الإسلام > فتاوى > صوم > (هَل الْمُنَافِق الزِّنْدِيق يَرِثُ وَيُورَثُ وَإن عُلِمَ فِي الْبَا…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
)
٥٤٨ - إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا:
{آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}
[البقرة: ٨] ،
هُم فِي الظَّاهِرِ مُؤْمِنُونَ يُصَلُّونَ مَعَ النَّاسِ،
وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَغْزُونَ،
وَالْمُسْلِمُونَ يُنَاكِحُونَهُم ويوارثونهم،
كَمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-،
وَلَمْ يَحْكُم النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمُنَافِقِينَ بِحُكْمِ الْكُفَّارِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ،
لَا فِي مُنَاكَحَتِهِمْ وَلَا موارثتهم وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ.
بَل لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيّ ابْنُ سلول -وَهُوَ مِن أَشْهَرِ النَّاسِ بِالنِّفَاقِ- وَرِثَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ،
وَهُوَ مِن خِيَارِ الْمُؤْمِنِينَ،
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَن كَانَ يَمُوتُ مِنْهُم يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُؤْمِنُونَ،
وَإِذَا مَاتَ لِأَحَدِهِمْ وَارِثٌ وَرِثُوهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَد تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُنَافِقِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي يَكْتُمُ زَنْدَقَتَهُ: هَل يَرِثُ وَيُورَثُ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرِثُ ويُورَثُ وَإِن عُلِمَ فِي الْبَاطِنِ أَنَّهُ مُنَافِقٌ،
كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛
لِأَنَّ الْمِيرَاثَ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُوَالَاةِ الظَّاهِرَةِ،
لَا عَلَى الْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْقُلُوبِ،
فَإِنَّهُ لَو عُلِّقَ بِذَلِكَ لَمْ تُمْكِنْ مَعْرِفَتُهُ،
وَالْحِكْمَةُ إذَا كَانَت خَفِيَّةً أَو مُنْتَشِرَةً عُلِّقَ الْحُكْمُ بِمَظِنَّتِهَا،
وَهُوَ مَا أَظْهَرَهُ مِن مُوَالَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَقَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" : لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْمُنَافِقُونَ وَإِن كَانُوا فِي الْآخِرَةِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِن النَّارِ؛
بَل كَانُوا يُورَثُونَ وَيَرِثُونَ،
وَكَذَلِكَ كَانُوا فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَن شُبُهَاتٍ كَثِيرَةٍ تُورَدُ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛
فَإِنَّ كَثِيرًا مِن الْمُتَأَخِّرِينَ مَا بَقِيَ فِي الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ عِنْدَهُم إلَّا عَدْلٌ أَو فَاسِقٌ،
وَأَعْرَضُوا عَن حُكْمِ الْمُنَافِقِينَ،
وَالْمُنَافِقُونَ مَا زَالُوا وَلَا يَزَالُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَوَّلًا يُصَلِّي عَلَيْهِم وَيَسْتَغْفِرُ لَهُم حَتَّى نَهَاهُ اللهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ:
{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}
[التوبة: ٨٤] ،
وَقَالَ:
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}
[التوبة: ٨٠] ،
فَلَمْ يَكُن يُصَلِّي عَلَيْهِم وَلَا يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ.
وَلَكِنْ دِمَاؤُهُم وَأَمْوَالُهُم مَعْصُومَةٌ لَا يَسْتَحِلُّ مِنْهُم مَا يَسْتَحِلُّهُ مِن الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُم مُؤْمِنُونَ؛
بَل يُظْهِرُونَ الْكُفْرَ دُونَ الْإِيمَانِ؛
فَإِنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "أُمِرْت أَنْ أُقاَتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ،
فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم إلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ" .
وَكَانَ مَن مَاتَ مِنْهُم صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ،
وَمَن عَلِمَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.
وَلَو حَضَرَتْ جِنَازَةُ أَحَدِهِمْ صَلَّى عَلَيْهَا،
وَلَمْ يَكُن مَنْهِيًّا عَن الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى مَن عَلِمَ نِفَاقَهُ،
وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُنَقِّبَ عَن قُلُوبِ النَّاسِ،
وَيَعْلَمَ سَرَائِرَهُمْ،
وَهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَرٌ.
وَلهَذَا لَمَّا كَشَفَهُم اللهُ بِسُورَةِ بَرَاءَةٌ بِقَوْلِهِ:
{وَمِنْهُمْ}
صَارَ يَعْرِفُ نِفَاقَ نَاسٍ مِنْهُم لَمْ يَكُن يَعْرِفُ نِفَاقَهُم قَبْلَ ذَلِكَ؛
فَإِنَّ اللهَ وَصَفَهُم بِصِفَات عَلِمَهَا النَّاسُ مِنْهُمْ،
وَمَا كَانَ النَّاسُ يَجْزِمُونَ بِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِنِفَاقِهِمْ،
وَإِن كَانَ بَعْضُهُم يَظُنُّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُم يَعْلَمُهُ،
فَلَمْ يَكُن نِفَاقُهُم مَعْلُومًا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ،
بِخِلَافِ حَالِهِمْ لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ؛
وَلهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ كَتَمُوا النِّفَاقَ،
وَمَا بَقِيَ يُمْكِنُهُم مِن إظْهَارِهِ أَحْيَانًا مَا كَانَ يُمْكِنُهُم قَبْلَ ذَلِكَ،
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.