في حلقة سابقة عن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تفضلتم بشرح هذه الحجة، آمل من سماحتكم تكملة ما تبقى من هذه الحجة المباركة، جزاكم الله خيرًا، حيث وصل بكم القول إلى انصراف الرسول صلى الله عليه وسلم من مزدلفة

الإسلام > فتاوى > حج > في حلقة سابقة عن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تفضلتم بشرح هذه ا…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «في حلقة سابقة عن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، قد…»

قد سبق أن تكلمت على صفة حجه عليه الصلاة والسلام،
من حين خرج من المدينة إلى أن وصل إلى مكة،
عليه الصلاة والسلام،
ثم عن رحلته من مكة إلى منى،
وعن رحلته من منى إلى عرفات،
وعن رحلته من عرفات بعد غروب الشمس إلى مزدلفة،
وما فعله في مزدلفة،
عليه الصلاة والسلام،
وسبق أنه عليه الصلاة والسلام صلى بها الفجر،
ثم أتى المشعر فارتقاه،
وجعل يدعو ويذكر الله ويهلل،
حتى أسفر جدًا عليه الصلاة والسلام،
ورفع يديه بالدعاء،
فلما أسفر انصرف إلى منى هذا هو السنة: أن يبيت الحجيج في مزدلفة،
وأن يصلوا بها الفجر،
وأن يدعوا الله،
كل في مكانه وفي منزله؛
لأنها كلها موقف،
كل يدعو في مكانه،
ويضرع إلى الله،
ويسأله من فضله،
ويرفع يديه ويذكره كثيرًا،
ويدعوه كثيرًا حتى يسفر،
فإذا أسفر جدًّا انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس؛
تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام،
وتقدم أنه أذن للضعفة من النساء والشيوخ والصبيان بأن ينصرفوا إلى منى في الليل قبل حَطْمة

الناس،
هذا هو الذي ينبغي للضعفاء: أن ينصرفوا حتى يخففوا عن الناس،
وحتى يسلموا هم أيضًا من حطمة الناس،
فالنساء والشيوخ ونحو ذلك،
ومن يتبعهم من محارمهم،
ومن صاحبهم في الرحلة إلى منى في النصف الأخير من ليلة مزدلفة،
فإذا وصلوا إلى منى باتوا فيها بقية الليل،
وإن رموا الجمرة فلا بأس،
رموها آخر الليل لا بأس،
وقد ثبت عن أم سلمة رضي الله عنها،
أنها رمت الجمرة في آخر الليل .

وثبت عن أسماء بنت أبي بكر ما يدل على ذلك،
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن للضعفة،
وهُن النساء في ذلك،
فإذا رمين ومن معهم في آخر الليل كفى ذلك،
وإن أخروا ورموا بعد ارتفاع الشمس فلا بأس،
ولكن الأرفق بهن وبمن معهم أن يرموا في آخر الليل إذا وصلوا منى،
هذا هو الأرفق بهم،
ثم يرجعون إلى منازلهم في منى للإقامة بها وذبح الهدايا،
ورمي الجمار في الأيام القادمة،
وغير ذلك من شؤون الحج،
أما الرسول صلى الله عليه وسلم،
فقد انتظر حتى صلى الفجر،
ودعا ربه بعد الصلاة،
وذكره ورفع يديه وألح في الدعاء،
ثم انصرف قبل طلوع

الشمس،
عليه الصلاة والسلام،
وسبق أنه صلى بها المغرب والعشاء قصرًا وجمعًا بأذان واحد وإقامتين،
ثم نام بعد ذلك عليه الصلاة والسلام،
وهكذا الفجر صلاها بأذان وإقامة مع سنتها الراتبة،
وصلاها بعد طلوع الفجر مبكرًا،
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنه صلاها قبل ميقاتها» يعني قبل ميقاتها المعتاد؛
وذلك – والله أعلم – ليتسع الوقت للدعاء والذكر بعد صلاة الفجر،
ثم المشروع للمسلمين،
إذا وصلوا إلى منى بعد انصرافهم من مزدلفة،
أن يرموا الجمرة؛
لأنه صلى الله عليه وسلم انصرف من مزدلفة قبل طلوع الشمس ملبيًا حتى أتى الجمرة ضحى،
فرماها بسبع حصيات،
يكبر مع كل حصاة،
ولم يقف عندها،
بل رمى وانصرف عليه الصلاة والسلام،
فهكذا المسلمون من الحجاج،
إذا وصلوا إلى منى بعد طلوع الشمس بدؤوا بالجمرة تحية منى،
وليس في منى صلاة عيد للحجاج،
ويقوم مقامها رمي الجمار ذلك اليوم،
فترمى الجمرة بسبع حصيات،
يرميها الرجل والمرأة والصغير والكبير بسبع حصيات،
واحدة بعد واحدة،
يكبر مع كل حصاة يقول: الله أكبر،
مع كل

حصاة،
مستشعرًا عظمة الله وطاعته سبحانه،
ومستشعرًا إرغام الشيطان ودحره بهذه الحصيات التي ترجم بها مواقفه،
ثم ينصرف ولا يقف؛
لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقف عند جمرة العقبة،
بل رماها وانصرف عليه الصلاة والسلام،
ووقف للناس يسألونه في منى بعد رميه الجمرة،
هذا يقول: «يا رسول الله،
أفضت إلى البيت قبل أن أرمي،
فقال عليه الصلاة والسلام: لا حرج» وآخر يقول: «نحرت قبل أن أرمي،
فيقول: "لا حرج" » . وآخر يقول: «حلقت قبل أن أذبح،
يقول له: "لا حرج" » . وهذا يدل على أن أفعال الحج يوم العيد فيه توسعة،
وأن الرمي والطواف والسعي والحلق،
أو التقصير والنحر كلها فيها سعة،
والنبي صلى الله عليه وسلم رتبها،
فرمى يوم العيد ثم نحر عليه الصلاة والسلام،
ثم حلق رأسه ثم طيبته عائشة رضي الله عنها،
ثم ركب إلى البيت،
فطاف عليه الصلاة والسلام،
هكذا الترتيب،
هذا هو الأفضل: رمي،
فنحر،
فحلق أو تقصير،
فطواف،
وسعيٌ إن كان عليه سعي،
هذا هو الترتيب،
الأول: الرمي،
ثم نحر الهدي،
ثم حلق الرأس أو تقصيره،

وبهذا يتحلل التحلل الأول،
يلبس المخيط ويغطي رأسه إن كان رجلاً،
والمرأة كذلك تتطيب،
تكد شعرها إن شاءت،
وتقص أظافرها إن شاءت؛
لأنها حلت التحلل الأول،
ولا يبقى عليهما جميعًا: الرجل والمرأة،
إلا تحريم الجماع،
وما يتعلق بالجماع من النساء،
فإذا طافا وسعيا بعد ذلك تمَّ الحل كله،
وحل للرجل الاتصال بأهله،
إذا طاف وسعى بعد الرمي،
وبعد الحلق أو التقصير،
والسعي إنما يجب عليه إذا كان متمتعًا؛
لأن السعي الأول لعمرته،
وهذا لحجه،
أو كان قارنًا أو مفردًا لكن لم يسعَ مع طواف القدوم،
فيسعى مع طواف الإفاضة،
وإن كان سعى مع طواف القدوم فلا سَعْيَ عليه،
يكفيه الطواف،
الحاج المفرد والحاج القارن بين الحج والعمرة،
والنبي كان قارنًا عليه الصلاة والسلام،
ولهذا طاف طوافًا فقط ولم يسعَ؛
لأنه قد سعى مع طواف القدوم،
عليه الصلاة والسلام،
وفي هذا من الفوائد: أن الإنسان قد يشق عليه تأخير الطواف،
وقد يشق عليه تأخير الحلق إلى أن يذبح؛
لأن الذبح ليس متيسرًا،
فيتأخر إلى اليوم الثاني،
فمن رحمة الله ومن تيسير الله عز وجل،
ومن إحسانه إلى عباده ورحمته بهم،
أن فسح لهم المجال،
وجعل هذا الترتيب ليس بواجب،
هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم،
أنَّ له أن يبدأ بما أخره الرسول صلى الله عليه وسلم،
له أن يقدمه؛
لأنه سئل عليه

الصلاة والسلام عما يقدم ويؤخر،
فقال: «لا حرج،
لا حرج» فإذا أفاض الإنسان قبل أن يرمي،
مثل المرأة إذا خافت من الحيض،
فأفاضت قبل أن ترمي فلا بأس،
ومثل إنسان نحر هديه صار النحر متيسرًا والرمي ما تيسر،
له أن يرمي مبكرًا،
فنحر قبل أن يرمي فلا بأس،
أو حلق قبل أن يرمي،
أو ذبح قبل أن يرمي كل ذلك لا بأس والحمد لله.
فالحاصل أن الترتيب ليس بواجب،
ولكن الأفضل أن يرمي ثم ينحر،
ثم يحلق أو يقصر،
ويتحلل التحلل الأول،
ويلبس المخيط ويغطي رأسه،
ثم يذهب إلى البيت فيطوف ويسعى،
هذا هو الترتيب المشروع،
فمن قدم بعضها على بعض فلا حرج عليه في ذلك،
كما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم،
وكما أذن للناس عليه الصلاة والسلام في ذلك،
ثم بعد ذلك لما رمى الجمرة عليه الصلاة والسلام،
ونحر هديه وحلق رأسه طيبته عائشة،
ثم ركب إلى البيت،
فطاف به عليه الصلاة والسلام،
وصلى بمكة الظهر عليه الصلاة والسلام،
ثم عاد من مكة وصلى بالناس الموجودين الذين ينتظرونه،
صلى بهم الظهر في منى،
فصلاها مرتين الأولى في مكة وهي الفريضة،
والثانية في منى بمن

بقي ينتظره،
وهي نافلة له عليه الصلاة والسلام،
وبهذا يستدل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل،
كما كان معاذ يصلي بأصحابه متنفلاً،
ويصلي مع النبي فريضته عليه الصلاة والسلام،
كل هذا جائز بحمد الله،
ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم في منى،
الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر،
يرمي بعد الزوال الجمار الثلاث،
كل جمرة يرميها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة،
ويكبر مع كل حصاة ويجعل الجمرة الأولى،
وهي التي تلي مسجد الخيف،
يجعلها عن يساره ويتقدم ويسهل؛
حتى لا يصيبه رمي الناس،
وحتى لا يضايق الناس،
فيرميها بسبع حصيات،
ويقف عندها ويجعلها عن يساره،
ويدعو ويرفع يديه،
ويلح ويطيل الدعاء،
كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛
لأنه رفع يديه،
وأكثر الدعاء عليه الصلاة والسلام بعدما رمى الجمرة يوم الحادي عشر،
والثاني عشر،
والثالث عشر،
ثم أتى الوسطى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة،
ثم جعلها عن يمينه،
وأخذ ذات الشمال عن يساره،
ووقف يدعو ورفع يديه وألح في الدعاء،
عليه الصلاة والسلام،
هذا هو السنة لمن تيسر له ذلك،
فمن لم يتيسر له ذلك فلا شيء عليه،
هو سنة مؤكدة،
فعلها المصطفى عليه الصلاة والسلام،
أما الثالثة فكان يرميها ولا يقف عندها،
جمرة العقبة يرميها يوم الحادي عشر،
والثاني عشر،

والثالث عشر،
ولا يقف عندها،
كما أنه لم يقف عندها يوم العيد،
بل رماها وانصرف عليه الصلاة والسلام،
ثم أذن للناس بالتعجل،
من أراد أن يتعجل يوم الثاني عشر فلا بأس؛
لقول الله سبحانه:

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}

.

من أحب أن يتعجل بعد الرمي يوم الثاني عشر فلا بأس،
يرمي الجمار ثم يذهب إلى مكة لطواف الوداع،
ومن أحب أن يبقى إلى اليوم الثالث عشر،
كما بقي النبي صلى الله عليه وسلم،
فإنه بقي اليوم الثالث عشر عليه الصلاة والسلام،
فلما رمى الجمار يوم الثالث عشر بعد الزوال تقدم إلى الأبطح،
فنزل به،
وصلى به الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء،
عليه الصلاة والسلام،
ثم ركب في أثناء الليل إلى مكة لطواف الوداع،
فطاف آخر الليل طواف الوداع،
عليه الصلاة والسلام،
وصلى بالناس الفجر،
وقرأ فيها ب (الطور) ،
ثم بعدما انتهى من صلاة الفجر توجه إلى المدينة عليه الصلاة والسلام،
صباح يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة،
عليه الصلاة والسلام،
وبهذا انتهت أعمال الحج بطواف الوداع،
ومن انصرف في اليوم الثاني عشر،
ودع،
إذا كان يريد السفر

ذلك اليوم،
وإن أحب أن يبقى في مكة أيامًا،
أَخَّرَ الوداع،
حتى يعزم على السفر،
فإذا عزم على السفر،
طاف ثم سافر،
وهكذا من أخر إلى اليوم الثالث عشر،
ولم يتعجل،
فإنه إذا فرغ من الرمي،
إن كان أحب أن يبقى في مكة،
يبقَ في مكة،
وإن أحب السفر،
طاف للوداع وساف هكذا،
كما فعله النبي عليه الصلاة والسلام،
والرمي بعد الزوال في أيام التشريق،
لا قبل الزوال،
فإن عجز أو شُغل رمى بعد الغروب لهذا اليوم؛
يعني كل يوم إذا لم يتيسر في النهار،
يرميه بعد الغروب لذلك اليوم الذي غابت شمسه،
وهكذا اليوم الثاني عشر يرميه بعد الزوال إن تيسر،
وإلا بعد الغروب،
ولزمه المبيت والرمي من غد،
وهكذا اليوم الثالث عشر يرميه بعد الزوال،
لكن ليس فيه رمي بعد الغروب؛
لأنه انتهى الرمي بغروب الشمس،
فالثالث عشر يجب عليه أن يرميه قبل الغروب،
وهذا في الغالب غير متعذر،
ولا متعسر؛
لأن الناس في الغالب ينصرفون في اليوم الثاني عشر،
ولا يبقى إلا القليل في الثالث عشر،
فلا يكون هناك صعوبة في الرمي قبل الغروب،
لكن بعد الزوال،
وفي أيام منى يكثر من ذكر الله،
ومن التكبير والتهليل،
قال النبي صلى الله عليه

وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب،
وذكر الله» يذبح فيها الهدايا،
ويأكل ويُطْعِم،
كما قال سبحانه:

{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}

.

ويكثر من الدعاء والذكر،
وقراءة القرآن في الأوقات المناسبة،
وتعليم الناس الخير والدعوة على الخير،
كل هذا مطلوب،
إذا كان عنده علم،
وفي العيد كذلك،
إذا لم يتيسر الرمي يوم العيد يرمي بعد الغروب إلى آخر الليل،
فليلة الحادي عشر تابعة ليوم العيد،
إذا لم يتيسر الرمي،
فيه فإنه يرمي بعد الغروب،
ويجزئه ذلك والحمد لله؛
لأن بعض الناس قد ينشغل يوم العيد،
وقد يحصل له مانع من الرمي يوم العيد،
فيرمي على الصحيح بعد الغروب،
ولا حرج في ذلك.

📖
مصدر الفتوى فتاوى نور على الدرب
المجلد السابع عشر، ص 317 · كتاب الحج > بيان صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«في حلقة سابقة عن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، قد…»

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله