الإسلام > فتاوى > صلاه > السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- ع…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
تحدث العلماء عن الأمر ومسائله المختلفة،
ومن ذلك الصيغ التي تدل على الأمر،
حيث ذكروا عدداً من الصيغ التي يفهم منها الأمر،
وقسموها إلى صيغٍ صريحة،
وصيغ غير صريحة،
فالصريحة:
فعل الأمر (افعل) ،
كقوله تعالى: " فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ...
" الآية [الحج:٧٨] .
الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) ،
كقوله تعالى: "فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ...
" الآية [النساء: ٧٤] .
المصدر النائب عن فعله،
كقوله تعالى: "فضرب الرقاب ...
" الآية [محمد: ٤] .
٤) اسم فعل الأمر،
كقوله تعالى: " عليكم أنفسكم ...
" الآية [المائدة: ١٠٥] .
أما الصيغ غير الصريحة فهي كثيرة،
ومنها:
ورود الأمر بصيغة الخبر،
كقوله تعالى: " كتب عليكم الصيام ...
" الآية [البقرة:١٨٣] .
ما جاء مدحه أو مدح فاعله،
كقوله تعالى: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ...
" الآية [العكنبوت: ٤٥] . وغير ذلك.
وعموماً كل صيغة فهم منها الأمر فهي دالة عليه،
سواءٌ أكانت من الصيغ السابقة،
أم من غيرها،
ولكن إذا أتى أي أمر في القرآن الكريم أو في سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهل يحمل على الوجوب،
أو لا؟
هذه المسألة يعبر عنها العلماء بقولهم: مقتضى الأمر،
والراجح من كلام أهل العلم في ذلك أن مقتضى الأمر المطلق هو الوجوب،
فإذا أتى أمر في كتاب الله أو في سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- فإنا نحمله على الوجوب،
ويلزمنا امتثاله.
هذا هو الحكم العام في مقتضى الأمر،
ولكن قد تأتي قرائن أو أدلة تصرف الأمر عن مقتضاه الأصلي،
فحينئذٍ لا نحمله على الوجوب،
وإنما نحمله على ما تقتضيه تلك القرينة أو على ما يدل عليه ذلك الدليل.
ومن الأمثلة التي أفاد الأمر فيها الوجوب لعدم وجود قرائن تصرفه عنه: النصوص الآمرة بالصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان وحج البيت ونحو ذلك،
فكل هذه الأوامر تحمل على مقتضاها الأصلي وهو الوجوب؛
لعدم وجود ما يصرفها عنه.
ومن الأمثلة التي لم يفد الأمر فيها الوجوب؛
لوجود قرائن أو أدلة تصرفه عن مقتضاه الأصلي:
قوله تعالى: "وأشهدوا إذا تبايعتم" ،
قال العلماء: إن الإشهاد على البيع غير واجب،
بل هو مندوب إليه،
حيث حملوا الأمر في الآية على الاستحباب،
والذي صرف الأمر هنا عن الوجوب هو: أنه ثبت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- باع واشترى ولم يُشهد على ذلك،
وكذلك فإن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتبايعون ولم يكن يأمرهم بالإشهاد على ذلك،
ونحو ذلك.
أما ما يتعلق بحكم ترك اللحية،
فقد ورد فيه عدد من الأحاديث التي أمر فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتركها وتوفيرها وإعفائها،
ولم يوجد أدلة أخرى أو قرائن تصرف هذا الأمر عن الوجوب،
ولذلك فإنه يجب إعفاء اللحية وتوفيرها؛
امتثالاً لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أما مسألة الصلاة في النعال،
فقد كان من سنته -عليه الصلاة والسلام- الصلاة فيها،
وقد سُئل أنس -رضي الله عنه-: "أكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في نعليه،
فقال: نعم" متفق عليه.
وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالصلاة في النعال في عدد من الأحاديث،
ومنها:
عن أبي سعيد -رضي الله عنه-،
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء
أحدكم المسجد،
فلينظر: فإن رأى في نعليه أذىً أو قذراً فليمسحه،
وليصل فيهما" رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.
عن شداد بن أوس -رضي الله عنه-،
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" رواه أبو داود.
وحمل العلماء هذه الأوامر على الاستحباب،
ولم يحملوها على الوجوب،
والذي صرف
الأمر في هذه الأحاديث عن الوجوب إلى الاستحباب أنه قد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بغير نعال،
كما ثبت أنه خير الناس في ذلك،
ويدل لهذا ما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: " أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى في نعليه،
فصلى الناس في نعالهم،
فخلع،
فخلعوا،
فلما صلى قال: " من شاء أن يصلي في نعليه فليصل،
ومن شاء أن يخلع فليخلع".
قال الشوكاني بعد أن ذكر عدداً من الأحاديث المتعلقة بالصلاة في النعال: ويجمع بين أحاديث الباب بجعل الأحاديث التي خيّر فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناسَ صارفةً للأحاديث التي أمر فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالصلاة في النعال.
وبهذا يتضح أن الصلاة في النعال سنة من السنن،
فعلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في وقت وتركها في وقت آخر،
ولهذا فإنه يسن للمسلم أن يفعل هذه السنة إذا تيسر الأمر،
كما لو كان في مسجد غير مفروش،
أو كان في الصحراء،
أما إذا كان في المساجد المفروشة فالأفضل ترك الصلاة في النعال؛
حفاظاً على نظافة المسجد،
إلا إذا كان الإنسان متأكداً من نظافة نعليه تماماً.
أما قولك: إنه ليس كل ما أمر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمكن العمل به إذا كان لا يتوافق مع مقتضيات العصر،
فهذا غير صحيح إطلاقاً؛
لأن الأساس في تطبيق الأحكام هو الأدلة والنصوص الشرعية،
ومقتضيات العصر يؤخذ بها في نطاق ما تدل عليه النصوص الشرعية،
أما إذا عارضت النصوص فلا يلتفت إليها.
والله أعلم،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.