الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٩
الحديث رقم ٩٩ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحرص على الحديث.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
يُخبرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أسعد الناس بشفاعتِه يوم القيامة هو من قال: "لا إله إلا الله" خالصًا من قبله، أي لا معبود بحق إلا الله، وأن يكون سالمًا من الشرك ومن الرياء.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَانَتِ الْمَوْعِظَةُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُنَّ أَنَّ فِي الصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطَايَاهُنَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ تَرَدَّدَ هَلْ لَفْظُ أَشْهَدُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ؟ وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ جَازِمًا بِلَفْظِ أَشْهَدُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَأْكِيدًا لِتَحَقُّقِهِ وَوُثُوقًا بِوُقُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ بِلَالٌ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِلْبَاقِينَ.
قَوْلُهُ: (الْقُرْطُ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، أَيِ: الْحَلْقَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي هَذَا الْمَتْنِ فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ جَزَمَ عَنْ أَيُّوبَ بِأَنَّ لَفْظَ: أَشْهَدُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَطْفًا عَلَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا، انْتَهَى. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَصْلًا لَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَوْصُولًا عَنْ مُؤَمِّلِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَلَوِ اسْتَرْسَلَ فِيهَا مُسْتَرْسِلُ لَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِسْمَاعِيلُ هُنَا آخَرَ غَيْرَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَنَّ أَيُّوبَ آخَرُ غَيْرُ السَّخْتِيَانِيِّ، وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَصَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْحُو كَثِيرًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُدْخِلُ النَّارَ.
٣٣ - بَاب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ: نَفْسِهِ.
[الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ) الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأُوَيْسِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو، مَيْسَرَةُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ. وَسَقَطَتْ قِيلَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قُلْتُ فَتَصَحَّفَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ كَذَلِكَ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ مِنْكَ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِرَفْعِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا، فَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ لِأَحَدٍ أَوِ الْبَدَلِ مِنْهُ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِظَنَنْتُ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: عَلَى الْحَالِ: وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ نَكِرَةً لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ: مَا كَانَ أَحَدٌ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٩٩ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبَُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: «قال: يا رسول الله» بإسقاط «قيل» كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت «قلت» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠] فتصحَّفت بـ «قيلَ» لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و «مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه تاليه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ): واللهِ (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَُنِي) بضمِّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُون (١)﴾ بالرَّفع والنَّصب لوقوع «أنْ» بعد
الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القَسَم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد (عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلَُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفةٌ لـ «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً لأنَّها في سياق النَّفيِ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك (لِمَا رَأَيْتُ) أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ) أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ «يوم القيامة» للحَمُّويي (١) (مَنْ قَالَ) في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو
«أسعدُ النَّاس (١)»، و «مَنْ»: موصولةٌ، أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: «مخلصًا» (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفى بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله (٢): «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلفَّظ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ (٣)، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل التَّعبير بـ «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أَسْعَد» إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين (٤) والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب، أي: هو أسعد ممَّن لم (٥) يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد كما مرَّ، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ -يعني قوله: «مخلصًا» - على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «صفة الجنَّة والنَّار» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠]، والله أعلم (٦).
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وفي فرع «اليونينيَّة» بغير تنوينٍ مُضَافًا (١) لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ) أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ (وَكَتَبَ) وفي رواية ابن عساكر: «قال -أي: البخاريُّ- وكتب» (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن (٢) محمَّد بن عمرو (ابْنِ حَزْمٍ) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ (انْظُرْ مَا كَانَ) أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (٣) الكُشْمِيهَنيِّ: «انظر ما كان عندك» أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّةٌ، وعلى الثَّانية ناقصةٌ، و «عندك» الخبر (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ) فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ،
فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك (وَلَا يُقْبَلْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (١): «تَقبلْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِْيُفْشُوا العِلْمَ، وَلِْيَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في (٢) الأوَّل؛ مِنَ الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير (٣) ابن عساكر: «ولتفشوا ولتجلسوا» بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ (٤): «يَعْلَمَ» بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه كـ «ضرَب يضرِب» وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا) أي: خُفْيَةً (٥)، كاتِّخاذه في الدُّور (٦) المحجورة التي قد (٧) لا يتأتَّى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و (٨) كريمة وابن عساكر ولفظة: «حدَّثنا» وفي رواية الأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله، أي: البخاريّ» (حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين (٩) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ إسْماعِيلُ: عنْ أيُّوبَ عنْ عَطَاءُ، وَقَالَ عنِ ابْن عَباسٍ: أشْهَدُ علَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق أَن إِسْمَاعِيل روى عَن أَيُّوب عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أشهد على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْجَزْمِ، لِأَن لَفْظَة: أشهد، من كَلَام ابْن عَبَّاس فَقَط. وَكَذَا جزم بِهِ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) ، وَكَذَا قَالَ وهيب عَن أَيُّوب: ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه تَعْلِيق، لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك إِسْمَاعِيل بن علية، وَهُوَ مَاتَ فِي عَام ولادَة البُخَارِيّ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) عطفا على: (قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة) ، فَيكون المُرَاد مِنْهُ حَدثنَا سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، فَيخرج عَن التَّعْلِيق. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن سُلَيْمَان بن حَرْب لَا رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل أصلا، لَا لهَذَا الحَدِيث وَلَا لغيره، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة مَوْصُولا عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٣ - (بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحِرْص على تَحْصِيل الحَدِيث، والْحَدِيث فِي اللُّغَة: الْجَدِيد، من حدث أَمر أَي: وَقع، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. وَيُقَال: أَخَذَنِي مَا قدُم وَمَا حدُث، لَا يضم: حدث، فِي شَيْء من الْكَلَام إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ لمَكَان: قدم، على الإزدواج. والْحَدِيث: الْخَبَر يَأْتِي على الْقَلِيل وَالْكثير، وَيجمع على: أَحَادِيث، على غير قِيَاس. قَالَ الْفراء: ترى أَن وَاحِد الْأَحَادِيث أحدوثة، ثمَّ جَعَلُوهُ جمعا للْحَدِيث، وَسمي حَدِيثا لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء، والأحدوثة مَا يتحدث بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: {وجعلناهم أَحَادِيث} (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٤) أَي: عبرا يتحدث بهلاكهم، وَالْحَدَث، والحدثى مثل: بشرى والحادثة والحدثان كُله بِمَعْنى، والحدثان أَيْضا: النَّاس. وَالْجمع: الْحدثَان بِالْكَسْرِ، والتركيب يدل على كَون شَيْء لم يكن، والْحَدِيث فِي عرف الْعَامَّة: الْكَلَام، وَفِي عرف الشَّرْع: مَا يتحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَأَنَّهُ لوحظ فِيهِ مُقَابلَته لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا حَدِيث، والْحَدِيث ضد الْقَدِيم، وَيسْتَعْمل فِي قَلِيل الْكَلَام وَكَثِيره، لِأَنَّهُ يحدث شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ذكرنَا.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، وَكَذَلِكَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، لِأَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أجَاب أَبَا هُرَيْرَة فِيمَا سَأَلَهُ بِالْخِطَابِ إِلَيْهِ خَاصَّة، وَالْجَوَاب عَن سُؤال من لَا يعلم جَوَابه تَعْلِيم من الْمُجيب، فَافْهَم.
٩٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ عَمْرو بن أبي عَمْرٍ وعنْ سَعيد بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله! مَنْ أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يوْمَ القِيامةِ؟ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْأَلَنِي عنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ منْ حِرْصِكَ علَى الحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِيِ يَوْمَ القيامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَاّ الله، خالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أوْ نَفْسِهِ) .
(الحَدِيث ٩٩ طرفه فِي: ٦٥٧٠) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث) .
بَيَان رِجَاله:. وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه بن يحيى بن عَمْرو بن أويس بن سعيد بن أبي سرح، بالمهملات، ابْن حُذَيْفَة بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر ابْن لؤَي بن فهر، أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي الْفَقِيه، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى البُخَارِيّ فِي الْإِصْلَاح عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه مَقْرُونا بالفروي عَنهُ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ أَبُو حَاتِم: مدنِي صَدُوق. وَعنهُ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيّ من يحيى بن بكير. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال، أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ القريشي الْمدنِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، بِفَتْح الْعين وبالواو فيهمَا، وَأَبُو عَمْرو اسْمه: ميسرَة، وَعَمْرو يكنى أَبَا عُثْمَان، وميسرة مولى الْمطلب بن عبد اللَّه بن حنْطَب، بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُهْملَة وبالموحدة، المَخْزُومِي الْقرشِي
الْمدنِي، روى عَن أنس بن مَالك وَغَيره، وَعنهُ مَالك والدراوردي. قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَأما يحيى بن معِين فَقَالَ: ضَعِيف لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَيْسَ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ لِأَن مَالِكًا روى عَنهُ، وَلَا يروي إلَاّ عَن صَدُوق ثِقَة. مَاتَ سنة خلَافَة الْمَنْصُور فِي أَولهَا وَكَانَت أول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَزِيَاد بن عبد اللَّه على الْمَدِينَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، بِضَم الْبَاء وَفتحهَا. وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عبد الْعَزِيز، وَفِي صفة الْجنَّة عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ. وَقَالَ الْمزي. روى عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَيْسَ فِي الرِّوَايَة، وَلم يذكرهُ أَبُو الْقَاسِم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَنه قَالَ) بِفَتْح: أَن. وَقَوله: قَالَ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ لَفْظَة: قيل، وَإِنَّمَا هُوَ: (أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله: قيل، وهم، وَالصَّوَاب سُقُوط: قيل، كَمَا جَاءَ عِنْد الْأصيلِيّ والقابسي، لِأَن السَّائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة نَفسه، لقَوْله بعد: (لقد ظَنَنْت أَن لَا يسألني عَن هَذَا أحد أول مِنْك) ، وَالْأول وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ وهم. قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه القَاضِي، فَإِن البُخَارِيّ أخرجه فِي الرقَاق كَذَلِك. وَأخرجه فِي الْجنَّة أَنه قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله) وَهَذَا مِمَّا يُؤَيّد أَن: قلت، تصحف: بقيل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أَنه سَأَلَ) . وَفِي رِوَايَة أبي نعيم أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (يَا رَسُول الله) . قَوْله: (مَنْ أسعد النَّاس) مُبْتَدأ وَخبر، و: من، إستفهامية، (وَيَوْم الْقِيَامَة) كَلَام إضافي نصب على الظّرْف. قَوْله: (لقد ظَنَنْت) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، قَالَه الْكرْمَانِي، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّه لَام التَّأْكِيد.
قَوْله: (يابا هُرَيْرَة) أَصله يَا أَبَا هُرَيْرَة، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَهُوَ معترض بَين ظَنَنْت ومفعوله، وَهُوَ قَوْله: (أَن لَا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث أحد) ، وَيجوز ضم اللَّام فِي: يسألني، وَفتحهَا لِأَن كلمة: أَن، إِذا وَقعت بعد الظَّن يجوز فِي مدخولها الْوَجْهَانِ: الرّفْع وَالنّصب. وَاعْلَم أَن: أَن، الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الساكنة النُّون على وَجْهَيْن: اسْم وحرف، فالحرف على أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون حرفا مصدرياً ناصباً للمضارع، وَتَقَع فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي الِابْتِدَاء، فَتكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَالثَّانِي: بعد لفظ دَال على معنى غير الْيَقِين، فَيكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله} (الْحَدِيد: ١٦) وَنصب نَحْو: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يُفترى من دون الله} (يُونُس: ٣٧) وخفض نَحْو: {أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا} (الْأَعْرَاف: ١٢٩) ومحتملة لَهما نَحْو: {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي} (الشُّعَرَاء: ٨٢) أَصله: فِي أَن يغْفر لي. الثَّانِي: أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، فَتَقَع بعد فعل الْيَقِين أَو مَا نزل مَنْزِلَته، نَحْو: {أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم قولا} (طه: ٨٩) {علم أَن سَيكون} (المزمل: ٢٠) {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} (الْمَائِدَة: ٧١) فِيمَن رفع: تكون، فَإِن هَذِه ثلاثية الْوَضع، وَهِي مَصْدَرِيَّة أَيْضا، وتنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر، خلافًا للكوفيين؛ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تعْمل شَيْئا، وَشرط اسْمهَا أَن يكون محذوفاً، وَرُبمَا ثَبت فِي الضَّرُورَة على الْأَصَح، وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة، وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ. الثَّالِث: أَن تكون مفسرة، بِمَنْزِلَة: أَي، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك} (الْمُؤْمِنُونَ: ٢٧) وَعَن الكوفية إِنْكَار: أَن، التفسيرية أَلْبَتَّة. وَإِذا ولي: أَن، الصَّالِحَة للتفسير مضارع مَعَه: لَا، نَحْو: أَشرت إِلَيْهِ أَن لَا يفعل، جَازَ رَفعه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة. وجزمه على تقديرها ناهية. وَعَلَيْهِمَا فَأن مفسرة، ونصبه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة و: أَن، مَصْدَرِيَّة. فَإِن فقدت: لَا، امْتنع الْجَزْم وَجَاز الرّفْع وَالنّصب. الرَّابِع: أَن تكون زَائِدَة، وَلها مَوَاضِع ذكرت فِي النَّحْو.
قَوْله: (أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: يسألني، قَوْله: (أول مِنْك) ، يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على أَنه صفة لأحد، أَو بدل مِنْهُ. وَالنّصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: على الْمَفْعُول الثَّانِي لظَنَنْت. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: على الْحَال، أَي: لَا يسألني أحد سَابِقًا لَك: قَالَ: وَجَاز نصب الْحَال عَن النكرَة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي فَتكون عاملة كَقَوْلِهِم: مَا كَانَ أحد مثلك. وَاخْتلف فِي: أول، هَل وَزنه: أفعل أَو فوعل، وَالصَّحِيح أَنه: أفعل، واستعماله: بِمن، من جملَة أَدِلَّة صِحَّته. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: أول، تسْتَعْمل إسماً وَصفَة. فَإِن اسْتعْملت صفة كَانَت بِالْألف وَاللَّام، أَو بِالْإِضَافَة أَو: بِمن، ظَاهِرَة أَو مقدرَة. مثل قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ واخفى} (طه: ٧) أَي: اخفى من السِّرّ، فَإِن كَانَت: بِمن، جرت فِي الْأَحْوَال كلهَا على لفظ وَاحِد، تَقول: هِنْد أول من زَيْنَب، والزيدان
أول من العمرين، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الصّفة تَقول: رَأَيْت زيدا أول من عامنا، فَأول بِمَنْزِلَة: قبل، كَأَنَّك قلت: رَأَيْت زيدا عَاما قبل عامنا، فَحكم لَهُ بالظرف حَتَّى قَالُوا: أبدأ بِهَذَا أَوله، وَبَنوهُ على الضَّم كَمَا قَالُوا: أبدأ بِهِ قبل، فَصَارَ كَأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة. وَمن النصب على الظّرْف قَوْله تَعَالَى: {الركب أَسْفَل مِنْكُم} (الْأَنْفَال: ٤٢) كَمَا تَقول: الركب أمامك، وَأَصله الصّفة، وَصَارَ: أَسْفَل، ظرفا. وَالتَّقْدِير: والركب فِي مَكَان أَسْفَل من مَكَانكُمْ، ثمَّ حذف الْمَوْصُوف وأقيمت الصّفة مقَامه، فَصَارَ: أَسْفَل مِنْكُم، بِمَنْزِلَة: تحتكم، وَمن لم يَجْعَل أَولا صلَة صرفه بِمَنْزِلَة: فَكل، الَّذِي هُوَ بِمَعْنى: الرعدة. وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ وزن الْفِعْل. تَقول: مَا ترك لنا أَولا وَلَا آخر، كَقَوْلِك: لَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله (لما رَأَيْت) بِكَسْر اللَّام و: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف. و: من، بَيَانِيَّة تَقْدِيره: للَّذي رَأَيْته من حرصك. أَو تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة و: من، تبعيضية، وَتَكون مفعول: رَأَيْت، وَالتَّقْدِير. لرؤيتي بعض حرصك. قَوْله: (على الحَدِيث) يتَعَلَّق بالحرص. قَوْله: (أسعدُ النَّاس) كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَالْبَاء فِي: (بشفاعتي) يتَعَلَّق بِهِ: (وَيَوْم الْقِيَامَة) نصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَوله: (من قَالَ) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ. و: (من) ، مَوْصُولَة. وَقَوله: (خَالِصا) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (قَالَ) . وَقَوله: (من قلبه) يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله: خَالِصا، أَو بقوله: قَالَ. وَالظَّاهِر أَن يتَعَلَّق: بقال. فَإِذا تعلق: بقال يكون ظرفا لَغوا، وَإِن تعلق بخالصاً، يكون ظرفا مُسْتَقرًّا، إِذْ تَقْدِيره حينئذٍ ناشئاً من قلبه، واللغو لَا مَحل لَهُ من الْإِعْرَاب. والمستقر هُنَا مَنْصُوب على الْحَال.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أسعد النَّاس) أسعد: أفعل، والسعد هُوَ الْيمن، تَقول مِنْهُ: سعد يَوْمنَا يسْعد سعوداً، والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، تَقول مِنْهُ: سعد الرجل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سعيد، مِثَال: سلم فَهُوَ سليم. وَسعد، على مَا لم يسم فَاعله، فَهُوَ: مَسْعُود. فَإِن قلت: أسعد، هُنَا من أَي الْبَاب؟ قلت: من الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي وَالْفَتْح فِي الغابر، وَالْأول من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الغابر. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل يدل على الشّركَة، والمشرك وَالْمُنَافِق لَا سَعَادَة لَهما. قلت: أسعد هَهُنَا بِمَعْنى سعيد، يَعْنِي سعيد النَّاس، كَقَوْلِهِم: النَّاقِص والأشج أعدلا بني مَرْوَان، يَعْنِي عادلا بني مَرْوَان، وَيجوز أَن يكون على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ الْمَشْهُور، والتفضيل بِحَسب الْمَرَاتِب أَي: هُوَ أسعد مِمَّن لم يكن فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِخْلَاص الْمُؤَكّد الْبَالِغ غَايَته، وَكثير من النَّاس يحصل لَهُ سعد بِشَفَاعَتِهِ، لَكِن الْمُؤمن المخلص أَكثر سَعَادَة بهَا، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يشفع فِي الْخلق بإراحتهم من هول الْموقف، ويشفع فِي بعض الْكفَّار بتَخْفِيف الْعَذَاب، كَمَا صَحَّ فِي حق أبي طَالب، ويشفع فِي بعض الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ من النَّار بعد أَن دخلوها، وَفِي بَعضهم بِعَدَمِ دُخُولهَا بعد أَن يستوجبوا دُخُولهَا، وَفِي بَعضهم بِدُخُول الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَفِي بَعضهم بِرَفْع الدَّرَجَات فِيهَا، فَظهر الِاشْتِرَاك فِي مُطلق السَّعَادَة بالشفاعة، وَأَن أسعدهم بهَا الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (بشفاعتك) ، الشَّفَاعَة مُشْتَقَّة من الشفع، وَهُوَ ضم الشَّيْء إِلَى مثله، كَأَن الْمَشْفُوع لَهُ كَانَ فَردا فَجعله الشَّفِيع شفعاً بِضَم نَفسه إِلَيْهِ، والشفاعة: الضَّم إِلَى إِلَى آخر معاوناً لَهُ، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي انضمام من هُوَ أَعلَى مرتبَة إِلَى من هُوَ أدنى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن الشَّفَاعَة إِنَّمَا تكون فِي أهل الْإِخْلَاص خَاصَّة، وهم أهل التَّوْحِيد، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لكل نَبِي دَعْوَة، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) . قلت: هَذَا الحَدِيث مَعَ غَيره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب، الْجَارِيَة مجْرى الْقطع، دَلِيل على ثُبُوت الشَّفَاعَة.
قَالَ عِيَاض: مَذْهَب أهل السّنة جَوَاز الشَّفَاعَة عقلا، ووجوبها بِصَرِيح الْآيَات وَالْأَخْبَار الَّتِي بلغ مجموعها التَّوَاتُر لصحتها فِي الْآخِرَة لمذنبي الْمُؤمنِينَ. وَأجْمع السّلف الصَّالح وَمن بعدهمْ من أهل السّنة على ذَلِك، ومنعت الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهَا، وتأولت الْأَحَادِيث على زيادات الدَّرَجَات وَالثَّوَاب، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: {فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين} (المدثر: ٤٨) {مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع} (غَافِر: ١٨) وَهَذِه إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكفَّار، وَالْأَحَادِيث مصرحة بِأَنَّهَا فِي المذنبين. وَقَالَ: الشَّفَاعَة خَمْسَة أَقسَام. أَولهَا: الإراحة من هول الْموقف. الثَّانِيَة: الشَّفَاعَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَهَذِه أَيْضا وَردت للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي: لَا أعلم هَل هِيَ مُخْتَصَّة أم لَا؟ قلت: يُرِيد القَاضِي بِالصَّحِيحِ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فأنطلق تَحت الْعَرْش فأقع سَاجِدا) ، وَفِيه: (فَيُقَال يَا مُحَمَّد أَدخل من أمتك من لَا حِسَاب عَلَيْهِ من الْبَاب الْأَيْمن من أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَشبهه من الْأَحَادِيث. الثَّالِثَة: قوم استوجبوا النَّار فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدم دُخُولهمْ فِيهَا، قَالَ القَاضِي: وَهَذِه أَيْضا يشفع فِيهَا نَبينَا مُحَمَّد،
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من شَاءَ الله أَن يشفع. الرَّابِعَة: قوم دخلُوا النَّار من المذنبين فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْمَلَائِكَة والأنبياء والمؤمنون. الْخَامِسَة: الشَّفَاعَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا، وَهَذِه لَا تنكرهَا الْمُعْتَزلَة. وَقَالَ القَاضِي: عرف بالاستفاضة سُؤال السّلف الصَّالح الشَّفَاعَة، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ: يكره سؤالها لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا للمذنبين، فقد يكون لتخفيف الْحساب وَزِيَادَة الدَّرَجَات، ثمَّ كل عَاقل معترف بالتقصير مُشفق أَن يكون من الهالكين غير مُعْتَد بِعَمَلِهِ، وَيلْزم هَذَا الْقَائِل أَن لَا يَدْعُو بالمغفرة وَالرَّحْمَة لِأَنَّهَا لأَصْحَاب الذُّنُوب، وَهَذَا كُله خلاف مَا عرف من دُعَاء السّلف وَالْخلف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الشَّفَاعَة الأولى هِيَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى. قيل: وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود، والمختصة بنبينا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهِي الأولى وَالثَّانيَِة، وَيجوز أَن تكون الثَّالِثَة وَالْخَامِسَة أَيْضا. وَالله أعلم.
قَوْله: (اِسْعَدْ النَّاس) ، التَّقْيِيد بِالنَّاسِ لَا يُفِيد نفي السَّعَادَة عَن الْجِنّ وَالْملك، لِأَن مَفْهُوم اللقب لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (من قَالَ) فِيهِ دَلِيل على اشْتِرَاط النُّطْق بِكَلِمَة الشَّهَادَة. فَإِن قلت: هَل يَكْفِي مُجَرّد قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله، دون: مُحَمَّد رَسُول الله؟ قلت: لَا يَكْفِي، لَكِن جعل الْجُزْء الأول من كلمة الشَّهَادَة شعاراً لمجموعها، فَالْمُرَاد الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا. كَمَا تَقول: قَرَأت: {آلم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١ ٢) أَي: السُّورَة بِتَمَامِهَا. فَإِن قلت: الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي على الْأَصَح، وَقَول الْكَلِمَة لإجراء أَحْكَام الْإِيمَان عَلَيْهِ، فَلَو صدق بِالْقَلْبِ وَلم يقل الْكَلِمَة يسْعد بالشفاعة؟ قلت: نعم، لَو لم يكن مَعَ التَّصْدِيق منافٍ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالْقَوْل النفساني لَا اللساني، أَو ذكر على سَبِيل التغليب إِذْ الْغَالِب أَن من صدق بِالْقَلْبِ قَالَ بِاللِّسَانِ الْكَلِمَة. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز، وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مشرع، وَفِي الشَّرْع لَا يعْتَبر إلَاّ القَوْل اللساني، وَالْقَوْل النفساني يعْتَبر عِنْد اللَّه، وَهُوَ أَمر مبطن لَا يقف عَلَيْهِ إلَاّ الله تَعَالَى. قَوْله: (خَالِصا) وَفِي بعض النّسخ: مخلصاً، من الْإِخْلَاص، وَالْإِخْلَاص فِي الْإِيمَان ترك الشّرك وَفِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء. قَوْله: (من قلبه) ذكر للتَّأْكِيد، لِأَن الْإِخْلَاص معدنه الْقلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ آثم قلبه} (الْبَقَرَة: ٢٨٣) وَإسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْجَارِحَة الَّتِي تعْمل بهَا أبلغ. أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت التَّأْكِيد: أبصرته عَيْني وسمعته أُذُنِي! قَوْله: (أَو نَفسه) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من أبي هُرَيْرَة. قلت: التَّعْيِين غير لَازم لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد من الروَاة مِمَّن هم دونه، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الرقَاق: (خَالِصا من قبل نَفسه) .
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وَالْخَيْر، فَإِن الْحَرِيص يبلغ بحرصه إِلَى الْبَحْث عَن الغوامض ودقيق الْمعَانِي، لِأَن الظَّوَاهِر يَسْتَوِي النَّاس فِي السُّؤَال عَنْهَا لاعتراضها أفكارهم، وَمَا لطف من الْمعَانِي لَا يسْأَل عَنهُ إلَاّ الراسخ، فَيكون ذَلِك سَببا للفائدة. وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. الثَّانِي: فِيهِ تفرس الْعَالم فِي متعلمه، وتنبيهه على ذَلِك لكَونه أبْعث على اجْتِهَاده فِي الْعلم. الثَّالِث: فِيهِ سكُوت الْعَالم عَن الْعلم إِذا لم يسْأَل حَتَّى يسْأَل، وَلَا يكون ذَلِك كتماً، لِأَن على الطَّالِب السُّؤَال، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا تعين عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ السُّكُوت إلَاّ إِذا تعذر. الرَّابِع: فِيهِ أَن الشَّفَاعَة تكون لأهل التَّوْحِيد، كَمَا ذكرنَا. الْخَامِس: فِيهِ ثُبُوت الشَّفَاعَة، وَقد مر مفصلا. السَّادِس: فِيهِ فَضِيلَة أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْقسم للتَّأْكِيد. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الكنية عِنْد الْخطاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٣٤ - (بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ)
أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْمعْنَى: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة قبض الْعلم، و: كَيفَ، يسْتَعْمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون شرطا، فَيَقْتَضِي فعلين متفقي اللَّفْظ وَالْمعْنَى غير مجزومين. نَحْو: كَيفَ تصنع أصنع. وَلَا يجوز: كَيفَ تجْلِس أذهب، بِاتِّفَاق، وَلَا: كَيفَ تجْلِس أَجْلِس الْجَزْم عِنْد الْبَصرِيين إلَاّ قطرباً. وَالْآخر: وَهُوَ الْغَالِب فِيهَا أَن تكون استفهاماً: إِمَّا حَقِيقِيًّا نَحْو: كَيفَ زيد؟ أَو غَيره، نَحْو: {كَيفَ تكفرون بِاللَّه} الْآيَة (الْبَقَرَة: ٢٨) ، فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب، وَالْقَبْض نقيض الْبسط، وَالْمرَاد مِنْهُ الرّفْع والانطواء، كَمَا يُرَاد من الْبسط الانتشار.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْحِرْص على الحَدِيث الَّذِي هُوَ من أشرف أَنْوَاع الْعُلُوم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ارْتِفَاع الْعُلُوم، فبينهما تقَابل فتناسقا من هَذِه الْجِهَة. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب السَّابِق تَنْبِيها على أَن يهتم بتحصيل الْعُلُوم مَعَ الْحِرْص عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فَوَاتهَا.
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انْظَرْ مَا كانَ منْ حدَيثِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكْتُبْهُ، فأنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهابَ العُلماءِ، وَلَا يُقْبلُ إِلَاّ حَدِيثُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولْيُفْشُوا العِلْمَ وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فإنَ العَلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
هَذَا تَعْلِيق لم يَقع وَصله عِنْد الْكشميهني وكريمة وَابْن عَسَاكِر، وَوَقع وَصله للْبُخَارِيّ عِنْد غَيرهم، وَهُوَ بقوله فِي بعض النّسخ: حَدثنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار ... إِلَى آخِره، على مَا يَأْتِي ذكره عَن قريب. وَقد روى أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) هَذِه الْقِصَّة بِلَفْظ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْآفَاق: انْظُرُوا حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاجمعوه.
أما عمر بن عبد الْعَزِيز فَهُوَ أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، وَقد مر فِي كتاب الْإِيمَان، وَأما أَبُو بكر بن حزم فَهُوَ: ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، ابْن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عَوْف بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. قَالَ الْخَطِيب: يُقَال: إِن اسْمه أَبُو بكر، وكنيته أَبُو مُحَمَّد، وَمثله: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن. قَالَ الْخَطِيب: لَا نَظِير لَهما. وَقد قيل فِي أبي بكر بن مُحَمَّد: لَا كنية لَهُ غير أبي بكر اسْمه. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: قيل: إِن اسْم أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن هَذَا: الْمُغيرَة، وَلَا يَصح. قلت: أَرَادَ الْخَطِيب قَوْله: لَا نَظِير لَهما، أَي: مِمَّن اسْمه أَبُو بكر وَله كنية، وَأما من اشْتهر بكنيته وَلم يعرف لَهُ اسْم غَيره فكثير، ذكر ابْن عبد الْبر مِنْهُم جمَاعَة، وَأَبُو بكر بن حزم ولي الْقَضَاء والإمرة والموسم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة ولى أَبَا بكر إمرة الْمَدِينَة، فاستقضى أَبُو بكر ابْن عَمه على الْقَضَاء، وَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويتولى أَمرهم، وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم، توفّي سنة عشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن أَربع وَثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ، سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيث عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، قَالَ: عرضت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مُرْسل.
قَوْله: (انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث) أَي: اجْمَعْ الَّذِي تَجِد، وَوَقع هُنَا للكشميهني: عنْدك، مَعْنَاهُ فِي بلدك. قَوْله: (فاكتبه) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ كَانَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانُوا قبل ذَلِك يعتمدون على الْحِفْظ، فَلَمَّا خَافَ عمر رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الأولى من ذهَاب الْعلم بِمَوْت الْعلمَاء، رأى أَن فِي تدوينه ضبطاً لَهُ وإبقاء. قَوْله: (فَإِنِّي) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (دروس الْعلم) بِضَم الدَّال، من: درس يدرس، من بَاب: نصر ينصر، دروساً أَي: عفى ودرست الْكتاب أدرسه وأدرسه من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب درساً ودراسة ودرس الْحِنْطَة درساً ودراساً أَي: داسها. قَوْله: (وَلَا يقبل) بِضَم الْيَاء أَعنِي حرف المضارعة. قَوْله: (وليفشوا) بِصِيغَة الْأَمر من الإفشاء، وَهُوَ الإشاعة. وَيجوز فِيهِ تسكين اللَّام كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات. وَقَوله: (الْعلم) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (وليجلسوا) بِصِيغَة الْأَمر أَيْضا من الْجُلُوس لَا من الإجلاس، وَيجوز فِي لامه التسكين أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم، أَعنِي بتَشْديد اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يعلم: بِفَتْح حرف المضارعة وَاللَّام من الْعلم. قَوْله: (من لَا يعلم) بِصِيغَة الْمَعْلُوم من الْعلم. وَكلمَة: من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل يعلم الَّذِي هُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَأما إِذا قرىء على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم فَتكون مَفْعُولا نَاب عَن الْفَاعِل. فَافْهَم. قَوْله: (لَا يهْلك) بِفَتْح حرف المضارعة وَكسر اللَّام، أَي: لَا يضيع. وَفتح اللَّام لُغَة. وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي إِسْحَاق: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} (الْبَقَرَة: ٢٥) بِفَتْح الْيَاء، وَاللَّام وَرفع الثَّاء. قَوْله: (حَتَّى يكون سرا) أَي: خُفْيَة، وَأَرَادَ بِهِ كتمان الْعلم.
وَقَالَ ابْن بطال: فِي أَمر عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِكِتَابَة حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاصَّة وَأَن لَا يقبل غَيره، الحض على اتِّبَاع السّنَن وضبطها، إِذْ هِيَ الْحجَّة عِنْد الِاخْتِلَاف. وَفِيه: يَنْبَغِي للْعَالم نشر الْعلم وإذاعته.
حدّثنا العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حدّثنا عبدُ العزِيز بنُ مُسُلْمٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ بِذلك، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيز، إِلَى قَولِهِ: ذَهابَ العُلماءِ.
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى أثر عمر بن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا، و: لَكِن: (إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء) فسر ذَلِك بقوله: يَعْنِي حَدِيث عمر بن
عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بذلك يَعْنِي بِجَمِيعِ مَا ذكر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: حَتَّى يكون سرا. ثمَّ قَالَ: وَفِي بعض النّسخ بعده: يَعْنِي بعد قَوْله بذلك يَعْنِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، ثمَّ قَالَ: وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَن الْعَلَاء روى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء فَقَط. قلت: أما بعد قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، يحْتَمل أَن يكون كَلَام عمر، وَلكنه لم يدْخل فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَيحْتَمل أَن لَا يكون من كَلَامه، وَهُوَ الْأَظْهر، وَبِه صرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أوردهُ عقيب كَلَام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه: أنبأني الشَّيْخ قطب الدّين عبد الْكَرِيم إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي جدي إجَازَة الْحَافِظ الثِّقَة الْعدْل قطب الدّين عبد الْكَرِيم، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنبأَنَا عبد الْعَزِيز بن باقاء الْبَغْدَادِيّ إجَازَة، أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت سَمَاعا، أَنبأَنَا ثَابت بن بنْدَار، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البرقاني، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ الْإِسْمَاعِيلِيّ، ثَنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن عبد اللَّه بن دِينَار، قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم ... فَذكره إِلَى قَوْله: وَذَهَاب الْعلمَاء. فَإِن قلت: لِمَ أخر إِسْنَاد كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز عَن كَلَامه، وَالْعَادَة تَقْدِيم الْإِسْنَاد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للْفرق بَين إِسْنَاد الْأَثر وَبَين إِسْنَاد الْخَبَر، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ غير مطرد، وَيحْتَمل أَن يكون قد ظهر بِإِسْنَادِهِ بعد وضع هَذَا الْكَلَام، فَالْحَقْهُ بالأخير، على أَنا قُلْنَا: إِن هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بموجود عِنْد جمَاعَة.
وَأما الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار فَهُوَ أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ الْعَطَّار الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، سكن مَكَّة، أخرج البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأبي الْهَيْثَم فِي الْعلم عَنهُ عَن عبد الْعَزِيز هَذَا الْأَثر وَلم يخرج عَنهُ غَيره، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة، توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي مَوْلَاهُم، أَخُو الْمُغيرَة بن مُسلم الْخُرَاسَانِي الْمروزِي نِسْبَة إِلَى القساملة، وَقيل لَهُم ذَلِك لأَنهم من ولد قسملة، واسْمه مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، وَلَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوفَة بالقسامل، وَقيل: نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير والذبائح وَكتاب المرضى وَغير مَوضِع عَن مُسلم بن إِسْمَاعِيل عَنهُ عَن عبد اللَّه بن دِينَار، وحصين وَالْأَعْمَش. وَأخرج لَهُ هَذَا الْأَثر عَن الْعَلَاء عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن إِسْحَاق: ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم، وَكَانَ من الأبدال. قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ ابْن مَاجَه. وَأما عبد اللَّه بن دِينَار الْقرشِي الْمدنِي، مولى ابْن عمر فقد مر فِي: بَاب أُمُور الْإِيمَان.
١٠٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بن العاصِي قَالَ: سمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (إنَّ الله لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فافْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا) .
(الحَدِيث ١٠٠ طرفه فِي: ٧٣٠٧) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن يقبض الْعلم) .
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم، وَمَالك هُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه فِي (الْمُوَطَّأ) إلَاّ معن بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ أَيْضا فِيهِ سُلَيْمَان بن برد، وَرَوَاهُ أَصْحَاب مَالك كَابْن وهب وَغَيره خَارج (الْمُوَطَّأ) ، وَقد اشْتهر هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَوَافَقَهُ على رِوَايَته عَن أَبِيه عُرْوَة أَبُو الْأسود الْمدنِي وَحَدِيثه فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَالزهْرِيّ وَحَدِيثه فِي النَّسَائِيّ، وَيحيى بن أبي كثير وَحَدِيثه فِي (صَحِيح أبي عوَانَة) ، وَوَافَقَ أَبَاهُ على رِوَايَته عَن عبد اللَّه بن عمر، وَعمر بن الحكم بن ثَوْبَان وَحَدِيثه فِي مُسلم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن سعيد ابْن تليد عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَغَيره جَمِيعًا عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة عَن عُرْوَة نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن يحيى بن يحيى عَن عباد بن عباد وَأبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع، وَعَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَأبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير وَعَبدَة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد وَعَن أبي بكر
بن نَافِع عَن عمر ابْن عَليّ الْمقدمِي، وَعَن عبد بن حميد عَن يزِيد بن هَارُون عَن شُعْبَة، الثَّلَاثَة عشر كلهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن هَارُون بن إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عمر، وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل هَذَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. قَالَ عبد الْوَهَّاب: فَلَقِيت هشاماً فَحَدثني عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ، وَعَن أَبِيه مثله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَأبي مُعَاوِيَة وَعبد اللَّه بن نمير وَمُحَمّد بن بشر، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك وَعلي بن مسْهر وَحَفْص بن ميسرَة وَشُعَيْب بن إِسْحَاق، تسعتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، جملَة وَقعت حَالا، وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع حِكَايَة لحَال الْمَاضِي واستحضاراً لَهُ، وإلَاّ فَالْأَصْل أَن يُقَال: قَالَ: ليطابق: سَمِعت. قَوْله: (لَا يقبض الْعلم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (انتزاعاً) يجوز فِي نَصبه أوجه. الأول: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا عَن معنى يقبض، نَحْو: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقعد جُلُوسًا. الثَّانِي: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا مقدما على فعله، وَهُوَ: ينتزعه. وَيكون: ينتزعه، حَالا من الضَّمِير فِي: يقبض، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه ينتزعه انتزاعاً من الْعباد. الثَّالِث: أَن يكون حَالا من الْعلم بِمَعْنى: منتزعاً، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه منتزعاً. فَإِن قلت: على هَذَا مَا يَقع ينتزعه؟ قلت: قيل: يكون ينتزعه جَوَابا عَمَّا يُقَال: مِمَّن ينتزع الْعلم؟ وَفِيه نظر، والأصوب أَن يكون فِي مَحل النصب صفة، إِمَّا لانتزاعاً، أَو لمنتزعاً من الصِّفَات المبينة. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. وَقَوله: (يقبض الْعلم) من قبيل إِقَامَة الْمظهر مَوضِع الْمُضمر لزِيَادَة تَعْظِيم الْمُضمر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: ٢) بعد قَوْله: {قل هُوَ الله أحد} (الْإِخْلَاص: ١) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال: هُوَ الصَّمد، كَمَا أَن الْمُقْتَضى هُنَا: وَلَكِن يقبضهُ. قَوْله: (حَتَّى) ابتدائية دخلت على الْجُمْلَة، تدل على أَن ذَلِك وَاقع بالتدريج، كَمَا أَن إِذا تدل على أَنه وَاقع لَا محَالة، و: إِذا ظرفية، وَالْعَامِل فِيهَا: اتخذ، وَيحْتَمل أَن تكون شَرْطِيَّة. فَإِن قلت: إِذا للاستقبال وَلم لقلب الْمُضَارع مَاضِيا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: لما تَعَارضا تساقطا فَبَقيَ على أَصله وَهُوَ الْمُضَارع، أَو تعادلا فَيُفِيد الِاسْتِمْرَار. فَإِن قلت: إِذا كَانَت شَرْطِيَّة يلْزم من انْتِفَاء الشَّرْط انْتِفَاء الْمَشْرُوط، وَمن وجود الْمَشْرُوط وجود الشَّرْط، لكنه لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز حُصُول الاتخاذ مَعَ وجود الْعلم. قلت: ذَلِك فِي الشُّرُوط الْعَقْلِيَّة، أما فِي غَيرهَا فَلَا نسلم اطراد هَذِه الْقَاعِدَة، ثمَّ ذَلِك الاستلزام إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع لم يكن للشّرط بدل، فقد يكون لمشروط وَاحِد شُرُوط متعاقبة: كصحة الصَّلَاة بِدُونِ الْوضُوء عِنْد التَّيَمُّم، أَو المُرَاد بِالنَّاسِ جَمِيعهم، فَلَا يَصح أَن الْكل اتَّخذُوا رؤوساً جُهَّالًا إلَاّ عِنْد عدم بَقَاء الْعَالم مُطلقًا، وَذَلِكَ ظَاهر. قَوْله: (لم يبْق) بِفَتْح حرف المضارعة من الْبَقَاء. وَقَوله: (عَالم) بِالرَّفْع، فَاعله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لم يبْق عَالما) بِضَم حرف المضارعة من الْإِبْقَاء، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله، (وعالماً) : مَنْصُوب بِهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى إِذا لم يتْرك عَالما) . قَوْله: (اتخذ) أَصله: ائتخذ، فقلبت الْهمزَة ثمَّ ادغمت التَّاء فِي التَّاء، و: (النَّاس) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (رؤوساً) بِضَم الْهمزَة وبالتنوين جمع رَأس، قَالَ النَّوَوِيّ: ضبطناه بِضَم الْهمزَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (رُؤَسَاء) بِفَتْح الْهمزَة وَفِي آخِره همزَة أُخْرَى مَفْتُوحَة، جمع رَئِيس، وَالْأول أشهر. قَوْله: (جُهَّالًا) بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء الْمُشَدّدَة: جمع جَاهِل، صفة لرؤوساً. قَوْله: (فسئلوا) بِضَم السِّين وَالضَّمِير فِيهِ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، أَي: فَسَأَلَهُمْ السائلون فافتوا لَهُم. قَوْله: (فضلوا) عطف على: فافتوا، وَهُوَ من الضلال، و: (اضلوا) من الإضلال، يَعْنِي: فضلوا فِي أنفسهم وأضلوا السَّائِلين. فَإِن قلت: الضلال مُتَقَدم على الْإِفْتَاء، فَمَا معنى الْفَاء؟ قلت: الْمَجْمُوع الْمركب من الضلال والإضلال هُوَ متعقب على الْإِفْتَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الأول مقدما عَلَيْهِ إِذْ الضلال الَّذِي بعد الْإِفْتَاء غير الضلال الَّذِي قبله. فَإِن قلت: الإضلال ظَاهر، وَأما الضلال فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو عمل بِمَا افتى وَقد لَا يعْمل بِهِ، قلت: إِن إضلاله للْغَيْر ضلال لَهُ عمل بِمَا أفتى أَو لم يعْمل.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً) أَي: إِن الله لَا يقبض الْعلم من بَين النَّاس على سَبِيل أَن يرفعهُ من بَينهم إِلَى السَّمَاء، أَو يمحوه من صُدُورهمْ، بل يقبضهُ بِقَبض أَرْوَاح الْعلمَاء وَمَوْت حَملته. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَن الله لَا ينْزع
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَكَانَتِ الْمَوْعِظَةُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ كَأَنَّهُ أَعْلَمَهُنَّ أَنَّ فِي الصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطَايَاهُنَّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّاوِيَ تَرَدَّدَ هَلْ لَفْظُ أَشْهَدُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ؟ وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ جَازِمًا بِلَفْظِ أَشْهَدُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَأْكِيدًا لِتَحَقُّقِهِ وَوُثُوقًا بِوُقُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ بِلَالٌ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِلْبَاقِينَ.
قَوْلُهُ: (الْقُرْطُ) هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، أَيِ: الْحَلْقَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي هَذَا الْمَتْنِ فِي الْعِيدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ جَزَمَ عَنْ أَيُّوبَ بِأَنَّ لَفْظَ: أَشْهَدُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَطْ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَطْفًا عَلَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا، انْتَهَى. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَصْلًا لَا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَوْصُولًا عَنْ مُؤَمِّلِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَلَوِ اسْتَرْسَلَ فِيهَا مُسْتَرْسِلُ لَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِسْمَاعِيلُ هُنَا آخَرَ غَيْرَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَنَّ أَيُّوبَ آخَرُ غَيْرُ السَّخْتِيَانِيِّ، وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي الصَّدَقَةِ، وَصَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْحُو كَثِيرًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُدْخِلُ النَّارَ.
٣٣ - بَاب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ: نَفْسِهِ.
[الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ) الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأُوَيْسِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو، مَيْسَرَةُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ. وَسَقَطَتْ قِيلَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قُلْتُ فَتَصَحَّفَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ كَذَلِكَ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ مِنْكَ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِرَفْعِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا، فَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ لِأَحَدٍ أَوِ الْبَدَلِ مِنْهُ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِظَنَنْتُ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: عَلَى الْحَالِ: وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ نَكِرَةً لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ: مَا كَانَ أَحَدٌ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٩٩ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب المدنيِّ، المُتوفَّى في خلافة أبي جعفرٍ المنصور سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبَُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة وفتحها (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذَرٍّ وكريمة: «قال: يا رسول الله» بإسقاط «قيل» كما في رواية الأَصيليِّ والقابسيِّ، فيما قاله العينيُّ وغيره، وهو الصَّواب، ولعلَّها كانت «قلت» كما عند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠] فتصحَّفت بـ «قيلَ» لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة نفسه، فدلَّ هذا على أنَّ رواية أبي ذَرٍّ وكريمة وهمٌ (مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، و «مَنْ»: استفهاميَّةٌ مبتدأٌ، خبرُه تاليه (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ): واللهِ (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَُنِي) بضمِّ اللَّام وفتحها على حدِّ قراءتَي: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُون (١)﴾ بالرَّفع والنَّصب لوقوع «أنْ» بعد
الظَّنِّ، واللَّام في «لقد» جواب القَسَم المحذوف كما قدَّرته، أو للتَّأكيد (عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ) بالرَّفع فاعل «يسألني» (أَوَّلَُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفةٌ لـ «أحدٌ»، أو بدلٌ منه، وبالنَّصب، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، وصُحِّح عليه، وخرج على الظَّرفيَّة، وقال عياضٌ: على المفعول الثَّاني لـ «ظننت»، قال في «المصابيح»: ولا يظهر له وجهٌ، وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضرُّ كونه نكرةً لأنَّها في سياق النَّفيِ كقولهم: ما كان أحدٌ مثلك (لِمَا رَأَيْتُ) أي: للَّذي رأيته (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ) أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ «من»: بيانيَّةٌ على الأوَّل، وتبعيضيَّةٌ على الثَّاني (أَسْعَدُ النَّاسِ) الطَّائع والعاصي (بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: في يوم القيامة، وسقط لفظ «يوم القيامة» للحَمُّويي (١) (مَنْ قَالَ) في موضع رفعٍ خبرُ المبتدأ الذي هو
«أسعدُ النَّاس (١)»، و «مَنْ»: موصولةٌ، أي: الذي قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مع قوله: «محمَّدٌ رسول الله» حال كونه (خَالِصًا) مِنَ الشِّرك، زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وأبي الوقت: «مخلصًا» (مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) شكٌّ من الرَّاوي، وقد يكتفى بالنُّطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما، فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب، فما فائدة قوله (٢): «من قلبه»؟ أُجِيب: بأنَّ الإتيان به للتَّأكيد، ولو صدق بقلبه ولم يتلفَّظ دخل في هذا الحكم، لكنَّا لا نحكم عليه بالدُّخول إلَّا إن تلفَّظ (٣)، فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستُشكِل التَّعبير بـ «أَفْعَل» التَّفضيل في قوله: «أَسْعَد» إذ مفهومه: أنَّ كلًّا من الكافر الذي لم ينطق بالشهادتين (٤) والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا، وأُجِيب: بأنَّ «أَفْعَلَ» هنا ليست على بابها، بل بمعنى: سعيد النَّاس مَنْ نطق بالشَّهادتين، أو تكون «أفعل» على بابها، والتَّفضيل بحسب المراتب، أي: هو أسعد ممَّن لم (٥) يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المُؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة تأكيده ذكر القلب؛ إذِ الإخلاص محلُّه القلب، ففائدته التَّأكيد كما مرَّ، وقال البدر الدَّمامينيُّ: حمله ابن بطَّالٍ -يعني قوله: «مخلصًا» - على الإخلاص العامِّ الذي هو من لوازم التَّوحيد، وردَّه ابن المُنَيِّر: بأنَّ هذا لا يخلو عنه مؤمنٌ، فتتعطَّل صيغة «أَفْعَل»، وهو لم يسأله عمَّن يستأهل شفاعته، وإنما سأله عن أسعد النَّاس بها، فينبغي أن يُحمَل على إخلاصٍ خاصٍّ مُختَصٍّ ببعضٍ دون بعضٍ، ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «صفة الجنَّة والنَّار» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٠]، والله أعلم (٦).
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وفي فرع «اليونينيَّة» بغير تنوينٍ مُضَافًا (١) لقوله: (كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ) أي: كيفيَّة رفع العلم، وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ (وَكَتَبَ) وفي رواية ابن عساكر: «قال -أي: البخاريُّ- وكتب» (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) أحد الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين (إِلَى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أَبِي بَكْرِ) بن (٢) محمَّد بن عمرو (ابْنِ حَزْمٍ) بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، الأنصاريِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين ومئةٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً، ونسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه؛ لشهرته به، ولجدِّه عمرٍو صحبةٌ، ولأبيه محمَّدٍ رؤيةٌ (انْظُرْ مَا كَانَ) أي: اجمع الذي تجده، وفي رواية أبي ذرٍّ عن (٣) الكُشْمِيهَنيِّ: «انظر ما كان عندك» أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّةٌ، وعلى الثَّانية ناقصةٌ، و «عندك» الخبر (مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ) بضمِّ الدَّال (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ) فإنَّ في كَتْبِه ضبطًا له وإبقاءً، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنَّما هو على الحفظ،
فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المئة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك (وَلَا يُقْبَلْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون اللَّام، وفي بعض النُّسخ: بالرَّفع على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (١): «تَقبلْ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، على الخطاب مع الجزم (إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِْيُفْشُوا العِلْمَ، وَلِْيَجْلِسُوا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة في (٢) الأوَّل؛ مِنَ الإفشاء، وفتحها في الثَّاني؛ مِنَ الجلوس لا من الإجلاس، مع سكون اللَّام وكسرها معًا فيهما، وفي رواية غير (٣) ابن عساكر: «ولتفشوا ولتجلسوا» بالمُثنَّاة الفوقيَّة فيهما (حَتَّى يُعَلَّمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد اللَّام المفتوحة، وللكُشْمِيهَنيِّ (٤): «يَعْلَمَ» بفتحها وتخفيف اللَّام مع تسكين العين من العلم (مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه كـ «ضرَب يضرِب» وقد يُفتَح (حَتَّى يَكُونَ سِرًّا) أي: خُفْيَةً (٥)، كاتِّخاذه في الدُّور (٦) المحجورة التي قد (٧) لا يتأتَّى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التَّعليق موصولًا عقبه في غير رواية الكُشْمِيهَنيِّ و (٨) كريمة وابن عساكر ولفظة: «حدَّثنا» وفي رواية الأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله، أي: البخاريّ» (حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ) أبو الحسن البصريُّ العطَّار، الأنصاريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة اثنتي عشْرة ومئتين (٩) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ إسْماعِيلُ: عنْ أيُّوبَ عنْ عَطَاءُ، وَقَالَ عنِ ابْن عَباسٍ: أشْهَدُ علَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق أَن إِسْمَاعِيل روى عَن أَيُّوب عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أشهد على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْجَزْمِ، لِأَن لَفْظَة: أشهد، من كَلَام ابْن عَبَّاس فَقَط. وَكَذَا جزم بِهِ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) ، وَكَذَا قَالَ وهيب عَن أَيُّوب: ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه تَعْلِيق، لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك إِسْمَاعِيل بن علية، وَهُوَ مَاتَ فِي عَام ولادَة البُخَارِيّ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) عطفا على: (قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة) ، فَيكون المُرَاد مِنْهُ حَدثنَا سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، فَيخرج عَن التَّعْلِيق. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن سُلَيْمَان بن حَرْب لَا رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل أصلا، لَا لهَذَا الحَدِيث وَلَا لغيره، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة مَوْصُولا عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٣ - (بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحِرْص على تَحْصِيل الحَدِيث، والْحَدِيث فِي اللُّغَة: الْجَدِيد، من حدث أَمر أَي: وَقع، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. وَيُقَال: أَخَذَنِي مَا قدُم وَمَا حدُث، لَا يضم: حدث، فِي شَيْء من الْكَلَام إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ لمَكَان: قدم، على الإزدواج. والْحَدِيث: الْخَبَر يَأْتِي على الْقَلِيل وَالْكثير، وَيجمع على: أَحَادِيث، على غير قِيَاس. قَالَ الْفراء: ترى أَن وَاحِد الْأَحَادِيث أحدوثة، ثمَّ جَعَلُوهُ جمعا للْحَدِيث، وَسمي حَدِيثا لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء، والأحدوثة مَا يتحدث بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: {وجعلناهم أَحَادِيث} (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٤) أَي: عبرا يتحدث بهلاكهم، وَالْحَدَث، والحدثى مثل: بشرى والحادثة والحدثان كُله بِمَعْنى، والحدثان أَيْضا: النَّاس. وَالْجمع: الْحدثَان بِالْكَسْرِ، والتركيب يدل على كَون شَيْء لم يكن، والْحَدِيث فِي عرف الْعَامَّة: الْكَلَام، وَفِي عرف الشَّرْع: مَا يتحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَأَنَّهُ لوحظ فِيهِ مُقَابلَته لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا حَدِيث، والْحَدِيث ضد الْقَدِيم، وَيسْتَعْمل فِي قَلِيل الْكَلَام وَكَثِيره، لِأَنَّهُ يحدث شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ذكرنَا.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، وَكَذَلِكَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، لِأَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أجَاب أَبَا هُرَيْرَة فِيمَا سَأَلَهُ بِالْخِطَابِ إِلَيْهِ خَاصَّة، وَالْجَوَاب عَن سُؤال من لَا يعلم جَوَابه تَعْلِيم من الْمُجيب، فَافْهَم.
٩٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ عَمْرو بن أبي عَمْرٍ وعنْ سَعيد بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله! مَنْ أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يوْمَ القِيامةِ؟ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْأَلَنِي عنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ منْ حِرْصِكَ علَى الحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِيِ يَوْمَ القيامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَاّ الله، خالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أوْ نَفْسِهِ) .
(الحَدِيث ٩٩ طرفه فِي: ٦٥٧٠) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث) .
بَيَان رِجَاله:. وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه بن يحيى بن عَمْرو بن أويس بن سعيد بن أبي سرح، بالمهملات، ابْن حُذَيْفَة بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر ابْن لؤَي بن فهر، أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي الْفَقِيه، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى البُخَارِيّ فِي الْإِصْلَاح عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه مَقْرُونا بالفروي عَنهُ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ أَبُو حَاتِم: مدنِي صَدُوق. وَعنهُ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيّ من يحيى بن بكير. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال، أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ القريشي الْمدنِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، بِفَتْح الْعين وبالواو فيهمَا، وَأَبُو عَمْرو اسْمه: ميسرَة، وَعَمْرو يكنى أَبَا عُثْمَان، وميسرة مولى الْمطلب بن عبد اللَّه بن حنْطَب، بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُهْملَة وبالموحدة، المَخْزُومِي الْقرشِي
الْمدنِي، روى عَن أنس بن مَالك وَغَيره، وَعنهُ مَالك والدراوردي. قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَأما يحيى بن معِين فَقَالَ: ضَعِيف لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَيْسَ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ لِأَن مَالِكًا روى عَنهُ، وَلَا يروي إلَاّ عَن صَدُوق ثِقَة. مَاتَ سنة خلَافَة الْمَنْصُور فِي أَولهَا وَكَانَت أول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَزِيَاد بن عبد اللَّه على الْمَدِينَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، بِضَم الْبَاء وَفتحهَا. وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عبد الْعَزِيز، وَفِي صفة الْجنَّة عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ. وَقَالَ الْمزي. روى عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَيْسَ فِي الرِّوَايَة، وَلم يذكرهُ أَبُو الْقَاسِم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَنه قَالَ) بِفَتْح: أَن. وَقَوله: قَالَ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ لَفْظَة: قيل، وَإِنَّمَا هُوَ: (أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله: قيل، وهم، وَالصَّوَاب سُقُوط: قيل، كَمَا جَاءَ عِنْد الْأصيلِيّ والقابسي، لِأَن السَّائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة نَفسه، لقَوْله بعد: (لقد ظَنَنْت أَن لَا يسألني عَن هَذَا أحد أول مِنْك) ، وَالْأول وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ وهم. قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه القَاضِي، فَإِن البُخَارِيّ أخرجه فِي الرقَاق كَذَلِك. وَأخرجه فِي الْجنَّة أَنه قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله) وَهَذَا مِمَّا يُؤَيّد أَن: قلت، تصحف: بقيل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أَنه سَأَلَ) . وَفِي رِوَايَة أبي نعيم أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (يَا رَسُول الله) . قَوْله: (مَنْ أسعد النَّاس) مُبْتَدأ وَخبر، و: من، إستفهامية، (وَيَوْم الْقِيَامَة) كَلَام إضافي نصب على الظّرْف. قَوْله: (لقد ظَنَنْت) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، قَالَه الْكرْمَانِي، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّه لَام التَّأْكِيد.
قَوْله: (يابا هُرَيْرَة) أَصله يَا أَبَا هُرَيْرَة، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَهُوَ معترض بَين ظَنَنْت ومفعوله، وَهُوَ قَوْله: (أَن لَا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث أحد) ، وَيجوز ضم اللَّام فِي: يسألني، وَفتحهَا لِأَن كلمة: أَن، إِذا وَقعت بعد الظَّن يجوز فِي مدخولها الْوَجْهَانِ: الرّفْع وَالنّصب. وَاعْلَم أَن: أَن، الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الساكنة النُّون على وَجْهَيْن: اسْم وحرف، فالحرف على أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون حرفا مصدرياً ناصباً للمضارع، وَتَقَع فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي الِابْتِدَاء، فَتكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَالثَّانِي: بعد لفظ دَال على معنى غير الْيَقِين، فَيكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله} (الْحَدِيد: ١٦) وَنصب نَحْو: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يُفترى من دون الله} (يُونُس: ٣٧) وخفض نَحْو: {أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا} (الْأَعْرَاف: ١٢٩) ومحتملة لَهما نَحْو: {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي} (الشُّعَرَاء: ٨٢) أَصله: فِي أَن يغْفر لي. الثَّانِي: أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، فَتَقَع بعد فعل الْيَقِين أَو مَا نزل مَنْزِلَته، نَحْو: {أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم قولا} (طه: ٨٩) {علم أَن سَيكون} (المزمل: ٢٠) {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} (الْمَائِدَة: ٧١) فِيمَن رفع: تكون، فَإِن هَذِه ثلاثية الْوَضع، وَهِي مَصْدَرِيَّة أَيْضا، وتنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر، خلافًا للكوفيين؛ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تعْمل شَيْئا، وَشرط اسْمهَا أَن يكون محذوفاً، وَرُبمَا ثَبت فِي الضَّرُورَة على الْأَصَح، وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة، وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ. الثَّالِث: أَن تكون مفسرة، بِمَنْزِلَة: أَي، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك} (الْمُؤْمِنُونَ: ٢٧) وَعَن الكوفية إِنْكَار: أَن، التفسيرية أَلْبَتَّة. وَإِذا ولي: أَن، الصَّالِحَة للتفسير مضارع مَعَه: لَا، نَحْو: أَشرت إِلَيْهِ أَن لَا يفعل، جَازَ رَفعه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة. وجزمه على تقديرها ناهية. وَعَلَيْهِمَا فَأن مفسرة، ونصبه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة و: أَن، مَصْدَرِيَّة. فَإِن فقدت: لَا، امْتنع الْجَزْم وَجَاز الرّفْع وَالنّصب. الرَّابِع: أَن تكون زَائِدَة، وَلها مَوَاضِع ذكرت فِي النَّحْو.
قَوْله: (أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: يسألني، قَوْله: (أول مِنْك) ، يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على أَنه صفة لأحد، أَو بدل مِنْهُ. وَالنّصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: على الْمَفْعُول الثَّانِي لظَنَنْت. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: على الْحَال، أَي: لَا يسألني أحد سَابِقًا لَك: قَالَ: وَجَاز نصب الْحَال عَن النكرَة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي فَتكون عاملة كَقَوْلِهِم: مَا كَانَ أحد مثلك. وَاخْتلف فِي: أول، هَل وَزنه: أفعل أَو فوعل، وَالصَّحِيح أَنه: أفعل، واستعماله: بِمن، من جملَة أَدِلَّة صِحَّته. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: أول، تسْتَعْمل إسماً وَصفَة. فَإِن اسْتعْملت صفة كَانَت بِالْألف وَاللَّام، أَو بِالْإِضَافَة أَو: بِمن، ظَاهِرَة أَو مقدرَة. مثل قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ واخفى} (طه: ٧) أَي: اخفى من السِّرّ، فَإِن كَانَت: بِمن، جرت فِي الْأَحْوَال كلهَا على لفظ وَاحِد، تَقول: هِنْد أول من زَيْنَب، والزيدان
أول من العمرين، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الصّفة تَقول: رَأَيْت زيدا أول من عامنا، فَأول بِمَنْزِلَة: قبل، كَأَنَّك قلت: رَأَيْت زيدا عَاما قبل عامنا، فَحكم لَهُ بالظرف حَتَّى قَالُوا: أبدأ بِهَذَا أَوله، وَبَنوهُ على الضَّم كَمَا قَالُوا: أبدأ بِهِ قبل، فَصَارَ كَأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة. وَمن النصب على الظّرْف قَوْله تَعَالَى: {الركب أَسْفَل مِنْكُم} (الْأَنْفَال: ٤٢) كَمَا تَقول: الركب أمامك، وَأَصله الصّفة، وَصَارَ: أَسْفَل، ظرفا. وَالتَّقْدِير: والركب فِي مَكَان أَسْفَل من مَكَانكُمْ، ثمَّ حذف الْمَوْصُوف وأقيمت الصّفة مقَامه، فَصَارَ: أَسْفَل مِنْكُم، بِمَنْزِلَة: تحتكم، وَمن لم يَجْعَل أَولا صلَة صرفه بِمَنْزِلَة: فَكل، الَّذِي هُوَ بِمَعْنى: الرعدة. وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ وزن الْفِعْل. تَقول: مَا ترك لنا أَولا وَلَا آخر، كَقَوْلِك: لَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله (لما رَأَيْت) بِكَسْر اللَّام و: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف. و: من، بَيَانِيَّة تَقْدِيره: للَّذي رَأَيْته من حرصك. أَو تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة و: من، تبعيضية، وَتَكون مفعول: رَأَيْت، وَالتَّقْدِير. لرؤيتي بعض حرصك. قَوْله: (على الحَدِيث) يتَعَلَّق بالحرص. قَوْله: (أسعدُ النَّاس) كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَالْبَاء فِي: (بشفاعتي) يتَعَلَّق بِهِ: (وَيَوْم الْقِيَامَة) نصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَوله: (من قَالَ) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ. و: (من) ، مَوْصُولَة. وَقَوله: (خَالِصا) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (قَالَ) . وَقَوله: (من قلبه) يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله: خَالِصا، أَو بقوله: قَالَ. وَالظَّاهِر أَن يتَعَلَّق: بقال. فَإِذا تعلق: بقال يكون ظرفا لَغوا، وَإِن تعلق بخالصاً، يكون ظرفا مُسْتَقرًّا، إِذْ تَقْدِيره حينئذٍ ناشئاً من قلبه، واللغو لَا مَحل لَهُ من الْإِعْرَاب. والمستقر هُنَا مَنْصُوب على الْحَال.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أسعد النَّاس) أسعد: أفعل، والسعد هُوَ الْيمن، تَقول مِنْهُ: سعد يَوْمنَا يسْعد سعوداً، والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، تَقول مِنْهُ: سعد الرجل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سعيد، مِثَال: سلم فَهُوَ سليم. وَسعد، على مَا لم يسم فَاعله، فَهُوَ: مَسْعُود. فَإِن قلت: أسعد، هُنَا من أَي الْبَاب؟ قلت: من الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي وَالْفَتْح فِي الغابر، وَالْأول من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الغابر. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل يدل على الشّركَة، والمشرك وَالْمُنَافِق لَا سَعَادَة لَهما. قلت: أسعد هَهُنَا بِمَعْنى سعيد، يَعْنِي سعيد النَّاس، كَقَوْلِهِم: النَّاقِص والأشج أعدلا بني مَرْوَان، يَعْنِي عادلا بني مَرْوَان، وَيجوز أَن يكون على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ الْمَشْهُور، والتفضيل بِحَسب الْمَرَاتِب أَي: هُوَ أسعد مِمَّن لم يكن فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِخْلَاص الْمُؤَكّد الْبَالِغ غَايَته، وَكثير من النَّاس يحصل لَهُ سعد بِشَفَاعَتِهِ، لَكِن الْمُؤمن المخلص أَكثر سَعَادَة بهَا، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يشفع فِي الْخلق بإراحتهم من هول الْموقف، ويشفع فِي بعض الْكفَّار بتَخْفِيف الْعَذَاب، كَمَا صَحَّ فِي حق أبي طَالب، ويشفع فِي بعض الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ من النَّار بعد أَن دخلوها، وَفِي بَعضهم بِعَدَمِ دُخُولهَا بعد أَن يستوجبوا دُخُولهَا، وَفِي بَعضهم بِدُخُول الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَفِي بَعضهم بِرَفْع الدَّرَجَات فِيهَا، فَظهر الِاشْتِرَاك فِي مُطلق السَّعَادَة بالشفاعة، وَأَن أسعدهم بهَا الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (بشفاعتك) ، الشَّفَاعَة مُشْتَقَّة من الشفع، وَهُوَ ضم الشَّيْء إِلَى مثله، كَأَن الْمَشْفُوع لَهُ كَانَ فَردا فَجعله الشَّفِيع شفعاً بِضَم نَفسه إِلَيْهِ، والشفاعة: الضَّم إِلَى إِلَى آخر معاوناً لَهُ، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي انضمام من هُوَ أَعلَى مرتبَة إِلَى من هُوَ أدنى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن الشَّفَاعَة إِنَّمَا تكون فِي أهل الْإِخْلَاص خَاصَّة، وهم أهل التَّوْحِيد، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لكل نَبِي دَعْوَة، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) . قلت: هَذَا الحَدِيث مَعَ غَيره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب، الْجَارِيَة مجْرى الْقطع، دَلِيل على ثُبُوت الشَّفَاعَة.
قَالَ عِيَاض: مَذْهَب أهل السّنة جَوَاز الشَّفَاعَة عقلا، ووجوبها بِصَرِيح الْآيَات وَالْأَخْبَار الَّتِي بلغ مجموعها التَّوَاتُر لصحتها فِي الْآخِرَة لمذنبي الْمُؤمنِينَ. وَأجْمع السّلف الصَّالح وَمن بعدهمْ من أهل السّنة على ذَلِك، ومنعت الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهَا، وتأولت الْأَحَادِيث على زيادات الدَّرَجَات وَالثَّوَاب، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: {فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين} (المدثر: ٤٨) {مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع} (غَافِر: ١٨) وَهَذِه إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكفَّار، وَالْأَحَادِيث مصرحة بِأَنَّهَا فِي المذنبين. وَقَالَ: الشَّفَاعَة خَمْسَة أَقسَام. أَولهَا: الإراحة من هول الْموقف. الثَّانِيَة: الشَّفَاعَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَهَذِه أَيْضا وَردت للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي: لَا أعلم هَل هِيَ مُخْتَصَّة أم لَا؟ قلت: يُرِيد القَاضِي بِالصَّحِيحِ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فأنطلق تَحت الْعَرْش فأقع سَاجِدا) ، وَفِيه: (فَيُقَال يَا مُحَمَّد أَدخل من أمتك من لَا حِسَاب عَلَيْهِ من الْبَاب الْأَيْمن من أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَشبهه من الْأَحَادِيث. الثَّالِثَة: قوم استوجبوا النَّار فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدم دُخُولهمْ فِيهَا، قَالَ القَاضِي: وَهَذِه أَيْضا يشفع فِيهَا نَبينَا مُحَمَّد،
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من شَاءَ الله أَن يشفع. الرَّابِعَة: قوم دخلُوا النَّار من المذنبين فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْمَلَائِكَة والأنبياء والمؤمنون. الْخَامِسَة: الشَّفَاعَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا، وَهَذِه لَا تنكرهَا الْمُعْتَزلَة. وَقَالَ القَاضِي: عرف بالاستفاضة سُؤال السّلف الصَّالح الشَّفَاعَة، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ: يكره سؤالها لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا للمذنبين، فقد يكون لتخفيف الْحساب وَزِيَادَة الدَّرَجَات، ثمَّ كل عَاقل معترف بالتقصير مُشفق أَن يكون من الهالكين غير مُعْتَد بِعَمَلِهِ، وَيلْزم هَذَا الْقَائِل أَن لَا يَدْعُو بالمغفرة وَالرَّحْمَة لِأَنَّهَا لأَصْحَاب الذُّنُوب، وَهَذَا كُله خلاف مَا عرف من دُعَاء السّلف وَالْخلف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الشَّفَاعَة الأولى هِيَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى. قيل: وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود، والمختصة بنبينا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهِي الأولى وَالثَّانيَِة، وَيجوز أَن تكون الثَّالِثَة وَالْخَامِسَة أَيْضا. وَالله أعلم.
قَوْله: (اِسْعَدْ النَّاس) ، التَّقْيِيد بِالنَّاسِ لَا يُفِيد نفي السَّعَادَة عَن الْجِنّ وَالْملك، لِأَن مَفْهُوم اللقب لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (من قَالَ) فِيهِ دَلِيل على اشْتِرَاط النُّطْق بِكَلِمَة الشَّهَادَة. فَإِن قلت: هَل يَكْفِي مُجَرّد قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله، دون: مُحَمَّد رَسُول الله؟ قلت: لَا يَكْفِي، لَكِن جعل الْجُزْء الأول من كلمة الشَّهَادَة شعاراً لمجموعها، فَالْمُرَاد الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا. كَمَا تَقول: قَرَأت: {آلم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١ ٢) أَي: السُّورَة بِتَمَامِهَا. فَإِن قلت: الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي على الْأَصَح، وَقَول الْكَلِمَة لإجراء أَحْكَام الْإِيمَان عَلَيْهِ، فَلَو صدق بِالْقَلْبِ وَلم يقل الْكَلِمَة يسْعد بالشفاعة؟ قلت: نعم، لَو لم يكن مَعَ التَّصْدِيق منافٍ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالْقَوْل النفساني لَا اللساني، أَو ذكر على سَبِيل التغليب إِذْ الْغَالِب أَن من صدق بِالْقَلْبِ قَالَ بِاللِّسَانِ الْكَلِمَة. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز، وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مشرع، وَفِي الشَّرْع لَا يعْتَبر إلَاّ القَوْل اللساني، وَالْقَوْل النفساني يعْتَبر عِنْد اللَّه، وَهُوَ أَمر مبطن لَا يقف عَلَيْهِ إلَاّ الله تَعَالَى. قَوْله: (خَالِصا) وَفِي بعض النّسخ: مخلصاً، من الْإِخْلَاص، وَالْإِخْلَاص فِي الْإِيمَان ترك الشّرك وَفِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء. قَوْله: (من قلبه) ذكر للتَّأْكِيد، لِأَن الْإِخْلَاص معدنه الْقلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ آثم قلبه} (الْبَقَرَة: ٢٨٣) وَإسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْجَارِحَة الَّتِي تعْمل بهَا أبلغ. أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت التَّأْكِيد: أبصرته عَيْني وسمعته أُذُنِي! قَوْله: (أَو نَفسه) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من أبي هُرَيْرَة. قلت: التَّعْيِين غير لَازم لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد من الروَاة مِمَّن هم دونه، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الرقَاق: (خَالِصا من قبل نَفسه) .
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وَالْخَيْر، فَإِن الْحَرِيص يبلغ بحرصه إِلَى الْبَحْث عَن الغوامض ودقيق الْمعَانِي، لِأَن الظَّوَاهِر يَسْتَوِي النَّاس فِي السُّؤَال عَنْهَا لاعتراضها أفكارهم، وَمَا لطف من الْمعَانِي لَا يسْأَل عَنهُ إلَاّ الراسخ، فَيكون ذَلِك سَببا للفائدة. وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. الثَّانِي: فِيهِ تفرس الْعَالم فِي متعلمه، وتنبيهه على ذَلِك لكَونه أبْعث على اجْتِهَاده فِي الْعلم. الثَّالِث: فِيهِ سكُوت الْعَالم عَن الْعلم إِذا لم يسْأَل حَتَّى يسْأَل، وَلَا يكون ذَلِك كتماً، لِأَن على الطَّالِب السُّؤَال، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا تعين عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ السُّكُوت إلَاّ إِذا تعذر. الرَّابِع: فِيهِ أَن الشَّفَاعَة تكون لأهل التَّوْحِيد، كَمَا ذكرنَا. الْخَامِس: فِيهِ ثُبُوت الشَّفَاعَة، وَقد مر مفصلا. السَّادِس: فِيهِ فَضِيلَة أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْقسم للتَّأْكِيد. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الكنية عِنْد الْخطاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٣٤ - (بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ)
أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْمعْنَى: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة قبض الْعلم، و: كَيفَ، يسْتَعْمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون شرطا، فَيَقْتَضِي فعلين متفقي اللَّفْظ وَالْمعْنَى غير مجزومين. نَحْو: كَيفَ تصنع أصنع. وَلَا يجوز: كَيفَ تجْلِس أذهب، بِاتِّفَاق، وَلَا: كَيفَ تجْلِس أَجْلِس الْجَزْم عِنْد الْبَصرِيين إلَاّ قطرباً. وَالْآخر: وَهُوَ الْغَالِب فِيهَا أَن تكون استفهاماً: إِمَّا حَقِيقِيًّا نَحْو: كَيفَ زيد؟ أَو غَيره، نَحْو: {كَيفَ تكفرون بِاللَّه} الْآيَة (الْبَقَرَة: ٢٨) ، فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب، وَالْقَبْض نقيض الْبسط، وَالْمرَاد مِنْهُ الرّفْع والانطواء، كَمَا يُرَاد من الْبسط الانتشار.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْحِرْص على الحَدِيث الَّذِي هُوَ من أشرف أَنْوَاع الْعُلُوم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ارْتِفَاع الْعُلُوم، فبينهما تقَابل فتناسقا من هَذِه الْجِهَة. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب السَّابِق تَنْبِيها على أَن يهتم بتحصيل الْعُلُوم مَعَ الْحِرْص عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فَوَاتهَا.
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انْظَرْ مَا كانَ منْ حدَيثِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكْتُبْهُ، فأنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهابَ العُلماءِ، وَلَا يُقْبلُ إِلَاّ حَدِيثُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولْيُفْشُوا العِلْمَ وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فإنَ العَلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
هَذَا تَعْلِيق لم يَقع وَصله عِنْد الْكشميهني وكريمة وَابْن عَسَاكِر، وَوَقع وَصله للْبُخَارِيّ عِنْد غَيرهم، وَهُوَ بقوله فِي بعض النّسخ: حَدثنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار ... إِلَى آخِره، على مَا يَأْتِي ذكره عَن قريب. وَقد روى أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) هَذِه الْقِصَّة بِلَفْظ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْآفَاق: انْظُرُوا حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاجمعوه.
أما عمر بن عبد الْعَزِيز فَهُوَ أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، وَقد مر فِي كتاب الْإِيمَان، وَأما أَبُو بكر بن حزم فَهُوَ: ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، ابْن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عَوْف بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. قَالَ الْخَطِيب: يُقَال: إِن اسْمه أَبُو بكر، وكنيته أَبُو مُحَمَّد، وَمثله: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن. قَالَ الْخَطِيب: لَا نَظِير لَهما. وَقد قيل فِي أبي بكر بن مُحَمَّد: لَا كنية لَهُ غير أبي بكر اسْمه. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: قيل: إِن اسْم أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن هَذَا: الْمُغيرَة، وَلَا يَصح. قلت: أَرَادَ الْخَطِيب قَوْله: لَا نَظِير لَهما، أَي: مِمَّن اسْمه أَبُو بكر وَله كنية، وَأما من اشْتهر بكنيته وَلم يعرف لَهُ اسْم غَيره فكثير، ذكر ابْن عبد الْبر مِنْهُم جمَاعَة، وَأَبُو بكر بن حزم ولي الْقَضَاء والإمرة والموسم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة ولى أَبَا بكر إمرة الْمَدِينَة، فاستقضى أَبُو بكر ابْن عَمه على الْقَضَاء، وَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويتولى أَمرهم، وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم، توفّي سنة عشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن أَربع وَثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ، سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيث عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، قَالَ: عرضت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مُرْسل.
قَوْله: (انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث) أَي: اجْمَعْ الَّذِي تَجِد، وَوَقع هُنَا للكشميهني: عنْدك، مَعْنَاهُ فِي بلدك. قَوْله: (فاكتبه) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ كَانَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانُوا قبل ذَلِك يعتمدون على الْحِفْظ، فَلَمَّا خَافَ عمر رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الأولى من ذهَاب الْعلم بِمَوْت الْعلمَاء، رأى أَن فِي تدوينه ضبطاً لَهُ وإبقاء. قَوْله: (فَإِنِّي) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (دروس الْعلم) بِضَم الدَّال، من: درس يدرس، من بَاب: نصر ينصر، دروساً أَي: عفى ودرست الْكتاب أدرسه وأدرسه من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب درساً ودراسة ودرس الْحِنْطَة درساً ودراساً أَي: داسها. قَوْله: (وَلَا يقبل) بِضَم الْيَاء أَعنِي حرف المضارعة. قَوْله: (وليفشوا) بِصِيغَة الْأَمر من الإفشاء، وَهُوَ الإشاعة. وَيجوز فِيهِ تسكين اللَّام كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات. وَقَوله: (الْعلم) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (وليجلسوا) بِصِيغَة الْأَمر أَيْضا من الْجُلُوس لَا من الإجلاس، وَيجوز فِي لامه التسكين أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم، أَعنِي بتَشْديد اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يعلم: بِفَتْح حرف المضارعة وَاللَّام من الْعلم. قَوْله: (من لَا يعلم) بِصِيغَة الْمَعْلُوم من الْعلم. وَكلمَة: من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل يعلم الَّذِي هُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَأما إِذا قرىء على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم فَتكون مَفْعُولا نَاب عَن الْفَاعِل. فَافْهَم. قَوْله: (لَا يهْلك) بِفَتْح حرف المضارعة وَكسر اللَّام، أَي: لَا يضيع. وَفتح اللَّام لُغَة. وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي إِسْحَاق: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} (الْبَقَرَة: ٢٥) بِفَتْح الْيَاء، وَاللَّام وَرفع الثَّاء. قَوْله: (حَتَّى يكون سرا) أَي: خُفْيَة، وَأَرَادَ بِهِ كتمان الْعلم.
وَقَالَ ابْن بطال: فِي أَمر عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِكِتَابَة حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاصَّة وَأَن لَا يقبل غَيره، الحض على اتِّبَاع السّنَن وضبطها، إِذْ هِيَ الْحجَّة عِنْد الِاخْتِلَاف. وَفِيه: يَنْبَغِي للْعَالم نشر الْعلم وإذاعته.
حدّثنا العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حدّثنا عبدُ العزِيز بنُ مُسُلْمٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ بِذلك، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيز، إِلَى قَولِهِ: ذَهابَ العُلماءِ.
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى أثر عمر بن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا، و: لَكِن: (إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء) فسر ذَلِك بقوله: يَعْنِي حَدِيث عمر بن
عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بذلك يَعْنِي بِجَمِيعِ مَا ذكر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: حَتَّى يكون سرا. ثمَّ قَالَ: وَفِي بعض النّسخ بعده: يَعْنِي بعد قَوْله بذلك يَعْنِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، ثمَّ قَالَ: وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَن الْعَلَاء روى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء فَقَط. قلت: أما بعد قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، يحْتَمل أَن يكون كَلَام عمر، وَلكنه لم يدْخل فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَيحْتَمل أَن لَا يكون من كَلَامه، وَهُوَ الْأَظْهر، وَبِه صرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أوردهُ عقيب كَلَام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه: أنبأني الشَّيْخ قطب الدّين عبد الْكَرِيم إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي جدي إجَازَة الْحَافِظ الثِّقَة الْعدْل قطب الدّين عبد الْكَرِيم، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنبأَنَا عبد الْعَزِيز بن باقاء الْبَغْدَادِيّ إجَازَة، أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت سَمَاعا، أَنبأَنَا ثَابت بن بنْدَار، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البرقاني، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ الْإِسْمَاعِيلِيّ، ثَنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن عبد اللَّه بن دِينَار، قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم ... فَذكره إِلَى قَوْله: وَذَهَاب الْعلمَاء. فَإِن قلت: لِمَ أخر إِسْنَاد كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز عَن كَلَامه، وَالْعَادَة تَقْدِيم الْإِسْنَاد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للْفرق بَين إِسْنَاد الْأَثر وَبَين إِسْنَاد الْخَبَر، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ غير مطرد، وَيحْتَمل أَن يكون قد ظهر بِإِسْنَادِهِ بعد وضع هَذَا الْكَلَام، فَالْحَقْهُ بالأخير، على أَنا قُلْنَا: إِن هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بموجود عِنْد جمَاعَة.
وَأما الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار فَهُوَ أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ الْعَطَّار الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، سكن مَكَّة، أخرج البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأبي الْهَيْثَم فِي الْعلم عَنهُ عَن عبد الْعَزِيز هَذَا الْأَثر وَلم يخرج عَنهُ غَيره، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة، توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي مَوْلَاهُم، أَخُو الْمُغيرَة بن مُسلم الْخُرَاسَانِي الْمروزِي نِسْبَة إِلَى القساملة، وَقيل لَهُم ذَلِك لأَنهم من ولد قسملة، واسْمه مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، وَلَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوفَة بالقسامل، وَقيل: نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير والذبائح وَكتاب المرضى وَغير مَوضِع عَن مُسلم بن إِسْمَاعِيل عَنهُ عَن عبد اللَّه بن دِينَار، وحصين وَالْأَعْمَش. وَأخرج لَهُ هَذَا الْأَثر عَن الْعَلَاء عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن إِسْحَاق: ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم، وَكَانَ من الأبدال. قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ ابْن مَاجَه. وَأما عبد اللَّه بن دِينَار الْقرشِي الْمدنِي، مولى ابْن عمر فقد مر فِي: بَاب أُمُور الْإِيمَان.
١٠٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بن العاصِي قَالَ: سمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (إنَّ الله لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فافْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا) .
(الحَدِيث ١٠٠ طرفه فِي: ٧٣٠٧) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن يقبض الْعلم) .
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم، وَمَالك هُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه فِي (الْمُوَطَّأ) إلَاّ معن بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ أَيْضا فِيهِ سُلَيْمَان بن برد، وَرَوَاهُ أَصْحَاب مَالك كَابْن وهب وَغَيره خَارج (الْمُوَطَّأ) ، وَقد اشْتهر هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَوَافَقَهُ على رِوَايَته عَن أَبِيه عُرْوَة أَبُو الْأسود الْمدنِي وَحَدِيثه فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَالزهْرِيّ وَحَدِيثه فِي النَّسَائِيّ، وَيحيى بن أبي كثير وَحَدِيثه فِي (صَحِيح أبي عوَانَة) ، وَوَافَقَ أَبَاهُ على رِوَايَته عَن عبد اللَّه بن عمر، وَعمر بن الحكم بن ثَوْبَان وَحَدِيثه فِي مُسلم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن سعيد ابْن تليد عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَغَيره جَمِيعًا عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة عَن عُرْوَة نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن يحيى بن يحيى عَن عباد بن عباد وَأبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع، وَعَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَأبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير وَعَبدَة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد وَعَن أبي بكر
بن نَافِع عَن عمر ابْن عَليّ الْمقدمِي، وَعَن عبد بن حميد عَن يزِيد بن هَارُون عَن شُعْبَة، الثَّلَاثَة عشر كلهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن هَارُون بن إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عمر، وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل هَذَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. قَالَ عبد الْوَهَّاب: فَلَقِيت هشاماً فَحَدثني عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ، وَعَن أَبِيه مثله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَأبي مُعَاوِيَة وَعبد اللَّه بن نمير وَمُحَمّد بن بشر، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك وَعلي بن مسْهر وَحَفْص بن ميسرَة وَشُعَيْب بن إِسْحَاق، تسعتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، جملَة وَقعت حَالا، وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع حِكَايَة لحَال الْمَاضِي واستحضاراً لَهُ، وإلَاّ فَالْأَصْل أَن يُقَال: قَالَ: ليطابق: سَمِعت. قَوْله: (لَا يقبض الْعلم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (انتزاعاً) يجوز فِي نَصبه أوجه. الأول: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا عَن معنى يقبض، نَحْو: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقعد جُلُوسًا. الثَّانِي: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا مقدما على فعله، وَهُوَ: ينتزعه. وَيكون: ينتزعه، حَالا من الضَّمِير فِي: يقبض، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه ينتزعه انتزاعاً من الْعباد. الثَّالِث: أَن يكون حَالا من الْعلم بِمَعْنى: منتزعاً، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه منتزعاً. فَإِن قلت: على هَذَا مَا يَقع ينتزعه؟ قلت: قيل: يكون ينتزعه جَوَابا عَمَّا يُقَال: مِمَّن ينتزع الْعلم؟ وَفِيه نظر، والأصوب أَن يكون فِي مَحل النصب صفة، إِمَّا لانتزاعاً، أَو لمنتزعاً من الصِّفَات المبينة. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. وَقَوله: (يقبض الْعلم) من قبيل إِقَامَة الْمظهر مَوضِع الْمُضمر لزِيَادَة تَعْظِيم الْمُضمر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: ٢) بعد قَوْله: {قل هُوَ الله أحد} (الْإِخْلَاص: ١) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال: هُوَ الصَّمد، كَمَا أَن الْمُقْتَضى هُنَا: وَلَكِن يقبضهُ. قَوْله: (حَتَّى) ابتدائية دخلت على الْجُمْلَة، تدل على أَن ذَلِك وَاقع بالتدريج، كَمَا أَن إِذا تدل على أَنه وَاقع لَا محَالة، و: إِذا ظرفية، وَالْعَامِل فِيهَا: اتخذ، وَيحْتَمل أَن تكون شَرْطِيَّة. فَإِن قلت: إِذا للاستقبال وَلم لقلب الْمُضَارع مَاضِيا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: لما تَعَارضا تساقطا فَبَقيَ على أَصله وَهُوَ الْمُضَارع، أَو تعادلا فَيُفِيد الِاسْتِمْرَار. فَإِن قلت: إِذا كَانَت شَرْطِيَّة يلْزم من انْتِفَاء الشَّرْط انْتِفَاء الْمَشْرُوط، وَمن وجود الْمَشْرُوط وجود الشَّرْط، لكنه لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز حُصُول الاتخاذ مَعَ وجود الْعلم. قلت: ذَلِك فِي الشُّرُوط الْعَقْلِيَّة، أما فِي غَيرهَا فَلَا نسلم اطراد هَذِه الْقَاعِدَة، ثمَّ ذَلِك الاستلزام إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع لم يكن للشّرط بدل، فقد يكون لمشروط وَاحِد شُرُوط متعاقبة: كصحة الصَّلَاة بِدُونِ الْوضُوء عِنْد التَّيَمُّم، أَو المُرَاد بِالنَّاسِ جَمِيعهم، فَلَا يَصح أَن الْكل اتَّخذُوا رؤوساً جُهَّالًا إلَاّ عِنْد عدم بَقَاء الْعَالم مُطلقًا، وَذَلِكَ ظَاهر. قَوْله: (لم يبْق) بِفَتْح حرف المضارعة من الْبَقَاء. وَقَوله: (عَالم) بِالرَّفْع، فَاعله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لم يبْق عَالما) بِضَم حرف المضارعة من الْإِبْقَاء، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله، (وعالماً) : مَنْصُوب بِهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى إِذا لم يتْرك عَالما) . قَوْله: (اتخذ) أَصله: ائتخذ، فقلبت الْهمزَة ثمَّ ادغمت التَّاء فِي التَّاء، و: (النَّاس) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (رؤوساً) بِضَم الْهمزَة وبالتنوين جمع رَأس، قَالَ النَّوَوِيّ: ضبطناه بِضَم الْهمزَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (رُؤَسَاء) بِفَتْح الْهمزَة وَفِي آخِره همزَة أُخْرَى مَفْتُوحَة، جمع رَئِيس، وَالْأول أشهر. قَوْله: (جُهَّالًا) بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء الْمُشَدّدَة: جمع جَاهِل، صفة لرؤوساً. قَوْله: (فسئلوا) بِضَم السِّين وَالضَّمِير فِيهِ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، أَي: فَسَأَلَهُمْ السائلون فافتوا لَهُم. قَوْله: (فضلوا) عطف على: فافتوا، وَهُوَ من الضلال، و: (اضلوا) من الإضلال، يَعْنِي: فضلوا فِي أنفسهم وأضلوا السَّائِلين. فَإِن قلت: الضلال مُتَقَدم على الْإِفْتَاء، فَمَا معنى الْفَاء؟ قلت: الْمَجْمُوع الْمركب من الضلال والإضلال هُوَ متعقب على الْإِفْتَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الأول مقدما عَلَيْهِ إِذْ الضلال الَّذِي بعد الْإِفْتَاء غير الضلال الَّذِي قبله. فَإِن قلت: الإضلال ظَاهر، وَأما الضلال فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو عمل بِمَا افتى وَقد لَا يعْمل بِهِ، قلت: إِن إضلاله للْغَيْر ضلال لَهُ عمل بِمَا أفتى أَو لم يعْمل.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً) أَي: إِن الله لَا يقبض الْعلم من بَين النَّاس على سَبِيل أَن يرفعهُ من بَينهم إِلَى السَّمَاء، أَو يمحوه من صُدُورهمْ، بل يقبضهُ بِقَبض أَرْوَاح الْعلمَاء وَمَوْت حَملته. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَن الله لَا ينْزع