«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٣

الحديث رقم ٩٣ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ خرج فقام عبد الله بن حذافة…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي. فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ».

سند حديث: ٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ خرج فقام عبد الله بن حذافة…

بَلَغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء، وهو أنهم أكثروا عليه المسألة، فغضب وخطب فقال:

عرضت علي الجنة والنار؛ فلم أر خيرًا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرًّا أكثر مما رأيته اليوم في النار، ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم لأشفقتم إشفاقًا بليغًا، ولقلَّ ضحككُم، وكثر بكاؤكم.

قال أنس رضي الله عنه:

فما أتى على أصحابه صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، وغطّوا رءوسهم ولهم صوت فيه غنة يخرج من الأنف من شدة البكاء.

فقام عمر رضي الله عنه فقال:

رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا.

قال: فقام ذاك الرجل، فقال: من أبي؟

قال: «أَبُوكَ فُلَانٌ»، فَنَزَلَتْ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
[المائدة: 101].

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب البكاء خوفًا من عقاب الله، وعدم إكثار الضحك؛ لأنه يدل على الغفلة وقسوة القلب.
  • تأثر الصحابة رضي الله عنهم بالموعظة، وشدة خوفهم من عقاب الله عز وجل.
  • استحباب تغطية الوجه عند البكاء.
  • قال الخطابي: هذا الحديث فيمن سأل تكلُّفًا أو تعنُّتًا فيما لا حاجة به إليه، فأما من سأل لضرورة بأن وقعت له مسألة فسأل عنها فلا إثم عليه ولا عتب.
  • الحث على الاستقامة على طاعة الله، والبعد عن معاصي الله، والوقوف عند حدود الله.
  • فيه جواز الغضب عند الموعظة والتعليم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ خرج فقام عبد الله بن حذافة…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٩) هذا (بابُ (١) مَنْ بَرَكَ) بفتحتين وتخفيف الرَّاء (على رُكْبَتَيهِ عِندَ الإمام أو المُحَدِّث).

٩٣ - وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة؛ بالمُهمَلَة والزَّاي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ) فسُئِل، فأكثروا عليه، فغضب، فقال: سلوني (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ) السَّهميُّ المهاجريُّ، أحد الذين أدركوا بيعة الرِّضوان (فَقَالَ) يا رسول الله (مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) ، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «قال: من أبي؟» فقال: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) وفي «مسلمٍ»: إنَّه كان يُدعَى لغير أبيه، ولمَّا سمعت أمُّه سُؤْاله قالت: ما سمعت بابنٍ أعقَّ منك، أأمنت أن تكون أمُّك قارفت ما يقارف نساء الجاهليَّة فتفضحها على أعين النَّاس؟! فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسودَ للحقت به. (ثُمَّ أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة (أَنْ يَقُولَ) : (سَلُونِي، فَبَرَكَ) بفتح المُوحَّدة والرَّاء المُخفَّفة (عُمَرُ) (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) يُقَال: برك البعير إذا استناخ، واستُعمِل في الآدميِّ على طريق المجاز غير المُقيَّد؛ وهو أن يكون في حقيقته مُقيَّدًا، فيُستعمَل في الأعمِّ بلا قيدٍ كالمِشْفَر لشفة البعير، فيُستعمَل لمطلق الشَّفة، فيُقَال: زيدٌ غليظ المِشْفر (فَقَالَ) عمر بعد أن برك على ركبتيه تأدُّبًا وإكرامًا لرسول الله وشفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَحْمُول على أَنه أُوحِي إِلَيْهِ بِهِ، إِذْ لَا يعلم كل مَا يسْأَل عَنهُ من المغيبات إلَاّ بإعلام الله تَعَالَى. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: ظَاهر الحَدِيث أَن قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (سلوني) إِنَّمَا كَانَ غَضبا. قَوْله: (عَمَّا شِئْتُم) . وَفِي بعض النّسخ: (عَم شِئْتُم) . بِحَذْف الْألف. قلت: إِنَّه يجب حذف ألف: مَا، الاستفهامية إِذا جرَّت، وإبقاء الفتحة دَلِيلا عَلَيْهَا، نَحْو: فيمَ وإلام وعلام. وَعلة الْحَذف الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (النازعات: ٤٣) . {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (النَّمْل: ٣٥) . {لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصَّفّ: ٢) وَثَبت فِي {لمسكم فِيمَا افضتم فِيهِ عَذَاب عَظِيم} (النُّور: ١٤) {يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك} (الْبَقَرَة: ٤، النِّسَاء: ١٦٢) {مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي} (ص: ٧٥) . وكما لَا تحذف الْألف فِي الْخَبَر لَا تثبت فِي الِاسْتِفْهَام، وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (النبأ: ١) ، فنادرة. وَأما قَول حسان، رَضِي الله عَنهُ:

(علاما قَامَ يَشْتمنِي لئيم ... كخنزير تمرغ فِي رماد)

فضرورة. ويروى: فِي دمان، وَهُوَ كالرماد وزنا وَمعنى. قَوْله: (قَالَ رجل) هُوَ عبد اللَّه بن حذافة. وَقد تقدم تَعْرِيفه فِي: بَاب مَا يذكر من المناولة. قَوْله: (من أبي) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مقول القَوْل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (أَبوك حذافة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة المخففة. فَإِن قلت: لم سَأَلَهُ عَن ذَلِك؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ ينْسب إِلَى غير أَبِيه إِذا لاحى أحدا، فنسبه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَبِيه. فَإِن قلت: من أَيْن عرف رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه ابْنه؟ قلت: إِمَّا بِالْوَحْي، وَهُوَ الظَّاهِر، أَو بِحكم الفراسة، أَو بِالْقِيَاسِ، أَو بالاستلحاق. قَوْله: (فَقَامَ إِلَيْهِ) أَي إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (آخر) أَي: رجل آخر. قَوْله: (أَبوك سَالم) مُبْتَدأ وَخبر مقول القَوْل. قَوْله: (مَا فِي وَجهه) أَي: من أثر الْغَضَب. وَمَا، مَوْصُولَة، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول: رأى، وَهُوَ من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الإبصار، وَلِهَذَا اقْتصر على مفعول وَاحِد. قَوْله: (قَالَ: يَا رَسُول الله) جَوَاب: لما. قَوْله: (إِنَّا نتوب إِلَى الله) جملَة وَقعت مقول القَوْل، أَي: نتوب من الأسئلة الْمَكْرُوهَة مِمَّا لَا يرضاه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عمر، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّهُ لما رأى حرصهم، وَقدر مَا علمه الله، خشِي أَن يكون ذَلِك كالتعنت لَهُ وَالشَّكّ فِي أمره، فَقَالَ: إِنَّا نتوب إِلَى الله.

وَفِي الحَدِيث: فهمُ عمر وفضلُ علمه، فَإِن الْعَالم لَا يسْأَل إلَاّ فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَفِيه كَرَاهَة لسؤال للتعنت، وَفِيه معْجزَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٢٩ - (بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبتَيْهِ عِنْدَ الإِمامِ أَو المُحِدِّثِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من برك، بتَخْفِيف الرَّاء، يُقَال: برك الْبَعِير بروكاً، أَي استناخ، وكل شَيْء ثَبت وَأقَام فقد برك. قَالَ الصغاني: وبرك بروكاً اجْتهد، والتركيب يدل على ثبات الشَّيْء، ثمَّ يتَفَرَّع فروع يُقَارب بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِسْنَاده إِلَى الْإِنْسَان على طَريقَة الْمجَاز الْمُسَمّى بِغَيْر الْمُقَيد، وَهُوَ أَن تكون الْكَلِمَة مَوْضُوعَة لحقيقة من الْحَقَائِق مَعَ قيد، فيستعملها لتِلْك الْحَقِيقَة لَا مَعَ ذَلِك الْقَيْد بمعونة الْقَرِينَة، مثل أَن يسْتَعْمل المشفر وَهُوَ لشفة الْبَعِير لمُطلق الشّفة. فَيَقُول: زيد غليظ المشفر.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غضب الْعَالم على السَّائِل لعدم جريه على مُوجب الْأَدَب، وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر أدب المتعلم عِنْد الْعَالم، فتناسبا من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

٩٣ - حدّثنا أبُو اليَمان قالَ: أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبْرني أنَسُ بنُ مالِكٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرَجَ، فقامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أبي؟ فَقَالَ: (أبوكَ حُذَافَةُ) ثُمَّ أكْثَرَ أنْ يَقُولَ: (سَلُونِي) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رضِينَا بِاللَّه ربًّا وبالإِسْلامِ دِيناً وبمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبِيًّا، فَسَكَتَ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وَرِجَاله أَرْبَعَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْعلم، وَفِي الصَّلَاة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن أبي الْيَمَان عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن الدَّارِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ.

قَوْله: (فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّه) مَعْنَاهُ: رَضِينَا بِمَا عندنَا من كتاب الله وَسنة نَبينَا، واكتفينا بِهِ عَن السُّؤَال أبلغ كِفَايَة. وَقَوله هَذِه الْمقَالة إِنَّمَا كَانَ أدباً وإكراماً لرَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشفقة على الْمُسلمين لِئَلَّا يؤذوا النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فيدخلوا تَحت قَوْله: {إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَاعد لَهُم عذَابا مهيناً} (الْأَحْزَاب: ٥٧) . وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: كَانَ قوم يسْأَلُون رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، استهزاء فَيَقُول الرجل: من أبي؟ وَيَقُول الرجل تضل نَاقَته: أَيْن نَاقَتي؟ فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة. فَإِن قلت: بِمَاذَا نصب: رَبًّا وديناً وَنَبِيًّا؟ قلت: على التَّمْيِيز، وَهُوَ، وَإِن كَانَ الأَصْل أَن يكون فِي الْمَعْنى فَاعِلا، يجوز أَن يكون مَفْعُولا أَيْضا، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وفجرنا الأَرْض عيُونا} (الْقَمَر: ١٢) وَيجوز أَن يكون نصبها على المفعولية، لِأَن: رَضِي إِذا عدي بِالْبَاء يتَعَدَّى إِلَى مفعول آخر، وَالْمرَاد من الدّين هَهُنَا التَّوْحِيد، وَبِه فسر الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا} (آل عمرَان: ٨٥) يَعْنِي التَّوْحِيد، وَأما فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل) الحَدِيث، فقد أطلق رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الدّين على الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان. بقوله: (إِنَّه جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ) . وَإِنَّمَا علمهمْ هَذِه الثَّلَاثَة، وَالْحَاصِل أَن الدّين تَارَة يُطلق على الثَّلَاثَة الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَتارَة يُطلق على الْإِسْلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} (الْمَائِدَة: ٣) وَهَذَا يمْنَع قَول من يَقُول: بَين الْآيَة والْحَدِيث مُعَارضَة حَيْثُ أطلق الدّين فِي الحَدِيث على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَفِي الْآيَة على شَيْء وَاحِد. وَاخْتِلَاف الْإِطْلَاق إِمَّا بالاشتراك أَو بِالْحَقِيقَةِ أَو الْمجَاز أَو بالتواطىء، فَفِي الحَدِيث أطلق على مَجْمُوع الثَّلَاثَة وَهُوَ أحد مدلوليه، وَفِي الْآيَة أطلق على الْإِسْلَام وَحده، وَهُوَ مُسَمَّاهُ الآخر. فَإِن قلت: لم قَالَ. بِالْإِسْلَامِ، وَلم يقل: بِالْإِيمَان؟ قلت: الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَاحِد، فَلَا يرد السُّؤَال. قَوْله: (فَسكت) أَي: رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي بعض النّسخ وجد قبل لَفْظَة ثَلَاثًا أَي: قَالَه ثَلَاث مَرَّات. وَفِي بعض الرِّوَايَات: (فسكن غَضَبه) مَوضِع (فَسكت) . وَكَانَ ذَلِك من أثر مَا قَالَه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يزل موفقاً فِي رَأْيه ينْطق الْحق على لِسَانه، رَضِي الله عَنهُ، وَالله أعلم.

٣٠ - (بَاب مَنْ أعادَ الحَدِيثَ ثَلاثاً لِيُفْهَمَ عَنْهُ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من أعَاد كَلَامه فِي أُمُور الدّين ثَلَاث مَرَّات لأجل أَن يفهم عَنهُ، وَفِي بعض النّسخ: ليفهم، بِكَسْر الْهَاء بِدُونِ لَفْظَة: عَنهُ. أَي: ليفهم غَيره. قَالَ الْخطابِيّ: إِعَادَة الْكَلَام ثَلَاثًا إِمَّا لِأَن من الْحَاضِرين من يقصر فهمه عَن وعيه فيكرره ليفهم، وَإِمَّا أَن يكون القَوْل فِيهِ بعض الْإِشْكَال فيتظاهر بِالْبَيَانِ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: أَو أَرَادَ الإبلاغ فِي التَّعْلِيم والزجر فِي الموعظة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول يرجع إِلَى شَأْن السَّائِل المتعلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي شَأْن المتعلم، لِأَن إِعَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث مَرَّات إِنَّمَا كَانَت لأجل المتعلمين والسائلين ليفهموا كَلَامه حق الْفَهم، وَلَا يفوت عَنْهُم شَيْء من كَلَامه الْكَرِيم.

فَقَالَ: ألَا وقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكرِّرُها

هَذِه قِطْعَة من حَدِيث ذكرهَا على سَبِيل التَّعْلِيق، وَذكره فِي كتاب الشَّهَادَات مَوْصُولا بِتَمَامِهِ، وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا انبئكم بأكبر الْكَبَائِر؟ ثَلَاثًا، قَالُوا: بلَى يَا رَسُول الله. قَالَ: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَجلسَ وَكَانَ مُتكئا، فَقَالَ: أَلا وَقَول الزُّور، فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت) . قَوْله: (أَلا) مخفف حرف التَّنْبِيه، ذكر ليدل على تَحْقِيق مَا بعده وتأكيده. قَوْله: (وَقَول الزُّور) فِي الحَدِيث مَرْفُوع عطفا على قَوْله: (الْإِشْرَاك بِاللَّه) فههنا أَيْضا مَرْفُوع لِأَنَّهُ حِكَايَة عَنهُ، و: الزُّور، بِضَم الزَّاي: الْكَذِب والميل عَن الْحق، وَالْمرَاد مِنْهُ الشَّهَادَة، فَلذَلِك أنث الضَّمِير فِي قَوْله: يكررها، وأنثه بِاعْتِبَار الْجُمْلَة، أَو بِاعْتِبَار الثَّلَاثَة. وَمعنى قَوْله: (فَمَا زَالَ يكررها) أَي: مَا دَامَ فِي مَجْلِسه لَا مُدَّة عمره.

وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثاً

هَذَا أَيْضا، تَعْلِيق وَصله فِي خطْبَة الْوَدَاع عَن عبد اللَّه بن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع: (أَلا أَي شهر تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا شهرنا هَذَا. قَالَ: أَلا أَي بلد تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا بلدنا هَذَا. قَالَ: أَلا أَي يَوْم تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا يَوْمنَا هَذَا. قَالَ: فَإِن الله تبَارك وَتَعَالَى حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ إلَاّ بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي بلدكم هَذَا. فِي شهركم هَذَا أَلا هَل بلغت؟ ثَلَاثًا. كل ذَلِك يجيبونه: أَلا نعم. قَالَ: وَيحكم أَو: وَيْلكُمْ لَا ترجعن بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض) . قَوْله: (ثَلَاثًا) . يتَعَلَّق بقوله: (قَالَ) . لَا بقوله: (بلغت) . وَالْمعْنَى: قَالَ: هَل بلغت؟ ثَلَاث مَرَّات.

٩٤ - حدّثنا عَبْدَةُ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أَنسٍ عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ كانَ إذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثاً وإذَا تَكَلَّمَ بكلِمَةٍ أعادَها ثَلَاثًا. [/ نه

٩٥ - حدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثنا ثُمَامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أنسٍ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ كانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعادَها ثَلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وإذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهْم سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً.

(انْظُر الحَدِيث: ٩٤ وطرفه) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَبدة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد اللَّه بن عَبدة الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، أَبُو سهل، أَصله كُوفِي، روى عَنهُ الْجَمَاعَة إلَاّ مُسلما. قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. وَفِي الْكتب السِّتَّة: عَبدة، ثَلَاثَة أخر: عَبدة بن سُلَيْمَان الْمروزِي روى لَهُ أَبُو دَاوُد. وَعَبدَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْمروزِي روى لَهُ النَّسَائِيّ. وَعَبدَة بن أبي لبَابَة روى لَهُ خَلاد. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بن سعيد بن ذكْوَان التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، أَبُو سهل الْحَافِظ الْحجَّة، مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ. وَفِي الْكتب السِّتَّة: عبد الصَّمد، ثَلَاثَة هَذَا أحدهم. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن حبيب العوذي، أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه لين. الثَّالِث: عبد الصَّمد بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي الْحَافِظ، روى عِنْد التِّرْمِذِيّ. الثَّالِث: عبد اللَّه بن الْمثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَالِد مُحَمَّد القَاضِي بِالْبَصْرَةِ، روى عَن عمومته وَالْحسن، وَعنهُ ابْنه وَغَيره. قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: صَالح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أخرج حَدِيثه. روى لَهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. الرَّابِع: ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين: ابْن عبد اللَّه بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ، قاضيها. روى عَن جده والبراء، وَعنهُ عبد اللَّه ابْن الْمثنى وَمعمر وعدة، وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: ارجو أَنه لَا بَأْس بِهِ، وَأَشَارَ ابْن معِين إِلَى تَضْعِيفه. وَقيل: إِنَّه لم يحمد فِي الْقَضَاء. وَذكر حَدِيث الصَّدقَات لِابْنِ معِين فَقَالَ: لَا يَصح، يرويهِ ثُمَامَة عَن أنس وَهُوَ فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) كَمَا سَيَأْتِي، وَانْفَرَدَ بِحَدِيث: كَانَ قيس بِمَنْزِلَة صَاحب الشرطة من الْأَمِير، وَهُوَ فِي البُخَارِيّ أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وروى حَمَّاد عَنهُ عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على صبي فَقَالَ: لَو نجى أحد من ضمة الْقَبْر لنجى هَذَا الصَّبِي، وَهَذَا مُنكر، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة ثُمَامَة بن عبد اللَّه غير هَذَا، فَافْهَم. وَفِيهِمْ ثُمَامَة سِتَّة عشر.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من هُوَ مُنْفَرد فِي البُخَارِيّ لَيْسَ غَيره. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور عَن عبد الصَّمد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور أَيْضا، وَفِي المناقب عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سَالم بن قُتَيْبَة عَن عبد اللَّه بن الْمثنى بِبَعْضِه: كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لتعقل عَنهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث عبد اللَّه بن الْمثنى.

بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (كَانَ) قَالَ الأصوليون: مثل هَذَا التَّرْكِيب يشْعر بالاستمرار. قلت: لِأَن: كَانَ، تدل على الثُّبُوت والدوام بِخِلَاف: صَار، فَإِنَّهُ يدل على الِانْتِقَال. فَلهَذَا يجوز أَن يُقَال: كَانَ الله، وَلَا يجوز: صَار الله. وَاسم: كَانَ، مستتر فِيهِ، وَالْجُمْلَة الَّتِي بعده خَبره. قَوْله: (بِكَلِمَة) أَي: بِكَلَام هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْبَعْض على الْكل، كَمَا فِي قَوْله: إِن أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر قَول لبيد:

(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل)

قَوْله: (أَعَادَهَا) خبر: إِذا. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (حَتَّى تفهم مِنْهُ) أَي: حَتَّى تعقل مِنْهُ، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، و: حَتَّى، هُنَا مرادفة: لكَي، التعليلية وَقد ذكرنَا عَن قريب وَجه الْإِعَادَة والتكرار. قَوْله: (فَسلم) لَيْسَ جَوَاب: إِذا، وَإِنَّمَا هُوَ عطف على قَوْله: (أَتَى) من تَتِمَّة الشَّرْط، وَالْجَوَاب هُوَ قَوْله: (سلم) وَوجه الثَّلَاث فِي التَّسْلِيم يشبه أَن يكون عِنْد الاسْتِئْذَان، وَقد رُوِيَ عَن سعد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَهُ وَهُوَ فِي بَيته، فَسلم فَلم يجبهُ، ثمَّ سلم ثَانِيًا ثمَّ سلم ثَالِثا، فَانْصَرف. فَخرج سعد فَتَبِعَهُ وَقَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي تسليمك، وَلَكِن أردْت أَن استكثر من بركَة تسليمك) . وَفِيه نظر، لِأَن تَسْلِيمَة الاسْتِئْذَان لَا تثنى إِذا حصل الْإِذْن بِالْأولَى وَلَا تثلث إِذا حصل بِالثَّانِيَةِ. ثمَّ إِنَّه ذكره بِحرف إِذا الْمُقْتَضِيَة لتكرار الْفِعْل كرة بعد أُخْرَى وتسليمه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٩) هذا (بابُ (١) مَنْ بَرَكَ) بفتحتين وتخفيف الرَّاء (على رُكْبَتَيهِ عِندَ الإمام أو المُحَدِّث).

٩٣ - وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة؛ بالمُهمَلَة والزَّاي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ) فسُئِل، فأكثروا عليه، فغضب، فقال: سلوني (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ) السَّهميُّ المهاجريُّ، أحد الذين أدركوا بيعة الرِّضوان (فَقَالَ) يا رسول الله (مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) ، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «قال: من أبي؟» فقال: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) وفي «مسلمٍ»: إنَّه كان يُدعَى لغير أبيه، ولمَّا سمعت أمُّه سُؤْاله قالت: ما سمعت بابنٍ أعقَّ منك، أأمنت أن تكون أمُّك قارفت ما يقارف نساء الجاهليَّة فتفضحها على أعين النَّاس؟! فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسودَ للحقت به. (ثُمَّ أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة (أَنْ يَقُولَ) : (سَلُونِي، فَبَرَكَ) بفتح المُوحَّدة والرَّاء المُخفَّفة (عُمَرُ) (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) يُقَال: برك البعير إذا استناخ، واستُعمِل في الآدميِّ على طريق المجاز غير المُقيَّد؛ وهو أن يكون في حقيقته مُقيَّدًا، فيُستعمَل في الأعمِّ بلا قيدٍ كالمِشْفَر لشفة البعير، فيُستعمَل لمطلق الشَّفة، فيُقَال: زيدٌ غليظ المِشْفر (فَقَالَ) عمر بعد أن برك على ركبتيه تأدُّبًا وإكرامًا لرسول الله وشفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَحْمُول على أَنه أُوحِي إِلَيْهِ بِهِ، إِذْ لَا يعلم كل مَا يسْأَل عَنهُ من المغيبات إلَاّ بإعلام الله تَعَالَى. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: ظَاهر الحَدِيث أَن قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (سلوني) إِنَّمَا كَانَ غَضبا. قَوْله: (عَمَّا شِئْتُم) . وَفِي بعض النّسخ: (عَم شِئْتُم) . بِحَذْف الْألف. قلت: إِنَّه يجب حذف ألف: مَا، الاستفهامية إِذا جرَّت، وإبقاء الفتحة دَلِيلا عَلَيْهَا، نَحْو: فيمَ وإلام وعلام. وَعلة الْحَذف الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (النازعات: ٤٣) . {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (النَّمْل: ٣٥) . {لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصَّفّ: ٢) وَثَبت فِي {لمسكم فِيمَا افضتم فِيهِ عَذَاب عَظِيم} (النُّور: ١٤) {يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك} (الْبَقَرَة: ٤، النِّسَاء: ١٦٢) {مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي} (ص: ٧٥) . وكما لَا تحذف الْألف فِي الْخَبَر لَا تثبت فِي الِاسْتِفْهَام، وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (النبأ: ١) ، فنادرة. وَأما قَول حسان، رَضِي الله عَنهُ:

(علاما قَامَ يَشْتمنِي لئيم ... كخنزير تمرغ فِي رماد)

فضرورة. ويروى: فِي دمان، وَهُوَ كالرماد وزنا وَمعنى. قَوْله: (قَالَ رجل) هُوَ عبد اللَّه بن حذافة. وَقد تقدم تَعْرِيفه فِي: بَاب مَا يذكر من المناولة. قَوْله: (من أبي) جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مقول القَوْل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (أَبوك حذافة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة المخففة. فَإِن قلت: لم سَأَلَهُ عَن ذَلِك؟ قلت: لِأَنَّهُ كَانَ ينْسب إِلَى غير أَبِيه إِذا لاحى أحدا، فنسبه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَبِيه. فَإِن قلت: من أَيْن عرف رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه ابْنه؟ قلت: إِمَّا بِالْوَحْي، وَهُوَ الظَّاهِر، أَو بِحكم الفراسة، أَو بِالْقِيَاسِ، أَو بالاستلحاق. قَوْله: (فَقَامَ إِلَيْهِ) أَي إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (آخر) أَي: رجل آخر. قَوْله: (أَبوك سَالم) مُبْتَدأ وَخبر مقول القَوْل. قَوْله: (مَا فِي وَجهه) أَي: من أثر الْغَضَب. وَمَا، مَوْصُولَة، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول: رأى، وَهُوَ من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الإبصار، وَلِهَذَا اقْتصر على مفعول وَاحِد. قَوْله: (قَالَ: يَا رَسُول الله) جَوَاب: لما. قَوْله: (إِنَّا نتوب إِلَى الله) جملَة وَقعت مقول القَوْل، أَي: نتوب من الأسئلة الْمَكْرُوهَة مِمَّا لَا يرضاه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك عمر، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّهُ لما رأى حرصهم، وَقدر مَا علمه الله، خشِي أَن يكون ذَلِك كالتعنت لَهُ وَالشَّكّ فِي أمره، فَقَالَ: إِنَّا نتوب إِلَى الله.

وَفِي الحَدِيث: فهمُ عمر وفضلُ علمه، فَإِن الْعَالم لَا يسْأَل إلَاّ فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَفِيه كَرَاهَة لسؤال للتعنت، وَفِيه معْجزَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٢٩ - (بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبتَيْهِ عِنْدَ الإِمامِ أَو المُحِدِّثِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من برك، بتَخْفِيف الرَّاء، يُقَال: برك الْبَعِير بروكاً، أَي استناخ، وكل شَيْء ثَبت وَأقَام فقد برك. قَالَ الصغاني: وبرك بروكاً اجْتهد، والتركيب يدل على ثبات الشَّيْء، ثمَّ يتَفَرَّع فروع يُقَارب بَعْضهَا بَعْضًا، وَإِسْنَاده إِلَى الْإِنْسَان على طَريقَة الْمجَاز الْمُسَمّى بِغَيْر الْمُقَيد، وَهُوَ أَن تكون الْكَلِمَة مَوْضُوعَة لحقيقة من الْحَقَائِق مَعَ قيد، فيستعملها لتِلْك الْحَقِيقَة لَا مَعَ ذَلِك الْقَيْد بمعونة الْقَرِينَة، مثل أَن يسْتَعْمل المشفر وَهُوَ لشفة الْبَعِير لمُطلق الشّفة. فَيَقُول: زيد غليظ المشفر.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غضب الْعَالم على السَّائِل لعدم جريه على مُوجب الْأَدَب، وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر أدب المتعلم عِنْد الْعَالم، فتناسبا من هَذِه الْحَيْثِيَّة.

٩٣ - حدّثنا أبُو اليَمان قالَ: أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبْرني أنَسُ بنُ مالِكٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرَجَ، فقامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أبي؟ فَقَالَ: (أبوكَ حُذَافَةُ) ثُمَّ أكْثَرَ أنْ يَقُولَ: (سَلُونِي) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رضِينَا بِاللَّه ربًّا وبالإِسْلامِ دِيناً وبمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبِيًّا، فَسَكَتَ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وَرِجَاله أَرْبَعَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان: الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْعلم، وَفِي الصَّلَاة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن أبي الْيَمَان عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن عبد اللَّه بن عبد الرَّحْمَن الدَّارِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ.

قَوْله: (فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّه) مَعْنَاهُ: رَضِينَا بِمَا عندنَا من كتاب الله وَسنة نَبينَا، واكتفينا بِهِ عَن السُّؤَال أبلغ كِفَايَة. وَقَوله هَذِه الْمقَالة إِنَّمَا كَانَ أدباً وإكراماً لرَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشفقة على الْمُسلمين لِئَلَّا يؤذوا النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. فيدخلوا تَحت قَوْله: {إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَاعد لَهُم عذَابا مهيناً} (الْأَحْزَاب: ٥٧) . وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: كَانَ قوم يسْأَلُون رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، استهزاء فَيَقُول الرجل: من أبي؟ وَيَقُول الرجل تضل نَاقَته: أَيْن نَاقَتي؟ فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة. فَإِن قلت: بِمَاذَا نصب: رَبًّا وديناً وَنَبِيًّا؟ قلت: على التَّمْيِيز، وَهُوَ، وَإِن كَانَ الأَصْل أَن يكون فِي الْمَعْنى فَاعِلا، يجوز أَن يكون مَفْعُولا أَيْضا، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وفجرنا الأَرْض عيُونا} (الْقَمَر: ١٢) وَيجوز أَن يكون نصبها على المفعولية، لِأَن: رَضِي إِذا عدي بِالْبَاء يتَعَدَّى إِلَى مفعول آخر، وَالْمرَاد من الدّين هَهُنَا التَّوْحِيد، وَبِه فسر الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا} (آل عمرَان: ٨٥) يَعْنِي التَّوْحِيد، وَأما فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل) الحَدِيث، فقد أطلق رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الدّين على الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان. بقوله: (إِنَّه جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ) . وَإِنَّمَا علمهمْ هَذِه الثَّلَاثَة، وَالْحَاصِل أَن الدّين تَارَة يُطلق على الثَّلَاثَة الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَتارَة يُطلق على الْإِسْلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا} (الْمَائِدَة: ٣) وَهَذَا يمْنَع قَول من يَقُول: بَين الْآيَة والْحَدِيث مُعَارضَة حَيْثُ أطلق الدّين فِي الحَدِيث على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَفِي الْآيَة على شَيْء وَاحِد. وَاخْتِلَاف الْإِطْلَاق إِمَّا بالاشتراك أَو بِالْحَقِيقَةِ أَو الْمجَاز أَو بالتواطىء، فَفِي الحَدِيث أطلق على مَجْمُوع الثَّلَاثَة وَهُوَ أحد مدلوليه، وَفِي الْآيَة أطلق على الْإِسْلَام وَحده، وَهُوَ مُسَمَّاهُ الآخر. فَإِن قلت: لم قَالَ. بِالْإِسْلَامِ، وَلم يقل: بِالْإِيمَان؟ قلت: الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَاحِد، فَلَا يرد السُّؤَال. قَوْله: (فَسكت) أَي: رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي بعض النّسخ وجد قبل لَفْظَة ثَلَاثًا أَي: قَالَه ثَلَاث مَرَّات. وَفِي بعض الرِّوَايَات: (فسكن غَضَبه) مَوضِع (فَسكت) . وَكَانَ ذَلِك من أثر مَا قَالَه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يزل موفقاً فِي رَأْيه ينْطق الْحق على لِسَانه، رَضِي الله عَنهُ، وَالله أعلم.

٣٠ - (بَاب مَنْ أعادَ الحَدِيثَ ثَلاثاً لِيُفْهَمَ عَنْهُ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من أعَاد كَلَامه فِي أُمُور الدّين ثَلَاث مَرَّات لأجل أَن يفهم عَنهُ، وَفِي بعض النّسخ: ليفهم، بِكَسْر الْهَاء بِدُونِ لَفْظَة: عَنهُ. أَي: ليفهم غَيره. قَالَ الْخطابِيّ: إِعَادَة الْكَلَام ثَلَاثًا إِمَّا لِأَن من الْحَاضِرين من يقصر فهمه عَن وعيه فيكرره ليفهم، وَإِمَّا أَن يكون القَوْل فِيهِ بعض الْإِشْكَال فيتظاهر بِالْبَيَانِ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: أَو أَرَادَ الإبلاغ فِي التَّعْلِيم والزجر فِي الموعظة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول يرجع إِلَى شَأْن السَّائِل المتعلم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي شَأْن المتعلم، لِأَن إِعَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث مَرَّات إِنَّمَا كَانَت لأجل المتعلمين والسائلين ليفهموا كَلَامه حق الْفَهم، وَلَا يفوت عَنْهُم شَيْء من كَلَامه الْكَرِيم.

فَقَالَ: ألَا وقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكرِّرُها

هَذِه قِطْعَة من حَدِيث ذكرهَا على سَبِيل التَّعْلِيق، وَذكره فِي كتاب الشَّهَادَات مَوْصُولا بِتَمَامِهِ، وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا انبئكم بأكبر الْكَبَائِر؟ ثَلَاثًا، قَالُوا: بلَى يَا رَسُول الله. قَالَ: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَجلسَ وَكَانَ مُتكئا، فَقَالَ: أَلا وَقَول الزُّور، فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت) . قَوْله: (أَلا) مخفف حرف التَّنْبِيه، ذكر ليدل على تَحْقِيق مَا بعده وتأكيده. قَوْله: (وَقَول الزُّور) فِي الحَدِيث مَرْفُوع عطفا على قَوْله: (الْإِشْرَاك بِاللَّه) فههنا أَيْضا مَرْفُوع لِأَنَّهُ حِكَايَة عَنهُ، و: الزُّور، بِضَم الزَّاي: الْكَذِب والميل عَن الْحق، وَالْمرَاد مِنْهُ الشَّهَادَة، فَلذَلِك أنث الضَّمِير فِي قَوْله: يكررها، وأنثه بِاعْتِبَار الْجُمْلَة، أَو بِاعْتِبَار الثَّلَاثَة. وَمعنى قَوْله: (فَمَا زَالَ يكررها) أَي: مَا دَامَ فِي مَجْلِسه لَا مُدَّة عمره.

وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثاً

هَذَا أَيْضا، تَعْلِيق وَصله فِي خطْبَة الْوَدَاع عَن عبد اللَّه بن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع: (أَلا أَي شهر تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا شهرنا هَذَا. قَالَ: أَلا أَي بلد تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا بلدنا هَذَا. قَالَ: أَلا أَي يَوْم تعلمونه أعظم حُرْمَة؟ قَالُوا: أَلا يَوْمنَا هَذَا. قَالَ: فَإِن الله تبَارك وَتَعَالَى حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ إلَاّ بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي بلدكم هَذَا. فِي شهركم هَذَا أَلا هَل بلغت؟ ثَلَاثًا. كل ذَلِك يجيبونه: أَلا نعم. قَالَ: وَيحكم أَو: وَيْلكُمْ لَا ترجعن بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض) . قَوْله: (ثَلَاثًا) . يتَعَلَّق بقوله: (قَالَ) . لَا بقوله: (بلغت) . وَالْمعْنَى: قَالَ: هَل بلغت؟ ثَلَاث مَرَّات.

٩٤ - حدّثنا عَبْدَةُ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أَنسٍ عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ كانَ إذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثاً وإذَا تَكَلَّمَ بكلِمَةٍ أعادَها ثَلَاثًا. [/ نه

٩٥ - حدّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثنا ثُمَامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أنسٍ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ كانَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعادَها ثَلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وإذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهْم سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً.

(انْظُر الحَدِيث: ٩٤ وطرفه) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عَبدة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد اللَّه بن عَبدة الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، أَبُو سهل، أَصله كُوفِي، روى عَنهُ الْجَمَاعَة إلَاّ مُسلما. قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. وَفِي الْكتب السِّتَّة: عَبدة، ثَلَاثَة أخر: عَبدة بن سُلَيْمَان الْمروزِي روى لَهُ أَبُو دَاوُد. وَعَبدَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْمروزِي روى لَهُ النَّسَائِيّ. وَعَبدَة بن أبي لبَابَة روى لَهُ خَلاد. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بن سعيد بن ذكْوَان التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْبَصْرِيّ، أَبُو سهل الْحَافِظ الْحجَّة، مَاتَ سنة سبع وَمِائَتَيْنِ. وَفِي الْكتب السِّتَّة: عبد الصَّمد، ثَلَاثَة هَذَا أحدهم. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن حبيب العوذي، أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه لين. الثَّالِث: عبد الصَّمد بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي الْحَافِظ، روى عِنْد التِّرْمِذِيّ. الثَّالِث: عبد اللَّه بن الْمثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَالِد مُحَمَّد القَاضِي بِالْبَصْرَةِ، روى عَن عمومته وَالْحسن، وَعنهُ ابْنه وَغَيره. قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: صَالح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أخرج حَدِيثه. روى لَهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. الرَّابِع: ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين: ابْن عبد اللَّه بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ، قاضيها. روى عَن جده والبراء، وَعنهُ عبد اللَّه ابْن الْمثنى وَمعمر وعدة، وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: ارجو أَنه لَا بَأْس بِهِ، وَأَشَارَ ابْن معِين إِلَى تَضْعِيفه. وَقيل: إِنَّه لم يحمد فِي الْقَضَاء. وَذكر حَدِيث الصَّدقَات لِابْنِ معِين فَقَالَ: لَا يَصح، يرويهِ ثُمَامَة عَن أنس وَهُوَ فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) كَمَا سَيَأْتِي، وَانْفَرَدَ بِحَدِيث: كَانَ قيس بِمَنْزِلَة صَاحب الشرطة من الْأَمِير، وَهُوَ فِي البُخَارِيّ أَيْضا كَمَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وروى حَمَّاد عَنهُ عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على صبي فَقَالَ: لَو نجى أحد من ضمة الْقَبْر لنجى هَذَا الصَّبِي، وَهَذَا مُنكر، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة ثُمَامَة بن عبد اللَّه غير هَذَا، فَافْهَم. وَفِيهِمْ ثُمَامَة سِتَّة عشر.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من هُوَ مُنْفَرد فِي البُخَارِيّ لَيْسَ غَيره. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور عَن عبد الصَّمد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور أَيْضا، وَفِي المناقب عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سَالم بن قُتَيْبَة عَن عبد اللَّه بن الْمثنى بِبَعْضِه: كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا لتعقل عَنهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث عبد اللَّه بن الْمثنى.

بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (كَانَ) قَالَ الأصوليون: مثل هَذَا التَّرْكِيب يشْعر بالاستمرار. قلت: لِأَن: كَانَ، تدل على الثُّبُوت والدوام بِخِلَاف: صَار، فَإِنَّهُ يدل على الِانْتِقَال. فَلهَذَا يجوز أَن يُقَال: كَانَ الله، وَلَا يجوز: صَار الله. وَاسم: كَانَ، مستتر فِيهِ، وَالْجُمْلَة الَّتِي بعده خَبره. قَوْله: (بِكَلِمَة) أَي: بِكَلَام هَذَا من بَاب إِطْلَاق اسْم الْبَعْض على الْكل، كَمَا فِي قَوْله: إِن أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر قَول لبيد:

(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل)

قَوْله: (أَعَادَهَا) خبر: إِذا. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (حَتَّى تفهم مِنْهُ) أَي: حَتَّى تعقل مِنْهُ، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، و: حَتَّى، هُنَا مرادفة: لكَي، التعليلية وَقد ذكرنَا عَن قريب وَجه الْإِعَادَة والتكرار. قَوْله: (فَسلم) لَيْسَ جَوَاب: إِذا، وَإِنَّمَا هُوَ عطف على قَوْله: (أَتَى) من تَتِمَّة الشَّرْط، وَالْجَوَاب هُوَ قَوْله: (سلم) وَوجه الثَّلَاث فِي التَّسْلِيم يشبه أَن يكون عِنْد الاسْتِئْذَان، وَقد رُوِيَ عَن سعد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَهُ وَهُوَ فِي بَيته، فَسلم فَلم يجبهُ، ثمَّ سلم ثَانِيًا ثمَّ سلم ثَالِثا، فَانْصَرف. فَخرج سعد فَتَبِعَهُ وَقَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي تسليمك، وَلَكِن أردْت أَن استكثر من بركَة تسليمك) . وَفِيه نظر، لِأَن تَسْلِيمَة الاسْتِئْذَان لَا تثنى إِذا حصل الْإِذْن بِالْأولَى وَلَا تثلث إِذا حصل بِالثَّانِيَةِ. ثمَّ إِنَّه ذكره بِحرف إِذا الْمُقْتَضِيَة لتكرار الْفِعْل كرة بعد أُخْرَى وتسليمه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام،

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد