«ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٧

الحديث رقم ٩٧ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تعليم الرجل أمته وأهله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٩٧ في صحيح البخاري

«ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ» ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ

إسناد حديث رقم ٩٧ من صحيح البخاري

٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٩٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣١ - بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ

٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ -، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ:، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ.

ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

[الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٥٠٨٣، ٣٤٤٦، ٣٠١١، ٢٥٥١، ٢٥٤٧، ٢٥٤٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الْأَمَةِ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَهْلِ بِالْقِيَاسِ، إِذْ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَّامٍ، وَلِلْأَصِيلِيِّ:، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَسْبُ، وَاعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثٌ آخَرُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَلَدِهِمْ صَحَّفَ الْمُحَارِبِيَّ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ، فَأَخْطَأَ خَطَأً فَاحِشًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) هُوَ صَالِحُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ حَيَّانَ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَلَقَبُهُ حَيٌّ وَهُوَ أَشْهَرُ بِهِ مِنِ اسْمِهِ، وَكَذَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ غَالِبًا: فُلَانُ ابْنُ حَيٍّ كَصَالِحِ بْنِ حَيٍّ هَذَا. وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَفِي طَبَقَتِهِ رَاوٍ آخَرُ كُوفِيٌّ أَيْضًا - يُقَالُ لَهُ: صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ الْقُرَشِيُّ - لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ لِصَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ دُونَ الْقُرَشِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ طُرُقٍ: مِنْهَا فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ هُنَا، فَقَالَ: صَالِحُ بْنُ حَيٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَامِرٌ) أَيْ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ عَامِرٌ، وَعَادَتُهُمْ حَذْفُ قَالَ إِذَا تَكَرَّرَتْ خَطًّا لَا نُطْقًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ) ثَلَاثَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَوْ رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُمْ أَجْرَانِ خَبَرُهُ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) هُوَ بَدَلُ تَفْصِيلٍ، أَوْ بَدَلُ كُلٍّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْمُوعِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) لَفْظُ الْكِتَابِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، أَيِ: الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ يُطْلَقُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِنْجِيلُ خَاصَّةً إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْيَهُودِيَّةِ، كَذَا قَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطِ النَّسْخِ لِأَنَّ عِيسَى كَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا خِلَافٍ، فَمَنْ أَجَابَهُ مِنْهُمْ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ. نَعَمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عِيسَى فَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ مُؤْمِنٌ، إِذْ هُوَ مُؤْمِنٌ بِنَبِيِّهِ مُوسَى وَلَمْ يُكَذِّبْ نَبِيًّا

آخَرَ بعده، فَمَنْ أَدْرَكَ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَآمَنَ بِهِ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً.

نَعَمِ الْإِشْكَالُ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُوَافِقَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيَّ وَفِيمَنْ آمَنَ مَعِي. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِنْهُمْ أَبُي رِفَاعَةَ - إِلَى النَّبِيِّ فَآمَنُوا بِهِ فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَاتِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيُحْتَمَلُ إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ طَرَيَانُ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ سَبَبًا لِقَبُولِ تِلْكَ الْأَدْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوخَةً، انْتَهَى. وَسَأَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ بَعْدُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَشِرْ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى يَهُودِيَّتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَوَائِدُ): الْأُولَى: وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهُوَ صَوَابٌ فِي عَبْدِ اللَّهِ خَطَأٌ فِي كَعْبٍ ; لِأَنَّ كَعْبًا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَّا فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ، وَسَلْمَانَ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ. وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْكِتَابِيُّ الَّذِي يُضَاعَفُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي شَرْعِهِ عَقْدًا وَفِعْلًا إِلَى أَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا فَيُؤْجَرُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، انْتَهَى. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ: أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَهِرَقْلُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَحْثَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ الْبَتَّةَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْآتِي: أَسْلَمْتُ عَلَى مَا أَسْلَفْتُ مِنْ خَيْرٍ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ إِلَّا بِقِيَاسِ الْخَيْرِ عَلَى الْإِيمَانِ. وَأَيْضًا فَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ: آمَنَ بِنَبِيِّهِ الْإِشْعَارُ بِعِلِّيَّةِ الْأَجْرِ، أَيْ: أَنَّ سَبَبَ الْأَجْرَيْنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ كَانَ وِزْرُهُ أَشَدَّ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نِسَاءِ النَّبِيِّ لِكَوْنِ الْوَحْيِ كَانَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِهِنَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْعَدَدُ أَرْبَعَةً؟ أَجَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُنَّ خَاصَّةٌ بِهِنَّ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِنَّ، وَالثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا مَصِيرُ من شَيْخِنَا إِلَى أَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُسْتَمِرَّةٌ، وَقَدِ ادَّعَى الْكِرْمَانِيُّ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَنْ آمَنَ فِي عَهْدِ الْبَعْثَةِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ بَعْثَتِهِ، انْتَهَى. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَتِمُّ لِمَنْ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فَإِنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣١) (بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ أمَةَ الرَّجل من أهل بيته.

٩٧ - وبالسَّند قال: (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) ولكريمة: «حدَّثنا محمَّدٌ» (هُوَ ابْنُ سَلَامٍ) أي: بتخفيف اللَّام، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ» وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «حدثني محمَّد بن سلام قال»: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالحاء المُهمَلَة، وكسر الرَّاء والمُوحَّدة، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن زيادٍ الكوفيُّ، المُوثَّق، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ (١) ابْنُ حَيَّانَ) بفتح المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ونسبه لجدِّه الأعلى لشهرته به، وإلَّا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيَّان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيُّ الضَّعيف (قَالَ) أي: صالحٌ (قَالَ عَامِرٌ) هو ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) بفتح المُعجَمَة وسكون المُهمَلَة وبالمُوحَّدة: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو موسى

الأشعريُّ، كما صرَّح به في «العتق» [خ¦٢٥٤٤] وغيره (قَالَ) أي: أبو موسى: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، خبره جملة: (لَهُمْ أَجْرَانِ) أوَّلهم: (رَجُلٌ) وكذا امرأةٌ (مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط، على القول بأنَّ النَّصرانيَّة ناسخةٌ لليهوديَّة، حال كونه قد (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، مع إيمانه بمحمَّد المنعوت في التَّوراة والإنجيل، المأخوذ له الميثاق على سائر النَّبيِّين وأممهم (وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ) أي: آمن (١) بأنَّه هو الموصوف في الكتابين، ويأتي -إن شاء الله تعالى- ما في ذلك من المباحث في «باب فضل من أسلم من أهل الكتابين» في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠١١] (وَ) الثَّاني: (العَبْدُ المَمْلُوكُ) أي: جنس العبد المملوك (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ) تعالى، أي: كالصَّلاة والصَّوم (وَحَقَّ مَوَالِيْهِ) بسكون الياء، جمع مَولًى لتحصل مُقابَلة (٢) الجمع في جنس العبيد بجمع المولى، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين مَوَالٍ، والمُرَاد من حقِّهم: خدمتهم، ووصف «العبد» بـ «المملوك» لأنَّ كلَّ النَّاس عباد الله، فميَّزه بكونه مملوكًا للنَّاس (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) زاد في رواية الأربعة «٥ س ط ص» (٣) (يَطَؤُهَا) بالهمزة (فَأَدَّبَهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) بلطفٍ ورفقٍ من غير عنفٍ (وَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمه من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا) بعد أن أَصْدَقَهَا (فَلَهُ أَجْرَانِ) الضَّمير يرجع إلى «الرَّجل» الأخير، وإنَّما لم يقتصر على قوله: «فلهم أجران» مع كونه داخلًا في الثَّلاثة بحكم العطف لأنَّ الجهة كانت فيه متعدِّدةً؛ وهي التَّأديب والتَّعليم والعتق والتَّزوُّج (٤)، وكان (٥)

مظنَّة أن يستحقَّ من (١) الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: «فله أجران» إشارةً إلى أنَّ المُعتَبَر من الجهات أمران، وإنَما اعْتُبِر اثنين فقط لأنَّ التَّأديب والتَّعليم يوجبان الأجر في الأجنبيِّ والأولاد وجميع النَّاس، فلم يكن مختصًّا بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلَّا في العتق والتَّزوُّج (٢)، وإنَّما ذكر الآخرين (٣) لأنَّ التَّأديب والتَّعليم أكمل للأجر؛ إذ تزوُّجُ المرأةِ المُؤدَّبةِ المُعلَّمة أكثرُ بركةً وأقرب إلى أن تُعِين زوجها على دينه، وعطف بـ «ثمَّ» في العتق وفي السَّابق بالفاء لأنَّ التَّأديب والتَّعليم ينفعان في الوطء، بل لا بدَّ منهما فيه (٤)، والعتق نقلٌ من صنفٍ إلى صنفٍ، ولا يخفى ما بين الصِّنفين من البُعد، بل من الضِّدِّيَّة في الأحكام والمُنافَاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًّا على التَّراخي بخلاف التَّأديب وغيره ممَّا ذُكِرَ، فإن قلت: إذا لم يطأِ الأَمَةَ لكن أدَّبها هل له أجران؟ أُجِيب: بأنَّ المراد تمكُّنه من وطئها شرعًا وإن لم يطأْها. انتهى. وإنَّما عُرِّف «العبد» ونُكِّر «رجلٌ» في الموضعين الأخيرين لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، وكذا الإتيان في «العبد» بـ «إذا» دون القسم الأوَّل لأنَّها ظرفٌ، و «آمن»: حالٌ، وهي في حكم الظَّرف لأنَّ معنى: جاء زيد راكبًا: في وقت الرُّكوب وحاله، أو (٥) يُقال: في وجه المُخالَفَة الإشعار بفائدةٍ عظيمةٍ (٦) وهي أنَّ الإيمان بنبيِّه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدَّ من الإيمان في عهده حتَّى يستحقَّ أجرين بخلاف العبد، فإنَّه في زمان الاستقبال يستحقُّ الأجرين أيضًا، فأتى بـ «إذا» التي للاستقبال، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: هو غير مستقيمٍ لأنَّه مشى فيه مع ظاهر اللَّفظ، وليس مُتَّفقًا عليه بين الرُّواة، بل هو عند المصنِّف وغيره مختلفٌ، فقد عبَّر في «ترجمة عيسى» بـ «إذا» في الثَّلاثة، وعبَّر في «النِّكاح» [خ¦٣٤٤٦] بقوله: «أيُّما رجلٍ» في المواضع الثَّلاثة [خ¦٥٠٨٣] وهي صريحةٌ في التَّعميم، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الجهاد» [خ¦٣٠١١].

(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) الشَّعبيُّ لراويه صالحٍ المذكور: (أَعْطَيْنَاكَهَا) أي: أعطينا المسألة أو المقالة إيَّاك (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من أجرةٍ، بل بثواب التَّعليم والتَّبليغ (١)، أو الخطاب لرجلٍ من أهل خراسان سأل الشَّعبيَّ عمَّن يعتق أَمَتَه ثمَّ يتزوَّجها، كما عند المؤلِّف في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٤٦] والأوَّل قاله الكِرمانيُّ، والثَّاني قاله العينيُّ كابن حجرٍ، وهو الرَّاجح (قَدْ) وللأَصيليِّ: «وقد» بالواو، ولغيره -كما قاله العينيُّ والبرماويُّ-: «فقد» (كَانَ يُرْكَبُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الكاف، أي: يرحل (فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة، والضَّمير للمسألة أو المقالة، وقد ظهر أنَّ مُطابَقَة الحديث للتَّرجمة في «الأمة» بالنَّص، وفي «الأهل» بالقياس؛ إذِ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله تعالى وسنن رسوله آكدُ من الاعتناء بالإماء.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم كوفيُّون، ما خلا ابن سَلَامٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» (٢) [خ¦٢٥٤٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١١] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٣) وابن ماجه.

(٣٢) هذا (بابُ عِظَةِ الإِمَامِ) أي: الأعظم أو نائبه (النِّسَاءَ) أي: تذكيرهنَّ العواقب (وَتَعْلِيمِهِنَّ) أمور الدِّين، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ (٤).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣١ - بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ

٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ -، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ:، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ.

ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

[الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٥٠٨٣، ٣٤٤٦، ٣٠١١، ٢٥٥١، ٢٥٤٧، ٢٥٤٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الْأَمَةِ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَهْلِ بِالْقِيَاسِ، إِذْ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَّامٍ، وَلِلْأَصِيلِيِّ:، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَسْبُ، وَاعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثٌ آخَرُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَلَدِهِمْ صَحَّفَ الْمُحَارِبِيَّ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ، فَأَخْطَأَ خَطَأً فَاحِشًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) هُوَ صَالِحُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ حَيَّانَ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَلَقَبُهُ حَيٌّ وَهُوَ أَشْهَرُ بِهِ مِنِ اسْمِهِ، وَكَذَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ غَالِبًا: فُلَانُ ابْنُ حَيٍّ كَصَالِحِ بْنِ حَيٍّ هَذَا. وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَفِي طَبَقَتِهِ رَاوٍ آخَرُ كُوفِيٌّ أَيْضًا - يُقَالُ لَهُ: صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ الْقُرَشِيُّ - لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ لِصَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ دُونَ الْقُرَشِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ طُرُقٍ: مِنْهَا فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ هُنَا، فَقَالَ: صَالِحُ بْنُ حَيٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَامِرٌ) أَيْ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ عَامِرٌ، وَعَادَتُهُمْ حَذْفُ قَالَ إِذَا تَكَرَّرَتْ خَطًّا لَا نُطْقًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ) ثَلَاثَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَوْ رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُمْ أَجْرَانِ خَبَرُهُ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) هُوَ بَدَلُ تَفْصِيلٍ، أَوْ بَدَلُ كُلٍّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْمُوعِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) لَفْظُ الْكِتَابِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، أَيِ: الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ يُطْلَقُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِنْجِيلُ خَاصَّةً إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْيَهُودِيَّةِ، كَذَا قَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطِ النَّسْخِ لِأَنَّ عِيسَى كَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا خِلَافٍ، فَمَنْ أَجَابَهُ مِنْهُمْ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ. نَعَمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عِيسَى فَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ مُؤْمِنٌ، إِذْ هُوَ مُؤْمِنٌ بِنَبِيِّهِ مُوسَى وَلَمْ يُكَذِّبْ نَبِيًّا

آخَرَ بعده، فَمَنْ أَدْرَكَ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَآمَنَ بِهِ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً.

نَعَمِ الْإِشْكَالُ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُوَافِقَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيَّ وَفِيمَنْ آمَنَ مَعِي. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِنْهُمْ أَبُي رِفَاعَةَ - إِلَى النَّبِيِّ فَآمَنُوا بِهِ فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَاتِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيُحْتَمَلُ إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ طَرَيَانُ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ سَبَبًا لِقَبُولِ تِلْكَ الْأَدْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوخَةً، انْتَهَى. وَسَأَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ بَعْدُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَشِرْ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى يَهُودِيَّتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَوَائِدُ): الْأُولَى: وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهُوَ صَوَابٌ فِي عَبْدِ اللَّهِ خَطَأٌ فِي كَعْبٍ ; لِأَنَّ كَعْبًا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَّا فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ، وَسَلْمَانَ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ. وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْكِتَابِيُّ الَّذِي يُضَاعَفُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي شَرْعِهِ عَقْدًا وَفِعْلًا إِلَى أَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا فَيُؤْجَرُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، انْتَهَى. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ: أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَهِرَقْلُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَحْثَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ الْبَتَّةَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْآتِي: أَسْلَمْتُ عَلَى مَا أَسْلَفْتُ مِنْ خَيْرٍ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ إِلَّا بِقِيَاسِ الْخَيْرِ عَلَى الْإِيمَانِ. وَأَيْضًا فَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ: آمَنَ بِنَبِيِّهِ الْإِشْعَارُ بِعِلِّيَّةِ الْأَجْرِ، أَيْ: أَنَّ سَبَبَ الْأَجْرَيْنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ كَانَ وِزْرُهُ أَشَدَّ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نِسَاءِ النَّبِيِّ لِكَوْنِ الْوَحْيِ كَانَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِهِنَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْعَدَدُ أَرْبَعَةً؟ أَجَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُنَّ خَاصَّةٌ بِهِنَّ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِنَّ، وَالثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا مَصِيرُ من شَيْخِنَا إِلَى أَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُسْتَمِرَّةٌ، وَقَدِ ادَّعَى الْكِرْمَانِيُّ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَنْ آمَنَ فِي عَهْدِ الْبَعْثَةِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ بَعْثَتِهِ، انْتَهَى. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَتِمُّ لِمَنْ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فَإِنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣١) (بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ أمَةَ الرَّجل من أهل بيته.

٩٧ - وبالسَّند قال: (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) ولكريمة: «حدَّثنا محمَّدٌ» (هُوَ ابْنُ سَلَامٍ) أي: بتخفيف اللَّام، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ» وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «حدثني محمَّد بن سلام قال»: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالحاء المُهمَلَة، وكسر الرَّاء والمُوحَّدة، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن زيادٍ الكوفيُّ، المُوثَّق، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ (١) ابْنُ حَيَّانَ) بفتح المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ونسبه لجدِّه الأعلى لشهرته به، وإلَّا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيَّان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيُّ الضَّعيف (قَالَ) أي: صالحٌ (قَالَ عَامِرٌ) هو ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) بفتح المُعجَمَة وسكون المُهمَلَة وبالمُوحَّدة: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو موسى

الأشعريُّ، كما صرَّح به في «العتق» [خ¦٢٥٤٤] وغيره (قَالَ) أي: أبو موسى: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، خبره جملة: (لَهُمْ أَجْرَانِ) أوَّلهم: (رَجُلٌ) وكذا امرأةٌ (مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط، على القول بأنَّ النَّصرانيَّة ناسخةٌ لليهوديَّة، حال كونه قد (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، مع إيمانه بمحمَّد المنعوت في التَّوراة والإنجيل، المأخوذ له الميثاق على سائر النَّبيِّين وأممهم (وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ) أي: آمن (١) بأنَّه هو الموصوف في الكتابين، ويأتي -إن شاء الله تعالى- ما في ذلك من المباحث في «باب فضل من أسلم من أهل الكتابين» في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠١١] (وَ) الثَّاني: (العَبْدُ المَمْلُوكُ) أي: جنس العبد المملوك (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ) تعالى، أي: كالصَّلاة والصَّوم (وَحَقَّ مَوَالِيْهِ) بسكون الياء، جمع مَولًى لتحصل مُقابَلة (٢) الجمع في جنس العبيد بجمع المولى، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين مَوَالٍ، والمُرَاد من حقِّهم: خدمتهم، ووصف «العبد» بـ «المملوك» لأنَّ كلَّ النَّاس عباد الله، فميَّزه بكونه مملوكًا للنَّاس (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) زاد في رواية الأربعة «٥ س ط ص» (٣) (يَطَؤُهَا) بالهمزة (فَأَدَّبَهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) بلطفٍ ورفقٍ من غير عنفٍ (وَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمه من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا) بعد أن أَصْدَقَهَا (فَلَهُ أَجْرَانِ) الضَّمير يرجع إلى «الرَّجل» الأخير، وإنَّما لم يقتصر على قوله: «فلهم أجران» مع كونه داخلًا في الثَّلاثة بحكم العطف لأنَّ الجهة كانت فيه متعدِّدةً؛ وهي التَّأديب والتَّعليم والعتق والتَّزوُّج (٤)، وكان (٥)

مظنَّة أن يستحقَّ من (١) الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: «فله أجران» إشارةً إلى أنَّ المُعتَبَر من الجهات أمران، وإنَما اعْتُبِر اثنين فقط لأنَّ التَّأديب والتَّعليم يوجبان الأجر في الأجنبيِّ والأولاد وجميع النَّاس، فلم يكن مختصًّا بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلَّا في العتق والتَّزوُّج (٢)، وإنَّما ذكر الآخرين (٣) لأنَّ التَّأديب والتَّعليم أكمل للأجر؛ إذ تزوُّجُ المرأةِ المُؤدَّبةِ المُعلَّمة أكثرُ بركةً وأقرب إلى أن تُعِين زوجها على دينه، وعطف بـ «ثمَّ» في العتق وفي السَّابق بالفاء لأنَّ التَّأديب والتَّعليم ينفعان في الوطء، بل لا بدَّ منهما فيه (٤)، والعتق نقلٌ من صنفٍ إلى صنفٍ، ولا يخفى ما بين الصِّنفين من البُعد، بل من الضِّدِّيَّة في الأحكام والمُنافَاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًّا على التَّراخي بخلاف التَّأديب وغيره ممَّا ذُكِرَ، فإن قلت: إذا لم يطأِ الأَمَةَ لكن أدَّبها هل له أجران؟ أُجِيب: بأنَّ المراد تمكُّنه من وطئها شرعًا وإن لم يطأْها. انتهى. وإنَّما عُرِّف «العبد» ونُكِّر «رجلٌ» في الموضعين الأخيرين لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، وكذا الإتيان في «العبد» بـ «إذا» دون القسم الأوَّل لأنَّها ظرفٌ، و «آمن»: حالٌ، وهي في حكم الظَّرف لأنَّ معنى: جاء زيد راكبًا: في وقت الرُّكوب وحاله، أو (٥) يُقال: في وجه المُخالَفَة الإشعار بفائدةٍ عظيمةٍ (٦) وهي أنَّ الإيمان بنبيِّه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدَّ من الإيمان في عهده حتَّى يستحقَّ أجرين بخلاف العبد، فإنَّه في زمان الاستقبال يستحقُّ الأجرين أيضًا، فأتى بـ «إذا» التي للاستقبال، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: هو غير مستقيمٍ لأنَّه مشى فيه مع ظاهر اللَّفظ، وليس مُتَّفقًا عليه بين الرُّواة، بل هو عند المصنِّف وغيره مختلفٌ، فقد عبَّر في «ترجمة عيسى» بـ «إذا» في الثَّلاثة، وعبَّر في «النِّكاح» [خ¦٣٤٤٦] بقوله: «أيُّما رجلٍ» في المواضع الثَّلاثة [خ¦٥٠٨٣] وهي صريحةٌ في التَّعميم، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الجهاد» [خ¦٣٠١١].

(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) الشَّعبيُّ لراويه صالحٍ المذكور: (أَعْطَيْنَاكَهَا) أي: أعطينا المسألة أو المقالة إيَّاك (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من أجرةٍ، بل بثواب التَّعليم والتَّبليغ (١)، أو الخطاب لرجلٍ من أهل خراسان سأل الشَّعبيَّ عمَّن يعتق أَمَتَه ثمَّ يتزوَّجها، كما عند المؤلِّف في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٤٦] والأوَّل قاله الكِرمانيُّ، والثَّاني قاله العينيُّ كابن حجرٍ، وهو الرَّاجح (قَدْ) وللأَصيليِّ: «وقد» بالواو، ولغيره -كما قاله العينيُّ والبرماويُّ-: «فقد» (كَانَ يُرْكَبُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الكاف، أي: يرحل (فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة، والضَّمير للمسألة أو المقالة، وقد ظهر أنَّ مُطابَقَة الحديث للتَّرجمة في «الأمة» بالنَّص، وفي «الأهل» بالقياس؛ إذِ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله تعالى وسنن رسوله آكدُ من الاعتناء بالإماء.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم كوفيُّون، ما خلا ابن سَلَامٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» (٢) [خ¦٢٥٤٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١١] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٣) وابن ماجه.

(٣٢) هذا (بابُ عِظَةِ الإِمَامِ) أي: الأعظم أو نائبه (النِّسَاءَ) أي: تذكيرهنَّ العواقب (وَتَعْلِيمِهِنَّ) أمور الدِّين، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ (٤).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله