«ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٧

الحديث رقم ٩٧ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تعليم الرجل أمته وأهله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن…

«ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ» ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

سند حديث: ٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ…

٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن…

ثلاثة أصناف من البشر يُضاعف لهم الأجر مرتين يوم القيامة، ثم ذكرهم بقوله: رجُلٌ من أهل الكتاب، أي من اليهود والنصارى، آمن بِنَبِيِّه الذي أرسل إليه سابقا، وهو موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بلوغ دعوته. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وبلغته دعوته آمن به، فهذا له أجران، أجر على إيمانه برسوله الذي أرسله إليه أولاً، وأجر على إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والعَبْد المملوك إذا قام بعبادة الله تعالى وأدى ما يكلفه به سيده على أحسن وجه فله أجران، ورجل كانت عنده جارية مملوكة فربَّاها تربية صالحة، وعلمها أمور دينها من حلال وحرام، ثم حررها من العبودية، ثم تزوجها، فله أجران:
الأجر الأول: على تعليمها وعتقها.
والأجر الثاني: على إحسانه إليها بعد أن أعتقها لم يضيعها، بل تزوجها وكفَّها وأحصن فرجها

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل العبد المملوك الصالح الناصح، ومضاعفة أجره عند الله لتحمله لما يدخل عليه من المشقة في قيامه بعبادة ربه، واشتغاله بخدمة سيده.
  • مواساة الضعفاء كالعبيد ومن في معناهم وتطييب خاطرهم وحثهم على الصبر على ما امتحنوا به، وأن يحتسبوا ذلك عند ربهم تبارك وتعالى.
  • حث المسلمين على العناية بمن في أيديهم من المماليك، وإحسان تربيتهم، وتعليمهم ما ينفعهم.
  • حث أهل الكتاب للدخول في الإسلام ليكون لهم فضل الإيمان بنبيهم، وفضل الإيمان برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- فيكون أجرهم مضاعفًا.
  • من تزوج أمته بعد عِتقها؛ فله أجران.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣١ - بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ

٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ -، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ:، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ.

ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

[الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٥٠٨٣، ٣٤٤٦، ٣٠١١، ٢٥٥١، ٢٥٤٧، ٢٥٤٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الْأَمَةِ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَهْلِ بِالْقِيَاسِ، إِذْ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَّامٍ، وَلِلْأَصِيلِيِّ:، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَسْبُ، وَاعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثٌ آخَرُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَلَدِهِمْ صَحَّفَ الْمُحَارِبِيَّ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ، فَأَخْطَأَ خَطَأً فَاحِشًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) هُوَ صَالِحُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ حَيَّانَ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَلَقَبُهُ حَيٌّ وَهُوَ أَشْهَرُ بِهِ مِنِ اسْمِهِ، وَكَذَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ غَالِبًا: فُلَانُ ابْنُ حَيٍّ كَصَالِحِ بْنِ حَيٍّ هَذَا. وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَفِي طَبَقَتِهِ رَاوٍ آخَرُ كُوفِيٌّ أَيْضًا - يُقَالُ لَهُ: صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ الْقُرَشِيُّ - لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ لِصَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ دُونَ الْقُرَشِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ طُرُقٍ: مِنْهَا فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ هُنَا، فَقَالَ: صَالِحُ بْنُ حَيٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَامِرٌ) أَيْ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ عَامِرٌ، وَعَادَتُهُمْ حَذْفُ قَالَ إِذَا تَكَرَّرَتْ خَطًّا لَا نُطْقًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ) ثَلَاثَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَوْ رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُمْ أَجْرَانِ خَبَرُهُ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) هُوَ بَدَلُ تَفْصِيلٍ، أَوْ بَدَلُ كُلٍّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْمُوعِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) لَفْظُ الْكِتَابِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، أَيِ: الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ يُطْلَقُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِنْجِيلُ خَاصَّةً إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْيَهُودِيَّةِ، كَذَا قَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطِ النَّسْخِ لِأَنَّ عِيسَى كَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا خِلَافٍ، فَمَنْ أَجَابَهُ مِنْهُمْ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ. نَعَمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عِيسَى فَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ مُؤْمِنٌ، إِذْ هُوَ مُؤْمِنٌ بِنَبِيِّهِ مُوسَى وَلَمْ يُكَذِّبْ نَبِيًّا

آخَرَ بعده، فَمَنْ أَدْرَكَ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَآمَنَ بِهِ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً.

نَعَمِ الْإِشْكَالُ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُوَافِقَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيَّ وَفِيمَنْ آمَنَ مَعِي. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِنْهُمْ أَبُي رِفَاعَةَ - إِلَى النَّبِيِّ فَآمَنُوا بِهِ فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَاتِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيُحْتَمَلُ إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ طَرَيَانُ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ سَبَبًا لِقَبُولِ تِلْكَ الْأَدْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوخَةً، انْتَهَى. وَسَأَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ بَعْدُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَشِرْ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى يَهُودِيَّتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَوَائِدُ): الْأُولَى: وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهُوَ صَوَابٌ فِي عَبْدِ اللَّهِ خَطَأٌ فِي كَعْبٍ ; لِأَنَّ كَعْبًا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَّا فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ، وَسَلْمَانَ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ. وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْكِتَابِيُّ الَّذِي يُضَاعَفُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي شَرْعِهِ عَقْدًا وَفِعْلًا إِلَى أَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا فَيُؤْجَرُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، انْتَهَى. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ: أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَهِرَقْلُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَحْثَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ الْبَتَّةَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْآتِي: أَسْلَمْتُ عَلَى مَا أَسْلَفْتُ مِنْ خَيْرٍ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ إِلَّا بِقِيَاسِ الْخَيْرِ عَلَى الْإِيمَانِ. وَأَيْضًا فَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ: آمَنَ بِنَبِيِّهِ الْإِشْعَارُ بِعِلِّيَّةِ الْأَجْرِ، أَيْ: أَنَّ سَبَبَ الْأَجْرَيْنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ كَانَ وِزْرُهُ أَشَدَّ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نِسَاءِ النَّبِيِّ لِكَوْنِ الْوَحْيِ كَانَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِهِنَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْعَدَدُ أَرْبَعَةً؟ أَجَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُنَّ خَاصَّةٌ بِهِنَّ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِنَّ، وَالثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا مَصِيرُ من شَيْخِنَا إِلَى أَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُسْتَمِرَّةٌ، وَقَدِ ادَّعَى الْكِرْمَانِيُّ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَنْ آمَنَ فِي عَهْدِ الْبَعْثَةِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ بَعْثَتِهِ، انْتَهَى. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَتِمُّ لِمَنْ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فَإِنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣١) (بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ أمَةَ الرَّجل من أهل بيته.

٩٧ - وبالسَّند قال: (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) ولكريمة: «حدَّثنا محمَّدٌ» (هُوَ ابْنُ سَلَامٍ) أي: بتخفيف اللَّام، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ» وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «حدثني محمَّد بن سلام قال»: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالحاء المُهمَلَة، وكسر الرَّاء والمُوحَّدة، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن زيادٍ الكوفيُّ، المُوثَّق، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ (١) ابْنُ حَيَّانَ) بفتح المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ونسبه لجدِّه الأعلى لشهرته به، وإلَّا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيَّان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيُّ الضَّعيف (قَالَ) أي: صالحٌ (قَالَ عَامِرٌ) هو ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) بفتح المُعجَمَة وسكون المُهمَلَة وبالمُوحَّدة: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو موسى

الأشعريُّ، كما صرَّح به في «العتق» [خ¦٢٥٤٤] وغيره (قَالَ) أي: أبو موسى: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، خبره جملة: (لَهُمْ أَجْرَانِ) أوَّلهم: (رَجُلٌ) وكذا امرأةٌ (مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط، على القول بأنَّ النَّصرانيَّة ناسخةٌ لليهوديَّة، حال كونه قد (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، مع إيمانه بمحمَّد المنعوت في التَّوراة والإنجيل، المأخوذ له الميثاق على سائر النَّبيِّين وأممهم (وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ) أي: آمن (١) بأنَّه هو الموصوف في الكتابين، ويأتي -إن شاء الله تعالى- ما في ذلك من المباحث في «باب فضل من أسلم من أهل الكتابين» في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠١١] (وَ) الثَّاني: (العَبْدُ المَمْلُوكُ) أي: جنس العبد المملوك (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ) تعالى، أي: كالصَّلاة والصَّوم (وَحَقَّ مَوَالِيْهِ) بسكون الياء، جمع مَولًى لتحصل مُقابَلة (٢) الجمع في جنس العبيد بجمع المولى، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين مَوَالٍ، والمُرَاد من حقِّهم: خدمتهم، ووصف «العبد» بـ «المملوك» لأنَّ كلَّ النَّاس عباد الله، فميَّزه بكونه مملوكًا للنَّاس (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) زاد في رواية الأربعة «٥ س ط ص» (٣) (يَطَؤُهَا) بالهمزة (فَأَدَّبَهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) بلطفٍ ورفقٍ من غير عنفٍ (وَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمه من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا) بعد أن أَصْدَقَهَا (فَلَهُ أَجْرَانِ) الضَّمير يرجع إلى «الرَّجل» الأخير، وإنَّما لم يقتصر على قوله: «فلهم أجران» مع كونه داخلًا في الثَّلاثة بحكم العطف لأنَّ الجهة كانت فيه متعدِّدةً؛ وهي التَّأديب والتَّعليم والعتق والتَّزوُّج (٤)، وكان (٥)

مظنَّة أن يستحقَّ من (١) الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: «فله أجران» إشارةً إلى أنَّ المُعتَبَر من الجهات أمران، وإنَما اعْتُبِر اثنين فقط لأنَّ التَّأديب والتَّعليم يوجبان الأجر في الأجنبيِّ والأولاد وجميع النَّاس، فلم يكن مختصًّا بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلَّا في العتق والتَّزوُّج (٢)، وإنَّما ذكر الآخرين (٣) لأنَّ التَّأديب والتَّعليم أكمل للأجر؛ إذ تزوُّجُ المرأةِ المُؤدَّبةِ المُعلَّمة أكثرُ بركةً وأقرب إلى أن تُعِين زوجها على دينه، وعطف بـ «ثمَّ» في العتق وفي السَّابق بالفاء لأنَّ التَّأديب والتَّعليم ينفعان في الوطء، بل لا بدَّ منهما فيه (٤)، والعتق نقلٌ من صنفٍ إلى صنفٍ، ولا يخفى ما بين الصِّنفين من البُعد، بل من الضِّدِّيَّة في الأحكام والمُنافَاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًّا على التَّراخي بخلاف التَّأديب وغيره ممَّا ذُكِرَ، فإن قلت: إذا لم يطأِ الأَمَةَ لكن أدَّبها هل له أجران؟ أُجِيب: بأنَّ المراد تمكُّنه من وطئها شرعًا وإن لم يطأْها. انتهى. وإنَّما عُرِّف «العبد» ونُكِّر «رجلٌ» في الموضعين الأخيرين لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، وكذا الإتيان في «العبد» بـ «إذا» دون القسم الأوَّل لأنَّها ظرفٌ، و «آمن»: حالٌ، وهي في حكم الظَّرف لأنَّ معنى: جاء زيد راكبًا: في وقت الرُّكوب وحاله، أو (٥) يُقال: في وجه المُخالَفَة الإشعار بفائدةٍ عظيمةٍ (٦) وهي أنَّ الإيمان بنبيِّه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدَّ من الإيمان في عهده حتَّى يستحقَّ أجرين بخلاف العبد، فإنَّه في زمان الاستقبال يستحقُّ الأجرين أيضًا، فأتى بـ «إذا» التي للاستقبال، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: هو غير مستقيمٍ لأنَّه مشى فيه مع ظاهر اللَّفظ، وليس مُتَّفقًا عليه بين الرُّواة، بل هو عند المصنِّف وغيره مختلفٌ، فقد عبَّر في «ترجمة عيسى» بـ «إذا» في الثَّلاثة، وعبَّر في «النِّكاح» [خ¦٣٤٤٦] بقوله: «أيُّما رجلٍ» في المواضع الثَّلاثة [خ¦٥٠٨٣] وهي صريحةٌ في التَّعميم، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الجهاد» [خ¦٣٠١١].

(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) الشَّعبيُّ لراويه صالحٍ المذكور: (أَعْطَيْنَاكَهَا) أي: أعطينا المسألة أو المقالة إيَّاك (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من أجرةٍ، بل بثواب التَّعليم والتَّبليغ (١)، أو الخطاب لرجلٍ من أهل خراسان سأل الشَّعبيَّ عمَّن يعتق أَمَتَه ثمَّ يتزوَّجها، كما عند المؤلِّف في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٤٦] والأوَّل قاله الكِرمانيُّ، والثَّاني قاله العينيُّ كابن حجرٍ، وهو الرَّاجح (قَدْ) وللأَصيليِّ: «وقد» بالواو، ولغيره -كما قاله العينيُّ والبرماويُّ-: «فقد» (كَانَ يُرْكَبُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الكاف، أي: يرحل (فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة، والضَّمير للمسألة أو المقالة، وقد ظهر أنَّ مُطابَقَة الحديث للتَّرجمة في «الأمة» بالنَّص، وفي «الأهل» بالقياس؛ إذِ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله تعالى وسنن رسوله آكدُ من الاعتناء بالإماء.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم كوفيُّون، ما خلا ابن سَلَامٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» (٢) [خ¦٢٥٤٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١١] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٣) وابن ماجه.

(٣٢) هذا (بابُ عِظَةِ الإِمَامِ) أي: الأعظم أو نائبه (النِّسَاءَ) أي: تذكيرهنَّ العواقب (وَتَعْلِيمِهِنَّ) أمور الدِّين، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ (٤).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على بَاب سعد نَادِر، وَلم يذكر عَنهُ فِي غير هَذَا الحَدِيث. وَالْوَجْه فِيهِ أَن يُقَال مَعْنَاهُ: كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا أَتَى على قوم سلم عَلَيْهِم تَسْلِيمَة الاسْتِئْذَان، وَإِذا دخل سلم تَسْلِيمَة التَّحِيَّة، ثمَّ إِذا قَامَ من الْمجْلس سلم تَسْلِيمَة الْوَدَاع. وَهَذِه التسليمات كلهَا مسنونة. وَكَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يواظب عَلَيْهَا وَلَا يزِيد عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة على الْأَقْسَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حرف: إِذا، لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل إِنَّمَا الْمُقْتَضى لَهُ من الْحُرُوف: كلما، فَقَط. نعم التَّرْكِيب مُفِيد للاستمرار، ثمَّ مَا قَالَ هُوَ أَمر نَادِر لم يذكر فِي غَيره مَمْنُوع، وَكَيف وَقد صَحَّ حَدِيث: (إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع) ؟ قلت: نعم: إِذا لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل، وَلَكِن من اقتضائه الثَّبَات والدوام، وَيصدق عَلَيْهِ التّكْرَار. وَقَوله: (إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا) أَعم من أَن يكون بِالسَّلَامِ وَغَيره.

وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه أَن الثَّلَاث غَايَة مَا يَقع بِهِ الْبَيَان والأعذار. قلت: اخْتلف فِيمَا إِذا ظن أَنه لم يسمع هَل يزِيد على الثَّلَاث؟ فَقيل: لَا يزِيد أخذا بِظَاهِر الحَدِيث. وَقيل: يزِيد. وَالسّنة أَن يسلم ثَلَاثًا، فَيَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم، أَدخل.

٩٦ - حدّثنا مُسَدَّدُ قَالَ: حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ يُوسُفَ بنِ ماهِكٍ عنْ عَبْدِ اللَّه بنِ عَمْرٍ وَقال: تخَلَّفَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ سافَرْناهُ فادْرَكَنَا وقَدْ أَرْهقنا الصَّلاةُ، صلاةَ العَصْرِ، ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا نَمْسَحُ عَلى أرْجُلْنا، فَنادَى بأعْلَى صَوْتِهِ: (وَيْلٌ لْلأعْقابِ مِنَ النارِ) مَرَّتَيْنِ أَو ثَلاثاً.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي: بَاب من رفع صَوته بِالْعلمِ، غير أَنه أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة، وَهنا عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة، واسْمه: الوضاح، وَأَبُو بشر اسْمه: جَعْفَر بن إِيَاس. وَالِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن فِي موضِعين: احدهما: قَوْله: (فِي سفر سافرناه) ، وَهُنَاكَ: (فِي سفرة سافرناها) وَالْآخر: قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) : لَيْسَ بمذكور هُنَاكَ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الرَّاء أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أدركنا، وَالْحَال أَن صَلَاة الْعَصْر قد أدركتنا. قَوْله: (ارهقنا الصَّلَاة) بِوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: بِسُكُون الْقَاف، وَنصب الصَّلَاة على المفعولية. وَالْآخر: بتحريك الْقَاف وَرفع الصَّلَاة على الفاعلية. وَقَوله: (صَلَاة الْعَصْر) بِالرَّفْع وَالنّصب بدل من الصَّلَاة، أَو بَيَان. وَالْوَاو فِي: وَنحن، أَيْضا للْحَال. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٣١ - (بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أمَتَهُ وأهْلَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْلِيم الرجل جَارِيَته وَأهل بَيته. الْأمة: أَصله: أموة بِالتَّحْرِيكِ لِأَنَّهُ يجمع على آم، وَهُوَ أفعل، مثل نَاقَة وأنيق، وَلَا يجمع فعلة بالتسكين على ذَلِك، وَيجمع على إِمَاء أَيْضا. وَيُقَال: أَمُوت أموة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أموى بِالْفَتْح، وتصغيرها: أُميَّة، وَهُوَ اسْم قَبيلَة أَيْضا، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أموى أَيْضا بِالْفَتْح، وَرُبمَا تضم. وَالْفرق بَين الجمعين أَن الأول جمع قلَّة، وَالثَّانِي جمع كَثْرَة. وأصل آم: أءمؤ، على وزن أفعل، كأكلب، فأبدل من ضمة الْوَاو يَاء فَصَارَ: اءمى، ثمَّ أعل إعلال قاضٍ، فَصَارَ: اءم، ثمَّ قلبت الْهمزَة الثَّانِيَة الْفَا فَصَارَ: آم، وأصل إِمَاء: إماو، كعقاب، فابدلت الْوَاو همزَة لوقوعها طرفا بعد ألف زَائِدَة، وَيجمع أَيْضا على: إموان، مثل إخْوَان. قَالَ الشَّاعِر.

(إِذا ترامى بَنو الإموان بالعار)

فَإِن قلت: الْأمة من أهل الْبَيْت فَكيف عطف عَلَيْهِ الْأَهْل؟ قلت: هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْعَام، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، فتناسبا من هَذِه الْجِهَة.

٩٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلَامٍ حدّثنا المُحَارِبِيُّ قَالَ: حدّثنا صالِحُ بنُ حَيَّانَ قالَ: قالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حدّثني أبُو بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثُةٌ لَهُمْ أجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنِ، بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ

إذَا أدَّى حَقَّ الله تَعَالَى وَحق مَوالِيهِ، وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ فأدَّبَها فأحسَنَ تَأدِيبهَا وعَلَّمَها فأحْسَنَ تَعْلِيمَها ثمَّ أعْتَقها فَتَزَوَّجَها فَلهُ أَجْرَانِ) ثمَّ قالَ عامِرُ: اعْطَيناكَهَا بَغْيرِ شَيْءٍ قَدْ كانَ يَرْكَبُ فِيما دُونَها إلَى المَدِينَةِ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْأمة فَقَط بِحَسب الظَّاهِر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على تَعْلِيم الْأَهْل، وَأما ذكر الْأَهْل فَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون بطرِيق الْقيَاس على الْأمة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بِالنَّصِّ، والاعتناء بتعليم الْحَرَائِر الْأَهْل من الْأُمُور الدِّينِيَّة أَشد من الْإِمَاء. وَالْآخر: أَن يكون قد أَرَادَ أَن يضع فِيهِ حَدِيثا يدل عَلَيْهِ فَمَا اتّفق لَهُ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام على الْأَصَح، وَقد تقدم. الثَّانِي: الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالراء الْمَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مُشَدّدَة: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن زِيَاد الْكُوفِي. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق إِذا حدث عَن الثِّقَات، ويروي عَن المجهولين أَحَادِيث مُنكرَة فَيفْسد حَدِيثه بروايته عَنْهُم، مَاتَ سنة خَمْسَة وَتِسْعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: صَالح بن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ اسْم جد أَبِيه نسب إِلَيْهِ وَهُوَ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، ولقبه: حَيّ، وَهُوَ أشهر بِهِ من اسْمه، وَفِي طبقته آخر كُوفِي أَيْضا يُقَال لَهُ: صَالح بن حَيَّان الْقرشِي، لكنه ضَعِيف وَهَذَا ثِقَة مَشْهُور، وَقد طعن من لَا خبْرَة لَهُ فِي البُخَارِيّ أَنه أخرج الصَّالح بن حَيَّان وظنه صَالح بن حَيَّان الْقرشِي، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا أخرج الصَّالح بن حَيَّان الَّذِي يلقب أَبوهُ بالحي، وَهَذَا الحَدِيث مَعْرُوف بروايته عَن الشّعبِيّ دون رِوَايَة الْقرشِي عَنهُ، وَقد أخرج البُخَارِيّ من حَدِيثه من طرق، مِنْهَا فِي الْجِهَاد من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا صَالح ابْن حَيّ، قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ وَصَالح ابْن حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي الثَّوْريّ، ثَوْر هَمدَان، وَهُوَ ثَوْر بن مَالك بن مُعَاوِيَة بن دومان بن بكيل بن جشم بن حَيَوَان بن نوف بن هَمدَان، وَهُوَ وَالِد الْحسن وَعلي، قَالَ الكلاباذي: مَاتَ هُوَ وَابْنه عَليّ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَابْنه الْحسن سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو بردة عَامر الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي قاضيها. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى عبد اللَّه بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا ابْن سَلام. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. قَوْله: (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام) . وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حَدثنَا مُحَمَّد) فَحسب، وَاعْتَمدهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فَقَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد، قيل: هُوَ ابْن سَلام. قَوْله: (أَنبأَنَا الْمحَاربي) ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَدثنَا الْمحَاربي) ، وَلَيْسَ عِنْد البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الْعِيدَيْنِ. قَوْله: (قَالَ عَامر) تَقْدِيره: قَالَ صَالح: قَالَ عَامر. وعادتهم حذف قَالَ إِذا تَكَرَّرت خطا لَا نطقاً.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَفِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد اللَّه بن الْمُبَارك، وَفِي النِّكَاح عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، ثَلَاثَتهمْ عَن صَالح بن حَيَّان. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن عبيد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، أربعتهم عَن صَالح بن حَيَّان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن ابْن أبي عمر بِهِ، وَعَن هناد بن السّري عَن عَليّ بن مسْهر عَن الْفضل بن يزِيد عَنهُ، وَقَالَ: حسن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن أبي زَائِدَة عَن صَالح بِهِ، وَعَن هناد بن السّري عَن أبي زبيد عشير ابْن الْقَاسِم عَن مطرف عَن عَامر بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي سعيد الْأَشَج عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ثَلَاثَة) مُبْتَدأ تَقْدِيره: ثَلَاثَة رجال أَو رجال ثَلَاثَة. وَقَوله: (لَهُم أَجْرَانِ) مُبْتَدأ وَخبر، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. قَوْله: (رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: بدل من ثَلَاثَة أَو الْجُمْلَة صفته، و: رجل، وَمَا عطف عَلَيْهِ خَبره. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ بَدَلا أهوَ بدل الْبَعْض أَو بدل الْكل؟ قلت: بِالنّظرِ إِلَى كل رجل بدل الْبَعْض، وبالنظر إِلَى الْمَجْمُوع بدل الْكل.

قلت: الأولى أَن يُقَال: رجل، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَو لَهُم، أَو: الأول رجل من أهل الْكتاب. وَقَوله: (من أهل الْكتاب) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لرجل. قَوْله: (آمن) ، حَال بِتَقْدِير: قد. و (آمن) ، الثَّانِي، عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَالْعَبْد) ، عطف على قَوْله: رجل، قَوْله: (حق الله) كَلَام إضافي مفعول. (أدّى) و: (حق موَالِيه) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرجل) ، عطف على: رجل، الأول. قَوْله: (كَانَت عِنْده أمة) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لرجل، وارتفاع أمة لكَونهَا اسْم: كَانَت. قَوْله: (يَطَؤُهَا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة، أمة. قَوْله: (فأدبها) عطف على: يَطَؤُهَا. قَوْله: (فَأحْسن تأديبها) عطف على: فأدبها، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها ثمَّ اعتقها فَتَزَوجهَا) بَعْضهَا مَعْطُوف على بعض، وَإِنَّمَا عطف الْجَمِيع بِالْفَاءِ مَا خلا: (ثمَّ اعتقها) ، فَإِنَّهُ عطفه: بثم، وَذَلِكَ لِأَن التَّأْدِيب والتعليم يتعقبان على الْوَطْء، بل لَا بُد مِنْهُمَا فِي نفس الْوَطْء بل قبله أَيْضا لوجوبهما على السَّيِّد بعد التَّمَلُّك، بِخِلَاف الْإِعْتَاق. أَو لِأَن الْإِعْتَاق نقل من صنف من أَصْنَاف الأناسي إِلَى صنف آخر مِنْهَا، وَلَا يخفى مَا بَين الصِّنْفَيْنِ: الْمُنْتَقل مِنْهُ، والمنتقل إِلَيْهِ من الْبعد، بل من الضدية فِي الْأَحْكَام والمنافاة فِي الْأَحْوَال، فَنَاسَبَ لفظ دَال على التَّرَاخِي بِخِلَاف التَّأْدِيب. قَوْله: (فَلهُ اجران) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الضَّمِير يرجع إِلَى الرجل الثَّالِث، وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى كل من الثَّلَاث. قلت: بل يرجع إِلَى الرجل الْأَخير، وَإِنَّمَا لم يقْتَصر على قَوْله أَولا: لَهُم أَجْرَانِ، مَعَ كَونه دَاخِلا فِي الثَّلَاثَة بِحكم الْعَطف، لِأَن الْجِهَة كَانَت فِيهِ مُتعَدِّدَة، وَهِي التَّأْدِيب والتعليم وَالْعِتْق والتزوج، وَكَانَت مَظَنَّة أَن يسْتَحق الْأجر أَكثر من ذَلِك، فَأَعَادَ قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، إِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر من الْجِهَات أَمْرَانِ. فَإِن قلت: لِمَ لِمْ يعْتَبر إلَاّ اثْنَتَانِ وَلم يعْتَبر الْكل؟ قلت: لِأَن التَّأْدِيب والتعليم يوجبان الْأجر فِي الْأَجْنَبِيّ وَالْأَوْلَاد وَجَمِيع النَّاس فَلم يكن مُخْتَصًّا بالإماء، فَلم يبْق الِاعْتِبَار إلَاّ فِي الْجِهَتَيْنِ، وهما: الْعتْق والتزوج. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْمُعْتَبر أَمريْن، فَمَا فَائِدَة ذكر الْأَمريْنِ الآخرين؟ قلت: لِأَن التَّأْدِيب والتعليم أكمل لِلْأجرِ، إِذْ تزوج الْمَرْأَة المؤدبة المعلمة أَكثر بركَة وَأقرب إِلَى أَن تعين زَوجهَا على دينه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: يَنْبَغِي أَن يكون لهَذَا الْأَخير أجور أَرْبَعَة: أجر التَّأْدِيب والتعليم وَالْإِعْتَاق والتزوج، بل سَبْعَة. قلت: الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الصُّورَة واخواتها الْجمع بَين الْأَمريْنِ اللَّذين هما كالمتنافيين، فَلهَذَا لم يعْتَبر فِيهَا إلَاّ الْأجر الَّذِي من جِهَة الْأَحْوَال الَّتِي للرقية، وَالَّذِي من جِهَة الْأَحْوَال الَّتِي للحرية، وَلِهَذَا ميز بَينهمَا بِلَفْظ: ثمَّ، دون غَيرهمَا. قلت: هَذَا كَلَام حسن، وَلَكِن فِي قَوْله: هما كالمتنافيين، نظر لَا يخفى.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أهل الْكتاب) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هم الَّذين بقوا على مَا بعث بِهِ نَبِيّهم من غير تَبْدِيل وَلَا تَحْرِيف، فَمن بَقِي على ذَلِك حَتَّى بعث نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَآمن بِهِ فَلهُ الْأجر مرَّتَيْنِ، وَمن بدل مِنْهُم أَو حرف لم يبْق لَهُ أجر فِي دينه فَلَيْسَ لَهُ أجر إلَاّ بإيمانه بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل إجراؤه على عُمُومه إِذْ لَا يبعد أَن يكون طريان الْإِيمَان بِهِ سَببا لإعطاء الْأجر مرَّتَيْنِ: مرّة على أَعْمَالهم الْخَيْر الَّذِي فَعَلُوهُ فِي ذَلِك الدّين، وَإِن كَانُوا مبدلين محرفين. فَإِنَّهُ قد جَاءَ أَن مبرات الْكفَّار وحسناتهم مَقْبُولَة بعد الْإِسْلَام. وَمرَّة على الْإِيمَان بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِهِ هُنَا أهل الْإِنْجِيل خَاصَّة إِن قُلْنَا: إِن النَّصْرَانِيَّة ناسخة لِلْيَهُودِيَّةِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى اشْتِرَاط النّسخ لِأَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ قد أرسل إِلَى بني إِسْرَائِيل بِلَا خلاف، فَمن أَجَابَهُ مِنْهُم نسب إِلَيْهِ وَمن كذبه مِنْهُم وَاسْتمرّ على يَهُودِيَّته لم يكن مُؤمنا، فَلَا يتَنَاوَلهُ الْخَيْر، لِأَن شَرطه أَن يكون مُؤمنا بِنَبِيِّهِ. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الْألف وَاللَّام فِي: الْكتاب، للْعهد، إِمَّا من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَإِمَّا من الْإِنْجِيل. قَالَ الله عز وَجل: {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ} (الْقَصَص: ٥٢) إِلَى وَقَوله: {أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ} (الْقَصَص: ٥٤) فالآية مُوَافقَة لهَذَا الحَدِيث، وَهِي نزلت فِي طَائِفَة آمنُوا مِنْهُم: كَعبد اللَّه بن سَلام وَغَيره. وَفِي الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث رِفَاعَة الْقرظِيّ، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فيّ وَفِي من آمن معي، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَليّ بن رِفَاعَة الْقرظِيّ، قَالَ: خرج عشرَة من أهل الْكتاب مِنْهُم أَبُو رِفَاعَة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فآمنوا بِهِ فأوذوا فَنزلت: {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ} (الْقَصَص: ٥٢) الْآيَات، فَهَؤُلَاءِ من بني إِسْرَائِيل، وَلم يُؤمنُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بل استمروا على الْيَهُودِيَّة إِلَى أَن آمنُوا بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ثَبت أَنهم يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ، وَيُمكن أَن يُقَال فِي حق هَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُم لم تبلغهم دَعْوَة عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهَا لم تنشر فِي أَكثر الْبِلَاد، فاستمروا على يهوديتهم مُؤمنين بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام فآمنوا بِمُحَمد،

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي (شرح ابْن التِّين) أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي كَعْب الْأَحْبَار وَعبد اللَّه ابْن سَلام. قلت: عبد اللَّه بن سَلام صَوَاب، وَقَوله: كَعْب الْأَحْبَار خطأ، لِأَن كَعْبًا لَيست لَهُ صُحْبَة وَلم يسلم إلَاّ فِي زمن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْكِتَابِيّ الَّذِي يُضَاعف أجره هُوَ الَّذِي كَانَ على الْحق فِي فعله عقدا وفعلاً إِلَى أَن آمن بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيؤجر على اتِّبَاع الْحق الأول وَالثَّانِي، وَفِيه نظر، لِأَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب إِلَى هِرقل: (أسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ) ، وهرقل كَانَ مِمَّن دخل فِي النَّصْرَانِيَّة بعد التبديل. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك الْبونِي وَغَيره: إِن الحَدِيث لَا يتَنَاوَل الْيَهُود أَلْبَتَّة، وَفِيه نظر أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه يحْتَمل أَن يتَنَاوَل سَائِر الْأُمَم فِيمَا فَعَلُوهُ من خير، كَمَا فِي حَدِيث حَكِيم بن حزَام: (أسلمت على مَا أسلفت من خير) . وَفِيه نظر، لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِأَهْل الْكتاب فَلَا يتَنَاوَل غَيرهم.

وَأَيْضًا فَقَوله: (آمن بِنَبِيِّهِ) إِشْعَار بعلية الْأجر، أَي أَن سَبَب الأجرين من الْإِيمَان بالنبيين، وَالْكفَّار لَيْسُوا كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بِمن آمن مِنْهُم فِي عهد الْبعْثَة أم شَامِل لمن آمن مِنْهُم فِي زَمَاننَا أَيْضا؟ قلت: مُخْتَصّ بهم لِأَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَيْسَ بِنَبِيِّهِمْ بعد الْبعْثَة، بل نَبِيّهم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعْدهَا. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يتم بِمن لم تبلغهم الدعْوَة، وَمَا قَالَه شَيخنَا أظهر، أَرَادَ بِهِ مَا قَالَه من قَوْله: إِن هَذِه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قلت: لَيْسَ بِظَاهِر مَا قَالَه هُوَ،، وَلَا مَا قَالَه شَيْخه، أما عدم ظُهُور مَا قَالَه فَهُوَ أَن ببعثة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْقَطَعت دَعْوَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَارْتَفَعت شَرِيعَته، فَدخل جَمِيع الْكفَّار، أهل الْكتاب وَغَيرهم، تَحت دَعْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَوَاء بلغتهم الدعْوَة أَو لَا. وَلِهَذَا يُقَال: هم أهل الدعْوَة، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن من لم تبلغه الدعْوَة لَا تطلق عَلَيْهِم بِالْفِعْلِ، وَأما بِالْقُوَّةِ فليسوا بِخَارِجِينَ عَنْهَا. وَأما عدم ظُهُور مَا قَالَه شَيْخه فَهُوَ أَنه دَعْوَى بِلَا دَلِيل، لِأَن ظَاهر الحَدِيث يردهُ لِأَنَّهُ قيد فِي حق أهل الْكتاب بقوله: (آمن بِنَبِيِّهِ) ، وَقد قُلْنَا: إِنَّه حَال، وَالْحَال قيد، فَكَانَ الشَّرْط فِي كَون الأجرين للرجل الَّذِي هُوَ من أهل الْكتاب أَن يكون قد آمن بِنَبِيِّهِ الَّذِي كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِ، ثمَّ آمن بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والكتابي بعد الْبعْثَة لَيْسَ لَهُ نَبِي غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قُلْنَا من انْقِطَاع دَعْوَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالبعثة، فَإِذا آمن اسْتحق أجرا وَاحِدًا فِي مُقَابلَة إيمَانه بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوث إِلَيْهِ، وَهُوَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما الحكم فِي الْأَخيرينِ، وهما: العَبْد وَصَاحب الْأمة فَهُوَ مُسْتَمر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. ثمَّ هَذَا الْقَائِل: وَأما مَا قوى بِهِ الْكرْمَانِي دَعْوَاهُ بِكَوْن السِّيَاق مُخْتَلفا حَيْثُ قيل فِي مؤمني أهل الْكتاب: (رجل) بالتنكير، وَفِي العَبْد بالتعريف، وَحَيْثُ زيدت فِيهِ: إِذا، الدَّالَّة على معنى الِاسْتِقْبَال، فأشعر ذَلِك بِأَن الأجرين لمؤمني أهل الْكتاب لَا يَقع فِي الِاسْتِقْبَال، بِخِلَاف العَبْد، انْتهى. وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ مَشى فِيهِ مَعَ ظَاهر اللَّفْظ، وَلَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الروَاة، بل هُوَ عِنْد المُصَنّف وَغَيره مُخْتَلف، فقد عبر فِي تَرْجَمَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بإذا، فِي الثَّلَاثَة. وَعبر فِي النِّكَاح بقوله: (أَيّمَا رجل) . فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة، وَهِي صَرِيحَة فِي التَّعْمِيم، وَأما الِاخْتِلَاف بالتعريف والتنكير فَلَا أثر لَهُ هَهُنَا، لِأَن الْمُعَرّف بلام الْجِنْس مؤدٍ مؤدى النكرَة. قلت: لَيْسَ قصد الْكرْمَانِي مَا ذكره الْقَائِل، وَإِنَّمَا قَصده بَيَان النُّكْتَة فِي ذكر أَفْرَاد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث بمخالفة الثَّانِي الأول وَالثَّالِث، حَيْثُ ذكر الأول بقوله: (رجل من أهل الْكتاب) ، وَالثَّالِث كَذَلِك بقول: (رجل كَانَت عِنْده أمة) ، وَذكر الثَّانِي بقوله: (وَالْعَبْد الْمَمْلُوك) فِي التَّعْرِيف، فَخَالف الأول وَالثَّالِث فِي التَّعْرِيف والتنكير، وَأَيْضًا ذكر الثَّانِي بِكَلِمَة: إِذا، حَيْثُ قَالَ: (إِذا أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه) ، وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يذكر الْكل على نسق وَاحِد بِأَن يُقَال: وَعبد مَمْلُوك أدّى حق الله، أَو رجل مَمْلُوك أدّى حق الله، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا مُخَالفَة عِنْد التَّحْقِيق، يَعْنِي الْمُخَالفَة بِحَسب الظَّاهِر، وَلَكِن فِي نفس الْأَمر لَا مُخَالفَة. ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: إِذْ الْمُعَرّف بلام الْجِنْس مؤد مؤدى النكرَة، وَكَذَا لَا مُخَالفَة فِي دُخُول: إِذا، لِأَن: إِذا، للظرف. و: آمن، حَال، وَالْحَال فِي حكم الظّرْف، إِذْ معنى جَاءَ زيد رَاكِبًا جَاءَ فِي وَقت الرّكُوب وَفِي حَاله. وتعليل هَذَا الْقَائِل قَوْله: وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، بقوله: لِأَنَّهُ مَشى مَعَ ظَاهر اللَّفْظ، غير مُسْتَقِيم. لِأَن بَيَان النكات بِحَسب مَا وَقع فِي ظواهر الْأَلْفَاظ، وَالِاخْتِلَاف من الروَاة فِي لفظ الحَدِيث لَا يضر دَعْوَى الْكرْمَانِي من قَوْله: إِن الأجرين لمؤمني أهل الْكتاب لَا يَقع فِي الِاسْتِقْبَال، أما وُقُوع: إِذا، فِي الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: إِذا، للاستقبال فَهُوَ أَن حُصُول الأجرين مَشْرُوط بِالْإِيمَان بِنَبِيِّهِ ثمَّ بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قُلْنَا: إِن بالبعثة تَنْقَطِع دَعْوَة غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يبْق إلَاّ الْإِيمَان بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يحصل، إلَاّ أجر وَاحِد لانْتِفَاء شَرط الأجرين. وَأما وُقُوع: أَيّمَا، وَإِن كَانَت تدل على التَّعْمِيم

صَرِيحًا، فَهُوَ فِي تَعْمِيم جنس أهل الْكتاب، وَلَا يلْزم من تَعْمِيم ذَلِك تَعْمِيم الأجرين فِي حق أهل الْكتاب، ثمَّ إعلم أَن قَوْله: (رجل من أهل الْكتاب) ، يدْخل فِيهِ أَيْضا الْمَرْأَة الْكِتَابِيَّة، لما علم من أَنه حَيْثُ يذكر الرِّجَال يدْخل فيهم النِّسَاء بالتبعية. قَوْله: (وَالْعَبْد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف بالمملوك لِأَن جَمِيع الأناسي عباد الله تَعَالَى، فَأَرَادَ تَمْيِيزه بِكَوْنِهِ مَمْلُوكا للنَّاس. قَوْله: (إِذا أدّى حق الله) أَي: مثل الصَّلَاة وَالصَّوْم (وَحقّ موَالِيه) ، مثل خدمته. وَالْمولى مُشْتَرك بَين المعتَق والمعتِق وَابْن الْعم والناصر وَالْجَار والحليف، وكل من ولي أَمر أحدٍ، وَالْمرَاد هُنَا الْأَخير، أَي السَّيِّد، إِذْ هُوَ الْمُتَوَلِي لأمر العَبْد، والقرينة الْمعينَة لَهُ لفظ العَبْد فَإِن قلت: لِمَ لَا يحمل على جَمِيع الْمعَانِي كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، إِذْ عِنْده: يجب الْحمل على جَمِيع مَعَانِيه الْغَيْر المتضادة، قلت: ذَاك عِنْد عدم الْقَرِينَة، أما عِنْد الْقَرِينَة فَيجب حمله على مَا عينته الْقَرِينَة اتِّفَاقًا. فَإِن قلت: فَهَل هُوَ مجَاز فِي الْمَعْنى الْمعِين إِذْ الِاحْتِيَاج إِلَى الْقَرِينَة هُوَ من عَلَامَات الْمجَاز أم لَا؟ قلت: هُوَ حَقِيقَة فِيهِ، وَلَيْسَ كل مُحْتَاج إِلَيْهِ مجَازًا. نعم، الْمُحْتَاج إِلَى الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مجَاز، ومحصله أَن قرينَة التَّجَوُّز قرينَة الدّلَالَة، وَهِي غير قرينَة الإشتراك الَّتِي هِيَ قرينَة التَّعْيِين، وَالْأولَى هِيَ من عَلَامَات الْمجَاز لَا الثَّانِيَة. فَإِن قلت: لِمَ عدل عَن لفظ: الْمولي، إِلَى لفظ: الموَالِي؟ قلت: لما كَانَ المُرَاد من العَبْد جنس العبيد جمع حَتَّى يكون عِنْد التَّوْزِيع لكل عبد مولى، لِأَن مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ أَو مَا يقوم مقَامه مفيدة للتوزيع، أَو أَرَادَ أَن اسْتِحْقَاق الأجرين إِنَّمَا هُوَ عِنْد أَدَاء حق جَمِيع موَالِيه لَو كَانَ مُشْتَركا بَين طَائِفَة مَمْلُوكا لَهُم. فَإِن قلت: فأجر المماليك ضعف أجر السادات. قلت: لَا مَحْذُور فِي الْتِزَام ذَلِك، أَو يكون لَهُم أجره ضعفه من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسَّيِّد جِهَات أخر يسْتَحق بهَا أَضْعَاف أجر العَبْد، أَو المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يلْزم، أَن يكون الصَّحَابِيّ الَّذِي كَانَ كتابياً أجره زَائِد على أجر أكَابِر الصَّحَابَة، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع. قلت: الْإِجْمَاع خصصهم وأخرجهم من ذَلِك الحكم، ويلتزم ذَلِك فِي كل صَحَابِيّ لَا يدل دَلِيل على زِيَادَة أجره على من كَانَ كتابياً. وَالله علم.

قَوْله: (يَطَؤُهَا) هُوَ مَهْمُوز،، فَكَانَ الْقيَاس: يوطؤها، مثل: يوجل، لِأَن الْوَاو إِنَّمَا تحذف إِذا وَقعت بَين الْيَاء والكسرة، وَهَهُنَا وَقعت بَين الْيَاء والفتحة مثل: يسمع. قَالَ الْجَوْهَرِي وَغَيره: إِنَّمَا سَقَطت الْوَاو مِنْهَا لِأَن فعل يفعل مِمَّا اعتل فاؤه لَا يكون إلَاّ لَازِما، فَلَمَّا جَاءَا بَين إخواتهما متعديين خُولِفَ بهما نظائرهما. فَإِن قلت: إِذا لم يَطَأهَا لَكِن أدبها، هَل لَهُ أَجْرَانِ؟ قلت: نعم إِذْ المُرَاد من قَوْله: (يَطَؤُهَا) يحل وَطْؤُهَا سَوَاء صَارَت مَوْطُوءَة أَو لَا. قَوْله: (فأدبها) من التَّأْدِيب، وَالْأَدب هُوَ حسن الْأَحْوَال والأخلاق، وَقيل: التخلق بالأخلاق الحميدة. قَوْله: (فَأحْسن تأديبها) أَي: أدبها من غير عنف وَضرب بل بالرفق واللطف. فَإِن قلت: أَلَيْسَ التَّأْدِيب دَاخِلا تَحت التَّعْلِيم؟ قلت: لَا، إِذْ التَّأْدِيب يتَعَلَّق بالمروآت، والتعليم بالشرعيات، أَعنِي: أَن الأول عرفي، وَالثَّانِي شَرْعِي؛ أَو: الأول دُنْيَوِيّ، وَالثَّانِي ديني. قَوْله: (ثمَّ اعتقها فَتَزَوجهَا) وَفِي بعض طرقه: (أعْتقهَا ثمَّ أصدقهَا) ، وَهُوَ مُبين لما سكت عَنهُ فِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث من ذكر الصَدَاق، فعلى الْمُسْتَدلّ أَن ينظر فِي طَرِيق هَذِه الزِّيَادَة، وَمن هُوَ الْمُنْفَرد بهَا؟ وَهل هُوَ مِمَّن يقبل تفرده؟ وَهل هَذِه الزِّيَادَة مُخَالفَة لرِوَايَة الْأَكْثَرين أم لَا؟ قَوْله: (ثمَّ قَالَ عَامر) أَي: قَالَ صَالح: ثمَّ قَالَ عَامر الشّعبِيّ: أعطيناكها، أَي: أعطينا الْمَسْأَلَة أَو الْمُقَابلَة إياك بِغَيْر شَيْء أَي: بِغَيْر أَخذ مَال مِنْك على جِهَة الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا شَيْء أعظم من الْأجر الأخروي الَّذِي هُوَ ثَوَاب التَّبْلِيغ والتعليم. فَإِن قلت: الْخطاب فِي (أعطيناكها) لمن؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْخطاب لصالح، وَلَيْسَ كَذَلِك. فَإِنَّهُ غره الظَّاهِر، وَلَكِن الْخطاب لرجل من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا، على مَا جَاءَ فِي البُخَارِيّ فِي بَاب: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم} (مَرْيَم: ١٦) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل، انبأنا عبد اللَّه، قَالَ: انبأنا صَالح بن حَيّ أَن رجلا من أهل خُرَاسَان قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: أَخْبرنِي. فَقَالَ الشّعبِيّ: اخبرني أَبُو بردة عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أدب الرجل أمته فَأحْسن تأديبها، وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها، ثمَّ أعْتقهَا فَتَزَوجهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ. وَإِذا آمن بِعِيسَى ثمَّ آمن بِي فَلهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْد، إِذا اتَّقى ربه وأطاع موَالِيه فَلهُ أَجْرَانِ) .

قَوْله: (قد كَانَ يركب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي بعض النّسخ: فقد كَانَ يركب، أَي: يرحل (فِيمَا دونهَا) ، أَي: فِيمَا دون هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى الْمَدِينَة، أَي مَدِينَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَاللَّام فِيهَا للْعهد، وَقد كَانَ ذَلِك فِي زمن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين، ثمَّ تَفَرَّقت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، إِلَى الْبِلَاد بعد فتح الْأَمْصَار، فَاكْتفى أهل كل بلد بعلمائه إلَاّ من طلب التَّوَسُّع فِي الْعلم

ورحل، وَلِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ، وَهُوَ من كبار التَّابِعين بقوله: وَقد كَانَ يركب. فَإِن قلت: هَل كَانَ سُؤال الْخُرَاسَانِي من الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا مُجَرّد تعلم هَذِه الْمَسْأَلَة، أم لِمَعْنى آخر؟ قلت: بل لِمَعْنى آخر، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (أَن رجلا من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ، فَقَالَ: يَا عَامر! إِن من قبلنَا من أهل خُرَاسَان يَقُولُونَ فِي الرجل إِذا أعتق أمته ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كالراكب بدنته) . وَفِي طَرِيق: (كالراكب هَدْيه) ، كَأَنَّهُمْ توهموا فِي الْعتْق والتزوج الرُّجُوع بِالنِّكَاحِ فِيمَا خرج عَنهُ بِالْعِتْقِ، فَأَجَابَهُ الشّعبِيّ بِمَا يدل على أَنه محسن إِلَيْهَا إحساناً بعد إِحْسَان، وَأَنه لَيْسَ من الرُّجُوع فِي شَيْء، فَذكر لَهُم الحَدِيث.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من النَّاس لَهُم أَجْرَانِ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْعلَّة فِي التَّخْصِيص بهؤلاء الثَّلَاثَة، وَالْحَال أَن غَيره كَذَلِك أَيْضا مثل من صلى وَصَامَ، فَإِن للصَّلَاة أجرا، وللصوم أجرا آخر، وَكَذَا مثل الْوَلَد إِذا أدّى حق الله وَحقّ وَالِديهِ؟ قلت: الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة وَغَيرهَا أَن الْفَاعِل فِي كل مِنْهَا جَامع بَين أَمريْن بَينهمَا مُخَالفَة عَظِيمَة، كَأَن الْفَاعِل لَهما فَاعل للضدين عَامل بالمتنافيين، بِخِلَاف غَيره عَامل. قلت: هَذَا الْجَواب لَيْسَ بِشَيْء، بل الْجَواب الصَّحِيح أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: التَّنْصِيص بِعَدَد مَحْصُور يدل على نفي الحكم عَن غَيره، وَإِلَيْهِ مَال صَاحب (الْهِدَايَة) ، لِأَن إِثْبَات الحكم فِي غَيره إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم) . فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا الْمَذْكُور. قلت: الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على النَّفْي فِيمَا عداهُ وَإِن كَانَ فِي الْعدَد المحصور، وَالْحكم فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت بِدلَالَة النَّص، فَلَا يُوجب إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، فَافْهَم. الثَّانِي: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على من أحسن فِي مَعْنيين من أَي فعل كَانَ من أَفعَال الْبر فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. الثَّالِث: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي قَول الشّعبِيّ جَوَاز قَول الْعَالم مثله تحريضاً للسامع. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ السّلف عَلَيْهِ من الرحلة إِلَى الْبلدَانِ الْبَعِيدَة فِي حَدِيث وَاحِد، أَو مَسْأَلَة وَاحِدَة. الْخَامِس: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه إِثْبَات فضل الْمَدِينَة، وَأَنَّهَا مَعْدن الْعلم، وإليها كَانَ يرحل فِي طلب الْعلم، وتقصد فِي اقتباسه. وَبَعض الْمَالِكِيَّة خصصواً الْعلم بِالْمَدِينَةِ بقول الشّعبِيّ، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلَا يقبل.

٣٢ - (بَاب عِظَةِ الإِمامِ النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النِّسَاء، وَهُوَ التَّذْكِير بالعواقب. وتعليمه النِّسَاء من الْأُمُور الدِّينِيَّة، والعظة، بِكَسْر الْعين: بِمَعْنى الْوَعْظ، لِأَنَّهُ مصدر من: وعظ يعظ وعظاً، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا الْهَاء.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَعْلِيم الرجل أَهله، وَهُوَ خَاص. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب تَعْلِيم الإِمَام النِّسَاء وَهُوَ عَام، فتناسقا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَالْمرَاد من الإِمَام هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَو من يَنُوب عَنهُ.

٩٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أشْهَدُ علَى النَّبيِّ أَو قَالَ عَطاءٌ: اشْهَدُ علَى ابنِ عَبَّاس، أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ ومَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَت المَرْأةُ تُلْقِي القُرْطَ والخَاتَمَ وبِلالٌ يأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ..

وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوعظهن) ، لِأَن الْوَعْظ يسْتَلْزم العظة، وَكَانَت الموعظة بقوله: (إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار لأنكن تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . فَإِن قلت: أَيْن مطابقته لقَوْله: (وتعليمهن) ؟ قلت: فِي قَوْله: (وأمرهن بِالصَّدَقَةِ) . وَلَا شكّ أَن فِي الْأَمر بِالصَّدَقَةِ التَّعْلِيم بهَا أَنَّهَا تكفر الْخَطَايَا وتدفع البلايا.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَاسم أبي رَبَاح: مُسلم الْمَكِّيّ الْقرشِي، مولى ابْن خَيْثَم الفِهري، وَابْن خَيْثَم عَامل عمر بن الْخطاب على مَكَّة،

ولد فِي آخر خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وروى عَنهُ ابْنه. قَالَ: أَعقل قتل عُثْمَان، وَيُقَال إِنَّه من مولدِي الْجند من مخاليف الْيمن وَنَشَأ بِمَكَّة وَصَارَ مفتيها، وَهُوَ من كبار التَّابِعين، وروى عَن العبادلة وَعَائِشَة وَغَيرهم، وروى عَنهُ اللَّيْث حَدِيثا وَاحِدًا، وجلالته وبراعته وثقته وديانته مُتَّفق عَلَيْهَا، وَحج سبعين حجَّة، وَكَانَت الْحلقَة بعد ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لَهُ. مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل أَربع عشرَة وَمِائَة، عَن ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ حَبَشِيًّا أسود أَعور أفطس أشل أعرج، لامْرَأَة من أهل مَكَّة، ثمَّ عمي بآخرة، وَلَكِن الْعلم وَالْعَمَل بِهِ رَفعه. وَمن غَرَائِبه أَنه يَقُول: إِذا أَرَادَ الْإِنْسَان سفرا لَهُ الْقصر قبل خُرُوجه من بَلَده، وَوَافَقَهُ طَائِفَة من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ الْجُمْهُور. وَمن غَرَائِبه أَيْضا أَنه إِذا وَافق يَوْم عيد يَوْم جُمُعَة يصلى الْعِيد فَقَط، وَلَا ظهر وَلَا جُمُعَة فِي ذَلِك الْيَوْم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابَة اثْنَان. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ لَفْظَة: أشهد تَأْكِيدًا لتحققه ووثوقاً بِوُقُوعِهِ، لِأَن الشَّهَادَة خبر قَاطع، تَقول مِنْهُ: شهد الرجل على كَذَا. وَإِنَّمَا قَالَ: أشهد، بِلَفْظَة: على، لزِيَادَة التَّأْكِيد فِي وثاقته، لِأَنَّهُ يدل على الاستعلاء بِالْعلمِ عَن خُرُوجه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَهُ بِلَال، إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَول ابْن عَبَّاس، أَو على استعلاء الْعلم على سَمَاعه من ابْن عَبَّاس إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَوْله عَطاء. لِأَن الرَّاوِي تردد فِي هَذِه اللَّفْظَة، هَل هِيَ من قَول ابْن عَبَّاس أَو من قَول عَطاء؟ وَرَوَاهُ أَيْضا بِالشَّكِّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب. أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن غنْدر عَن شُعْبَة جَازِمًا بِلَفْظ: أشهد عَن كل مِنْهُمَا.

بَيَان من أخرجه غَيره: وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهَا عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد بن حسان عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن أبي معمر عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، ومسدد، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَارِث عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) ، وَهِي مَا تبذل من المَال لثواب الْآخِرَة، وَهِي تتَنَاوَل الْفَرِيضَة والتطوع، لَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا هُنَا هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (القرط) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: مَا يعلق فِي شحمة الْأذن، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل مَا فِي شحمة الْأذن فَهُوَ قرط سَوَاء كَانَ من ذهب أَو غَيره. وَفِي (البارع) : القرط يكون فِيهِ حَبَّة وَاحِدَة فِي حَلقَة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : وَالْجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط، مِثَال: برد وأبراد وبرود، و: قلب وقلبة، و: رمح ورماح. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وَفتحهَا وخيتام وخاتام، الْكل بِمَعْنى وَاحِد.

بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (خرج) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن، أَي: خرج من بَين صُفُوف الرِّجَال إِلَى صف النِّسَاء. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مَعَه بِلَال) . بِلَا وَاو، وَهُوَ جَائِز بِلَا ضعف، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: ٣٦ والأعراف: ٢٤) وبلال: هُوَ ابْن رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، الحبشي الْقرشِي، يكنى أَبَا عبد اللَّه أَو أَبَا عَمْرو أَو أَبَا عبد الرَّحْمَن أَو أَبَا عبد الْكَرِيم، وشهرته باسم أمه حمامة. قَوْله: (فَظن) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه لم يسمع النِّسَاء) حِين أسمع الرِّجَال، وَفِي بعض النّسخ: فَظن أَنه لم يسمع، بِدُونِ لَفْظَة النِّسَاء، و: أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد مفعولي: ظن. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ تصلح للتَّعْلِيل، (وأمرهن) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) الْألف وَاللَّام فِيهَا للْعهد الْخَارِجِي، وَهِي صَدَقَة التَّطَوُّع، وَإِنَّمَا أمرهن بهَا لما رآهن أَكثر أهل النَّار، على مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح: (تصدقن يَا معشر النِّسَاء، إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار) . وَقيل: أمرهن بهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَقت حَاجَة إِلَى الْمُوَاسَاة، وَالصَّدَََقَة يومئذٍ كَانَت أفضل وُجُوه الْبر. قَوْله: (فَجعلت الْمَرْأَة) جعلت: من أَفعَال المقاربة، وَهِي مثل: كَاد، فِي الِاسْتِعْمَال، ترفع الِاسْم، وَخَبره الْفِعْل الْمُضَارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، وَقَوله: (القرط) بِالنّصب مفعول: (تلقي) من الْإِلْقَاء. (والخاتم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وبلال) مُبْتَدأ (وَيَأْخُذ فِي أَطْرَاف ثَوْبه) خَبره، وَالْجُمْلَة حَالية، ومفعول: يَأْخُذ، مَحْذُوف.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ اسْتِحْبَاب وعظ النِّسَاء وتذكيرهن الْآخِرَة وَأَحْكَام الْإِسْلَام، وحثهن على الصَّدَقَة، وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب على

ذَلِك مفْسدَة أَو خوف فتْنَة على الْوَاعِظ أَو الموعوظ، وَنَحْو ذَلِك. الثَّانِي: فِي قَوْله: (فَظن أَنه لم يسمع النِّسَاء) دَلِيل على أَن على الإِمَام افتقاد رَعيته وتعليمهم ووعظهم. الثَّالِث: فِيهِ أَن صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول، وَيَكْفِي فِيهَا المعاطاة، لِأَنَّهُنَّ ألقين الصَّدَقَة فِي ثوب بِلَال من غير كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا من بِلَال وَلَا من غَيرهمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، رَحمَه الله؛ خلافًا لأكْثر الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابه حَيْثُ قَالُوا: يفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على أَن الصَّدقَات الْعَامَّة إِنَّمَا يصرفهَا مصارفها الإِمَام. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل أَن الصَّدَقَة قد تنجي من النَّار، قَالَه ابْن بطال. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة من مَالهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك على ثلث مَالهَا. وَقَالَ مَالك: لَا تجوز الزِّيَادَة على الثُّلُث إلَاّ بِإِذن الزَّوْج، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يسْأَل: هَل هَذَا بِإِذن أَزوَاجهنَّ أم لَا؟ وَهل هُوَ خَارج من الثُّلُث أَو لَا؟ وَلَو اخْتلف الحكم بذلك لسأل. قَالَ القَاضِي عِيَاض، رَحمَه الله، احتجاجاً لمَذْهَب مَالك: الْغَالِب حُضُور أَزوَاجهنَّ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فتركهم الْإِنْكَار رضى مِنْهُم بفعلهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُنَّ معتزلات لَا يعلم الرِّجَال المتصدقة مِنْهُم من غَيرهَا، وَلَا قدر مَا يتصدقن بِهِ، وَلَو علمُوا فسكوتهم لَيْسَ إِذْنا. فَإِن قلت: احْتج مَالك وَمن تبعه فِي ذَلِك بِمَا خرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يجوز لامْرَأَة أمرٌ فِي مَالهَا إِذا ملك زَوجهَا عصمتها) . وَبِمَا خرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي كَامِل عَن خَالِد، يَعْنِي ابْن الْحَارِث: ثَنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب أَن أَبَاهُ أخبرهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة عَطِيَّة إلَاّ بِإِذن زَوجهَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الطَّرِيق إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب صَحِيح، فَمن أثبت أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب لزمَه إثْبَاته. وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه: أَحدهَا: معارضته بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على الْجَوَاز عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي أقوى مِنْهُ، فَقدمت عَلَيْهِ. وَقد يُقَال: انه وَاقعَة حَال، فَيمكن حملهَا على أَنَّهَا كَانَت قدر الثُّلُث. الثَّانِي: على تَسْلِيم الصِّحَّة إِنَّه مَحْمُول على الأولى، وَالْأَدب ذكره الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ، قَالَ: وَقد أعتقت مَيْمُونَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلم يعب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا. وكما يُقَال: لَيْسَ لَهَا أَن تَصُوم وَزوجهَا حَاضر إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت فصومها جَائِز، وَمثله إِن خرجت بِغَيْر إِذْنه فباعت، فَهُوَ جَائِز. الثَّالِث: الطعْن فِيهِ، قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث سمعناه وَلَيْسَ بِثَابِت، فيلزمنا أَن نقُول بِهِ وَالْقُرْآن يدل على خِلَافه ثمَّ الْأَمر ثمَّ الْمَنْقُول ثمَّ الْمَعْقُول. قيل: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ، قَوْله تَعَالَى: {فَنصف مَا فرضتم إلاّ أَن يعفون} (الْبَقَرَة: ٢٣٧) وَقَوله: {فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئاً} (النِّسَاء: ٤) . وَقَوله: {فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} (الْبَقَرَة: ٢٢٩) وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ١٢) وَقَوله: {وابتلوا الْيَتَامَى} الْآيَة (النِّسَاء: ٦) وَلم يفرق، فدلت هَذِه الْآيَات على نُفُوذ تصرفها فِي مَالهَا دون إِذن زَوجهَا، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلمن لزوجة الزبير رَضِي الله عَنهُ: (إرضخي وَلَا توعي فيوعى الله عَلَيْك) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَقَالَ: (يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة) . واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زَوجهَا من كل شَيْء، فَلم يُنكر ذَلِك ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَقد طعن إِبْنِ حزم فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَن قَالَ: صحيفَة مُنْقَطِعَة، وَقد علمت أَن شعيباً صرح بِعَبْد الله بن عَمْرو، فَلَا انْقِطَاع. وَقد أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد بن أبي هِنْد وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بِهِ، ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، ثمَّ ذكر ابْن حزم من حَدِيث ابْن عمر: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا حق الزَّوْج على زَوجته؟ قَالَ: لَا تصدق إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت كَانَ لَهُ الْأجر وَعَلَيْهَا الْوزر) . ثمَّ قَالَ: هَذَا خَيرهَا لَك، لِأَن فِيهِ مُوسَى بن أعين وَهُوَ مَجْهُول، وَلَيْث بن أبي سليم وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، فَإِن مُوسَى بن أعين روى عَن جمَاعَة وَعنهُ جمَاعَة، وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ. نعم، فِيهِ الْحسن بن عبد الْغفار وَهُوَ مَجْهُول، وليته أعله بِهِ. ثمَّ ذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رَفعه: (لَا تنْفق الْمَرْأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَلِك أفضل أَمْوَالنَا) . ثمَّ إِسْمَاعِيل ضَعِيف، وشرحبيل مَجْهُول لَا يدرى من هُوَ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ. فإسماعيل حجَّة فِيمَا يروي عَن الشاميين، وشرحبيل شَامي، وحاشاه من الْجَهَالَة. روى عَنهُ جمَاعَة. قَالَ أَحْمد: هُوَ من ثِقَات الشاميين، نعم، ضعفه ابْن معِين، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. الرَّابِع: من أوجه الْجَواب، مَا قيل: إِن المُرَاد من مَال زَوجهَا لَا من مَالهَا، وَفِيه نظر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣١ - بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ

٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ -، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ:، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ.

ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

[الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٥٠٨٣، ٣٤٤٦، ٣٠١١، ٢٥٥١، ٢٥٤٧، ٢٥٤٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الْأَمَةِ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَهْلِ بِالْقِيَاسِ، إِذْ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَّامٍ، وَلِلْأَصِيلِيِّ:، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَسْبُ، وَاعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثٌ آخَرُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَلَدِهِمْ صَحَّفَ الْمُحَارِبِيَّ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ، فَأَخْطَأَ خَطَأً فَاحِشًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) هُوَ صَالِحُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ حَيَّانَ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَلَقَبُهُ حَيٌّ وَهُوَ أَشْهَرُ بِهِ مِنِ اسْمِهِ، وَكَذَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ غَالِبًا: فُلَانُ ابْنُ حَيٍّ كَصَالِحِ بْنِ حَيٍّ هَذَا. وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَفِي طَبَقَتِهِ رَاوٍ آخَرُ كُوفِيٌّ أَيْضًا - يُقَالُ لَهُ: صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ الْقُرَشِيُّ - لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ لِصَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ دُونَ الْقُرَشِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ طُرُقٍ: مِنْهَا فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ هُنَا، فَقَالَ: صَالِحُ بْنُ حَيٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَامِرٌ) أَيْ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ عَامِرٌ، وَعَادَتُهُمْ حَذْفُ قَالَ إِذَا تَكَرَّرَتْ خَطًّا لَا نُطْقًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ) ثَلَاثَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَوْ رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُمْ أَجْرَانِ خَبَرُهُ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) هُوَ بَدَلُ تَفْصِيلٍ، أَوْ بَدَلُ كُلٍّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْمُوعِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) لَفْظُ الْكِتَابِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ، أَيِ: الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ يُطْلَقُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِنْجِيلُ خَاصَّةً إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْيَهُودِيَّةِ، كَذَا قَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطِ النَّسْخِ لِأَنَّ عِيسَى كَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا خِلَافٍ، فَمَنْ أَجَابَهُ مِنْهُمْ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ. نَعَمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عِيسَى فَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ مُؤْمِنٌ، إِذْ هُوَ مُؤْمِنٌ بِنَبِيِّهِ مُوسَى وَلَمْ يُكَذِّبْ نَبِيًّا

آخَرَ بعده، فَمَنْ أَدْرَكَ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَآمَنَ بِهِ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً.

نَعَمِ الْإِشْكَالُ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُوَافِقَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيَّ وَفِيمَنْ آمَنَ مَعِي. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِنْهُمْ أَبُي رِفَاعَةَ - إِلَى النَّبِيِّ فَآمَنُوا بِهِ فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَاتِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيُحْتَمَلُ إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ طَرَيَانُ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ سَبَبًا لِقَبُولِ تِلْكَ الْأَدْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوخَةً، انْتَهَى. وَسَأَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ بَعْدُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَشِرْ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى يَهُودِيَّتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَوَائِدُ): الْأُولَى: وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَهُوَ صَوَابٌ فِي عَبْدِ اللَّهِ خَطَأٌ فِي كَعْبٍ ; لِأَنَّ كَعْبًا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَّا فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ، وَسَلْمَانَ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ. وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْكِتَابِيُّ الَّذِي يُضَاعَفُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي شَرْعِهِ عَقْدًا وَفِعْلًا إِلَى أَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا فَيُؤْجَرُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، انْتَهَى. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ: أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَهِرَقْلُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَحْثَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ. الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ الْبَتَّةَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْآتِي: أَسْلَمْتُ عَلَى مَا أَسْلَفْتُ مِنْ خَيْرٍ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ إِلَّا بِقِيَاسِ الْخَيْرِ عَلَى الْإِيمَانِ. وَأَيْضًا فَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ: آمَنَ بِنَبِيِّهِ الْإِشْعَارُ بِعِلِّيَّةِ الْأَجْرِ، أَيْ: أَنَّ سَبَبَ الْأَجْرَيْنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ كَانَ وِزْرُهُ أَشَدَّ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نِسَاءِ النَّبِيِّ لِكَوْنِ الْوَحْيِ كَانَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِهِنَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْعَدَدُ أَرْبَعَةً؟ أَجَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُنَّ خَاصَّةٌ بِهِنَّ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِنَّ، وَالثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا مَصِيرُ من شَيْخِنَا إِلَى أَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُسْتَمِرَّةٌ، وَقَدِ ادَّعَى الْكِرْمَانِيُّ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَنْ آمَنَ فِي عَهْدِ الْبَعْثَةِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ بَعْثَتِهِ، انْتَهَى. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَتِمُّ لِمَنْ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فَإِنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣١) (بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ أمَةَ الرَّجل من أهل بيته.

٩٧ - وبالسَّند قال: (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) ولكريمة: «حدَّثنا محمَّدٌ» (هُوَ ابْنُ سَلَامٍ) أي: بتخفيف اللَّام، وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ» وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت: «حدثني محمَّد بن سلام قال»: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالحاء المُهمَلَة، وكسر الرَّاء والمُوحَّدة، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن زيادٍ الكوفيُّ، المُوثَّق، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ (١) ابْنُ حَيَّانَ) بفتح المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ونسبه لجدِّه الأعلى لشهرته به، وإلَّا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيَّان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيُّ الضَّعيف (قَالَ) أي: صالحٌ (قَالَ عَامِرٌ) هو ابن شراحيل (الشَّعْبِيُّ) بفتح المُعجَمَة وسكون المُهمَلَة وبالمُوحَّدة: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو موسى

الأشعريُّ، كما صرَّح به في «العتق» [خ¦٢٥٤٤] وغيره (قَالَ) أي: أبو موسى: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، خبره جملة: (لَهُمْ أَجْرَانِ) أوَّلهم: (رَجُلٌ) وكذا امرأةٌ (مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) التَّوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط، على القول بأنَّ النَّصرانيَّة ناسخةٌ لليهوديَّة، حال كونه قد (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، مع إيمانه بمحمَّد المنعوت في التَّوراة والإنجيل، المأخوذ له الميثاق على سائر النَّبيِّين وأممهم (وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ) أي: آمن (١) بأنَّه هو الموصوف في الكتابين، ويأتي -إن شاء الله تعالى- ما في ذلك من المباحث في «باب فضل من أسلم من أهل الكتابين» في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠١١] (وَ) الثَّاني: (العَبْدُ المَمْلُوكُ) أي: جنس العبد المملوك (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ) تعالى، أي: كالصَّلاة والصَّوم (وَحَقَّ مَوَالِيْهِ) بسكون الياء، جمع مَولًى لتحصل مُقابَلة (٢) الجمع في جنس العبيد بجمع المولى، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين مَوَالٍ، والمُرَاد من حقِّهم: خدمتهم، ووصف «العبد» بـ «المملوك» لأنَّ كلَّ النَّاس عباد الله، فميَّزه بكونه مملوكًا للنَّاس (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) زاد في رواية الأربعة «٥ س ط ص» (٣) (يَطَؤُهَا) بالهمزة (فَأَدَّبَهَا) لتتخلَّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) بلطفٍ ورفقٍ من غير عنفٍ (وَعَلَّمَهَا) ما يجب تعليمه من الدِّين (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا) بعد أن أَصْدَقَهَا (فَلَهُ أَجْرَانِ) الضَّمير يرجع إلى «الرَّجل» الأخير، وإنَّما لم يقتصر على قوله: «فلهم أجران» مع كونه داخلًا في الثَّلاثة بحكم العطف لأنَّ الجهة كانت فيه متعدِّدةً؛ وهي التَّأديب والتَّعليم والعتق والتَّزوُّج (٤)، وكان (٥)

مظنَّة أن يستحقَّ من (١) الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: «فله أجران» إشارةً إلى أنَّ المُعتَبَر من الجهات أمران، وإنَما اعْتُبِر اثنين فقط لأنَّ التَّأديب والتَّعليم يوجبان الأجر في الأجنبيِّ والأولاد وجميع النَّاس، فلم يكن مختصًّا بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلَّا في العتق والتَّزوُّج (٢)، وإنَّما ذكر الآخرين (٣) لأنَّ التَّأديب والتَّعليم أكمل للأجر؛ إذ تزوُّجُ المرأةِ المُؤدَّبةِ المُعلَّمة أكثرُ بركةً وأقرب إلى أن تُعِين زوجها على دينه، وعطف بـ «ثمَّ» في العتق وفي السَّابق بالفاء لأنَّ التَّأديب والتَّعليم ينفعان في الوطء، بل لا بدَّ منهما فيه (٤)، والعتق نقلٌ من صنفٍ إلى صنفٍ، ولا يخفى ما بين الصِّنفين من البُعد، بل من الضِّدِّيَّة في الأحكام والمُنافَاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًّا على التَّراخي بخلاف التَّأديب وغيره ممَّا ذُكِرَ، فإن قلت: إذا لم يطأِ الأَمَةَ لكن أدَّبها هل له أجران؟ أُجِيب: بأنَّ المراد تمكُّنه من وطئها شرعًا وإن لم يطأْها. انتهى. وإنَّما عُرِّف «العبد» ونُكِّر «رجلٌ» في الموضعين الأخيرين لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، وكذا الإتيان في «العبد» بـ «إذا» دون القسم الأوَّل لأنَّها ظرفٌ، و «آمن»: حالٌ، وهي في حكم الظَّرف لأنَّ معنى: جاء زيد راكبًا: في وقت الرُّكوب وحاله، أو (٥) يُقال: في وجه المُخالَفَة الإشعار بفائدةٍ عظيمةٍ (٦) وهي أنَّ الإيمان بنبيِّه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدَّ من الإيمان في عهده حتَّى يستحقَّ أجرين بخلاف العبد، فإنَّه في زمان الاستقبال يستحقُّ الأجرين أيضًا، فأتى بـ «إذا» التي للاستقبال، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: هو غير مستقيمٍ لأنَّه مشى فيه مع ظاهر اللَّفظ، وليس مُتَّفقًا عليه بين الرُّواة، بل هو عند المصنِّف وغيره مختلفٌ، فقد عبَّر في «ترجمة عيسى» بـ «إذا» في الثَّلاثة، وعبَّر في «النِّكاح» [خ¦٣٤٤٦] بقوله: «أيُّما رجلٍ» في المواضع الثَّلاثة [خ¦٥٠٨٣] وهي صريحةٌ في التَّعميم، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الجهاد» [خ¦٣٠١١].

(ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) الشَّعبيُّ لراويه صالحٍ المذكور: (أَعْطَيْنَاكَهَا) أي: أعطينا المسألة أو المقالة إيَّاك (بِغَيْرِ شَيْءٍ) من أجرةٍ، بل بثواب التَّعليم والتَّبليغ (١)، أو الخطاب لرجلٍ من أهل خراسان سأل الشَّعبيَّ عمَّن يعتق أَمَتَه ثمَّ يتزوَّجها، كما عند المؤلِّف في «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٤٦] والأوَّل قاله الكِرمانيُّ، والثَّاني قاله العينيُّ كابن حجرٍ، وهو الرَّاجح (قَدْ) وللأَصيليِّ: «وقد» بالواو، ولغيره -كما قاله العينيُّ والبرماويُّ-: «فقد» (كَانَ يُرْكَبُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح الكاف، أي: يرحل (فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ) النَّبويَّة، والضَّمير للمسألة أو المقالة، وقد ظهر أنَّ مُطابَقَة الحديث للتَّرجمة في «الأمة» بالنَّص، وفي «الأهل» بالقياس؛ إذِ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله تعالى وسنن رسوله آكدُ من الاعتناء بالإماء.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة كلُّهم كوفيُّون، ما خلا ابن سَلَامٍ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» (٢) [خ¦٢٥٤٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١١] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٦] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٣) وابن ماجه.

(٣٢) هذا (بابُ عِظَةِ الإِمَامِ) أي: الأعظم أو نائبه (النِّسَاءَ) أي: تذكيرهنَّ العواقب (وَتَعْلِيمِهِنَّ) أمور الدِّين، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ (٤).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على بَاب سعد نَادِر، وَلم يذكر عَنهُ فِي غير هَذَا الحَدِيث. وَالْوَجْه فِيهِ أَن يُقَال مَعْنَاهُ: كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا أَتَى على قوم سلم عَلَيْهِم تَسْلِيمَة الاسْتِئْذَان، وَإِذا دخل سلم تَسْلِيمَة التَّحِيَّة، ثمَّ إِذا قَامَ من الْمجْلس سلم تَسْلِيمَة الْوَدَاع. وَهَذِه التسليمات كلهَا مسنونة. وَكَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يواظب عَلَيْهَا وَلَا يزِيد عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة على الْأَقْسَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حرف: إِذا، لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل إِنَّمَا الْمُقْتَضى لَهُ من الْحُرُوف: كلما، فَقَط. نعم التَّرْكِيب مُفِيد للاستمرار، ثمَّ مَا قَالَ هُوَ أَمر نَادِر لم يذكر فِي غَيره مَمْنُوع، وَكَيف وَقد صَحَّ حَدِيث: (إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَليرْجع) ؟ قلت: نعم: إِذا لَا يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل، وَلَكِن من اقتضائه الثَّبَات والدوام، وَيصدق عَلَيْهِ التّكْرَار. وَقَوله: (إِذا اسْتَأْذن أحدكُم ثَلَاثًا) أَعم من أَن يكون بِالسَّلَامِ وَغَيره.

وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه أَن الثَّلَاث غَايَة مَا يَقع بِهِ الْبَيَان والأعذار. قلت: اخْتلف فِيمَا إِذا ظن أَنه لم يسمع هَل يزِيد على الثَّلَاث؟ فَقيل: لَا يزِيد أخذا بِظَاهِر الحَدِيث. وَقيل: يزِيد. وَالسّنة أَن يسلم ثَلَاثًا، فَيَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم، أَدخل.

٩٦ - حدّثنا مُسَدَّدُ قَالَ: حدّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ يُوسُفَ بنِ ماهِكٍ عنْ عَبْدِ اللَّه بنِ عَمْرٍ وَقال: تخَلَّفَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ سافَرْناهُ فادْرَكَنَا وقَدْ أَرْهقنا الصَّلاةُ، صلاةَ العَصْرِ، ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا نَمْسَحُ عَلى أرْجُلْنا، فَنادَى بأعْلَى صَوْتِهِ: (وَيْلٌ لْلأعْقابِ مِنَ النارِ) مَرَّتَيْنِ أَو ثَلاثاً.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه بِهَذَا الْإِسْنَاد قد مر فِي: بَاب من رفع صَوته بِالْعلمِ، غير أَنه أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة، وَهنا عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة، واسْمه: الوضاح، وَأَبُو بشر اسْمه: جَعْفَر بن إِيَاس. وَالِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن فِي موضِعين: احدهما: قَوْله: (فِي سفر سافرناه) ، وَهُنَاكَ: (فِي سفرة سافرناها) وَالْآخر: قَوْله: (صَلَاة الْعَصْر) : لَيْسَ بمذكور هُنَاكَ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الرَّاء أَي: النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أدركنا، وَالْحَال أَن صَلَاة الْعَصْر قد أدركتنا. قَوْله: (ارهقنا الصَّلَاة) بِوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: بِسُكُون الْقَاف، وَنصب الصَّلَاة على المفعولية. وَالْآخر: بتحريك الْقَاف وَرفع الصَّلَاة على الفاعلية. وَقَوله: (صَلَاة الْعَصْر) بِالرَّفْع وَالنّصب بدل من الصَّلَاة، أَو بَيَان. وَالْوَاو فِي: وَنحن، أَيْضا للْحَال. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٣١ - (بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أمَتَهُ وأهْلَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْلِيم الرجل جَارِيَته وَأهل بَيته. الْأمة: أَصله: أموة بِالتَّحْرِيكِ لِأَنَّهُ يجمع على آم، وَهُوَ أفعل، مثل نَاقَة وأنيق، وَلَا يجمع فعلة بالتسكين على ذَلِك، وَيجمع على إِمَاء أَيْضا. وَيُقَال: أَمُوت أموة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أموى بِالْفَتْح، وتصغيرها: أُميَّة، وَهُوَ اسْم قَبيلَة أَيْضا، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أموى أَيْضا بِالْفَتْح، وَرُبمَا تضم. وَالْفرق بَين الجمعين أَن الأول جمع قلَّة، وَالثَّانِي جمع كَثْرَة. وأصل آم: أءمؤ، على وزن أفعل، كأكلب، فأبدل من ضمة الْوَاو يَاء فَصَارَ: اءمى، ثمَّ أعل إعلال قاضٍ، فَصَارَ: اءم، ثمَّ قلبت الْهمزَة الثَّانِيَة الْفَا فَصَارَ: آم، وأصل إِمَاء: إماو، كعقاب، فابدلت الْوَاو همزَة لوقوعها طرفا بعد ألف زَائِدَة، وَيجمع أَيْضا على: إموان، مثل إخْوَان. قَالَ الشَّاعِر.

(إِذا ترامى بَنو الإموان بالعار)

فَإِن قلت: الْأمة من أهل الْبَيْت فَكيف عطف عَلَيْهِ الْأَهْل؟ قلت: هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْعَام، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، فتناسبا من هَذِه الْجِهَة.

٩٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلَامٍ حدّثنا المُحَارِبِيُّ قَالَ: حدّثنا صالِحُ بنُ حَيَّانَ قالَ: قالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حدّثني أبُو بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثُةٌ لَهُمْ أجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنِ، بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ

إذَا أدَّى حَقَّ الله تَعَالَى وَحق مَوالِيهِ، وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ فأدَّبَها فأحسَنَ تَأدِيبهَا وعَلَّمَها فأحْسَنَ تَعْلِيمَها ثمَّ أعْتَقها فَتَزَوَّجَها فَلهُ أَجْرَانِ) ثمَّ قالَ عامِرُ: اعْطَيناكَهَا بَغْيرِ شَيْءٍ قَدْ كانَ يَرْكَبُ فِيما دُونَها إلَى المَدِينَةِ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي الْأمة فَقَط بِحَسب الظَّاهِر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على تَعْلِيم الْأَهْل، وَأما ذكر الْأَهْل فَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون بطرِيق الْقيَاس على الْأمة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بِالنَّصِّ، والاعتناء بتعليم الْحَرَائِر الْأَهْل من الْأُمُور الدِّينِيَّة أَشد من الْإِمَاء. وَالْآخر: أَن يكون قد أَرَادَ أَن يضع فِيهِ حَدِيثا يدل عَلَيْهِ فَمَا اتّفق لَهُ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَّام على الْأَصَح، وَقد تقدم. الثَّانِي: الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وبالراء الْمَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مُشَدّدَة: وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن زِيَاد الْكُوفِي. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق إِذا حدث عَن الثِّقَات، ويروي عَن المجهولين أَحَادِيث مُنكرَة فَيفْسد حَدِيثه بروايته عَنْهُم، مَاتَ سنة خَمْسَة وَتِسْعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: صَالح بن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ اسْم جد أَبِيه نسب إِلَيْهِ وَهُوَ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، ولقبه: حَيّ، وَهُوَ أشهر بِهِ من اسْمه، وَفِي طبقته آخر كُوفِي أَيْضا يُقَال لَهُ: صَالح بن حَيَّان الْقرشِي، لكنه ضَعِيف وَهَذَا ثِقَة مَشْهُور، وَقد طعن من لَا خبْرَة لَهُ فِي البُخَارِيّ أَنه أخرج الصَّالح بن حَيَّان وظنه صَالح بن حَيَّان الْقرشِي، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا أخرج الصَّالح بن حَيَّان الَّذِي يلقب أَبوهُ بالحي، وَهَذَا الحَدِيث مَعْرُوف بروايته عَن الشّعبِيّ دون رِوَايَة الْقرشِي عَنهُ، وَقد أخرج البُخَارِيّ من حَدِيثه من طرق، مِنْهَا فِي الْجِهَاد من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا صَالح ابْن حَيّ، قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ وَصَالح ابْن حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي الثَّوْريّ، ثَوْر هَمدَان، وَهُوَ ثَوْر بن مَالك بن مُعَاوِيَة بن دومان بن بكيل بن جشم بن حَيَوَان بن نوف بن هَمدَان، وَهُوَ وَالِد الْحسن وَعلي، قَالَ الكلاباذي: مَاتَ هُوَ وَابْنه عَليّ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَابْنه الْحسن سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو بردة عَامر الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي قاضيها. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى عبد اللَّه بن قيس الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا ابْن سَلام. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. قَوْله: (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَدثنَا مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام) . وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حَدثنَا مُحَمَّد) فَحسب، وَاعْتَمدهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فَقَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد، قيل: هُوَ ابْن سَلام. قَوْله: (أَنبأَنَا الْمحَاربي) ، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَدثنَا الْمحَاربي) ، وَلَيْسَ عِنْد البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الْعِيدَيْنِ. قَوْله: (قَالَ عَامر) تَقْدِيره: قَالَ صَالح: قَالَ عَامر. وعادتهم حذف قَالَ إِذا تَكَرَّرت خطا لَا نطقاً.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَفِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد اللَّه بن الْمُبَارك، وَفِي النِّكَاح عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، ثَلَاثَتهمْ عَن صَالح بن حَيَّان. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن عبيد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، أربعتهم عَن صَالح بن حَيَّان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَن ابْن أبي عمر بِهِ، وَعَن هناد بن السّري عَن عَليّ بن مسْهر عَن الْفضل بن يزِيد عَنهُ، وَقَالَ: حسن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن أبي زَائِدَة عَن صَالح بِهِ، وَعَن هناد بن السّري عَن أبي زبيد عشير ابْن الْقَاسِم عَن مطرف عَن عَامر بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي سعيد الْأَشَج عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ثَلَاثَة) مُبْتَدأ تَقْدِيره: ثَلَاثَة رجال أَو رجال ثَلَاثَة. وَقَوله: (لَهُم أَجْرَانِ) مُبْتَدأ وَخبر، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. قَوْله: (رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: بدل من ثَلَاثَة أَو الْجُمْلَة صفته، و: رجل، وَمَا عطف عَلَيْهِ خَبره. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ بَدَلا أهوَ بدل الْبَعْض أَو بدل الْكل؟ قلت: بِالنّظرِ إِلَى كل رجل بدل الْبَعْض، وبالنظر إِلَى الْمَجْمُوع بدل الْكل.

قلت: الأولى أَن يُقَال: رجل، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَو لَهُم، أَو: الأول رجل من أهل الْكتاب. وَقَوله: (من أهل الْكتاب) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لرجل. قَوْله: (آمن) ، حَال بِتَقْدِير: قد. و (آمن) ، الثَّانِي، عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَالْعَبْد) ، عطف على قَوْله: رجل، قَوْله: (حق الله) كَلَام إضافي مفعول. (أدّى) و: (حق موَالِيه) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَرجل) ، عطف على: رجل، الأول. قَوْله: (كَانَت عِنْده أمة) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لرجل، وارتفاع أمة لكَونهَا اسْم: كَانَت. قَوْله: (يَطَؤُهَا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة، أمة. قَوْله: (فأدبها) عطف على: يَطَؤُهَا. قَوْله: (فَأحْسن تأديبها) عطف على: فأدبها، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها ثمَّ اعتقها فَتَزَوجهَا) بَعْضهَا مَعْطُوف على بعض، وَإِنَّمَا عطف الْجَمِيع بِالْفَاءِ مَا خلا: (ثمَّ اعتقها) ، فَإِنَّهُ عطفه: بثم، وَذَلِكَ لِأَن التَّأْدِيب والتعليم يتعقبان على الْوَطْء، بل لَا بُد مِنْهُمَا فِي نفس الْوَطْء بل قبله أَيْضا لوجوبهما على السَّيِّد بعد التَّمَلُّك، بِخِلَاف الْإِعْتَاق. أَو لِأَن الْإِعْتَاق نقل من صنف من أَصْنَاف الأناسي إِلَى صنف آخر مِنْهَا، وَلَا يخفى مَا بَين الصِّنْفَيْنِ: الْمُنْتَقل مِنْهُ، والمنتقل إِلَيْهِ من الْبعد، بل من الضدية فِي الْأَحْكَام والمنافاة فِي الْأَحْوَال، فَنَاسَبَ لفظ دَال على التَّرَاخِي بِخِلَاف التَّأْدِيب. قَوْله: (فَلهُ اجران) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الضَّمِير يرجع إِلَى الرجل الثَّالِث، وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى كل من الثَّلَاث. قلت: بل يرجع إِلَى الرجل الْأَخير، وَإِنَّمَا لم يقْتَصر على قَوْله أَولا: لَهُم أَجْرَانِ، مَعَ كَونه دَاخِلا فِي الثَّلَاثَة بِحكم الْعَطف، لِأَن الْجِهَة كَانَت فِيهِ مُتعَدِّدَة، وَهِي التَّأْدِيب والتعليم وَالْعِتْق والتزوج، وَكَانَت مَظَنَّة أَن يسْتَحق الْأجر أَكثر من ذَلِك، فَأَعَادَ قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، إِشَارَة إِلَى أَن الْمُعْتَبر من الْجِهَات أَمْرَانِ. فَإِن قلت: لِمَ لِمْ يعْتَبر إلَاّ اثْنَتَانِ وَلم يعْتَبر الْكل؟ قلت: لِأَن التَّأْدِيب والتعليم يوجبان الْأجر فِي الْأَجْنَبِيّ وَالْأَوْلَاد وَجَمِيع النَّاس فَلم يكن مُخْتَصًّا بالإماء، فَلم يبْق الِاعْتِبَار إلَاّ فِي الْجِهَتَيْنِ، وهما: الْعتْق والتزوج. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْمُعْتَبر أَمريْن، فَمَا فَائِدَة ذكر الْأَمريْنِ الآخرين؟ قلت: لِأَن التَّأْدِيب والتعليم أكمل لِلْأجرِ، إِذْ تزوج الْمَرْأَة المؤدبة المعلمة أَكثر بركَة وَأقرب إِلَى أَن تعين زَوجهَا على دينه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: يَنْبَغِي أَن يكون لهَذَا الْأَخير أجور أَرْبَعَة: أجر التَّأْدِيب والتعليم وَالْإِعْتَاق والتزوج، بل سَبْعَة. قلت: الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الصُّورَة واخواتها الْجمع بَين الْأَمريْنِ اللَّذين هما كالمتنافيين، فَلهَذَا لم يعْتَبر فِيهَا إلَاّ الْأجر الَّذِي من جِهَة الْأَحْوَال الَّتِي للرقية، وَالَّذِي من جِهَة الْأَحْوَال الَّتِي للحرية، وَلِهَذَا ميز بَينهمَا بِلَفْظ: ثمَّ، دون غَيرهمَا. قلت: هَذَا كَلَام حسن، وَلَكِن فِي قَوْله: هما كالمتنافيين، نظر لَا يخفى.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أهل الْكتاب) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هم الَّذين بقوا على مَا بعث بِهِ نَبِيّهم من غير تَبْدِيل وَلَا تَحْرِيف، فَمن بَقِي على ذَلِك حَتَّى بعث نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَآمن بِهِ فَلهُ الْأجر مرَّتَيْنِ، وَمن بدل مِنْهُم أَو حرف لم يبْق لَهُ أجر فِي دينه فَلَيْسَ لَهُ أجر إلَاّ بإيمانه بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل إجراؤه على عُمُومه إِذْ لَا يبعد أَن يكون طريان الْإِيمَان بِهِ سَببا لإعطاء الْأجر مرَّتَيْنِ: مرّة على أَعْمَالهم الْخَيْر الَّذِي فَعَلُوهُ فِي ذَلِك الدّين، وَإِن كَانُوا مبدلين محرفين. فَإِنَّهُ قد جَاءَ أَن مبرات الْكفَّار وحسناتهم مَقْبُولَة بعد الْإِسْلَام. وَمرَّة على الْإِيمَان بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِهِ هُنَا أهل الْإِنْجِيل خَاصَّة إِن قُلْنَا: إِن النَّصْرَانِيَّة ناسخة لِلْيَهُودِيَّةِ. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى اشْتِرَاط النّسخ لِأَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ قد أرسل إِلَى بني إِسْرَائِيل بِلَا خلاف، فَمن أَجَابَهُ مِنْهُم نسب إِلَيْهِ وَمن كذبه مِنْهُم وَاسْتمرّ على يَهُودِيَّته لم يكن مُؤمنا، فَلَا يتَنَاوَلهُ الْخَيْر، لِأَن شَرطه أَن يكون مُؤمنا بِنَبِيِّهِ. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الْألف وَاللَّام فِي: الْكتاب، للْعهد، إِمَّا من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَإِمَّا من الْإِنْجِيل. قَالَ الله عز وَجل: {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ} (الْقَصَص: ٥٢) إِلَى وَقَوله: {أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ} (الْقَصَص: ٥٤) فالآية مُوَافقَة لهَذَا الحَدِيث، وَهِي نزلت فِي طَائِفَة آمنُوا مِنْهُم: كَعبد اللَّه بن سَلام وَغَيره. وَفِي الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث رِفَاعَة الْقرظِيّ، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فيّ وَفِي من آمن معي، وروى الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَليّ بن رِفَاعَة الْقرظِيّ، قَالَ: خرج عشرَة من أهل الْكتاب مِنْهُم أَبُو رِفَاعَة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فآمنوا بِهِ فأوذوا فَنزلت: {الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ} (الْقَصَص: ٥٢) الْآيَات، فَهَؤُلَاءِ من بني إِسْرَائِيل، وَلم يُؤمنُوا بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بل استمروا على الْيَهُودِيَّة إِلَى أَن آمنُوا بِمُحَمد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ثَبت أَنهم يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ، وَيُمكن أَن يُقَال فِي حق هَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ: إِنَّهُم لم تبلغهم دَعْوَة عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهَا لم تنشر فِي أَكثر الْبِلَاد، فاستمروا على يهوديتهم مُؤمنين بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام فآمنوا بِمُحَمد،

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي (شرح ابْن التِّين) أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي كَعْب الْأَحْبَار وَعبد اللَّه ابْن سَلام. قلت: عبد اللَّه بن سَلام صَوَاب، وَقَوله: كَعْب الْأَحْبَار خطأ، لِأَن كَعْبًا لَيست لَهُ صُحْبَة وَلم يسلم إلَاّ فِي زمن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْكِتَابِيّ الَّذِي يُضَاعف أجره هُوَ الَّذِي كَانَ على الْحق فِي فعله عقدا وفعلاً إِلَى أَن آمن بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيؤجر على اتِّبَاع الْحق الأول وَالثَّانِي، وَفِيه نظر، لِأَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب إِلَى هِرقل: (أسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ) ، وهرقل كَانَ مِمَّن دخل فِي النَّصْرَانِيَّة بعد التبديل. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك الْبونِي وَغَيره: إِن الحَدِيث لَا يتَنَاوَل الْيَهُود أَلْبَتَّة، وَفِيه نظر أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه يحْتَمل أَن يتَنَاوَل سَائِر الْأُمَم فِيمَا فَعَلُوهُ من خير، كَمَا فِي حَدِيث حَكِيم بن حزَام: (أسلمت على مَا أسلفت من خير) . وَفِيه نظر، لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِأَهْل الْكتاب فَلَا يتَنَاوَل غَيرهم.

وَأَيْضًا فَقَوله: (آمن بِنَبِيِّهِ) إِشْعَار بعلية الْأجر، أَي أَن سَبَب الأجرين من الْإِيمَان بالنبيين، وَالْكفَّار لَيْسُوا كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بِمن آمن مِنْهُم فِي عهد الْبعْثَة أم شَامِل لمن آمن مِنْهُم فِي زَمَاننَا أَيْضا؟ قلت: مُخْتَصّ بهم لِأَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَيْسَ بِنَبِيِّهِمْ بعد الْبعْثَة، بل نَبِيّهم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعْدهَا. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يتم بِمن لم تبلغهم الدعْوَة، وَمَا قَالَه شَيخنَا أظهر، أَرَادَ بِهِ مَا قَالَه من قَوْله: إِن هَذِه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قلت: لَيْسَ بِظَاهِر مَا قَالَه هُوَ،، وَلَا مَا قَالَه شَيْخه، أما عدم ظُهُور مَا قَالَه فَهُوَ أَن ببعثة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْقَطَعت دَعْوَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَارْتَفَعت شَرِيعَته، فَدخل جَمِيع الْكفَّار، أهل الْكتاب وَغَيرهم، تَحت دَعْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَوَاء بلغتهم الدعْوَة أَو لَا. وَلِهَذَا يُقَال: هم أهل الدعْوَة، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن من لم تبلغه الدعْوَة لَا تطلق عَلَيْهِم بِالْفِعْلِ، وَأما بِالْقُوَّةِ فليسوا بِخَارِجِينَ عَنْهَا. وَأما عدم ظُهُور مَا قَالَه شَيْخه فَهُوَ أَنه دَعْوَى بِلَا دَلِيل، لِأَن ظَاهر الحَدِيث يردهُ لِأَنَّهُ قيد فِي حق أهل الْكتاب بقوله: (آمن بِنَبِيِّهِ) ، وَقد قُلْنَا: إِنَّه حَال، وَالْحَال قيد، فَكَانَ الشَّرْط فِي كَون الأجرين للرجل الَّذِي هُوَ من أهل الْكتاب أَن يكون قد آمن بِنَبِيِّهِ الَّذِي كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِ، ثمَّ آمن بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. والكتابي بعد الْبعْثَة لَيْسَ لَهُ نَبِي غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قُلْنَا من انْقِطَاع دَعْوَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالبعثة، فَإِذا آمن اسْتحق أجرا وَاحِدًا فِي مُقَابلَة إيمَانه بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوث إِلَيْهِ، وَهُوَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما الحكم فِي الْأَخيرينِ، وهما: العَبْد وَصَاحب الْأمة فَهُوَ مُسْتَمر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. ثمَّ هَذَا الْقَائِل: وَأما مَا قوى بِهِ الْكرْمَانِي دَعْوَاهُ بِكَوْن السِّيَاق مُخْتَلفا حَيْثُ قيل فِي مؤمني أهل الْكتاب: (رجل) بالتنكير، وَفِي العَبْد بالتعريف، وَحَيْثُ زيدت فِيهِ: إِذا، الدَّالَّة على معنى الِاسْتِقْبَال، فأشعر ذَلِك بِأَن الأجرين لمؤمني أهل الْكتاب لَا يَقع فِي الِاسْتِقْبَال، بِخِلَاف العَبْد، انْتهى. وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ مَشى فِيهِ مَعَ ظَاهر اللَّفْظ، وَلَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الروَاة، بل هُوَ عِنْد المُصَنّف وَغَيره مُخْتَلف، فقد عبر فِي تَرْجَمَة عِيسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بإذا، فِي الثَّلَاثَة. وَعبر فِي النِّكَاح بقوله: (أَيّمَا رجل) . فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة، وَهِي صَرِيحَة فِي التَّعْمِيم، وَأما الِاخْتِلَاف بالتعريف والتنكير فَلَا أثر لَهُ هَهُنَا، لِأَن الْمُعَرّف بلام الْجِنْس مؤدٍ مؤدى النكرَة. قلت: لَيْسَ قصد الْكرْمَانِي مَا ذكره الْقَائِل، وَإِنَّمَا قَصده بَيَان النُّكْتَة فِي ذكر أَفْرَاد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث بمخالفة الثَّانِي الأول وَالثَّالِث، حَيْثُ ذكر الأول بقوله: (رجل من أهل الْكتاب) ، وَالثَّالِث كَذَلِك بقول: (رجل كَانَت عِنْده أمة) ، وَذكر الثَّانِي بقوله: (وَالْعَبْد الْمَمْلُوك) فِي التَّعْرِيف، فَخَالف الأول وَالثَّالِث فِي التَّعْرِيف والتنكير، وَأَيْضًا ذكر الثَّانِي بِكَلِمَة: إِذا، حَيْثُ قَالَ: (إِذا أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه) ، وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يذكر الْكل على نسق وَاحِد بِأَن يُقَال: وَعبد مَمْلُوك أدّى حق الله، أَو رجل مَمْلُوك أدّى حق الله، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا مُخَالفَة عِنْد التَّحْقِيق، يَعْنِي الْمُخَالفَة بِحَسب الظَّاهِر، وَلَكِن فِي نفس الْأَمر لَا مُخَالفَة. ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: إِذْ الْمُعَرّف بلام الْجِنْس مؤد مؤدى النكرَة، وَكَذَا لَا مُخَالفَة فِي دُخُول: إِذا، لِأَن: إِذا، للظرف. و: آمن، حَال، وَالْحَال فِي حكم الظّرْف، إِذْ معنى جَاءَ زيد رَاكِبًا جَاءَ فِي وَقت الرّكُوب وَفِي حَاله. وتعليل هَذَا الْقَائِل قَوْله: وَهُوَ غير مُسْتَقِيم، بقوله: لِأَنَّهُ مَشى مَعَ ظَاهر اللَّفْظ، غير مُسْتَقِيم. لِأَن بَيَان النكات بِحَسب مَا وَقع فِي ظواهر الْأَلْفَاظ، وَالِاخْتِلَاف من الروَاة فِي لفظ الحَدِيث لَا يضر دَعْوَى الْكرْمَانِي من قَوْله: إِن الأجرين لمؤمني أهل الْكتاب لَا يَقع فِي الِاسْتِقْبَال، أما وُقُوع: إِذا، فِي الثَّلَاثَة، وَإِن كَانَت: إِذا، للاستقبال فَهُوَ أَن حُصُول الأجرين مَشْرُوط بِالْإِيمَان بِنَبِيِّهِ ثمَّ بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قُلْنَا: إِن بالبعثة تَنْقَطِع دَعْوَة غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يبْق إلَاّ الْإِيمَان بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يحصل، إلَاّ أجر وَاحِد لانْتِفَاء شَرط الأجرين. وَأما وُقُوع: أَيّمَا، وَإِن كَانَت تدل على التَّعْمِيم

صَرِيحًا، فَهُوَ فِي تَعْمِيم جنس أهل الْكتاب، وَلَا يلْزم من تَعْمِيم ذَلِك تَعْمِيم الأجرين فِي حق أهل الْكتاب، ثمَّ إعلم أَن قَوْله: (رجل من أهل الْكتاب) ، يدْخل فِيهِ أَيْضا الْمَرْأَة الْكِتَابِيَّة، لما علم من أَنه حَيْثُ يذكر الرِّجَال يدْخل فيهم النِّسَاء بالتبعية. قَوْله: (وَالْعَبْد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف بالمملوك لِأَن جَمِيع الأناسي عباد الله تَعَالَى، فَأَرَادَ تَمْيِيزه بِكَوْنِهِ مَمْلُوكا للنَّاس. قَوْله: (إِذا أدّى حق الله) أَي: مثل الصَّلَاة وَالصَّوْم (وَحقّ موَالِيه) ، مثل خدمته. وَالْمولى مُشْتَرك بَين المعتَق والمعتِق وَابْن الْعم والناصر وَالْجَار والحليف، وكل من ولي أَمر أحدٍ، وَالْمرَاد هُنَا الْأَخير، أَي السَّيِّد، إِذْ هُوَ الْمُتَوَلِي لأمر العَبْد، والقرينة الْمعينَة لَهُ لفظ العَبْد فَإِن قلت: لِمَ لَا يحمل على جَمِيع الْمعَانِي كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، إِذْ عِنْده: يجب الْحمل على جَمِيع مَعَانِيه الْغَيْر المتضادة، قلت: ذَاك عِنْد عدم الْقَرِينَة، أما عِنْد الْقَرِينَة فَيجب حمله على مَا عينته الْقَرِينَة اتِّفَاقًا. فَإِن قلت: فَهَل هُوَ مجَاز فِي الْمَعْنى الْمعِين إِذْ الِاحْتِيَاج إِلَى الْقَرِينَة هُوَ من عَلَامَات الْمجَاز أم لَا؟ قلت: هُوَ حَقِيقَة فِيهِ، وَلَيْسَ كل مُحْتَاج إِلَيْهِ مجَازًا. نعم، الْمُحْتَاج إِلَى الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مجَاز، ومحصله أَن قرينَة التَّجَوُّز قرينَة الدّلَالَة، وَهِي غير قرينَة الإشتراك الَّتِي هِيَ قرينَة التَّعْيِين، وَالْأولَى هِيَ من عَلَامَات الْمجَاز لَا الثَّانِيَة. فَإِن قلت: لِمَ عدل عَن لفظ: الْمولي، إِلَى لفظ: الموَالِي؟ قلت: لما كَانَ المُرَاد من العَبْد جنس العبيد جمع حَتَّى يكون عِنْد التَّوْزِيع لكل عبد مولى، لِأَن مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ أَو مَا يقوم مقَامه مفيدة للتوزيع، أَو أَرَادَ أَن اسْتِحْقَاق الأجرين إِنَّمَا هُوَ عِنْد أَدَاء حق جَمِيع موَالِيه لَو كَانَ مُشْتَركا بَين طَائِفَة مَمْلُوكا لَهُم. فَإِن قلت: فأجر المماليك ضعف أجر السادات. قلت: لَا مَحْذُور فِي الْتِزَام ذَلِك، أَو يكون لَهُم أجره ضعفه من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسَّيِّد جِهَات أخر يسْتَحق بهَا أَضْعَاف أجر العَبْد، أَو المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. فَإِن قلت: فعلى هَذَا يلْزم، أَن يكون الصَّحَابِيّ الَّذِي كَانَ كتابياً أجره زَائِد على أجر أكَابِر الصَّحَابَة، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع. قلت: الْإِجْمَاع خصصهم وأخرجهم من ذَلِك الحكم، ويلتزم ذَلِك فِي كل صَحَابِيّ لَا يدل دَلِيل على زِيَادَة أجره على من كَانَ كتابياً. وَالله علم.

قَوْله: (يَطَؤُهَا) هُوَ مَهْمُوز،، فَكَانَ الْقيَاس: يوطؤها، مثل: يوجل، لِأَن الْوَاو إِنَّمَا تحذف إِذا وَقعت بَين الْيَاء والكسرة، وَهَهُنَا وَقعت بَين الْيَاء والفتحة مثل: يسمع. قَالَ الْجَوْهَرِي وَغَيره: إِنَّمَا سَقَطت الْوَاو مِنْهَا لِأَن فعل يفعل مِمَّا اعتل فاؤه لَا يكون إلَاّ لَازِما، فَلَمَّا جَاءَا بَين إخواتهما متعديين خُولِفَ بهما نظائرهما. فَإِن قلت: إِذا لم يَطَأهَا لَكِن أدبها، هَل لَهُ أَجْرَانِ؟ قلت: نعم إِذْ المُرَاد من قَوْله: (يَطَؤُهَا) يحل وَطْؤُهَا سَوَاء صَارَت مَوْطُوءَة أَو لَا. قَوْله: (فأدبها) من التَّأْدِيب، وَالْأَدب هُوَ حسن الْأَحْوَال والأخلاق، وَقيل: التخلق بالأخلاق الحميدة. قَوْله: (فَأحْسن تأديبها) أَي: أدبها من غير عنف وَضرب بل بالرفق واللطف. فَإِن قلت: أَلَيْسَ التَّأْدِيب دَاخِلا تَحت التَّعْلِيم؟ قلت: لَا، إِذْ التَّأْدِيب يتَعَلَّق بالمروآت، والتعليم بالشرعيات، أَعنِي: أَن الأول عرفي، وَالثَّانِي شَرْعِي؛ أَو: الأول دُنْيَوِيّ، وَالثَّانِي ديني. قَوْله: (ثمَّ اعتقها فَتَزَوجهَا) وَفِي بعض طرقه: (أعْتقهَا ثمَّ أصدقهَا) ، وَهُوَ مُبين لما سكت عَنهُ فِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث من ذكر الصَدَاق، فعلى الْمُسْتَدلّ أَن ينظر فِي طَرِيق هَذِه الزِّيَادَة، وَمن هُوَ الْمُنْفَرد بهَا؟ وَهل هُوَ مِمَّن يقبل تفرده؟ وَهل هَذِه الزِّيَادَة مُخَالفَة لرِوَايَة الْأَكْثَرين أم لَا؟ قَوْله: (ثمَّ قَالَ عَامر) أَي: قَالَ صَالح: ثمَّ قَالَ عَامر الشّعبِيّ: أعطيناكها، أَي: أعطينا الْمَسْأَلَة أَو الْمُقَابلَة إياك بِغَيْر شَيْء أَي: بِغَيْر أَخذ مَال مِنْك على جِهَة الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا شَيْء أعظم من الْأجر الأخروي الَّذِي هُوَ ثَوَاب التَّبْلِيغ والتعليم. فَإِن قلت: الْخطاب فِي (أعطيناكها) لمن؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْخطاب لصالح، وَلَيْسَ كَذَلِك. فَإِنَّهُ غره الظَّاهِر، وَلَكِن الْخطاب لرجل من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا، على مَا جَاءَ فِي البُخَارِيّ فِي بَاب: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم} (مَرْيَم: ١٦) قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل، انبأنا عبد اللَّه، قَالَ: انبأنا صَالح بن حَيّ أَن رجلا من أهل خُرَاسَان قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: أَخْبرنِي. فَقَالَ الشّعبِيّ: اخبرني أَبُو بردة عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أدب الرجل أمته فَأحْسن تأديبها، وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها، ثمَّ أعْتقهَا فَتَزَوجهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ. وَإِذا آمن بِعِيسَى ثمَّ آمن بِي فَلهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْد، إِذا اتَّقى ربه وأطاع موَالِيه فَلهُ أَجْرَانِ) .

قَوْله: (قد كَانَ يركب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي بعض النّسخ: فقد كَانَ يركب، أَي: يرحل (فِيمَا دونهَا) ، أَي: فِيمَا دون هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى الْمَدِينَة، أَي مَدِينَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَاللَّام فِيهَا للْعهد، وَقد كَانَ ذَلِك فِي زمن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين، ثمَّ تَفَرَّقت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، إِلَى الْبِلَاد بعد فتح الْأَمْصَار، فَاكْتفى أهل كل بلد بعلمائه إلَاّ من طلب التَّوَسُّع فِي الْعلم

ورحل، وَلِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ، وَهُوَ من كبار التَّابِعين بقوله: وَقد كَانَ يركب. فَإِن قلت: هَل كَانَ سُؤال الْخُرَاسَانِي من الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا مُجَرّد تعلم هَذِه الْمَسْأَلَة، أم لِمَعْنى آخر؟ قلت: بل لِمَعْنى آخر، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (أَن رجلا من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ، فَقَالَ: يَا عَامر! إِن من قبلنَا من أهل خُرَاسَان يَقُولُونَ فِي الرجل إِذا أعتق أمته ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كالراكب بدنته) . وَفِي طَرِيق: (كالراكب هَدْيه) ، كَأَنَّهُمْ توهموا فِي الْعتْق والتزوج الرُّجُوع بِالنِّكَاحِ فِيمَا خرج عَنهُ بِالْعِتْقِ، فَأَجَابَهُ الشّعبِيّ بِمَا يدل على أَنه محسن إِلَيْهَا إحساناً بعد إِحْسَان، وَأَنه لَيْسَ من الرُّجُوع فِي شَيْء، فَذكر لَهُم الحَدِيث.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من النَّاس لَهُم أَجْرَانِ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْعلَّة فِي التَّخْصِيص بهؤلاء الثَّلَاثَة، وَالْحَال أَن غَيره كَذَلِك أَيْضا مثل من صلى وَصَامَ، فَإِن للصَّلَاة أجرا، وللصوم أجرا آخر، وَكَذَا مثل الْوَلَد إِذا أدّى حق الله وَحقّ وَالِديهِ؟ قلت: الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة وَغَيرهَا أَن الْفَاعِل فِي كل مِنْهَا جَامع بَين أَمريْن بَينهمَا مُخَالفَة عَظِيمَة، كَأَن الْفَاعِل لَهما فَاعل للضدين عَامل بالمتنافيين، بِخِلَاف غَيره عَامل. قلت: هَذَا الْجَواب لَيْسَ بِشَيْء، بل الْجَواب الصَّحِيح أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: التَّنْصِيص بِعَدَد مَحْصُور يدل على نفي الحكم عَن غَيره، وَإِلَيْهِ مَال صَاحب (الْهِدَايَة) ، لِأَن إِثْبَات الحكم فِي غَيره إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم) . فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا الْمَذْكُور. قلت: الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على النَّفْي فِيمَا عداهُ وَإِن كَانَ فِي الْعدَد المحصور، وَالْحكم فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت بِدلَالَة النَّص، فَلَا يُوجب إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، فَافْهَم. الثَّانِي: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على من أحسن فِي مَعْنيين من أَي فعل كَانَ من أَفعَال الْبر فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. الثَّالِث: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي قَول الشّعبِيّ جَوَاز قَول الْعَالم مثله تحريضاً للسامع. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ السّلف عَلَيْهِ من الرحلة إِلَى الْبلدَانِ الْبَعِيدَة فِي حَدِيث وَاحِد، أَو مَسْأَلَة وَاحِدَة. الْخَامِس: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه إِثْبَات فضل الْمَدِينَة، وَأَنَّهَا مَعْدن الْعلم، وإليها كَانَ يرحل فِي طلب الْعلم، وتقصد فِي اقتباسه. وَبَعض الْمَالِكِيَّة خصصواً الْعلم بِالْمَدِينَةِ بقول الشّعبِيّ، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلَا يقبل.

٣٢ - (بَاب عِظَةِ الإِمامِ النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النِّسَاء، وَهُوَ التَّذْكِير بالعواقب. وتعليمه النِّسَاء من الْأُمُور الدِّينِيَّة، والعظة، بِكَسْر الْعين: بِمَعْنى الْوَعْظ، لِأَنَّهُ مصدر من: وعظ يعظ وعظاً، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا الْهَاء.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَعْلِيم الرجل أَهله، وَهُوَ خَاص. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب تَعْلِيم الإِمَام النِّسَاء وَهُوَ عَام، فتناسقا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَالْمرَاد من الإِمَام هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَو من يَنُوب عَنهُ.

٩٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أشْهَدُ علَى النَّبيِّ أَو قَالَ عَطاءٌ: اشْهَدُ علَى ابنِ عَبَّاس، أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ ومَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَت المَرْأةُ تُلْقِي القُرْطَ والخَاتَمَ وبِلالٌ يأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ..

وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوعظهن) ، لِأَن الْوَعْظ يسْتَلْزم العظة، وَكَانَت الموعظة بقوله: (إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار لأنكن تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . فَإِن قلت: أَيْن مطابقته لقَوْله: (وتعليمهن) ؟ قلت: فِي قَوْله: (وأمرهن بِالصَّدَقَةِ) . وَلَا شكّ أَن فِي الْأَمر بِالصَّدَقَةِ التَّعْلِيم بهَا أَنَّهَا تكفر الْخَطَايَا وتدفع البلايا.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَاسم أبي رَبَاح: مُسلم الْمَكِّيّ الْقرشِي، مولى ابْن خَيْثَم الفِهري، وَابْن خَيْثَم عَامل عمر بن الْخطاب على مَكَّة،

ولد فِي آخر خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وروى عَنهُ ابْنه. قَالَ: أَعقل قتل عُثْمَان، وَيُقَال إِنَّه من مولدِي الْجند من مخاليف الْيمن وَنَشَأ بِمَكَّة وَصَارَ مفتيها، وَهُوَ من كبار التَّابِعين، وروى عَن العبادلة وَعَائِشَة وَغَيرهم، وروى عَنهُ اللَّيْث حَدِيثا وَاحِدًا، وجلالته وبراعته وثقته وديانته مُتَّفق عَلَيْهَا، وَحج سبعين حجَّة، وَكَانَت الْحلقَة بعد ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لَهُ. مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل أَربع عشرَة وَمِائَة، عَن ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ حَبَشِيًّا أسود أَعور أفطس أشل أعرج، لامْرَأَة من أهل مَكَّة، ثمَّ عمي بآخرة، وَلَكِن الْعلم وَالْعَمَل بِهِ رَفعه. وَمن غَرَائِبه أَنه يَقُول: إِذا أَرَادَ الْإِنْسَان سفرا لَهُ الْقصر قبل خُرُوجه من بَلَده، وَوَافَقَهُ طَائِفَة من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ الْجُمْهُور. وَمن غَرَائِبه أَيْضا أَنه إِذا وَافق يَوْم عيد يَوْم جُمُعَة يصلى الْعِيد فَقَط، وَلَا ظهر وَلَا جُمُعَة فِي ذَلِك الْيَوْم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابَة اثْنَان. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ لَفْظَة: أشهد تَأْكِيدًا لتحققه ووثوقاً بِوُقُوعِهِ، لِأَن الشَّهَادَة خبر قَاطع، تَقول مِنْهُ: شهد الرجل على كَذَا. وَإِنَّمَا قَالَ: أشهد، بِلَفْظَة: على، لزِيَادَة التَّأْكِيد فِي وثاقته، لِأَنَّهُ يدل على الاستعلاء بِالْعلمِ عَن خُرُوجه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَهُ بِلَال، إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَول ابْن عَبَّاس، أَو على استعلاء الْعلم على سَمَاعه من ابْن عَبَّاس إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَوْله عَطاء. لِأَن الرَّاوِي تردد فِي هَذِه اللَّفْظَة، هَل هِيَ من قَول ابْن عَبَّاس أَو من قَول عَطاء؟ وَرَوَاهُ أَيْضا بِالشَّكِّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب. أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن غنْدر عَن شُعْبَة جَازِمًا بِلَفْظ: أشهد عَن كل مِنْهُمَا.

بَيَان من أخرجه غَيره: وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهَا عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد بن حسان عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن أبي معمر عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، ومسدد، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَارِث عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) ، وَهِي مَا تبذل من المَال لثواب الْآخِرَة، وَهِي تتَنَاوَل الْفَرِيضَة والتطوع، لَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا هُنَا هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (القرط) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: مَا يعلق فِي شحمة الْأذن، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل مَا فِي شحمة الْأذن فَهُوَ قرط سَوَاء كَانَ من ذهب أَو غَيره. وَفِي (البارع) : القرط يكون فِيهِ حَبَّة وَاحِدَة فِي حَلقَة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : وَالْجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط، مِثَال: برد وأبراد وبرود، و: قلب وقلبة، و: رمح ورماح. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وَفتحهَا وخيتام وخاتام، الْكل بِمَعْنى وَاحِد.

بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (خرج) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن، أَي: خرج من بَين صُفُوف الرِّجَال إِلَى صف النِّسَاء. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مَعَه بِلَال) . بِلَا وَاو، وَهُوَ جَائِز بِلَا ضعف، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: ٣٦ والأعراف: ٢٤) وبلال: هُوَ ابْن رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، الحبشي الْقرشِي، يكنى أَبَا عبد اللَّه أَو أَبَا عَمْرو أَو أَبَا عبد الرَّحْمَن أَو أَبَا عبد الْكَرِيم، وشهرته باسم أمه حمامة. قَوْله: (فَظن) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه لم يسمع النِّسَاء) حِين أسمع الرِّجَال، وَفِي بعض النّسخ: فَظن أَنه لم يسمع، بِدُونِ لَفْظَة النِّسَاء، و: أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد مفعولي: ظن. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ تصلح للتَّعْلِيل، (وأمرهن) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) الْألف وَاللَّام فِيهَا للْعهد الْخَارِجِي، وَهِي صَدَقَة التَّطَوُّع، وَإِنَّمَا أمرهن بهَا لما رآهن أَكثر أهل النَّار، على مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح: (تصدقن يَا معشر النِّسَاء، إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار) . وَقيل: أمرهن بهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَقت حَاجَة إِلَى الْمُوَاسَاة، وَالصَّدَََقَة يومئذٍ كَانَت أفضل وُجُوه الْبر. قَوْله: (فَجعلت الْمَرْأَة) جعلت: من أَفعَال المقاربة، وَهِي مثل: كَاد، فِي الِاسْتِعْمَال، ترفع الِاسْم، وَخَبره الْفِعْل الْمُضَارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، وَقَوله: (القرط) بِالنّصب مفعول: (تلقي) من الْإِلْقَاء. (والخاتم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وبلال) مُبْتَدأ (وَيَأْخُذ فِي أَطْرَاف ثَوْبه) خَبره، وَالْجُمْلَة حَالية، ومفعول: يَأْخُذ، مَحْذُوف.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ اسْتِحْبَاب وعظ النِّسَاء وتذكيرهن الْآخِرَة وَأَحْكَام الْإِسْلَام، وحثهن على الصَّدَقَة، وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب على

ذَلِك مفْسدَة أَو خوف فتْنَة على الْوَاعِظ أَو الموعوظ، وَنَحْو ذَلِك. الثَّانِي: فِي قَوْله: (فَظن أَنه لم يسمع النِّسَاء) دَلِيل على أَن على الإِمَام افتقاد رَعيته وتعليمهم ووعظهم. الثَّالِث: فِيهِ أَن صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول، وَيَكْفِي فِيهَا المعاطاة، لِأَنَّهُنَّ ألقين الصَّدَقَة فِي ثوب بِلَال من غير كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا من بِلَال وَلَا من غَيرهمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، رَحمَه الله؛ خلافًا لأكْثر الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابه حَيْثُ قَالُوا: يفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على أَن الصَّدقَات الْعَامَّة إِنَّمَا يصرفهَا مصارفها الإِمَام. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل أَن الصَّدَقَة قد تنجي من النَّار، قَالَه ابْن بطال. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة من مَالهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك على ثلث مَالهَا. وَقَالَ مَالك: لَا تجوز الزِّيَادَة على الثُّلُث إلَاّ بِإِذن الزَّوْج، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يسْأَل: هَل هَذَا بِإِذن أَزوَاجهنَّ أم لَا؟ وَهل هُوَ خَارج من الثُّلُث أَو لَا؟ وَلَو اخْتلف الحكم بذلك لسأل. قَالَ القَاضِي عِيَاض، رَحمَه الله، احتجاجاً لمَذْهَب مَالك: الْغَالِب حُضُور أَزوَاجهنَّ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فتركهم الْإِنْكَار رضى مِنْهُم بفعلهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُنَّ معتزلات لَا يعلم الرِّجَال المتصدقة مِنْهُم من غَيرهَا، وَلَا قدر مَا يتصدقن بِهِ، وَلَو علمُوا فسكوتهم لَيْسَ إِذْنا. فَإِن قلت: احْتج مَالك وَمن تبعه فِي ذَلِك بِمَا خرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يجوز لامْرَأَة أمرٌ فِي مَالهَا إِذا ملك زَوجهَا عصمتها) . وَبِمَا خرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي كَامِل عَن خَالِد، يَعْنِي ابْن الْحَارِث: ثَنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب أَن أَبَاهُ أخبرهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة عَطِيَّة إلَاّ بِإِذن زَوجهَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الطَّرِيق إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب صَحِيح، فَمن أثبت أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب لزمَه إثْبَاته. وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه: أَحدهَا: معارضته بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على الْجَوَاز عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي أقوى مِنْهُ، فَقدمت عَلَيْهِ. وَقد يُقَال: انه وَاقعَة حَال، فَيمكن حملهَا على أَنَّهَا كَانَت قدر الثُّلُث. الثَّانِي: على تَسْلِيم الصِّحَّة إِنَّه مَحْمُول على الأولى، وَالْأَدب ذكره الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ، قَالَ: وَقد أعتقت مَيْمُونَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلم يعب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا. وكما يُقَال: لَيْسَ لَهَا أَن تَصُوم وَزوجهَا حَاضر إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت فصومها جَائِز، وَمثله إِن خرجت بِغَيْر إِذْنه فباعت، فَهُوَ جَائِز. الثَّالِث: الطعْن فِيهِ، قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث سمعناه وَلَيْسَ بِثَابِت، فيلزمنا أَن نقُول بِهِ وَالْقُرْآن يدل على خِلَافه ثمَّ الْأَمر ثمَّ الْمَنْقُول ثمَّ الْمَعْقُول. قيل: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ، قَوْله تَعَالَى: {فَنصف مَا فرضتم إلاّ أَن يعفون} (الْبَقَرَة: ٢٣٧) وَقَوله: {فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئاً} (النِّسَاء: ٤) . وَقَوله: {فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} (الْبَقَرَة: ٢٢٩) وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ١٢) وَقَوله: {وابتلوا الْيَتَامَى} الْآيَة (النِّسَاء: ٦) وَلم يفرق، فدلت هَذِه الْآيَات على نُفُوذ تصرفها فِي مَالهَا دون إِذن زَوجهَا، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلمن لزوجة الزبير رَضِي الله عَنهُ: (إرضخي وَلَا توعي فيوعى الله عَلَيْك) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَقَالَ: (يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة) . واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زَوجهَا من كل شَيْء، فَلم يُنكر ذَلِك ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَقد طعن إِبْنِ حزم فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَن قَالَ: صحيفَة مُنْقَطِعَة، وَقد علمت أَن شعيباً صرح بِعَبْد الله بن عَمْرو، فَلَا انْقِطَاع. وَقد أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد بن أبي هِنْد وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بِهِ، ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، ثمَّ ذكر ابْن حزم من حَدِيث ابْن عمر: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا حق الزَّوْج على زَوجته؟ قَالَ: لَا تصدق إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت كَانَ لَهُ الْأجر وَعَلَيْهَا الْوزر) . ثمَّ قَالَ: هَذَا خَيرهَا لَك، لِأَن فِيهِ مُوسَى بن أعين وَهُوَ مَجْهُول، وَلَيْث بن أبي سليم وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، فَإِن مُوسَى بن أعين روى عَن جمَاعَة وَعنهُ جمَاعَة، وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ. نعم، فِيهِ الْحسن بن عبد الْغفار وَهُوَ مَجْهُول، وليته أعله بِهِ. ثمَّ ذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رَفعه: (لَا تنْفق الْمَرْأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَلِك أفضل أَمْوَالنَا) . ثمَّ إِسْمَاعِيل ضَعِيف، وشرحبيل مَجْهُول لَا يدرى من هُوَ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ. فإسماعيل حجَّة فِيمَا يروي عَن الشاميين، وشرحبيل شَامي، وحاشاه من الْجَهَالَة. روى عَنهُ جمَاعَة. قَالَ أَحْمد: هُوَ من ثِقَات الشاميين، نعم، ضعفه ابْن معِين، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. الرَّابِع: من أوجه الْجَواب، مَا قيل: إِن المُرَاد من مَال زَوجهَا لَا من مَالهَا، وَفِيه نظر.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله