الإسلام > فتاوى > حديث > أرجو أن تتفضلوا بتكملة الحديث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
لقد سبق أن ذكرنا صفة حجه عليه الصلاة والسلام،
من حين أحرم من ذي الحليفة إلى أن خرج من منى إلى عرفات صباح اليوم التاسع،
وقلنا: إنه توجه من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس في اليوم
التاسع ملبيًا،
والصحابة منهم من يلبي،
ومنهم من يهل،
فلم ينكر على واحد منهم،
فدل ذلك على أن الحجاج إذا توجهوا من منى إلى عرفات يشرع لهم التلبية والتهليل والتكبير،
والتلبية أفضل؛
لأنها عمله عليه الصلاة والسلام،
وسبق أنه صلى الله عليه وسلم نزل من نمرة،
ووجد فيها قبة من شعر قد ضربت له،
فنزل بها حتى زالت الشمس،
فلما زالت الشمس أمر بناقته فرحلت له،
ثم ركب عليه الصلاة والسلام،
حتى أتى بطن الوادي؛
يعني وادي عرنة،
وخطب الناس خطبة طويلة عليه الصلاة والسلام،
وذكرهم بالله وبحقه،
وبيَّن فيها ما قدمنا من وضعه أمر الجاهلية،
ووضعه الربا ووضعه دماء الجاهلية،
ووصيته للمسلمين بالنساء خيرًا،
وبيانه حق النساء على الأزواج،
وحق الأزواج على النساء،
وتقدم أيضًا أنه أوصى عليه الصلاة والسلام بكتاب الله،
أوصى بالقرآن الكريم،
وقال: «إنكم لن تضلوا ما اعتصمتم به» وفي الرواية الأخرى: «بكتاب الله وسنته» عليه الصلاة والسلام،
وسبق أن هذا أمر
معلوم،
فالوصية بكتاب الله والوصية بالسنة؛
لأنها الوحي الثاني،
ولأن القرآن أمر بطاعة الله ورسوله،
وطاعة الرسول هي امتثال السنة،
والأخذ بها والتمسك بها،
ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من خطبته قال لهم: «وأنتم تُسألون عني،
فما أنتم قائلون؟.
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
وجعل يرفع إصبعه إلى السماء،
ثم ينكبها للناس،
ويقول: "اللهم اشهد اللهم اشهد" » فهذا يدل على أن الله سبحانه في السماء في العلو؛
ولهذا رفع يده إلى السماء،
وهذا قول أهل السنة والجماعة: أن الله سبحانه فوق العالم،
فوق جميع الخلق،
وأنه سبحانه فوق العرش.
هذا هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة،
وعِلْمه في كل مكان سبحانه وتعالى،
كما قال عز وجل:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
.
وقوله سبحانه:
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}
. وقوله سبحانه:
{فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}
. فهو سبحانه فوق العرش،
فوق جميع الخلق،
وعلمه لا
يخلو منه مكان؛
ولهذا استشهد عليه الصلاة والسلام برفع أصبعه إلى السماء عليه الصلاة والسلام،
وفي هذا من الفوائد شرعية خطبة الناس في عرفات،
وأن ولي الأمر يخطب الناس تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام،
أو يخطبهم نائبه حتى يبين لهم مناسك حجهم،
وحتى يرشدهم إلى أصل الدين وأساسه،
وهو شهادة أن لا إله إلا الله،
وأن محمدًا رسول الله،
مع بيان معنى ذلك،
وأن هاتين الشهادتين هما أصل الدين،
وهما أصل الإسلام،
ومعناهما توحيد الله والإخلاص له،
والإيمان برسوله محمد عليه الصلاة والسلام،
ويذكر لهم ما يحتاجون إليه في هذه الخطبة،
من مناسك الحج ومن غير هذا من شؤون الإسلام،
ثم إنه صلى الله عليه وسلم بعدما فرغ من خطبته أمر بلالاً فأذن،
ثم أقام فصلى الظهر ركعتين،
ثم أقام وصلى العصر ركعتين جمع تقديم،
وهذا هو السنة للحجاج: أن يصلوا الظهر والعصر قصرًا وجمعًا،
في أول وقت الظهر كما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام؛
حتى يتسع الوقت للدعاء والذكر في عرفات،
تكون الخطبة قبل الأذان وقبل الصلاة،
وفيه دلالة على أنه ما صلى الجمعة،
رغم أنه كان يوم الجمعة،
فخطب الناس قبل الأذان وذكرهم،
ثم أذن فصلى الظهر ركعتين بعدما أقام بلال،
ثم صلى العصر ركعتين أيضًا بعد الإقامة هكذا السنة،
ويدل ذلك على أن المسافر لا يصلي لجمعة،
وإنما يصلي ظهرًا،
وهكذا
الحجيج إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة فإنهم يصلونها ظهرًا،
كما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام،
لا يصلون جمعة؛
ولهذا صلى الظهر ركعتين،
وصلى العصر ركعتين،
بأذان واحد وإقامتين،
فهذا هو السنة للحجاج لفعله عليه الصلاة والسلام،
ثم بعد ذلك تقدم إلى عرفات،
فوقف عند الصخرات أو جبل الدعاء،
ويسمى جبل الرحمة،
وجعل وجهه إلى القبلة عليه الصلاة والسلام،
وجعل طريق المشاة بين يديه،
فلم يزل يدعو ويضرع إلى الله رافعًا يديه حتى غابت الشمس،
فهذا يدل على أن هذا هو المشروع للحجاج،
بعد صلاة الجمع الظهر والعصر،
يتوجهون إلى عرفات،
إن كانوا خارج عرفات،
وإن كانوا في عرفات استقبلوا القبلة واجتهدوا في الدعاء والذكر،
اقتداء به عليه الصلاة والسلام،
وقال لهم عليه الصلاة والسلام،
لما وقف عند الصخرات واستقبل القبلة،
قال: «وقفت ها هنا،
وعرفة كلها موقف»
فدل ذلك على أن جميع أجزاء عرفة كلها موقف،
وأن الحاج يقف في أي جزء من عرفات،
فيكفيه ذلك،
والسنة استقبال القبلة حال الدعاء والذكر،
سواء كان الجبل أمامه أو عن يمينه أو شماله أو خلفه،
يستقبل
القبلة كما استقبلها النبي عليه الصلاة والسلام،
ويدعو ويضرع إلى الله،
ويذكره سبحانه حتى تغيب الشمس،
والسنة أن يرفع يديه كما فعل المصطفى عليه الصلاة والسلام،
وإن أكل أو استراح فلا بأس عليه،
فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن،
فشرب وهو على راحلته عليه الصلاة والسلام ،
فعلم الناس أنه مفطر،
وهذا هو السنة أن يفطر الحجيج يوم عرفة؛
لأنه أنشط لهم على العبادة،
ولأنهم ضيوف الرحمن،
فناسب أن يكونوا مفطرين ينشطون للعبادة والذكر والدعاء،
في هذا اليوم العظيم،
وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة» هذا اليوم هو ركن الحج الأعظم،
الوقوف فيه،
فمن فاته الوقوف في عرفة فاته الحج،
ويبتدئ الوقوف بعد الزوال إلى طلوع الفجر،
من ليلة النحر يعني بقية يوم عرفة على الليلة كلها،
ليلة النحر
غروب الشمس إلى طلوع الفجر،
كل هذا موقف سواء وقف بعرفات بعد الزوال،
أو بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر،
فقد أدرك الحج،
ومن لم يدرك عرفة إلا بعد طلوع الفجر فاته الحج،
واختلف العلماء رحمة الله عليهم فيما قبل الزوال من يوم عرفة: هل يجزئ الوقوف فيه،
أم لا يجزئ؟
على قولين: الأكثرون على أن الوقوف لا يجزئ إلا بعد الزوال؛
لأنه الموقف الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام.
وقال آخرون: لو وقف قبل الزوال في صباح عرفة،
وانصرف أجزأه ذلك،
ولكن عليه دمًا؛
لأنه لم يقف إلى الغروب.
واحتجوا بما ثبت من حديث عروة بن مضرس،
أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال يا رسول الله،
«أَكْلَلْتُ راحلتي وأتعبت نفسي،
فما تركت من جبل إلا وقفت عنده،
فهل لي من حج؟
فقال عليه الصلاة والسلام: من شهد صلاتنا هذه بمزدلفة،
وقد وقف في عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تمَّ حجه،
وقضى تفثه» فقوله صلى الله عليه وسلم: «وقد وقف بعرفة قبل ذلك
ليلاً أو نهارًا» . يعم ما قبل الزوال،
ولهذا ذهب أحمد رحمه الله وجماعة،
إلى أن الوقوف قبل الزوال يجزئ،
ويدرك به الحج،
وذهب الجمهور رحمة الله عليهم،
إلى أنه لا يدرك الحج إلا بالوقوف بعد الزوال،
فينبغي للمؤمن أن يحتاط لدينه،
وألاّ يقف إلا بعد الزوال،
كما وقف النبي عليه الصلاة والسلام،
ثم بعد ما غابت الشمس توجه عليه الصلاة والسلام إلى مزدلفة،
بعد غروب الشمس هذا هو المشروع للحجيج،
أن يمكثوا في عرفات ذاكرين ملبين،
داعين مخلصين لله خاشعين لله عز وجل،
حتى تغيب الشمس،
فإذا غابت انصرفوا إلى مزدلفة،
وليس في يوم عرفة دعاء واجب،
ولا متعين،
بل يدعون الله بما تيسر بذكر الله،
ويدعونه بأي دعاء،
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «خير الدعاء دعاء يوم عرفة،
وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»
فينبغي أن يكثر من ذكر الله عز وجل،
تسبيحه وتحميده وتكبيره واستغفاره،
ومن الدعاء في هذا اليوم العظيم،
ويسأل ربه الجنة ويستجير به من النار،
ويسأله كل خير سبحانه وتعالى،
ويستجير به من كل شر،
فهو يوم عظيم،
فيه يتجلى الله لعباده،
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله جل وعلا،
يتجلى للعباد يوم عرفة،
ويدنو منهم كما يشاء سبحانه،
فيقول: ما أراد هؤلاء؟
ويقول صلى الله عليه وسلم: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة،
وإنه سبحانه ليدنو فيباهي بهم الملائكة» فهو يوم عظيم يباهي الله فيه ملائكته بالحجيج،
ويدنو منهم كما يشاء سبحانه وتعالى دنوًا يليق بجلاله،
لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى،
ويعتق العتقاء الكثير من النار في هذا اليوم العظيم،
فينبغي لك يا عبد الله أن تجتهد في الضراعة إلى الله،
واستغفاره وسؤاله القبول،
وسؤاله العتق من النار في هذا اليوم العظيم،
ثم بعد ما وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء،
وكان في الطريق عليه الصلاة والسلام يحث الناس على السكينة وعدم العجلة،
ويقول لهم في الطريق: «السكينة السكينة،
فإن البر ليس بالإيضاع»
يعني ليس بالإسراع،
ويلبي في طريقه عليه الصلاة والسلام،
هكذا السنة إذا انصرف الناس من عرفات بعد الغروب أن يلبوا،
ويكثروا من التلبية،
ولا يعجلوا؛
لئلا يضر بعضهم بعضًا،
بل بالسكينة،
فإذا وجد النص منه عليه الصلاة والسلام وجب العمل بمقتضاه،
هكذا الناس ينبغي أن يكون انصرافهم بالسكينة،
ومن وجد سعة في بعض الأماكن فلا مانع أن يعجل تعجيلاً لا يضر غيره،
فلما وصل صلى الله عليه وسلم مزدلفة أمر بالأذان،
فأذن مؤذنه ثم صلى المغرب بإقامة ثلاثًا،
وصلى العشاء بإقامة ركعتين،
يعني صلاهما بأذان واحد وإقامتين،
كما فعل في عرفات عليه الصلاة والسلام،
وهذا هو السنة للحجيج: أن يصلوا المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا؛
يعني قصرًا للعشاء،
أما المغرب فإنها لا تقصر،
ثلاثًا دائما في السفر والحضر،
فيصليهما بأذان واحد وإقامتين اقتداء بنبينا عليه الصلاة والسلام،
ثم بعد ذلك استراح عليه الصلاة والسلام،
ونام كما ثبت في حديث جابر رضي الله عنه حتى طلع الفجر،
فلما طلع الفجر قام وصلى الفجر بأذان واحد وإقامة،
صلاها بغلس . أبكر من عادته عليه الصلاة والسلام،
حتى يتسع الوقت للوقوف عند المشعر
الحرام،
وأذن للضعفاء والنساء والشيوخ بالانصراف من مزدلفة ليلاً؛
لئلا يَحطِمَهم الناس،
وأما الأقوياء فجلسوا معه حتى صلوا الفجر ووقفوا عند المشعر،
ودعوا الله كثيرًا حتى أسفروا،
فلما أسفر النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس،
هكذا ينبغي للناس أن يبقوا في مزدلفة حتى يبيتوا فيها،
ويصلوا فيها الفجر،
أما الضعفاء من النساء والعجائز والشيوخ الكبار والصبيان ونحوهم،
ومن يكون معهم فلا بأس،
بل الأفضل أن ينصرفوا قبل حطمة الناس؛
أي انصرافهم من مزدلفة إلى منى في النصف الأخير من الليل،
ومن انصرف معهم من محارمهم ومن هو معهم في رحلهم فلا بأس عليه،
أما القوي الذي ليس معه نساء فالأفضل له أن يبقى حتى يصلي الفجر،
ثم يدعو الله ويذكره كثيرًا حتى يسفر،
وقد قال صلى الله عليه وسلم لما وقف يوم مزدلفة: «وقفت ها هنا،
وجمع كلها موقف» يعني مزدلفة،
يقال لها: جمع.
فالمعنى أن مزدلفة كلها موقف،
كما أن عرفة كلها موقف،
كل إنسان في مزدلفة يجلس في محله،
ويدعو الله ويستغفر ويضرع إليه سبحانه وتعالى،
ويذكر الله،
وليس هناك حاجة إلى أن يتقدم إلى قزح،
موقف النبي عليه الصلاة والسلام،
الجبل المعروف،
بل كل إنسان يدعو الله في مكانه والحمد لله،
وكان عليه الصلاة والسلام في عرفات وفي مزدلفة يرفع يديه في الدعاء،
ويلح في الدعاء،
فالسنة رفع اليدين مع الإلحاح في الدعاء،
والإكثار من الدعاء؛
تأسيًا به عليه الصلاة والسلام،
ومن انصرف من الأقوياء إلى منى قبل دخول الفجر أجزأه على الصحيح،
لكن فاته الفضل،
فالأفضل له والكمال أن يجلس حتى يصلي الفجر،
وحتى يقف بعد طلوع الفجر يذكر الله ويثني عليه،
ويدعو إلى أن ينصرف قبل طلوع الشمس،
وكان المشركون ينصرفون بعد طلوع الشمس،
فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم،
وانصرف قبل طلوع الشمس بعد ما أسفر عليه الصلاة والسلام،
وهذا هو المشروع لجميع الحجاج: أن ينصرفوا قبل طلوع الشمس؛
اقتداء به عليه الصلاة والسلام.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.