ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وما مصير من مات صغيرا

الإسلام > فتاوى > زكاه > ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وما مصير من مات صغيرا

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وما مصير من مات ص…»

أَلْفَاظُهُ؛
بَل قَد صَدَّقَهُ غَيْرُهُ مِن الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
[٤/ ٢٣٨ - ٢٤١]

* * *

(مَا مِن مَوْلودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ،
وما مصير من مات صغيرًا؟)

٣٨٩ - قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِن مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ،
فَأَبَوَاهُ يهَوِّدَانِهِ أَو يُنَصِّرَانِهِ،
أَو يُمَجِّسَانِهِ،
كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ،
هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدْعَاءَ" : الصَّوَابُ أَنَّهَا فِطْرَةُ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِطرَةُ الْإِسْلَامِ،
وَهِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَهُم عَلَيْهَا يَوْمَ قَالَ:

{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}

[الأعراف: ١٧٢] .

وَهِيَ السَّلَامَةُ مِن الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ،
وَالْقَبُولُ لِلْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ.

فَإِنَّ حَقِيقَةَ "الْإِسْلَامِ" أَنْ يَسْتَسْلِمَ للهِ لَا لِغَيْرِهِ،
وَهُوَ مَعْنَى لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَقَد ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَثَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: "كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدْعَاءَ؟
" .

بَيَّنَ أَنَّ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِن النَّقْصِ كَسَلَامَةِ الْبَدَنِ،
وَأنَّ الْعَيْبَ حَادِثٌ طَارِئٌ.

وَلهَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رضي الله عنه- فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: إلَى أَنَّ الطِّفْلَ مَتَى مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ حُكِمَ بِإسْلَامِهِ؛
لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلتَّغْيِيرِ عَن أَصْلِ الْفِطْرَةِ.

وَقَد رُوِيَ عَنْهُ وَعَن ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُم قَالُوا: "يُولَدُ عَلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِن شَقَاوَةٍ وَسَعَادَةٍ" .

وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُنَافِي الْأَوَّلَ؛
فَإِنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ سَلِيمًا وَقَد عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ سَيَكْفُرُ،
فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ إلَى مَا سَبَقَ لَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ،
كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ،
وَقَد عَلِمَ اللهُ أَنَّهَا سَتُجْدَعُ.

وَهَذَا مَعْنَى مَا جَاءَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ: "طُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا،
وَلَو تُرِكَ لَأَرْهَقَ أَبَويهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا" .

يَعْنِي: طَبَعَهُ اللهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ؛
أَيْ: كَتَبَهُ وَأَثْبَتَهُ كَافِرًا؛
أَيْ: أَنَّهُ إنْ عَاشَ كَفَرَ بِالْفِعْلِ.

وَلهَذَا لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَمَّن يَمُوتُ مِن أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" .

أَي: اللهُ يَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ مِنْهُم وَمَن يَكْفُرُ لَو بَلَغُوا.

ثُمَّ إنَّهُ قَد جَاءَ فِي حَدِيثٍ إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ اللهَ يَمْتَحِنُهُم وَيبْعَثُ الَيْهِم رَسُولًا فِي عَرْصِةِ الْقِيَامَةِ،
فَمَن أَجَابَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَمَن عَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ" .

فَهُنَالِكَ يَظْهَرُ فِيهِمْ مَا عَلِمَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ،
وَيجْزِيهِمْ عَلَى مَا ظَهَرَ مِن الْعِلْمِ،
وَهُوَ إيمَانُهُم وَكُفْرُهُمْ،
لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ.

وَهَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ،
وَعَلَيْهِ تَتَنَزَّلُ جَمِيعُ الْأَحادِيثِ .

وَمَثَلُ الْفِطْرَةِ مَعَ الْحَقِّ: مَثَلُ ضَوْءِ الْعَيْنِ مَعَ الشَّمْسِ،
وَكُلُّ ذِي عَيْنٍ لَو تُرِكَ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَرَأَى الشَّمْسَ.

وَالِاعْتِقَادَاتُ الْبَاطِلَة الْعَارِضَة مِن تَهَوّدٍ وَتَنَصّرٍ وَتَمَجّس: مَثَلُ حِجَابٍ يَحُولُ بَيْنَ الْبَصَرِ وَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ.

وَلَا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونُوا حِينَ الْوِلَادَةِ مُعْتَقِدِينَ لِلْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ ؛
فَإِنَّ اللهَ أَخْرَجَنَا مِن بُطُونِ أمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا،
وَلَكِنْ سَلَامَةُ الْقَلْبِ وَقَبُولُهُ وَإِرَادَتُهُ لِلْحَقِّ ائَذِي هُوَ الْإِسْلَامُ،
بِحَيْثُ لَو تُرِكَ مِن غَيْرِ مُغَيِّرٍ لَمَا كَانَ إلَّا مُسْلِمًا.

وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي بِذَاتِهَا الْإِسْلَامَ مَا لَمْ يَمْنَعْهَا مَانِعٌ: هِيَ فِطْرَةُ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.

[٤/ ٢٤٥ - ٢٤٧]

٣٩٠ - الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِيمَن لَمْ يُكَلَّفْ فِي الدُّنْيَا مِن أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ: مَا صَحَّ بِهِ الْحَدِيثُ،
وَهُوَ أَنَّ اللَّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ فَلَا نَحْكُمُ لِكُلِّ مِنْهُم بِالْجَنَّةِ وَلَا لِكُلِّ مِنْهُم بِالنَّارِ؛
بَل هُم يَنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ إذَا كُلِّفُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَرَصَاتِ كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْآثَارُ.
[١٨/ ١٤٢]

٣٩١ - الصِّغَارُ يَتَفَاضَلُونَ بِتَفَاضُلِ آبَائِهِمْ،
وَتُفَاضِلُ أَعْمَالِهِمْ -إذَا كَانَت لَهُم أَعْمَالٌ-؛
فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَيْسَ هُوَ كَغَيْرِهِ،
وَالْأَطْفَالُ الصِّغَارُ يُثَابُونَ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ مِن الْحَسَنَاتِ،
وَإِن كَانَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنْهُم فِي السَّيِّئَاتِ؛
كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" : أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَفَعَت إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟
قَالَ: "نَعَمْ.
وَلَك أَجْرٌ" . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" .

فَالصَّبِيُّ يُثَابُ عَلَى صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ وَحَجِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أَعْمَالِهِ،
وَيُفَضَّلُ بِذَلِكَ عَلَى مَن لَمْ يَعْمَلْ كَعَمَلِهِ.

وَهَذَا غَيْرُ مَا يُفْعَلُ بِهِ إكْرَامًا لِأَبَوَيْهِ،
كَمَا أَنَّهُ فِي النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَد يَنْتَفِعُ بِمَا يَكْسِبُهُ وَبِمَا يُعْطِيهِ أَبَوَاهُ،
وَيتَمَيَّزُ بِذَلِكَ عَلَى مَن لَيْسَ كَذَلِكَ.

وَقَد قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ يَكُونُونَ خَدَمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ،
وَلَا أصْلَ لِهَذَا الْقَوْلِ.

وَأَمَّا الْوُرُودُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى:

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}

[مريم: ٧١] فَقَد فَسَّرَهُ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ،
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَن جَابِرٍ: بِأَنَّهُ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ.

وَالصِّرَاطُ هُوَ الْجِسْرُ،
فَلَا بُدَّ مِن الْمُرُورِ عَلَيْهِ لِكُلِّ مَن يَدْخُلُ الْجَنَّةَ،
مَن كَانَ صَغِيرًا فِي الدُّنْيَا وَمَن لَمْ يَكُنْ.

وَالْوِلْدَانُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَلْقٌ مِن خَلْقِ الْجَنَّةِ،
لَيْسُوا مِن أَبْنَاءِ الدُّنْيَا؛
بَل أَبْنَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا إذَا دَخَلُوا الْجَنَةَ كَمُلَ خَلْقُهُم كَأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ أَبْنَاءِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي طُولِ سِتِّينَ ذِرَاعًا.
[٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩]

٣٩٢ - أطفال المسلمين في الجنة إجماعًا.

وأما أطفال المشركين فأصح الأجوبة فيهم ما ثبت في "الصحيحين" : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عنهم فقال: "اللهُ أَعْلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين" فلا نحكم على معين منهم لا بجنة ولا نار.

ويروى أنهم يمتحنون يوم القيامة،
فمن أطاع منهم دخل الجنة،
ومن عصى دخل النار.

وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار.

والصحيح في أطفال الكفار أنهم يمتحنون في عرصات القيامة.
[المستدرك ١/ ١٠٦]

* * *

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 366 · كتاب مفصل اعتقاد السلف > ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وما مصير من مات صغيرا؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وما مصير من مات ص…»

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله