن أبي مُلَيْكَة لم يسمع من عقبة، بينهما عبيد بن أبي (٤) مريم، فإسناده منقطعٌ (أَنَّهُ) أي: عقبة بن الحارث (تَزَوَّجَ ابْنَةً) وللأَصيليِّ: «بنتًا» (لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ) بكسر الهمزة وفتح العَيْن المُهمَلَة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، لا بضمِّ العَيْن وفتح الزَّاي، ابن قيس بن سويدٍ التَّميميِّ (٥) الدَّارميِّ، واسم ابنته: غَنِيَّة؛ بفتح المُعجَمَة وكسر النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكنيتها: أمُّ يحيى (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ) بن الحارث (وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا) أي: غَنِيَّة، وفي رواية الأربعة بحذف: «بها» (فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ) بكسر الكاف (أَرْضَعْتِنِي) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «أرضعتيني» بزيادة مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل النُّون (وَلَا أَخْبَرْتِنِي) ولابن عساكر: «ولا أخبرتيني» بزيادة مُثنَّاة تحتيَّةٍ بعد الفوقيَّة، تولَّدت من إشباع الكسرة فيهما، وعبَّر بـ «أعلم»

مضارعًا و «أخبرت» ماضيًا؛ لأنَّ نفيَ العلم حاصلٌ في الحال، بخلاف نفي الإخبار فإنَّه كان في الماضي فقط (فَرَكِبَ) عقبة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ) حال كونه (بِالمَدِينَةِ) أي: فيها (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عقبةُ رسولَ الله عن الحكم في المسألة النَّازلة به (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «قال» (رَسُولُ اللهِ) وفي رواية أبي ذر: «قال النَّبيُّ» (: كَيْفَ) تُباشرها (١) وتُفضي إليها (وَقَدْ قِيلَ؟) إنَّك أخوها من الرَّضاعة؟! أي (٢): ذلك بعيدٌ من ذي المروءة والورع (فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ) بن الحارث صورةً، أو طلَّقها احتياطًا وورعًا، لا حكمًا بثبوت الرَّضاع وفساد النِّكاح؛ إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادةً يجوز بها الحكم في أصلٍ من الأصول. نعم؛ عمل بظاهر هذا الحديث الإمام (٣) أحمد رحمه الله تعالى، فقال: الرَّضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها (وَنَكَحَتْ) غَنيَّةُ بعد فراق عقبةَ (زَوْجًا غَيْرَهُ) هو ظُرَيب -بضمِّ الظَّاء المُعجَمَة وفتح الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ- ابن الحارث، وتأتي بقيَّة مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى [خ¦٥١٠٤]، والله أسأل العافية والسَّلامة في السَّفر والإقامة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لبعيد الشقة، أَي: بعيد السّفر، قَوْله: (ندخل بِهِ الْجنَّة) ، وَقع هُنَا بِغَيْر الْوَاو، وَهُنَاكَ بِالْوَاو، وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم، أما الرّفْع فعلى أَنه حَال أَو اسْتِئْنَاف أَو بدل أَو صفة بعد صفة. وَأما الْجَزْم فعلى أَنه جَوَاب الْأَمر. فَإِن قلت: الدُّخُول لَيْسَ هَيْئَة لَهُم فَكيف يكون حَالا؟ قلت: حَال مقدرَة: وَالتَّقْدِير: نخبر مقدرين دُخُول الْجنَّة، وَفِي بعض النّسخ: نخبر، بِالْجَزْمِ أَيْضا، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة: تدخل، بدل مِنْهُ، أَو هُوَ جَوَاب لِلْأَمْرِ بعد جَوَاب. قَوْله: (وتعطوا) كَذَا وَقع بِدُونِ النُّون، لِأَنَّهُ مَنْصُوب بِتَقْدِير: أَن، لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ اسْم، وروى أَحْمد عَن غنْدر، فَقَالَ: (وَأَن تعطوا) ، فَكَأَن الْحَذف من شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) وَرُبمَا قَالَ: أَي أَبُو جَمْرَة النقير، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف: وَهُوَ الْجذع المنقور. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ. المقير) أَي: وَرُبمَا قَالَ أَبُو جَمْرَة. المقير. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَإِذا قَالَ المقير يلْزم التّكْرَار، لِأَنَّهُ هُوَ المزفت. قلت: حَيْثُ قَالُوا: المزفت هُوَ المقير تجوزوا، إِذْ الزفت هُوَ شَيْء يشبه القار. انْتهى. قلت: تَحْرِير هَذَا الْموضع أَنه لَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ يتَرَدَّد فِي هَاتين اللفظتين ليثبت إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى لِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يلْزم التّكْرَار الْمَذْكُور، بل المُرَاد أَنه كَانَ جَازِمًا بِذكر الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة الأول، شاكاً فِي الرَّابِع، وَهُوَ: النقير، فَكَانَ تَارَة يذكرهُ وَتارَة لَا يذكرهُ، وَكَانَ أَيْضا شاكاً فِي التَّلَفُّظ بالثالث: أَعنِي: المزفت، فَكَانَ تَارَة يَقُول: المزفت، وَتارَة يَقُول: المقير، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه جزم بالنقير فِي الْبَاب السَّابِق، وَلم يتَرَدَّد إلَاّ فِي المزفت والمقير فَقَط. قَوْله: (واخبروا) بِفَتْح الْهمزَة بِدُونِ الضَّمِير فِي آخِره فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَعند غَيره: (وَأَخْبرُوهُ) بالضمير.

وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه أَن من علم علما أَنه يلْزمه تبليغه لمن لَا يُعلمهُ، وَهُوَ الْيَوْم من فروض الْكِفَايَة لظُهُور الْإِسْلَام وانتشاره، وَأما فِي أول الْإِسْلَام فَإِنَّهُ كَانَ فرضا معينا أَن يبلغهُ حَتَّى يكمل الْإِسْلَام ويبلغ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، وَفِيه أَنه يلْزم تَعْلِيم أهل الْفَرَائِض لعُمُوم لفظ: (من وراءكم) ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

٢٦ - (بَاب الرِّحْلةِ فِي المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيمِ أهْلِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرحلة، وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء: الارتحال، من: رَحل يرحل إِذا مضى فِي سفر، ورحلت الْبَعِير أرحله رحلاً: إِذا شددت عَلَيْهِ الرحل، وَهُوَ للبعير أَصْغَر من القتب، وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء. وَقَالَ بَعضهم: الرحلة، بِالْكَسْرِ، من الارتحال. قلت: الْمصدر لَا يشتق من الْمصدر وَقَالَ ابْن قرقول: الرحلة، بِكَسْر الرَّاء، ضبطناه عَن شُيُوخنَا، وَمَعْنَاهُ: الارتحال. وَحكى أَبُو عُبَيْدَة ضمهَا قلت: الرحلة بِالضَّمِّ، الْوَجْه الَّذِي تريده. قَالَ: أَبُو عَمْرو: يُقَال أَنْتُم رحلتي أَي: الَّذِي ارتحل إِلَيْهِم. وَقَالَ الْأمَوِي: الرحلة، بِالضَّمِّ: جودة الشَّيْء. وَفِي (الْعباب) : بعير مرحل، بِكَسْر الْمِيم، و: ذُو رحْلَة إِذا كَانَ قَوِيا على السّير، قَالَه الْفراء. قَوْله: (وَتَعْلِيم أَهله) ، بِالْجَرِّ عطف على الرحلة، وَهَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيرهَا، وَالصَّوَاب حذفه لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي بَاب آخر.

فَإِن قلت: قد تقدم: بَاب الْخُرُوج فِي طلب الْعلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا بِهَذَا الْمَعْنى، فَيكون تَكْرَارا. قلت: لَيْسَ بتكرار بل بَينهمَا فرق، لِأَن هَذَا لطلب الْعلم فِي مَسْأَلَة خَاصَّة وَقعت للشَّخْص وَنزلت بِهِ، وَذَاكَ لَيْسَ كَذَلِك. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول التحريض على الْعلم، والمحرض من شدَّة تحرضه قد يرحل إِلَى الْمَوَاضِع لطلب الْعلم، وَلَا سِيمَا لنازلة تنزل بِهِ.

٨٨ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قَالَ: أخْبرنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أخْبرنا عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بن أبي حُسَيْنٍ قَالَ: حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ، فقالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيْفَ وقَدْ قِيلَ) . فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجاً غَيَرَهُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (فَركب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق قَوْله: (وَتَعْلِيم أَهله)

فَلهَذَا قُلْنَا: وَالصَّوَاب حذفه، لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي بَاب آخر.

بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: عبد اللَّه بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَقد تقدم: الثَّالِث: عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، روى عَن طَاوس وَعَطَاء وعدة، وَعنهُ يحيى الْقطَّان وروح وَخلق، وَهُوَ ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل، وَهُوَ ابْن عَم عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن. الرَّابِع: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: زُهَيْر بن عبد اللَّه التَّيْمِيّ الْقرشِي الْأَحول الْمَكِّيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْحَارِث بن عَامر بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي الْمَكِّيّ، أَبُو سروعة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَحكى فتحهَا، أسلم يَوْم الْفَتْح وَسكن مَكَّة، هَذَا قَول أهل الحَدِيث. وَأما جُمْهُور أهل النّسَب فَيَقُولُونَ: عقبَة هَذَا هُوَ أَخُو أبي سروعة، وأنهما أسلما جَمِيعًا يَوْم الْفَتْح. وَقَالَ الزبير بن بكار: وَأَبُو سروعة هُوَ قَاتل حبيب بن عدي، أخرج لعقبة البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا، روى لَهُ البُخَارِيّ ثَلَاثَة أَحَادِيث فِي الْعلم وَالْحُدُود وَالزَّكَاة عَن ابْن أبي مليكَة عَنهُ أَحدهَا هَذَا، وَأخرجه مَعَه هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته مروزيان وَثَلَاثَة مكيون. وَمِنْهَا: أَن هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَانْفَرَدَ عَنهُ أَيْضا بعقبة بن الْحَارِث. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: ابْن أبي ملكية لم يسمع من عقبَة، بَينهمَا عبيد بن أبي مَرْيَم، فعلى هَذَا يكون الْإِسْنَاد مُنْقَطِعًا. قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَسَيَجِيءُ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب شَهَادَة الْمُرضعَة، أَن ابْن أبي ملكية قَالَ: حَدثنَا عبيد بن أبي مَرْيَم عَن عقبَة بن الْحَارِث. قَالَ: وسمعته من عقبَة، لكني لحَدِيث عبيد أحفظ، فَهَذَا صَرِيح فِي سَمَاعه من عقبَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك، وَعَن أبي عَاصِم كِلَاهُمَا عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن، وَفِي الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشَّهَادَات، عَن مُحَمَّد بن كثير عَن الثَّوْريّ عَن عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن، وَفِي الشَّهَادَات عَن عَليّ عَن يحيى بن أبي سعي عَن ابْن جريج، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بِهِ، وَفِي النِّكَاح عَن عَليّ عَن إِسْمَاعِيل بن عَليّ عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبيد بن أبي مَرْيَم عَن عقبَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَعَن أَحْمد بن شُعَيْب الْحَرَّانِي عَن الْحَارِث بن عُمَيْر الْبَصْرِيّ عَن أَيُّوب بِهِ، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بن الْحَارِث بِهِ. قَالَ ابْن أبي مليكَة: وحدثنيه صَاحب لي عَنهُ، وَأَنا لحَدِيث صَاحِبي أحفظ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرَّضَاع عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح، عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَفِي الْقَضَاء عَن مُحَمَّد بن أبان وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد ابْن الْحَارِث عَن ابْن جريج بِهِ، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن عمر بن سعيد بِهِ.

بَيَان مَا فِيهِ من اللُّغَة وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (ارضعت) مزِيد: رضع الصَّبِي أمه يرضعها رضَاعًا، مثل: سمع يسمع سَمَاعا، وَأهل نجد يَقُولُونَ: رضع يرضع رضعاً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا، وَكَذَلِكَ الرَّضَاع وَالرضَاعَة. قَالَ الله تَعَالَى: {أَن يتم الرضَاعَة} (الْبَقَرَة: ٢٣٣) وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة وَأَبُو رَجَاء والجارود وَابْن أبي عبلة: (أَن يتم الرضَاعَة) ، بِكَسْر الرَّاء. قَالَ فِي (الْعباب) : قَالُوا: رضع الرجل، بِالضَّمِّ: رضاعة كَأَنَّهُ كالشيء يطبع عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن عباد: رضع الرجل من الرضَاعَة، بِالْفَتْح أَيْضا، مثله رضع فَهُوَ راضع ورضيع ورضاع، وَجمع الراضع: رضع، كراكع وَركع، ورضاع أَيْضا: ككافر وكفار. ثمَّ قَالَ: والتركيب يدل على شرب اللَّبن من الضَّرع أَو الثدي. قَوْله: (تزوج ابْنة) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (لأبي إهَاب) صفة ابْنة. قَوْله: (فَاتَتْهُ أمْرَأَة) عطف على تزوج. قَوْله: (عقبَة) بِالنّصب مفعول: أرضعت. قَوْله: (وَالَّتِي تزوج بهَا) عطف على: عقبَة. قَوْله: (مَا أعلم) جملَة منفية من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَقَوله: (إِنَّك أرضعتني) إِن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مفعولي: أعلم. وَفِي بعض النّسخ: (ارضعتيني واخبرتيني) بِالْيَاءِ فيهمَا، الْحَاصِلَة من إشباع الكسرة. قَوْله: (وَلَا أَخْبَرتنِي) عطف على قَوْله: لَا أعلم. فَافْهَم. وَإِنَّمَا قَالَ: أعلم بِصِيغَة الْمُضَارع، و: أخْبرت، بِصِيغَة الْمَاضِي لِأَن نفي الْعلم حَاصِل فِي الْحَال بِخِلَاف نفي الْإِخْبَار فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَاضِي فَقَط. قَوْله: (بِالْمَدِينَةِ) ، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف، لَا بقوله: فَركب، ومحلها

النصب على الْحَال، وَالتَّقْدِير: فَركب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَال كَونه بِالْمَدِينَةِ، أَي فِيهَا. وَكَانَ ركُوبه من مَكَّة لِأَنَّهَا دَار إِقَامَته. قَوْله: (فَسَأَلَهُ) أَي: فَسَأَلَ عقبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الحكم فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة لذاته. قَوْله: (كَيفَ؟) هُوَ ظرف يسْأَل بِهِ عَن الْحَال. قَوْله: (وَقد قيل؟) أَيْضا حَال، وهما يستدعيان عَاملا يعْمل فيهمَا، وَالتَّقْدِير: كَيفَ تباشرها وتفضي إِلَيْهَا وَقد قيل إِنَّك أَخُوهَا؟ أَي إِن ذَلِك بعيد من ذِي الْمُرُوءَة والورع. قَوْله: (عقبَة) فَاعل: فَارقهَا، قَوْله: (ونكحت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. و: زوجا، مَفْعُوله، و: غَيره، بِالنّصب: صفته.

فِيهِ من المبهمات أَرْبَعَة: الأول: قَوْله: (ابْنة) ، قَالَ الْكرْمَانِي كنيتها أم يحيى، وَلم يعلم اسْمهَا. قلت: يعلم، وَاسْمهَا: غنية، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّانِي: قَوْله: أَبُو إهَاب، بِكَسْر الْهمزَة. وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن عَزِيز، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره زَاي أَيْضا، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ: عَزِيز بِضَم الْعين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: عَزِيز، بِضَم الْمُهْملَة وبالزاي الْمَفْتُوحَة الرَّاء، وَقَالَ بَعضهم: وَمن قَالَ بِضَم أَوله فقد حرف. قلت: إِن كَانَ مُرَاده بِضَم الأول وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة فَيمكن ذَلِك، وَإِن كَانَ مُرَاده الغمز على الْكرْمَانِي فِي قَوْله: وَفِي بعض الرِّوَايَات، فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى بَيَان وَلَيْسَ نَقله أرجح من نَقله، وَأَبُو إهَاب هَذَا لَا يعرف اسْمه، وَهُوَ ابْن عَزِيز بن قيس بن سُوَيْد بن ربيعَة بن زيد بن عبد اللَّه بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، قَالَه خَليفَة، وَأمه فَاخِتَة بنت عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف ابْن قصي، وَهُوَ حَلِيف لبني نَوْفَل روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى أَن يَأْكُل أَحَدنَا وَهُوَ متكىء، أخرجه أَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة، وَلم يذكرهُ أَبُو عمر، وَلَا ابْن مَنْدَه. الثَّالِث: قَوْله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَة) مَا سَمَّاهَا أحد. الرَّابِع: قَوْله: (زوجا غَيره) ، اسْمه: ظريب، بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن الْحَارِث. قَالَ بعض الشَّارِحين: ضريب بن الْحَارِث تزَوجهَا بعد عقبَة فَولدت لَهُ أم قبال، زَوْجَة جُبَير بن مطعم ومحمداً ونافعاً، وَرَأَيْت فِي مَوضِع نقل عَن خطّ الْحَافِظ الدمياطي: نَافِع بن ضريب بن عَمْرو بن نَوْفَل، وَالله أعلم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ أَن الْوَاجِب على الْمَرْء أَن يجْتَنب مَوَاقِف التهم وَإِن كَانَ نقي الذيل بَرِيء الساحة. الثَّانِي: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وإيثار مَا يقربهُمْ إِلَى الله تَعَالَى. قَالَ الشّعبِيّ: لَو أَن رجلا سَافر من أقْصَى الشَّام إِلَى أقْصَى الْيمن لحفظ كلمة تَنْفَعهُ فِيمَا بَقِي من عمره لم أر سَفَره يضيع. الثَّالِث: احْتج بِظَاهِرِهِ من أجَاز شَهَادَة الْمُرضعَة وَحدهَا، وَمن منع حمله على الْوَرع دون التَّحْرِيم، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفتاه بالتحرز عَن الشُّبْهَة، وَأمره بمجانبة الرِّيبَة خوفًا من الْإِقْدَام على فرج قَامَ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمَرْأَة ارضعتهما، لكنه لم يكن قَاطعا وَلَا قَوِيا، لاجماع الْعلمَاء على أَن شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا تجوز فِي مثل ذَلِك، لَكِن أَشَارَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالأحوط. وَقَالَ غَيره: لم يَأْمُرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى وَجه الْقَضَاء، وَإِنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا لما بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع بَاب: تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمِنْهُم من حمل حَدِيث عقبَة على الْإِيجَاب، وَقَالَ: تقبل شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة على الرَّضَاع، وَهُوَ قَول أَحْمد. ويروى عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن شهادتها تقبل إِذا كَانَت مُرْضِعَة، وتستحلف مَعَ شهادتها. وَقَالَ مَالك: يقبل قَوْلهَا بِشَرْط أَن يفشو ذَلِك فِي الْأَهْل وَالْجِيرَان، فَإِن شهِدت امْرَأَتَانِ شَهَادَة فَاشِية فَلَا خلاف فِي الحكم بهَا عِنْده، وَإِن شهدتا من غير فشو، أَو شهِدت وَاحِدَة مَعَ الفشو، فَفِيهِ قَولَانِ. وَمن قَالَ بِالْوُجُوب قَالَ: لَو كَانَ أمره لعقبة على الْوَرع أَو التَّنَزُّه لأَمره بِطَلَاقِهَا لتحل لغيره، وَيكون قَوْله: (كَيفَ وَقد قيل؟) على هَذَا ليهون عَلَيْهِ الْأَمر، وَيُؤَيِّدهُ تبسمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمنع أَبُو حنيفَة عَن شَهَادَة النِّسَاء متمحضات فِي الرَّضَاع. وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي ففصل أَصْحَابه، وَقَالُوا: إِذا شهِدت الْمُرضعَة وَادعت مَعَ شهادتها أُجْرَة الرَّضَاع فَلَا تسمع شهادتها، لِأَنَّهَا تشهد لنَفسهَا فتتهم، وَإِن أطلقت الشَّهَادَة وَلم تدع أُجْرَة بِأَن قَالَت: أشهد أَنِّي ارضعته، فَفِيهِ خلاف عِنْدهم. مِنْهُم من قَالَ: لَا تقبل لِأَنَّهَا تشهد على فعل نَفسهَا، فَأَشْبَهت الْحَاكِم إِذا شهد على حكمه بعد الْعَزْل. وَمِنْهُم من قبلهَا، وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم، لِأَنَّهَا لَا تجر بهَا نفعا وتدفع بهَا ضِرَارًا. قلت: وَقد ظهر لَك الْخلَل فِي نقل ابْن بطال الاجماع على أَن شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا تجوز فِي الرَّضَاع وَشبهه من الَّذِي ذكرنَا، لِأَن مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أَن شَهَادَة الْوَاحِدَة فِي كل مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال من الرَّضَاع وَغَيره تقبل، وَمِمَّا نقل عَن مَالك من شَهَادَة الْوَاحِدَة على الشياع. قلت: رُوِيَ عَن الْحسن وَإِسْحَاق أَيْضا نَحْو مَذْهَب أَحْمد، وَكَذَا قَالَ الاصطخري:

وَإِنَّمَا يثبت بِالنسَاء المتمحضات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يثبت الرَّضَاع بِمَا يثبت بِهِ المَال، وَهُوَ شَهَادَة رجلَيْنِ، أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء المنفردات، لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة من لَوَازِم الْملك فِي بَاب النِّكَاح، ثمَّ الْملك لَا يَزُول بِشَهَادَة النِّسَاء المنفردات، فَلَا تثبت الْحُرْمَة. وَعند الشَّافِعِي: تثبت بِشَهَادَة أَربع نسْوَة. وَعند مَالك بامرأتين. وَعند أَحْمد بمرضعة. وَقَالَ التَّيْمِيّ: معنى الحَدِيث: الْأَخْذ بالوثيقة فِي بَاب الْفروج، وَلَيْسَ قَول الْمَرْأَة الْوَاحِدَة شَهَادَة تجوز بهَا الحكم فِي أصل من الْأُصُول، وَفِي: (كَيفَ وَقد قيل؟) الِاحْتِرَاز من الشُّبْهَة، وَمعنى: فَارقهَا: طَلقهَا. فَإِن قلت: النِّكَاح مَا انْعَقَد صَحِيحا على تَقْدِير ثُبُوت الرَّضَاع، والمفارقة كَانَت حَاصِلَة، فَمَا معنى فَارقهَا؟ قلت: إِمَّا أَن يُرَاد بهَا الْمُفَارقَة الصورية، أَو يُرَاد الطَّلَاق فِي مثل هَذِه الْحَالة هُوَ الْوَظِيفَة ليحل للْغَيْر نِكَاحهَا قطعا.

٢٧ - (بَاب التَّناوُبِ فِي العِلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التناوب فِي الْعلم، والتناوب: تفَاعل من نَاب لي يَنُوب نوباً ومناباً، أَي: قَامَ مقَامي. وَمَعْنَاهُ: أَن تتناوب جمَاعَة لوقت مَعْرُوف يأْتونَ بالنوبة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول: الرحلة فِي طلب الْعلم. وَهِي لَا تكون إلَاّ من شدَّة الْحِرْص فِي طلب الْعلم، وَفِي التناوب أَيْضا هَذَا الْمَعْنى، لأَنهم لَا يتناوبون إلَاّ لطلب الْعلم والباعث عَلَيْهِ شدَّة حرصهم.

٨٩ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيّ.

(ح) قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابنُ وهْبٍ: أخْبرنا يُونُسُ عَن ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسِ عنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنا وجارٌ لِي مِنَ الأنْصارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ، وهْيَ مِنْ عَوالِي المَدِينَةِ، وكُنَّا نَتَناوَبُ النُّزُولَ عَلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَنْزِلُ يَوْماً وأنْزِلُ يَوْماً، فَإذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْي وغَيِرهِ، وإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، فَنَزَلَ صاحِبِي الأَنْصاريُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَضَربَ بَابي ضَرْباً شدِيداً فقالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ حَدثَ أمْرٌ عَظِيمٌ! قالَ: فَدَخلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإذَا هيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَتْ: لَا أدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقُلْتْ وأنَا قائِمٌ: أطلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قَالَ: (لَا) ، فَقُلْتُ: الله أكْبَرُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كُنَّا نتناوب النُّزُول) .

بَيَان رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ أخرجهم من طَرِيقين: الأولى: عَن أبي الْيَمَان: الحكم ابْن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي جَمْرَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثَوْر، بِالْمُثَلثَةِ، الْقرشِي النَّوْفَلِي التَّابِعِيّ الثِّقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَقد اشْترك مَعَه فِي اسْمه وَاسم أَبِيه فِي الرِّوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابْن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ الْمدنِي، لَكِن رِوَايَته عَن ابْن عَبَّاس كَثِيرَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَلَيْسَ لِابْنِ أبي ثَوْر عَن ابْن عَبَّاس غير هَذَا الحَدِيث. الطَّرِيق الثَّانِيَة: من التعليقات حَيْثُ قَالَ: قَالَ أَبُو عبد اللَّه، أَرَادَ بِهِ البُخَارِيّ نَفسه. قَالَ ابْن وهب، أَي: عبد اللَّه بن وهب الْمصْرِيّ، أخبرنَا يُونُس، وَهُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة، عَن حَرْمَلَة عَن عبد اللَّه بن وهب بِسَنَدِهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَته قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: كنت أَنا وجار لي من الْأَنْصَار نتناوب النُّزُول، وَهُوَ الْمَقْصُود من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة شُعَيْب وَحده عَن الزُّهْرِيّ، نَص على ذَلِك الذهلي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَآخَرُونَ. فَإِن قلت: لم ذكر هَهُنَا رِوَايَة يُونُس؟ قلت: لينبه أَن الحَدِيث كُله من أَفْرَاد شُعَيْب.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَمِنْهَا:

أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَنه ذكر فِي الْمَوْصُول: الزُّهْرِيّ، وَفِي التَّعْلِيق: ابْن شهَاب، تَنْبِيها على قُوَّة مُحَافظَة مَا سَمعه من الشُّيُوخ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كلمة (ح) مُهْملَة، إِشَارَة إِلَى تَحْويل الْإِسْنَاد.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي الْيَمَان، كَمَا أخرجه هَهُنَا عَن عَنهُ، وَفِي الْمَظَالِم عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن عمر كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق بِطُولِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن الحكم بن نَافِع بِهِ، وَعَن عبيد اللَّه بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُحَمَّد بن ثَوْر عَن معمر بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من الْأَنْصَار) جمع نَاصِر أَو نصير، وهم عبارَة عَن الصَّحَابَة الَّذين آووا ونصروا رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، من أهل الْمَدِينَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ اسْم إسلامي سمى الله تَعَالَى بِهِ الْأَوْس والخزرج. وَلم يَكُونُوا يدعونَ الْأَنْصَار قبل نصرتهم رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا قبل نزُول الْقُرْآن بذلك. قَوْله: (فِي بني أُميَّة بن زيد) أَي: فِي هَذِه الْقَبِيلَة، ومواضعهم يَعْنِي: فِي نَاحيَة بني أُميَّة. سميت الْبقْعَة باسم من نزلها. قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) هُوَ جمع: عالية، وعوالي الْمَدِينَة عبارَة عَن قرى بِقرب مَدِينَة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فَوْقهَا من جِهَة الشرق، وَأقرب العوالي إِلَى الْمَدِينَة على ميلين أَو ثَلَاثَة أَمْيَال وَأَرْبَعَة، وأبعدها ثَمَانِيَة. وَفِي (الصِّحَاح) : الْعَالِيَة مَا فَوق نجد إِلَى أَرض تهَامَة، وَإِلَى أَرض مَكَّة وَهِي الْحجاز وَمَا والاها، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: عالي، وَيُقَال أَيْضا: علوي، على غير قِيَاس، وَيُقَال: عالى الرجل، وَأَعْلَى: إِذا أَتَى عالية نجد. قَوْله: (فَفَزِعت) ، بِكَسْر الزَّاي: أَي خفت، لِأَن الضَّرْب الشَّديد كَانَ على خلاف الْعَادة.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وجار) ، بِالرَّفْع: لِأَنَّهُ عطف على الضَّمِير الْمُنْفَصِل الْمَرْفُوع. أَعنِي قَوْله: أَنا، وَإِنَّمَا أظهر أَنا لصِحَّة الْعَطف حَتَّى لَا يلْزم عطف الِاسْم على الْفِعْل، هَذَا قَول البصرية. وَعند الكوفية: يجوز من غير إِعَادَة الضَّمِير، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى الْمَعِيَّة. قَوْله: (لي) : جَار ومجرور فِي مَحل الرّفْع، أَو النصب على الوصفية لِجَار. قَوْله: (من الْأَنْصَار) كلمة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (فِي بني أُميَّة) فِي مَحل نصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ، أَي: مستقرين فِيهَا، أَو نازلين أَو كائنين، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَهُوَ) مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) . قَوْله: (نتناوب) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، و: النُّزُول، بِالنّصب على أَنه مفعول: نتناوب. قَوْله: (ينزل) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: جاري ينزل يَوْمًا، وَهُوَ نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَأنزل) عطف على: ينزل. قَوْله: (فَإِذا) للظرفية، لكنه تضمن معنى الشَّرْط. وَقَوله: (جِئْته) جَوَابه. قَوْله: (من الْوَحْي) بَيَان للْخَبَر. قَوْله: (وَإِذا نزل) أَي: جاري. قَوْله: (الْأنْصَارِيّ) بِالرَّفْع صفة لقَوْله: (صَاحِبي) ، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: نزل. فَإِن قلت: الْجمع إِذا أُرِيد النِّسْبَة إِلَيْهِ يرد إِلَى الْمُفْرد، ثمَّ ينْسب إِلَيْهِ. قلت: الْأنْصَارِيّ هَهُنَا صَار علما لَهُم، فَهُوَ كالمفرد، فَلهَذَا نسب إِلَيْهِ بِدُونِ الرَّد. قَوْله: (فَضرب بَابي) عطف على مُقَدّر أَي: فَسمع اعتزال الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن زَوْجَاته، فَرجع إِلَى العوالي، فجَاء إِلَى بَابي فَضرب. . وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى بِالْفَاءِ الفصيحة، وَقد ذَكرنَاهَا غير مرّة. قَوْله: (أَثم؟) هُوَ: بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، وَهُوَ اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد، نَحْو قَوْله: {وازلفنا ثمَّ الآخرين} (الشُّعَرَاء: ٦٤) وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف، فَلذَلِك غلط من أعربه مَفْعُولا: لرأيت، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما} (الْإِنْسَان: ٢٠) وَلَا يتقدمه حرف التَّنْبِيه وَلَا يتَأَخَّر عَنهُ كَاف الْخطاب. قَوْله: (فَفَزِعت) : الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل، أَي لأجل الضَّرْب الشَّديد فزعت، وَالْفَاء فِي فَخرجت: للْعَطْف، وَيحْتَمل السَّبَبِيَّة، لِأَن فزعه كَانَ سَببا لِخُرُوجِهِ. وَالْفَاء فِي: فَقَالَ، للْعَطْف. قَوْله: (قد حدث أَمر عَظِيم) ، جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فَدخلت) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: دخلت. وَيفهم من ظَاهر الْكَلَام أَن: دخلت، من كَلَام الْأنْصَارِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الدَّاخِل هُوَ عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَإِنَّمَا وَقع هَذَا من الِاخْتِصَار وإلَاّ فَفِي أصل الحَدِيث بعد قَوْله: (امْر عَظِيم طلق رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام نِسَاءَهُ) . قلت: قد كنت أَظن أَن هَذَا كَائِن حَتَّى إِذا صليت الصُّبْح شددت عَليّ ثِيَابِي، ثمَّ نزلت. فَدخلت على حَفْصَة، أَرَادَ أم الْمُؤمنِينَ بنته، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (قد حدث أَمر عَظِيم فَدخلت) بِالْفَاءِ. فَإِن قلت: مَا هَذِه الْفَاء؟ قلت: الْفَاء الفصيحة، تفصح عَن الْمُقدر. لِأَن التَّقْدِير نزلت من العوالي فَجئْت إِلَى الْمَدِينَة فَدخلت. قَوْله: (فَإِذا) للمفاجأة، وَهِي متبدأ: وتبكي، خَبره. قَوْله: (طَلَّقَكُن؟) وَفِي رِوَايَة: (أطلقكن؟) ، بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَوْله:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ - قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ - قَالَ: احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْرِيضِ) هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَنْ قَالَهَا بِالْمُهْمَلَةِ هُنَا فَقَدْ صَحَّفَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) هُوَ بِصِيغَةِ تَصْغِيرِ الْحَارِثِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لَهُ مَشْهُورٍ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (أَبِي جَمْرَةَ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (مِنْ شُقَّةٍ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: (وَتُعْطُوا) كَذَا وَقَعَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ، وَسَاغَ التَّقْدِيرُ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ اسْمٌ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ، فَقَالَ: وَأَنْ تُعْطُوا فَكَأَنَّ حَذْفَهَا مِنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ النَّقِيرُ) أَيْ: بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ. (وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرُ) أَيْ: بِالْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ لِيُثْبِتَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْمُقَيَّرِ التَّكْرَارُ لِسَبْقِ ذِكْرِ الْمُزَفَّتِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ جَازِمًا بِذِكْرِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ شَاكًّا فِي الرَّابِعِ وَهُوَ النَّقِيرُ، فَكَانَ تَارَةً يَذْكُرُهُ وَتَارَةً لَا يَذْكُرُهُ. وَكَانَ أَيْضًا شَاكًّا فِي التَّلَفُّظِ بِالثَّالِثِ، فَكَانَ تَارَةً يَقُولُ: الْمُزَفَّتُ، وَتَارَةً يَقُولُ: الْمُقَيَّرُ. هَذَا تَوْجِيهُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا عَدَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ عَالِيًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ إِلَّا فِي الْمُزَفَّتِ وَالْمُقَيَّرِ فَقَطْ، وَجَزَمَ بِالنَّقِيرِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَخْبِرُوهُ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: وَأَخْبِرُوا بِحَذْفِ الضَّمِيرِ.

٢٦ - بَاب الرِّحْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.

[الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٥١٠٤، ٢٦٦٠، ٢٦٥٩، ٢٦٤٠، ٢٠٥٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الرِّحْلَةِ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِمَعْنَى الِارْتِحَالِ، وَفِي رِوَايَتِنَا أَيْضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَةُ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يُرْتَحَلُ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: وَتَعْلِيمُ أَهْلِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي بَابٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) سَيَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْ عُقْبَةَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي كُنْيَةِ عُقْبَةَ فِي قِصَّةِ حبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً) اسْمُهَا غَنِيَّةٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ، وَكُنْيَتُهَا أُمُّ يَحْيَى كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ. وَهَجَمَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ اسْمُهَا، وَأَبُو إِهَابٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَعَزِيزٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالمرء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي روايتنا أيضًا: «الرَّحلة» بفتح الرَّاء، أي: الواحدة، وأمَّا بضمِّها فالمُرَاد به: الجهة، وقد يُطلَق على من يُرحَل إليه. انتهى. وفي هامش الفرع كأصله: بضمِّ الرَّاء، ورُقِمَ عليه علامة الأَصيليِّ، وزاد (١) في رواية كريمة وأبي الوقت بعد قوله: «النَّازلة»: (وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على «الرِّحلة»، وصُوِّب حذفه لمجيئه في بابٍ آخر.

٨٨ - وبالسَّند السَّابق قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، وفي رواية غير الأَصيليِّ: «ابن مقاتلٍ أبو الحسن» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ) بضمِّ العَيْن في الأولى وكسرها في الثَّانية (بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين مُصغَّرًا، النَّوفليُّ المكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بفتح العَيْن وسكون المُوحَّدة (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، زهير التَّيميُّ (٢) القرشيُّ الأحول، ونَسبَهُ لجدِّه أبي مليكة لشهرته به، وإِلَّا فأبوه عُبَيْد الله، بضمِّ العين (عَنْ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة (بْنِ الحَارِثِ) بن عامرٍ القرشيِّ المكيِّ، أبو سِروَعة؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وقد تُفتَح، أسلم يوم

الفتح وله في «البخاريِّ» ثلاثةُ أحاديثَ (١)، وعند المؤلِّف في «النِّكاح» في «باب شهادة المرضعة» [خ¦٥١٠٤]: أنَّ ابن أبي مُلَيْكة قال: حدَّثنا عبيد (٢) بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث قال: وسمعته من عقبة لكنِّي لحديث (٣) عبيدٍ أحفظ، فصرَّح بسماعه من عقبة، فانتفى قول أبي عمر: إنَّ ابن أبي مُلَيْكَة لم يسمع من عقبة، بينهما عبيد بن أبي (٤) مريم، فإسناده منقطعٌ (أَنَّهُ) أي: عقبة بن الحارث (تَزَوَّجَ ابْنَةً) وللأَصيليِّ: «بنتًا» (لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ) بكسر الهمزة وفتح العَيْن المُهمَلَة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، لا بضمِّ العَيْن وفتح الزَّاي، ابن قيس بن سويدٍ التَّميميِّ (٥) الدَّارميِّ، واسم ابنته: غَنِيَّة؛ بفتح المُعجَمَة وكسر النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكنيتها: أمُّ يحيى (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ) بن الحارث (وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا) أي: غَنِيَّة، وفي رواية الأربعة بحذف: «بها» (فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ) بكسر الكاف (أَرْضَعْتِنِي) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «أرضعتيني» بزيادة مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ قبل النُّون (وَلَا أَخْبَرْتِنِي) ولابن عساكر: «ولا أخبرتيني» بزيادة مُثنَّاة تحتيَّةٍ بعد الفوقيَّة، تولَّدت من إشباع الكسرة فيهما، وعبَّر بـ «أعلم»

مضارعًا و «أخبرت» ماضيًا؛ لأنَّ نفيَ العلم حاصلٌ في الحال، بخلاف نفي الإخبار فإنَّه كان في الماضي فقط (فَرَكِبَ) عقبة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ) حال كونه (بِالمَدِينَةِ) أي: فيها (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عقبةُ رسولَ الله عن الحكم في المسألة النَّازلة به (فَقَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «قال» (رَسُولُ اللهِ) وفي رواية أبي ذر: «قال النَّبيُّ» (: كَيْفَ) تُباشرها (١) وتُفضي إليها (وَقَدْ قِيلَ؟) إنَّك أخوها من الرَّضاعة؟! أي (٢): ذلك بعيدٌ من ذي المروءة والورع (فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ) بن الحارث صورةً، أو طلَّقها احتياطًا وورعًا، لا حكمًا بثبوت الرَّضاع وفساد النِّكاح؛ إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادةً يجوز بها الحكم في أصلٍ من الأصول. نعم؛ عمل بظاهر هذا الحديث الإمام (٣) أحمد رحمه الله تعالى، فقال: الرَّضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها (وَنَكَحَتْ) غَنيَّةُ بعد فراق عقبةَ (زَوْجًا غَيْرَهُ) هو ظُرَيب -بضمِّ الظَّاء المُعجَمَة وفتح الرَّاء آخره مُوحَّدةٌ- ابن الحارث، وتأتي بقيَّة مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى [خ¦٥١٠٤]، والله أسأل العافية والسَّلامة في السَّفر والإقامة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لبعيد الشقة، أَي: بعيد السّفر، قَوْله: (ندخل بِهِ الْجنَّة) ، وَقع هُنَا بِغَيْر الْوَاو، وَهُنَاكَ بِالْوَاو، وَيجوز فِيهِ الرّفْع والجزم، أما الرّفْع فعلى أَنه حَال أَو اسْتِئْنَاف أَو بدل أَو صفة بعد صفة. وَأما الْجَزْم فعلى أَنه جَوَاب الْأَمر. فَإِن قلت: الدُّخُول لَيْسَ هَيْئَة لَهُم فَكيف يكون حَالا؟ قلت: حَال مقدرَة: وَالتَّقْدِير: نخبر مقدرين دُخُول الْجنَّة، وَفِي بعض النّسخ: نخبر، بِالْجَزْمِ أَيْضا، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة: تدخل، بدل مِنْهُ، أَو هُوَ جَوَاب لِلْأَمْرِ بعد جَوَاب. قَوْله: (وتعطوا) كَذَا وَقع بِدُونِ النُّون، لِأَنَّهُ مَنْصُوب بِتَقْدِير: أَن، لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ اسْم، وروى أَحْمد عَن غنْدر، فَقَالَ: (وَأَن تعطوا) ، فَكَأَن الْحَذف من شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) وَرُبمَا قَالَ: أَي أَبُو جَمْرَة النقير، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف: وَهُوَ الْجذع المنقور. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ. المقير) أَي: وَرُبمَا قَالَ أَبُو جَمْرَة. المقير. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَإِذا قَالَ المقير يلْزم التّكْرَار، لِأَنَّهُ هُوَ المزفت. قلت: حَيْثُ قَالُوا: المزفت هُوَ المقير تجوزوا، إِذْ الزفت هُوَ شَيْء يشبه القار. انْتهى. قلت: تَحْرِير هَذَا الْموضع أَنه لَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ يتَرَدَّد فِي هَاتين اللفظتين ليثبت إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى لِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يلْزم التّكْرَار الْمَذْكُور، بل المُرَاد أَنه كَانَ جَازِمًا بِذكر الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة الأول، شاكاً فِي الرَّابِع، وَهُوَ: النقير، فَكَانَ تَارَة يذكرهُ وَتارَة لَا يذكرهُ، وَكَانَ أَيْضا شاكاً فِي التَّلَفُّظ بالثالث: أَعنِي: المزفت، فَكَانَ تَارَة يَقُول: المزفت، وَتارَة يَقُول: المقير، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه جزم بالنقير فِي الْبَاب السَّابِق، وَلم يتَرَدَّد إلَاّ فِي المزفت والمقير فَقَط. قَوْله: (واخبروا) بِفَتْح الْهمزَة بِدُونِ الضَّمِير فِي آخِره فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَعند غَيره: (وَأَخْبرُوهُ) بالضمير.

وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه أَن من علم علما أَنه يلْزمه تبليغه لمن لَا يُعلمهُ، وَهُوَ الْيَوْم من فروض الْكِفَايَة لظُهُور الْإِسْلَام وانتشاره، وَأما فِي أول الْإِسْلَام فَإِنَّهُ كَانَ فرضا معينا أَن يبلغهُ حَتَّى يكمل الْإِسْلَام ويبلغ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، وَفِيه أَنه يلْزم تَعْلِيم أهل الْفَرَائِض لعُمُوم لفظ: (من وراءكم) ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

٢٦ - (بَاب الرِّحْلةِ فِي المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيمِ أهْلِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرحلة، وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء: الارتحال، من: رَحل يرحل إِذا مضى فِي سفر، ورحلت الْبَعِير أرحله رحلاً: إِذا شددت عَلَيْهِ الرحل، وَهُوَ للبعير أَصْغَر من القتب، وَهُوَ من مراكب الرِّجَال دون النِّسَاء. وَقَالَ بَعضهم: الرحلة، بِالْكَسْرِ، من الارتحال. قلت: الْمصدر لَا يشتق من الْمصدر وَقَالَ ابْن قرقول: الرحلة، بِكَسْر الرَّاء، ضبطناه عَن شُيُوخنَا، وَمَعْنَاهُ: الارتحال. وَحكى أَبُو عُبَيْدَة ضمهَا قلت: الرحلة بِالضَّمِّ، الْوَجْه الَّذِي تريده. قَالَ: أَبُو عَمْرو: يُقَال أَنْتُم رحلتي أَي: الَّذِي ارتحل إِلَيْهِم. وَقَالَ الْأمَوِي: الرحلة، بِالضَّمِّ: جودة الشَّيْء. وَفِي (الْعباب) : بعير مرحل، بِكَسْر الْمِيم، و: ذُو رحْلَة إِذا كَانَ قَوِيا على السّير، قَالَه الْفراء. قَوْله: (وَتَعْلِيم أَهله) ، بِالْجَرِّ عطف على الرحلة، وَهَذَا اللَّفْظ فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيرهَا، وَالصَّوَاب حذفه لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي بَاب آخر.

فَإِن قلت: قد تقدم: بَاب الْخُرُوج فِي طلب الْعلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا بِهَذَا الْمَعْنى، فَيكون تَكْرَارا. قلت: لَيْسَ بتكرار بل بَينهمَا فرق، لِأَن هَذَا لطلب الْعلم فِي مَسْأَلَة خَاصَّة وَقعت للشَّخْص وَنزلت بِهِ، وَذَاكَ لَيْسَ كَذَلِك. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول التحريض على الْعلم، والمحرض من شدَّة تحرضه قد يرحل إِلَى الْمَوَاضِع لطلب الْعلم، وَلَا سِيمَا لنازلة تنزل بِهِ.

٨٨ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قَالَ: أخْبرنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أخْبرنا عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بن أبي حُسَيْنٍ قَالَ: حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ، فقالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيْفَ وقَدْ قِيلَ) . فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجاً غَيَرَهُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (فَركب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق قَوْله: (وَتَعْلِيم أَهله)

فَلهَذَا قُلْنَا: وَالصَّوَاب حذفه، لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي بَاب آخر.

بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَقد تقدم. الثَّانِي: عبد اللَّه بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَقد تقدم: الثَّالِث: عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، روى عَن طَاوس وَعَطَاء وعدة، وَعنهُ يحيى الْقطَّان وروح وَخلق، وَهُوَ ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل، وَهُوَ ابْن عَم عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن. الرَّابِع: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم: زُهَيْر بن عبد اللَّه التَّيْمِيّ الْقرشِي الْأَحول الْمَكِّيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن الْحَارِث بن عَامر بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي الْمَكِّيّ، أَبُو سروعة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَحكى فتحهَا، أسلم يَوْم الْفَتْح وَسكن مَكَّة، هَذَا قَول أهل الحَدِيث. وَأما جُمْهُور أهل النّسَب فَيَقُولُونَ: عقبَة هَذَا هُوَ أَخُو أبي سروعة، وأنهما أسلما جَمِيعًا يَوْم الْفَتْح. وَقَالَ الزبير بن بكار: وَأَبُو سروعة هُوَ قَاتل حبيب بن عدي، أخرج لعقبة البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا، روى لَهُ البُخَارِيّ ثَلَاثَة أَحَادِيث فِي الْعلم وَالْحُدُود وَالزَّكَاة عَن ابْن أبي مليكَة عَنهُ أَحدهَا هَذَا، وَأخرجه مَعَه هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته مروزيان وَثَلَاثَة مكيون. وَمِنْهَا: أَن هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَانْفَرَدَ عَنهُ أَيْضا بعقبة بن الْحَارِث. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: ابْن أبي ملكية لم يسمع من عقبَة، بَينهمَا عبيد بن أبي مَرْيَم، فعلى هَذَا يكون الْإِسْنَاد مُنْقَطِعًا. قلت: هَذَا سَهْو مِنْهُ، وَسَيَجِيءُ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب شَهَادَة الْمُرضعَة، أَن ابْن أبي ملكية قَالَ: حَدثنَا عبيد بن أبي مَرْيَم عَن عقبَة بن الْحَارِث. قَالَ: وسمعته من عقبَة، لكني لحَدِيث عبيد أحفظ، فَهَذَا صَرِيح فِي سَمَاعه من عقبَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك، وَعَن أبي عَاصِم كِلَاهُمَا عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن، وَفِي الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشَّهَادَات، عَن مُحَمَّد بن كثير عَن الثَّوْريّ عَن عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن، وَفِي الشَّهَادَات عَن عَليّ عَن يحيى بن أبي سعي عَن ابْن جريج، ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بِهِ، وَفِي النِّكَاح عَن عَليّ عَن إِسْمَاعِيل بن عَليّ عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبيد بن أبي مَرْيَم عَن عقبَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَعَن أَحْمد بن شُعَيْب الْحَرَّانِي عَن الْحَارِث بن عُمَيْر الْبَصْرِيّ عَن أَيُّوب بِهِ، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عقبَة بن الْحَارِث بِهِ. قَالَ ابْن أبي مليكَة: وحدثنيه صَاحب لي عَنهُ، وَأَنا لحَدِيث صَاحِبي أحفظ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرَّضَاع عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح، عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَفِي الْقَضَاء عَن مُحَمَّد بن أبان وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن علية بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد ابْن الْحَارِث عَن ابْن جريج بِهِ، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن عمر بن سعيد بِهِ.

بَيَان مَا فِيهِ من اللُّغَة وَالْإِعْرَاب: قَوْله: (ارضعت) مزِيد: رضع الصَّبِي أمه يرضعها رضَاعًا، مثل: سمع يسمع سَمَاعا، وَأهل نجد يَقُولُونَ: رضع يرضع رضعاً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا، وَكَذَلِكَ الرَّضَاع وَالرضَاعَة. قَالَ الله تَعَالَى: {أَن يتم الرضَاعَة} (الْبَقَرَة: ٢٣٣) وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة وَأَبُو رَجَاء والجارود وَابْن أبي عبلة: (أَن يتم الرضَاعَة) ، بِكَسْر الرَّاء. قَالَ فِي (الْعباب) : قَالُوا: رضع الرجل، بِالضَّمِّ: رضاعة كَأَنَّهُ كالشيء يطبع عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن عباد: رضع الرجل من الرضَاعَة، بِالْفَتْح أَيْضا، مثله رضع فَهُوَ راضع ورضيع ورضاع، وَجمع الراضع: رضع، كراكع وَركع، ورضاع أَيْضا: ككافر وكفار. ثمَّ قَالَ: والتركيب يدل على شرب اللَّبن من الضَّرع أَو الثدي. قَوْله: (تزوج ابْنة) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (لأبي إهَاب) صفة ابْنة. قَوْله: (فَاتَتْهُ أمْرَأَة) عطف على تزوج. قَوْله: (عقبَة) بِالنّصب مفعول: أرضعت. قَوْله: (وَالَّتِي تزوج بهَا) عطف على: عقبَة. قَوْله: (مَا أعلم) جملَة منفية من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَقَوله: (إِنَّك أرضعتني) إِن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مفعولي: أعلم. وَفِي بعض النّسخ: (ارضعتيني واخبرتيني) بِالْيَاءِ فيهمَا، الْحَاصِلَة من إشباع الكسرة. قَوْله: (وَلَا أَخْبَرتنِي) عطف على قَوْله: لَا أعلم. فَافْهَم. وَإِنَّمَا قَالَ: أعلم بِصِيغَة الْمُضَارع، و: أخْبرت، بِصِيغَة الْمَاضِي لِأَن نفي الْعلم حَاصِل فِي الْحَال بِخِلَاف نفي الْإِخْبَار فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَاضِي فَقَط. قَوْله: (بِالْمَدِينَةِ) ، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف، لَا بقوله: فَركب، ومحلها

النصب على الْحَال، وَالتَّقْدِير: فَركب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَال كَونه بِالْمَدِينَةِ، أَي فِيهَا. وَكَانَ ركُوبه من مَكَّة لِأَنَّهَا دَار إِقَامَته. قَوْله: (فَسَأَلَهُ) أَي: فَسَأَلَ عقبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الحكم فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة لذاته. قَوْله: (كَيفَ؟) هُوَ ظرف يسْأَل بِهِ عَن الْحَال. قَوْله: (وَقد قيل؟) أَيْضا حَال، وهما يستدعيان عَاملا يعْمل فيهمَا، وَالتَّقْدِير: كَيفَ تباشرها وتفضي إِلَيْهَا وَقد قيل إِنَّك أَخُوهَا؟ أَي إِن ذَلِك بعيد من ذِي الْمُرُوءَة والورع. قَوْله: (عقبَة) فَاعل: فَارقهَا، قَوْله: (ونكحت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. و: زوجا، مَفْعُوله، و: غَيره، بِالنّصب: صفته.

فِيهِ من المبهمات أَرْبَعَة: الأول: قَوْله: (ابْنة) ، قَالَ الْكرْمَانِي كنيتها أم يحيى، وَلم يعلم اسْمهَا. قلت: يعلم، وَاسْمهَا: غنية، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. الثَّانِي: قَوْله: أَبُو إهَاب، بِكَسْر الْهمزَة. وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن عَزِيز، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره زَاي أَيْضا، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ: عَزِيز بِضَم الْعين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: عَزِيز، بِضَم الْمُهْملَة وبالزاي الْمَفْتُوحَة الرَّاء، وَقَالَ بَعضهم: وَمن قَالَ بِضَم أَوله فقد حرف. قلت: إِن كَانَ مُرَاده بِضَم الأول وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة فَيمكن ذَلِك، وَإِن كَانَ مُرَاده الغمز على الْكرْمَانِي فِي قَوْله: وَفِي بعض الرِّوَايَات، فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى بَيَان وَلَيْسَ نَقله أرجح من نَقله، وَأَبُو إهَاب هَذَا لَا يعرف اسْمه، وَهُوَ ابْن عَزِيز بن قيس بن سُوَيْد بن ربيعَة بن زيد بن عبد اللَّه بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، قَالَه خَليفَة، وَأمه فَاخِتَة بنت عَامر بن نَوْفَل بن عبد منَاف ابْن قصي، وَهُوَ حَلِيف لبني نَوْفَل روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى أَن يَأْكُل أَحَدنَا وَهُوَ متكىء، أخرجه أَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة، وَلم يذكرهُ أَبُو عمر، وَلَا ابْن مَنْدَه. الثَّالِث: قَوْله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَة) مَا سَمَّاهَا أحد. الرَّابِع: قَوْله: (زوجا غَيره) ، اسْمه: ظريب، بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: ابْن الْحَارِث. قَالَ بعض الشَّارِحين: ضريب بن الْحَارِث تزَوجهَا بعد عقبَة فَولدت لَهُ أم قبال، زَوْجَة جُبَير بن مطعم ومحمداً ونافعاً، وَرَأَيْت فِي مَوضِع نقل عَن خطّ الْحَافِظ الدمياطي: نَافِع بن ضريب بن عَمْرو بن نَوْفَل، وَالله أعلم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ أَن الْوَاجِب على الْمَرْء أَن يجْتَنب مَوَاقِف التهم وَإِن كَانَ نقي الذيل بَرِيء الساحة. الثَّانِي: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وإيثار مَا يقربهُمْ إِلَى الله تَعَالَى. قَالَ الشّعبِيّ: لَو أَن رجلا سَافر من أقْصَى الشَّام إِلَى أقْصَى الْيمن لحفظ كلمة تَنْفَعهُ فِيمَا بَقِي من عمره لم أر سَفَره يضيع. الثَّالِث: احْتج بِظَاهِرِهِ من أجَاز شَهَادَة الْمُرضعَة وَحدهَا، وَمن منع حمله على الْوَرع دون التَّحْرِيم، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفتاه بالتحرز عَن الشُّبْهَة، وَأمره بمجانبة الرِّيبَة خوفًا من الْإِقْدَام على فرج قَامَ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمَرْأَة ارضعتهما، لكنه لم يكن قَاطعا وَلَا قَوِيا، لاجماع الْعلمَاء على أَن شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا تجوز فِي مثل ذَلِك، لَكِن أَشَارَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالأحوط. وَقَالَ غَيره: لم يَأْمُرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى وَجه الْقَضَاء، وَإِنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا لما بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع بَاب: تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمِنْهُم من حمل حَدِيث عقبَة على الْإِيجَاب، وَقَالَ: تقبل شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة على الرَّضَاع، وَهُوَ قَول أَحْمد. ويروى عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن شهادتها تقبل إِذا كَانَت مُرْضِعَة، وتستحلف مَعَ شهادتها. وَقَالَ مَالك: يقبل قَوْلهَا بِشَرْط أَن يفشو ذَلِك فِي الْأَهْل وَالْجِيرَان، فَإِن شهِدت امْرَأَتَانِ شَهَادَة فَاشِية فَلَا خلاف فِي الحكم بهَا عِنْده، وَإِن شهدتا من غير فشو، أَو شهِدت وَاحِدَة مَعَ الفشو، فَفِيهِ قَولَانِ. وَمن قَالَ بِالْوُجُوب قَالَ: لَو كَانَ أمره لعقبة على الْوَرع أَو التَّنَزُّه لأَمره بِطَلَاقِهَا لتحل لغيره، وَيكون قَوْله: (كَيفَ وَقد قيل؟) على هَذَا ليهون عَلَيْهِ الْأَمر، وَيُؤَيِّدهُ تبسمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمنع أَبُو حنيفَة عَن شَهَادَة النِّسَاء متمحضات فِي الرَّضَاع. وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي ففصل أَصْحَابه، وَقَالُوا: إِذا شهِدت الْمُرضعَة وَادعت مَعَ شهادتها أُجْرَة الرَّضَاع فَلَا تسمع شهادتها، لِأَنَّهَا تشهد لنَفسهَا فتتهم، وَإِن أطلقت الشَّهَادَة وَلم تدع أُجْرَة بِأَن قَالَت: أشهد أَنِّي ارضعته، فَفِيهِ خلاف عِنْدهم. مِنْهُم من قَالَ: لَا تقبل لِأَنَّهَا تشهد على فعل نَفسهَا، فَأَشْبَهت الْحَاكِم إِذا شهد على حكمه بعد الْعَزْل. وَمِنْهُم من قبلهَا، وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم، لِأَنَّهَا لَا تجر بهَا نفعا وتدفع بهَا ضِرَارًا. قلت: وَقد ظهر لَك الْخلَل فِي نقل ابْن بطال الاجماع على أَن شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا تجوز فِي الرَّضَاع وَشبهه من الَّذِي ذكرنَا، لِأَن مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أَن شَهَادَة الْوَاحِدَة فِي كل مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال من الرَّضَاع وَغَيره تقبل، وَمِمَّا نقل عَن مَالك من شَهَادَة الْوَاحِدَة على الشياع. قلت: رُوِيَ عَن الْحسن وَإِسْحَاق أَيْضا نَحْو مَذْهَب أَحْمد، وَكَذَا قَالَ الاصطخري:

وَإِنَّمَا يثبت بِالنسَاء المتمحضات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يثبت الرَّضَاع بِمَا يثبت بِهِ المَال، وَهُوَ شَهَادَة رجلَيْنِ، أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء المنفردات، لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة من لَوَازِم الْملك فِي بَاب النِّكَاح، ثمَّ الْملك لَا يَزُول بِشَهَادَة النِّسَاء المنفردات، فَلَا تثبت الْحُرْمَة. وَعند الشَّافِعِي: تثبت بِشَهَادَة أَربع نسْوَة. وَعند مَالك بامرأتين. وَعند أَحْمد بمرضعة. وَقَالَ التَّيْمِيّ: معنى الحَدِيث: الْأَخْذ بالوثيقة فِي بَاب الْفروج، وَلَيْسَ قَول الْمَرْأَة الْوَاحِدَة شَهَادَة تجوز بهَا الحكم فِي أصل من الْأُصُول، وَفِي: (كَيفَ وَقد قيل؟) الِاحْتِرَاز من الشُّبْهَة، وَمعنى: فَارقهَا: طَلقهَا. فَإِن قلت: النِّكَاح مَا انْعَقَد صَحِيحا على تَقْدِير ثُبُوت الرَّضَاع، والمفارقة كَانَت حَاصِلَة، فَمَا معنى فَارقهَا؟ قلت: إِمَّا أَن يُرَاد بهَا الْمُفَارقَة الصورية، أَو يُرَاد الطَّلَاق فِي مثل هَذِه الْحَالة هُوَ الْوَظِيفَة ليحل للْغَيْر نِكَاحهَا قطعا.

٢٧ - (بَاب التَّناوُبِ فِي العِلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التناوب فِي الْعلم، والتناوب: تفَاعل من نَاب لي يَنُوب نوباً ومناباً، أَي: قَامَ مقَامي. وَمَعْنَاهُ: أَن تتناوب جمَاعَة لوقت مَعْرُوف يأْتونَ بالنوبة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول: الرحلة فِي طلب الْعلم. وَهِي لَا تكون إلَاّ من شدَّة الْحِرْص فِي طلب الْعلم، وَفِي التناوب أَيْضا هَذَا الْمَعْنى، لأَنهم لَا يتناوبون إلَاّ لطلب الْعلم والباعث عَلَيْهِ شدَّة حرصهم.

٨٩ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيّ.

(ح) قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابنُ وهْبٍ: أخْبرنا يُونُسُ عَن ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسِ عنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنا وجارٌ لِي مِنَ الأنْصارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ، وهْيَ مِنْ عَوالِي المَدِينَةِ، وكُنَّا نَتَناوَبُ النُّزُولَ عَلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَنْزِلُ يَوْماً وأنْزِلُ يَوْماً، فَإذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْي وغَيِرهِ، وإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، فَنَزَلَ صاحِبِي الأَنْصاريُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَضَربَ بَابي ضَرْباً شدِيداً فقالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ حَدثَ أمْرٌ عَظِيمٌ! قالَ: فَدَخلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإذَا هيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَتْ: لَا أدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقُلْتْ وأنَا قائِمٌ: أطلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قَالَ: (لَا) ، فَقُلْتُ: الله أكْبَرُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (كُنَّا نتناوب النُّزُول) .

بَيَان رِجَاله: وهم تِسْعَة، لِأَنَّهُ أخرجهم من طَرِيقين: الأولى: عَن أبي الْيَمَان: الحكم ابْن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي جَمْرَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثَوْر، بِالْمُثَلثَةِ، الْقرشِي النَّوْفَلِي التَّابِعِيّ الثِّقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَقد اشْترك مَعَه فِي اسْمه وَاسم أَبِيه فِي الرِّوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْهُمَا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابْن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ الْمدنِي، لَكِن رِوَايَته عَن ابْن عَبَّاس كَثِيرَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَلَيْسَ لِابْنِ أبي ثَوْر عَن ابْن عَبَّاس غير هَذَا الحَدِيث. الطَّرِيق الثَّانِيَة: من التعليقات حَيْثُ قَالَ: قَالَ أَبُو عبد اللَّه، أَرَادَ بِهِ البُخَارِيّ نَفسه. قَالَ ابْن وهب، أَي: عبد اللَّه بن وهب الْمصْرِيّ، أخبرنَا يُونُس، وَهُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة، عَن حَرْمَلَة عَن عبد اللَّه بن وهب بِسَنَدِهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَته قَول عمر، رَضِي الله عَنهُ: كنت أَنا وجار لي من الْأَنْصَار نتناوب النُّزُول، وَهُوَ الْمَقْصُود من هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة شُعَيْب وَحده عَن الزُّهْرِيّ، نَص على ذَلِك الذهلي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَآخَرُونَ. فَإِن قلت: لم ذكر هَهُنَا رِوَايَة يُونُس؟ قلت: لينبه أَن الحَدِيث كُله من أَفْرَاد شُعَيْب.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَمِنْهَا:

أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَنه ذكر فِي الْمَوْصُول: الزُّهْرِيّ، وَفِي التَّعْلِيق: ابْن شهَاب، تَنْبِيها على قُوَّة مُحَافظَة مَا سَمعه من الشُّيُوخ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كلمة (ح) مُهْملَة، إِشَارَة إِلَى تَحْويل الْإِسْنَاد.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي الْيَمَان، كَمَا أخرجه هَهُنَا عَن عَنهُ، وَفِي الْمَظَالِم عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن عمر كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق بِطُولِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن الحكم بن نَافِع بِهِ، وَعَن عبيد اللَّه بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُحَمَّد بن ثَوْر عَن معمر بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من الْأَنْصَار) جمع نَاصِر أَو نصير، وهم عبارَة عَن الصَّحَابَة الَّذين آووا ونصروا رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، من أهل الْمَدِينَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ اسْم إسلامي سمى الله تَعَالَى بِهِ الْأَوْس والخزرج. وَلم يَكُونُوا يدعونَ الْأَنْصَار قبل نصرتهم رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا قبل نزُول الْقُرْآن بذلك. قَوْله: (فِي بني أُميَّة بن زيد) أَي: فِي هَذِه الْقَبِيلَة، ومواضعهم يَعْنِي: فِي نَاحيَة بني أُميَّة. سميت الْبقْعَة باسم من نزلها. قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) هُوَ جمع: عالية، وعوالي الْمَدِينَة عبارَة عَن قرى بِقرب مَدِينَة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فَوْقهَا من جِهَة الشرق، وَأقرب العوالي إِلَى الْمَدِينَة على ميلين أَو ثَلَاثَة أَمْيَال وَأَرْبَعَة، وأبعدها ثَمَانِيَة. وَفِي (الصِّحَاح) : الْعَالِيَة مَا فَوق نجد إِلَى أَرض تهَامَة، وَإِلَى أَرض مَكَّة وَهِي الْحجاز وَمَا والاها، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: عالي، وَيُقَال أَيْضا: علوي، على غير قِيَاس، وَيُقَال: عالى الرجل، وَأَعْلَى: إِذا أَتَى عالية نجد. قَوْله: (فَفَزِعت) ، بِكَسْر الزَّاي: أَي خفت، لِأَن الضَّرْب الشَّديد كَانَ على خلاف الْعَادة.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وجار) ، بِالرَّفْع: لِأَنَّهُ عطف على الضَّمِير الْمُنْفَصِل الْمَرْفُوع. أَعنِي قَوْله: أَنا، وَإِنَّمَا أظهر أَنا لصِحَّة الْعَطف حَتَّى لَا يلْزم عطف الِاسْم على الْفِعْل، هَذَا قَول البصرية. وَعند الكوفية: يجوز من غير إِعَادَة الضَّمِير، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى الْمَعِيَّة. قَوْله: (لي) : جَار ومجرور فِي مَحل الرّفْع، أَو النصب على الوصفية لِجَار. قَوْله: (من الْأَنْصَار) كلمة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (فِي بني أُميَّة) فِي مَحل نصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ، أَي: مستقرين فِيهَا، أَو نازلين أَو كائنين، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَهُوَ) مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) . قَوْله: (نتناوب) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، و: النُّزُول، بِالنّصب على أَنه مفعول: نتناوب. قَوْله: (ينزل) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: جاري ينزل يَوْمًا، وَهُوَ نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَأنزل) عطف على: ينزل. قَوْله: (فَإِذا) للظرفية، لكنه تضمن معنى الشَّرْط. وَقَوله: (جِئْته) جَوَابه. قَوْله: (من الْوَحْي) بَيَان للْخَبَر. قَوْله: (وَإِذا نزل) أَي: جاري. قَوْله: (الْأنْصَارِيّ) بِالرَّفْع صفة لقَوْله: (صَاحِبي) ، وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: نزل. فَإِن قلت: الْجمع إِذا أُرِيد النِّسْبَة إِلَيْهِ يرد إِلَى الْمُفْرد، ثمَّ ينْسب إِلَيْهِ. قلت: الْأنْصَارِيّ هَهُنَا صَار علما لَهُم، فَهُوَ كالمفرد، فَلهَذَا نسب إِلَيْهِ بِدُونِ الرَّد. قَوْله: (فَضرب بَابي) عطف على مُقَدّر أَي: فَسمع اعتزال الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن زَوْجَاته، فَرجع إِلَى العوالي، فجَاء إِلَى بَابي فَضرب. . وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى بِالْفَاءِ الفصيحة، وَقد ذَكرنَاهَا غير مرّة. قَوْله: (أَثم؟) هُوَ: بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، وَهُوَ اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد، نَحْو قَوْله: {وازلفنا ثمَّ الآخرين} (الشُّعَرَاء: ٦٤) وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف، فَلذَلِك غلط من أعربه مَفْعُولا: لرأيت، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما} (الْإِنْسَان: ٢٠) وَلَا يتقدمه حرف التَّنْبِيه وَلَا يتَأَخَّر عَنهُ كَاف الْخطاب. قَوْله: (فَفَزِعت) : الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل، أَي لأجل الضَّرْب الشَّديد فزعت، وَالْفَاء فِي فَخرجت: للْعَطْف، وَيحْتَمل السَّبَبِيَّة، لِأَن فزعه كَانَ سَببا لِخُرُوجِهِ. وَالْفَاء فِي: فَقَالَ، للْعَطْف. قَوْله: (قد حدث أَمر عَظِيم) ، جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فَدخلت) أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: دخلت. وَيفهم من ظَاهر الْكَلَام أَن: دخلت، من كَلَام الْأنْصَارِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الدَّاخِل هُوَ عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَإِنَّمَا وَقع هَذَا من الِاخْتِصَار وإلَاّ فَفِي أصل الحَدِيث بعد قَوْله: (امْر عَظِيم طلق رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام نِسَاءَهُ) . قلت: قد كنت أَظن أَن هَذَا كَائِن حَتَّى إِذا صليت الصُّبْح شددت عَليّ ثِيَابِي، ثمَّ نزلت. فَدخلت على حَفْصَة، أَرَادَ أم الْمُؤمنِينَ بنته، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (قد حدث أَمر عَظِيم فَدخلت) بِالْفَاءِ. فَإِن قلت: مَا هَذِه الْفَاء؟ قلت: الْفَاء الفصيحة، تفصح عَن الْمُقدر. لِأَن التَّقْدِير نزلت من العوالي فَجئْت إِلَى الْمَدِينَة فَدخلت. قَوْله: (فَإِذا) للمفاجأة، وَهِي متبدأ: وتبكي، خَبره. قَوْله: (طَلَّقَكُن؟) وَفِي رِوَايَة: (أطلقكن؟) ، بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَوْله:

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل