الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٩
الحديث رقم ٩٩ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحرص على الحديث.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا؛ حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
٩٩ (م) - حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَانَتِ الْمَوْعِظَةُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُنَّ أَنَّ فِي الصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطَايَاهُنَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ تَرَدَّدَ هَلْ لَفْظُ أَشْهَدُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ؟ وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ جَازِمًا بِلَفْظِ أَشْهَدُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَأْكِيدًا لِتَحَقُّقِهِ وَوُثُوقًا بِوُقُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ بِلَالٌ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِلْبَاقِينَ.
قَوْلُهُ: (الْقُرْطُ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، أَيِ: الْحَلْقَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي هَذَا الْمَتْنِ فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ جَزَمَ عَنْ أَيُّوبَ بِأَنَّ لَفْظَ: أَشْهَدُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَطْفًا عَلَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا، انْتَهَى. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَصْلًا لَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَوْصُولًا عَنْ مُؤَمِّلِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَلَوِ اسْتَرْسَلَ فِيهَا مُسْتَرْسِلُ لَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِسْمَاعِيلُ هُنَا آخَرَ غَيْرَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَنَّ أَيُّوبَ آخَرُ غَيْرُ السَّخْتِيَانِيِّ، وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَصَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْحُو كَثِيرًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُدْخِلُ النَّارَ.
٣٣ - بَاب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ: نَفْسِهِ.
[الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ) الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأُوَيْسِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو، مَيْسَرَةُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ. وَسَقَطَتْ قِيلَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قُلْتُ فَتَصَحَّفَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ كَذَلِكَ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ مِنْكَ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِرَفْعِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا، فَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ لِأَحَدٍ أَوِ الْبَدَلِ مِنْهُ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِظَنَنْتُ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: عَلَى الْحَالِ: وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ نَكِرَةً لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ: مَا كَانَ أَحَدٌ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٩٩ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبَُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: «قال: يا رسول الله» بإسقاط «قيل» كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت «قلت» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠] فتصحَّفت بـ «قيلَ» لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و «مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه تاليه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ): واللهِ (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَُنِي) بضمِّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُون (١)﴾ بالرَّفع والنَّصب لوقوع «أنْ» بعد
الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القَسَم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد (عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلَُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفةٌ لـ «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً لأنَّها في سياق النَّفيِ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك (لِمَا رَأَيْتُ) أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ) أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ «يوم القيامة» للحَمُّويي (١) (مَنْ قَالَ) في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو
«أسعدُ النَّاس (١)»، و «مَنْ»: موصولةٌ، أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: «مخلصًا» (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفى بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله (٢): «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلفَّظ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ (٣)، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل التَّعبير بـ «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أَسْعَد» إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين (٤) والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب، أي: هو أسعد ممَّن لم (٥) يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد كما مرَّ، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ -يعني قوله: «مخلصًا» - على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «صفة الجنَّة والنَّار» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠]، والله أعلم (٦).
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وفي فرع «اليونينيَّة» بغير تنوينٍ مُضَافًا (١) لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ) أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ (وَكَتَبَ) وفي رواية ابن عساكر: «قال -أي: البخاريُّ- وكتب» (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن (٢) محمَّد بن عمرو (ابْنِ حَزْمٍ) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ (انْظُرْ مَا كَانَ) أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (٣) الكُشْمِيهَنيِّ: «انظر ما كان عندك» أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّةٌ، وعلى الثَّانية ناقصةٌ، و «عندك» الخبر (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ) فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ،
فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك (وَلَا يُقْبَلْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (١): «تَقبلْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِْيُفْشُوا العِلْمَ، وَلِْيَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في (٢) الأوَّل؛ مِنَ الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير (٣) ابن عساكر: «ولتفشوا ولتجلسوا» بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ (٤): «يَعْلَمَ» بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه كـ «ضرَب يضرِب» وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا) أي: خُفْيَةً (٥)، كاتِّخاذه في الدُّور (٦) المحجورة التي قد (٧) لا يتأتَّى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و (٨) كريمة وابن عساكر ولفظة: «حدَّثنا» وفي رواية الأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله، أي: البخاريّ» (حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين (٩) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَانَتِ الْمَوْعِظَةُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُنَّ أَنَّ فِي الصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطَايَاهُنَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ تَرَدَّدَ هَلْ لَفْظُ أَشْهَدُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ؟ وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ جَازِمًا بِلَفْظِ أَشْهَدُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَأْكِيدًا لِتَحَقُّقِهِ وَوُثُوقًا بِوُقُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ بِلَالٌ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِلْبَاقِينَ.
قَوْلُهُ: (الْقُرْطُ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، أَيِ: الْحَلْقَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي هَذَا الْمَتْنِ فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ جَزَمَ عَنْ أَيُّوبَ بِأَنَّ لَفْظَ: أَشْهَدُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَطْفًا عَلَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا، انْتَهَى. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَصْلًا لَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَوْصُولًا عَنْ مُؤَمِّلِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَلَوِ اسْتَرْسَلَ فِيهَا مُسْتَرْسِلُ لَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِسْمَاعِيلُ هُنَا آخَرَ غَيْرَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَنَّ أَيُّوبَ آخَرُ غَيْرُ السَّخْتِيَانِيِّ، وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَصَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْحُو كَثِيرًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُدْخِلُ النَّارَ.
٣٣ - بَاب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ: نَفْسِهِ.
[الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ) الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأُوَيْسِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو، مَيْسَرَةُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ. وَسَقَطَتْ قِيلَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قُلْتُ فَتَصَحَّفَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ كَذَلِكَ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ مِنْكَ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِرَفْعِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا، فَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ لِأَحَدٍ أَوِ الْبَدَلِ مِنْهُ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِظَنَنْتُ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: عَلَى الْحَالِ: وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ نَكِرَةً لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ: مَا كَانَ أَحَدٌ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٩٩ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبَُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: «قال: يا رسول الله» بإسقاط «قيل» كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت «قلت» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠] فتصحَّفت بـ «قيلَ» لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و «مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه تاليه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ): واللهِ (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَُنِي) بضمِّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُون (١)﴾ بالرَّفع والنَّصب لوقوع «أنْ» بعد
الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القَسَم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد (عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلَُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفةٌ لـ «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً لأنَّها في سياق النَّفيِ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك (لِمَا رَأَيْتُ) أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ) أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ «يوم القيامة» للحَمُّويي (١) (مَنْ قَالَ) في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو
«أسعدُ النَّاس (١)»، و «مَنْ»: موصولةٌ، أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: «مخلصًا» (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفى بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله (٢): «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلفَّظ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ (٣)، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل التَّعبير بـ «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أَسْعَد» إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين (٤) والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب، أي: هو أسعد ممَّن لم (٥) يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد كما مرَّ، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ -يعني قوله: «مخلصًا» - على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «صفة الجنَّة والنَّار» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠]، والله أعلم (٦).
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وفي فرع «اليونينيَّة» بغير تنوينٍ مُضَافًا (١) لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ) أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ (وَكَتَبَ) وفي رواية ابن عساكر: «قال -أي: البخاريُّ- وكتب» (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن (٢) محمَّد بن عمرو (ابْنِ حَزْمٍ) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ (انْظُرْ مَا كَانَ) أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (٣) الكُشْمِيهَنيِّ: «انظر ما كان عندك» أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّةٌ، وعلى الثَّانية ناقصةٌ، و «عندك» الخبر (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ) فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ،
فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك (وَلَا يُقْبَلْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (١): «تَقبلْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِْيُفْشُوا العِلْمَ، وَلِْيَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في (٢) الأوَّل؛ مِنَ الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير (٣) ابن عساكر: «ولتفشوا ولتجلسوا» بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ (٤): «يَعْلَمَ» بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه كـ «ضرَب يضرِب» وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا) أي: خُفْيَةً (٥)، كاتِّخاذه في الدُّور (٦) المحجورة التي قد (٧) لا يتأتَّى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و (٨) كريمة وابن عساكر ولفظة: «حدَّثنا» وفي رواية الأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله، أي: البخاريّ» (حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين (٩) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ