«كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٣٧

الحديث رقم ٩٣٧ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٩٣٧ في صحيح البخاري

«كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ».

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾

إسناد حديث رقم ٩٣٧ من صحيح البخاري

٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٩٣٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَعَلَّنَا نَجِدُهَا بِالْإِسْنَادِ فِيمَا بَعْدُ انْتَهَى.

وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُودٍ وَلَا هِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي مُرْسَلَيِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَسَنَدُهُ سَاقِطٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ عَنْ قِيَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي الْجُمُعَةِ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَأَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ الْجُمُعَةِ يَنْعَقِدُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِفَسْخِ مَا تَبَايَعُوا فِيهِ مِنَ الْعِيرِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ تَرْكِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ نَفْسًا وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَيَجِيءُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ فِي الِابْتِدَاءِ يُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ فَلَمَّا لَمْ تَبْطُلِ الْجُمُعَةُ بِانْفِضَاضِ الزَّائِدِ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَافٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَادَى حَتَّى عَادُوا أَوْ عَادَ مَنْ تُجْزِئُ بِهِمْ، إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا. وَأَيْضًا فَقَدْ فَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فِي هَذَا فَقِيلَ: إِذَا انْعَقَدَتْ لَمْ يَضُرَّ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ بَقِيَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ.

وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ بَقَاءُ وَاحِدٍ مَعَهُ، وَقِيلَ: اثْنَيْنِ، وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا انْفَضُّوا بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَا يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ صَارَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فَقَالَ: إِذَا تَفَرَّقُوا بَعْدَ الِانْعِقَادِ فَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ الْجَمْعُ الَّذِي يَبْقَى مَعَ الْإِمَامِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَتَقَدَّمَ تَرْجِيحُ كَوْنِ الِانْفِضَاضِ وَقَعَ فِي الْخُطْبَةِ لَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِالصَّحَابَةِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْيِ كَآيَةِ لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ، وَقَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَمِيعَ لَوِ انْفَضُّوا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

وَقِيلَ: تَصِحُّ إِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى صَحَّتْ لِمَنْ بَقِيَ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا مُطْلَقًا. وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ أَقْوَالٌ مُخَرَّجَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا الْأَخِيرَ فَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ زَالَ الْإِشْكَالُ، لَكِنَّهُ مَعَ شُذُوذِهِ مُعْضِلٌ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْأَصِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُمْ ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي آيَةِ النُّورِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِهَا فِي الصَّحَابَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجُمُعَةِ. وَفَهِمُوا مِنْهَا ذَمَّ ذَلِكَ اجْتَنَبُوهُ فَوُصِفُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا فِي آيَةِ النُّورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا

٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.

[الحديث ٩٣٧ - أطرافه في ١١٨٠. ١١٧٢. ١١٦٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّطَوُّعِ بِالرَّوَاتِبِ وَفِيهِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْأَصْلُ اسْتِوَاءُ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلُ الظُّهْرِ. قَالَ: وَكَانَتْ عِنَايَتُهُ بِحُكْمِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا أَكْثَرَ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فِي تَقْدِيمِ الْقَبْلِ عَلَى الْبَعْدِ انْتَهَى.

وَوَجْهُ الْعِنَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وُرُودُ الْخَبَرِ فِي الْبَعْدِ صَرِيحًا دُونَ الْقَبْلِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا أَعَادَ ابْنُ عُمَرَ ذِكْرَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي سُنَّةَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ بِخِلَافِ الظُّهْرِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلَ الظُّهْرِ وَاقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ تُرِكَ التَّنَفُّلُ بَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهَا الَّتِي حُذِفَتْ. انْتَهَى.

وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا رَكْعَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَقَعْ ذِكْرُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ إِثْبَاتَهَا قِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ. انْتَهَى.

وَقَوَّاهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ قَصَدَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ فِي حُكْمِ التَّنَفُّلِ كَمَا قَصَدَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّافِلَةَ لَهُمَا سَوَاءٌ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى إِثْبَاتِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصْنَعُ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَيَشْتَغِلُ بِالْخُطْبَةِ ثُمَّ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَذَلِكَ مُطْلَقُ نَافِلَةٍ لَا صَلَاةٌ رَاتِبَةٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِسُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بَلْ هُوَ تَنَفُّلٌ مُطْلَقٌ، وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: ثُمَّ صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ.

وَوَرَدَ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَحَادِيثُ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّهْمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ إِنَّهُ حَدِيثٌ وَاهٍ. وَمِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَزَادَ لَا يُفْصَلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِثْلُهُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّوَابُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ مَوْقُوفًا نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ سُلَيْكٍ قَبْلَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَمَرَهُ بِهِمَا النَّبِيُّ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِي كَرَاهَةِ التَّطَوُّعِ نِصْفَ النَّهَارِ وَمَنِ اسْتَثْنَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ.

وَأَقْوَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ عُمُومُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمَاضِي فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

البَعْدِ صريحًا دون القَبْل.

٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ، ولابن عساكر: «عن ابن عمر»: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ) من المسجد إلى بيته (فَيُصَلِّي) فيه (رَكْعَتَيْنِ) لأنَّه لو صلَّاهما في المسجد لربَّما يُتوَهَّم أنَّهما اللَّتان حُذِفتا، وصلاة النَّفل في الخلوة أفضل، ولم يذكر شيئًا في الصَّلاة قبلها، والظَّاهر أنَّه قاسها على الظُّهر، وأقوى ما يُستَدلُّ به في مشروعيَّتها عمومُ ما صحَّحه ابن حبَّان من حديث عبد الله بن الزُّبير مرفوعًا: «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتان» وأمَّا احتجاج النَّوويِّ في «الخلاصة» على إثباتها بما في بعض طرق حديث الباب عند أبي داود وابن حبَّان من طريق

أيُّوب عن نافعٍ قال: «كان ابن عمر يطيل الصَّلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويحدِّث: أنَّ رسول الله كان يفعل ذلك» فتُعقِّب بأنَّ قوله: «كان يفعل ذلك» عائدٌ على قوله: «ويصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته» ويدلُّ له رواية اللَّيث عن نافعٍ عن عبد الله: «أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثمَّ قال: كان رسول الله يصنع ذلك» رواه مسلمٌ، وأمَّا قوله: «كان يطيل (١) الصَّلاة قبل الجمعة» فإن كان المراد قبل (٢) دخول الوقت فلا يصحُّ أن يكون مرفوعًا لأنَّه كان يخرج إذا زالت الشَّمس، فيشتغل بالخُطبة، ثمَّ بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مُطلَقُ نافلةٍ، لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حجَّة فيه لسُنَّة الجمعة الَّتي قبلها، بل هو تنفُّلٌ مُطلَقٌ، قاله في «الفتح»، وينبغي أن يفصل بين الصَّلاة الَّتي بعد الجمعة وبينها، ولو بنحو كلامٍ أو تحوُّلٍ لأنَّ معاوية أنكر على من صلَّى سُنَّة الجمعة في مقامها، وقال له: «إذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تخرج أو تتكلَّم، فإنَّ رسول الله أمرنا (٣) بذلك، ألَّا تُوصَل صلاةٌ بصلاةٍ حتَّى نخرج أو نتكلَّم» رواه مسلمٌ، وقال أبو يوسف: يصلِّي (٤) بعدها ستًّا، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: أربعًا كالَّتي قبلها، له: أنَّه كان يصلِّي بعد الجمعة أربعًا، ثمَّ يصلِّي ركعتين إذا أراد الانصراف. ولهما: قوله : «من شهد منكم الجمعة فليصلِّ أربعًا قبلها، وبعدها

أربعًا (١)» رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وفيه محمَّد بن عبد الرَّحمن السَّهميُّ، وهو ضعيفٌ عند البخاريِّ وغيره. وقال المالكيَّة: لا يصلِّي بعدها في المسجد لأنَّه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد. وقال صاحب «تنقيح المقنع» من الحنابلة: ولا سُنَّة لجمعةٍ قبلها نصًّا وما بعدها في كلامه (٢).

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.

(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) أي: فرغتم من صلاة الجمعة (﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) للتَّكسُّب والتَّصرُّف في حوائجكم (﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]) أي: رزقه، أو تعليم العلم، والأمر في الموضعين للإباحة بعد الحظر، وقولُ إنَّه للوجوب في حقِّ من يقدر على الكسب قولٌ شاذٌّ (٣)، ووهم من زعم أنَّ الصَّارف للأمر عن الوجوب هنا كونه ورد بعد الحظر لأنَّ ذلك (٤) يستلزم عدم الوجوب، بل الإجماع هو الدَّالُّ على أنَّ الأمر المذكور للإباحة، والَّذي يترجَّح أنَّ في قوله: «انتشروا» و «ابتغوا» إشارةً إلى استدراك ما فاتكم من الَّذي انفضضتم إليه، فينحلُّ إلى أنَّها قضيَّةٌ شرطيَّةٌ، أي: من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها زمانٌ يحصل فيه ما يحتاج إليه في (٥) أمر دنياه ومعاشه فلا يقطع العبادة لأجله، بل يفرغ منها، ويذهب حينئذٍ ليحصِّل حاجته، وقِيلَ: هو في حقِّ من لا شيء عنده ذلك اليوم، فأمره بالطَّلب بأيِّ صورةٍ اتَّفقت ليفرح (٦) عياله ذلك اليوم؛ لأنَّه يوم عيدٍ، وعن بعض السَّلف: من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرَّةٍ، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ ليس لطلب دنياكم، وإنَّما هو عيادة مريضٍ، وحضور جنازةٍ، وزيارة أخٍ في الله.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَعَلَّنَا نَجِدُهَا بِالْإِسْنَادِ فِيمَا بَعْدُ انْتَهَى.

وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْأَطْرَافِ لِأَبِي مَسْعُودٍ وَلَا هِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي مُرْسَلَيِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَسَنَدُهُ سَاقِطٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ عَنْ قِيَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي الْجُمُعَةِ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَأَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ الْجُمُعَةِ يَنْعَقِدُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِفَسْخِ مَا تَبَايَعُوا فِيهِ مِنَ الْعِيرِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ تَرْكِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ نَفْسًا وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَيَجِيءُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ فِي الِابْتِدَاءِ يُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ فَلَمَّا لَمْ تَبْطُلِ الْجُمُعَةُ بِانْفِضَاضِ الزَّائِدِ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَافٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَادَى حَتَّى عَادُوا أَوْ عَادَ مَنْ تُجْزِئُ بِهِمْ، إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا. وَأَيْضًا فَقَدْ فَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فِي هَذَا فَقِيلَ: إِذَا انْعَقَدَتْ لَمْ يَضُرَّ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ بَقِيَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ.

وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ بَقَاءُ وَاحِدٍ مَعَهُ، وَقِيلَ: اثْنَيْنِ، وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا انْفَضُّوا بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَا يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ صَارَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فَقَالَ: إِذَا تَفَرَّقُوا بَعْدَ الِانْعِقَادِ فَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ الْجَمْعُ الَّذِي يَبْقَى مَعَ الْإِمَامِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَتَقَدَّمَ تَرْجِيحُ كَوْنِ الِانْفِضَاضِ وَقَعَ فِي الْخُطْبَةِ لَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِالصَّحَابَةِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْيِ كَآيَةِ لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ، وَقَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَمِيعَ لَوِ انْفَضُّوا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

وَقِيلَ: تَصِحُّ إِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى صَحَّتْ لِمَنْ بَقِيَ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا مُطْلَقًا. وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ أَقْوَالٌ مُخَرَّجَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا الْأَخِيرَ فَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَبْلَ الْخُطْبَةِ زَالَ الْإِشْكَالُ، لَكِنَّهُ مَعَ شُذُوذِهِ مُعْضِلٌ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْأَصِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُمْ ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ أَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي آيَةِ النُّورِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِهَا فِي الصَّحَابَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجُمُعَةِ. وَفَهِمُوا مِنْهَا ذَمَّ ذَلِكَ اجْتَنَبُوهُ فَوُصِفُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا فِي آيَةِ النُّورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا

٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.

[الحديث ٩٣٧ - أطرافه في ١١٨٠. ١١٧٢. ١١٦٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّطَوُّعِ بِالرَّوَاتِبِ وَفِيهِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْأَصْلُ اسْتِوَاءُ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلُ الظُّهْرِ. قَالَ: وَكَانَتْ عِنَايَتُهُ بِحُكْمِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا أَكْثَرَ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فِي تَقْدِيمِ الْقَبْلِ عَلَى الْبَعْدِ انْتَهَى.

وَوَجْهُ الْعِنَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وُرُودُ الْخَبَرِ فِي الْبَعْدِ صَرِيحًا دُونَ الْقَبْلِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا أَعَادَ ابْنُ عُمَرَ ذِكْرَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي سُنَّةَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ بِخِلَافِ الظُّهْرِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلَ الظُّهْرِ وَاقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ تُرِكَ التَّنَفُّلُ بَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهَا الَّتِي حُذِفَتْ. انْتَهَى.

وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا رَكْعَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَقَعْ ذِكْرُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ إِثْبَاتَهَا قِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ. انْتَهَى.

وَقَوَّاهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ قَصَدَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ فِي حُكْمِ التَّنَفُّلِ كَمَا قَصَدَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّافِلَةَ لَهُمَا سَوَاءٌ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى إِثْبَاتِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصْنَعُ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَيَشْتَغِلُ بِالْخُطْبَةِ ثُمَّ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَذَلِكَ مُطْلَقُ نَافِلَةٍ لَا صَلَاةٌ رَاتِبَةٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِسُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بَلْ هُوَ تَنَفُّلٌ مُطْلَقٌ، وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: ثُمَّ صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ.

وَوَرَدَ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَحَادِيثُ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّهْمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ إِنَّهُ حَدِيثٌ وَاهٍ. وَمِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَزَادَ لَا يُفْصَلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِثْلُهُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّوَابُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ مَوْقُوفًا نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ سُلَيْكٍ قَبْلَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَمَرَهُ بِهِمَا النَّبِيُّ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِي كَرَاهَةِ التَّطَوُّعِ نِصْفَ النَّهَارِ وَمَنِ اسْتَثْنَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ.

وَأَقْوَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ عُمُومُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمَاضِي فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

البَعْدِ صريحًا دون القَبْل.

٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ، ولابن عساكر: «عن ابن عمر»: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ) من المسجد إلى بيته (فَيُصَلِّي) فيه (رَكْعَتَيْنِ) لأنَّه لو صلَّاهما في المسجد لربَّما يُتوَهَّم أنَّهما اللَّتان حُذِفتا، وصلاة النَّفل في الخلوة أفضل، ولم يذكر شيئًا في الصَّلاة قبلها، والظَّاهر أنَّه قاسها على الظُّهر، وأقوى ما يُستَدلُّ به في مشروعيَّتها عمومُ ما صحَّحه ابن حبَّان من حديث عبد الله بن الزُّبير مرفوعًا: «ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلَّا وبين يديها ركعتان» وأمَّا احتجاج النَّوويِّ في «الخلاصة» على إثباتها بما في بعض طرق حديث الباب عند أبي داود وابن حبَّان من طريق

أيُّوب عن نافعٍ قال: «كان ابن عمر يطيل الصَّلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته، ويحدِّث: أنَّ رسول الله كان يفعل ذلك» فتُعقِّب بأنَّ قوله: «كان يفعل ذلك» عائدٌ على قوله: «ويصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته» ويدلُّ له رواية اللَّيث عن نافعٍ عن عبد الله: «أنَّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثمَّ قال: كان رسول الله يصنع ذلك» رواه مسلمٌ، وأمَّا قوله: «كان يطيل (١) الصَّلاة قبل الجمعة» فإن كان المراد قبل (٢) دخول الوقت فلا يصحُّ أن يكون مرفوعًا لأنَّه كان يخرج إذا زالت الشَّمس، فيشتغل بالخُطبة، ثمَّ بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مُطلَقُ نافلةٍ، لا صلاةٌ راتبةٌ، فلا حجَّة فيه لسُنَّة الجمعة الَّتي قبلها، بل هو تنفُّلٌ مُطلَقٌ، قاله في «الفتح»، وينبغي أن يفصل بين الصَّلاة الَّتي بعد الجمعة وبينها، ولو بنحو كلامٍ أو تحوُّلٍ لأنَّ معاوية أنكر على من صلَّى سُنَّة الجمعة في مقامها، وقال له: «إذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تخرج أو تتكلَّم، فإنَّ رسول الله أمرنا (٣) بذلك، ألَّا تُوصَل صلاةٌ بصلاةٍ حتَّى نخرج أو نتكلَّم» رواه مسلمٌ، وقال أبو يوسف: يصلِّي (٤) بعدها ستًّا، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: أربعًا كالَّتي قبلها، له: أنَّه كان يصلِّي بعد الجمعة أربعًا، ثمَّ يصلِّي ركعتين إذا أراد الانصراف. ولهما: قوله : «من شهد منكم الجمعة فليصلِّ أربعًا قبلها، وبعدها

أربعًا (١)» رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وفيه محمَّد بن عبد الرَّحمن السَّهميُّ، وهو ضعيفٌ عند البخاريِّ وغيره. وقال المالكيَّة: لا يصلِّي بعدها في المسجد لأنَّه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد. وقال صاحب «تنقيح المقنع» من الحنابلة: ولا سُنَّة لجمعةٍ قبلها نصًّا وما بعدها في كلامه (٢).

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.

(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) أي: فرغتم من صلاة الجمعة (﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) للتَّكسُّب والتَّصرُّف في حوائجكم (﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]) أي: رزقه، أو تعليم العلم، والأمر في الموضعين للإباحة بعد الحظر، وقولُ إنَّه للوجوب في حقِّ من يقدر على الكسب قولٌ شاذٌّ (٣)، ووهم من زعم أنَّ الصَّارف للأمر عن الوجوب هنا كونه ورد بعد الحظر لأنَّ ذلك (٤) يستلزم عدم الوجوب، بل الإجماع هو الدَّالُّ على أنَّ الأمر المذكور للإباحة، والَّذي يترجَّح أنَّ في قوله: «انتشروا» و «ابتغوا» إشارةً إلى استدراك ما فاتكم من الَّذي انفضضتم إليه، فينحلُّ إلى أنَّها قضيَّةٌ شرطيَّةٌ، أي: من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها زمانٌ يحصل فيه ما يحتاج إليه في (٥) أمر دنياه ومعاشه فلا يقطع العبادة لأجله، بل يفرغ منها، ويذهب حينئذٍ ليحصِّل حاجته، وقِيلَ: هو في حقِّ من لا شيء عنده ذلك اليوم، فأمره بالطَّلب بأيِّ صورةٍ اتَّفقت ليفرح (٦) عياله ذلك اليوم؛ لأنَّه يوم عيدٍ، وعن بعض السَّلف: من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرَّةٍ، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ ليس لطلب دنياكم، وإنَّما هو عيادة مريضٍ، وحضور جنازةٍ، وزيارة أخٍ في الله.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله