الإسلام > فتاوى > جنائز > (أقوال العلماء في إقْعَادِ الْمَيِّتِ في قبره: هل يُقعد بدنُه أو روحُه
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
)
٤٦٨ - ثَبَتَ فِي "الصَحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي الله عنه- عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "إذَا أقعِدَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إلهَ إلا اللهُ،
فَدَلِكَ قَوْلُهُ:
{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}
[إبراهيم: ٢٧] " .
وَالنَّاسُ فِي مِثْل هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أ - مِنْهُم مَن يُنْكِرُ إقْعَادَ الْمَيِّتِ مُطْلَقًا؛
لِأنَّهُ قَد أَحَاطَ بِبَدَنِهِ مِن الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا لَا يُمْكِنُ قُعُودُهُ مَعَهُ وَقَد يَكُونُ فِي صَخْرٍ يُطْبِقُ عَلَيْهِ،
وَقَد يُوضَعُ عَلَى بَدَنِهِ مَا يَكْشِفُ فَيُوجَدُ بِحَالِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَلهَذَا صَارَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ إنَمَا هُوَ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ،
كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ مَيْسَرَةَ وَابْنُ حَزْمٍ،
وَهَذَا قَوْلٌ مُنْكَرٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
ب - وَصَارَ آخَرونَ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْبَدَنِ يَقْعُدُ عَلَى مَا فَهِمُوهُ مِن النُّصُوصِ.
ج - وَصَارَ آخَرُونَ يَحْتَجُّونَ بِالْقُدْرَةِ،
وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ،
وَلَا يَنْظُرُونَ إلَى مَا يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ،
وَقُدْرَةُ اللهِ حَق،
وَخَبَرُ الصَّادِقِ حَقٌّ،
لَكِنَ الشَّأنَ فِي فَهْمِهِمْ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ النَّائِمَ يَكُونُ نَائِمًا،
وَتَقْعُدُ رُوحُهُ،
وَتَقُومُ وَتَمْشِي،
وَتَذْهَبُ وَتَتَكلَّمُ،
وَتَفْعَلُ أَفْعَالًا وَأمُورًا بِبَاطِنِ بَدَنِهِ مَعَ رُوحِهِ،
وَيَحْصُلُ لِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ بِهَا نَعِيمٌ وَعَذَابٌ،
مَعَ أَنَّ جَسَدَهُ مُضْطَجَعٌ،
وَعَيْنَيْهِ مُغْمَضَةٌ،
وَفَمَهُ مُطْبَقٌ،
وَأَعْضَاءَهُ سَاكِنَةٌ،
وَقَد يَتَحَرَّكٌ بَدَنُهُ لِقُوَّةِ الْحَرَكَةِ الدَّاخِلَةِ،
وَقَد يَقُومُ ويمْشِي وَيَتَكَلَّمُ وَيَصِيحُ
لِقُوَّةِ الْأَمْرِ فِي بَاطِنِهِ: كَانَ هَذَا مِمَّا يُعْتَبَرُ بِهِ أَمْرُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ؛
فَإِنَّ رُوحَهُ تَقْعُدُ وَتَجْلِسُ،
وَتُسْأَلُ وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ وَتَصِيحُ،
وَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِبَدَنِهِ،
مَعَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا فِي قَبْرِهِ.
وَقَد يَقْوَى الْأمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ فِي بَدَنِهِ،
وَقَد يُرَى خَارِجًا مِن قَبْرِهِ وَالْعَذَابُ عَلَيْهِ،
وَمَلَائِكةُ الْعَذَابِ مُوَكَّلَةٌ بِهِ،
فَيَتَحَرَّكُ بَدَنُهُ ويمْشِي وَيَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ،
وَقَد سَمِعَ غَيْرُ وَاحِدٍ أصْوَاتَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ،
وَقَد شُوهِدَ مَن يَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ وَهُوَ مُعَذَّبٌ،
وَمَن يَقْعدُ بَدَنُهُ أَيْضًا إذَا قَوِيَ الْأَمْرُ .
لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ لَازِمًا فِي حَقِّ كُلِّ مَيِّتٍ؛
كَمَا أنَّ قُعُودَ بَدَنِ النَّائِمِ لِمَا يَرَاهُ لَيْسَ لَازِمًا لِكُلِّ نَائِمٍ؛
بَل هُوَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْأمْرِ.
وَقَد عُرِفَ أَنَّ أَبْدَانًا كَثِيرَةً لَا يَأكلُهَا التُّرَابُ؛
كَأبْدَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِن الصِّدِّيقِينَ وَشُهَدَاءِ أحُدٍ وَغَيْرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ،
وَالْأخْبَارُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ.
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِن إقْعَادِ الْمَيِّتِ مُطْلَقًا هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِقُعُودِهِمْ بِبَوَاطِنِهِمْ،
وَإِن كَانَ ظَاهِرُ الْبَدَنِ مُضْطَجِعًا.
وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا: إخْبَارُهُ -صلى الله عليه وسلم- بِمَا رَآه لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِن الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَوَاتِ،
وَأَنَّهُ رَأَى آدَمَ وَعِيسَى وَيَحْيَى ويُوسُفَ وَإِدْرِيسَ وَهَارُونَ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ،
وَأَخْبَرَ أَيْضًا أَنَّهُ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ،
وَقَد رَآهُ أيْضًا فِي السَّمَوَاتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبْدَانَ الْأنْبِيَاءِ فِي الْقُبُورِ إلَّا عِيسَى وَإِدْرِيسَ.
وَإِذَا كَانَ مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ ثُمَ رَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسةِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ: فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْصُلُ لِلْجَسَدِ.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.