(هل رُؤْيَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا

الإسلام > فتاوى > صوم > (هل رُؤْيَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «(هل رُؤْيَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا»

)

٣٠٨٦ - مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا: فِيهَا اضْطِرَابٌ ،
فَإِنَّهُ قَد حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيمَا يُمْكِنُ اتِّفَاقُ الْمَطَالِعِ فِيهِ،
فَأَمَّا مَا كَانَ مِثْل الْأنْدَلُسِ وَخُرَاسَانَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ .

وَاَلَّذِينَ قَالُوا: لَا تَكونُ رُؤْيَةً لِجَمِيعِهَا كَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْهُم مَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ،
وَمِنْهُم مَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَطَالِعُ؛
كَالْحِجَازِ مَع الشَّامِ،
وَالْعِرَاقِ مَعَ خُرَاسَانَ،
وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ ؛
فَإِنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْهِلَالِ.

وَأَمَّا الْأَقَالِيمُ فَمَا حَدَّدَ ذَلِكَ؟
ثُمَّ هَذَانِ خَطَأٌ مِن وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ التَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ،
فَإِنَّهُ مَتَى رُئِيَ

فِي الْمَشْرِقِ وَجَبَ أَنْ يُرَى فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يَنْعَكِسُ؛
لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالْمَغْرِبِ عَن وَقْتِ غُرُوبِهَا بِالْمَشْرِقِ.

الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ إذَا اعْتَبَرْنَا حَدًّا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَو الْأَقَالِيمَ فَكَانَ رَجُلٌ فِي آخِرِ الْمَسَافَةِ وَالْاِقْلِيمِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ ويُفْطِرَ وَيَنْسُكَ،
وَآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَلْوَةُ سَهْمٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ!
وَهَذَا لَيْسَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ.

فَالصَّوَابُ فِي هَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ" ،
فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعْبَانَ أَنَّهُ رَآه بِمَكَان مِن الْأَمْكِنَةِ قَرِيبٍ أَو بَعِيدٍ: وَجَبَ الصَّوْمُ.

وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ نَهَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى الْغُرُوبِ: فَعَلَيْهِم إمْسَاكُ مَا بَقِيَ،
سَوَاءٌ كَانَ مِن إقْلِيمٍ أَو إقْلِيمَيْنِ.

وَالِاعْتِبَارُ بِبُلُوغِ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ فِي وَقْتٍ يُفِيدُ،
فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْهُم الرُّؤْيَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَالْمُسْتَقْبَلَ يَجِبُ صَوْمُهُ بِكُلِّ حَالٍ.

لَكِنَّ الْيَوْمَ الْمَاضِيَ: هَل يَجِبُ قَضَاؤُهُ؟
فَإِنَّهُ قَد يَبْلُغُهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِإِقْلِيمٍ آخَرَ وَلَمْ يُرَ قَرِيبًا مِنْهُمْ؟

الْأَشْبَهُ: أَنَّهُ إنْ رُئِيَ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ -وَهُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُم خَبَر فِي الْيَوْمِ الْأوَّلِ- فَهُوَ كَمَا لَو رُئِيَ فِي بَلَدِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ.

وَأَمَّا إذَا رُئيَ بِمَكَانٍ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ خَبَرِهِ إلَيْهِم إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْأوَّلِ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ؛
لِأَنَّ صَوْمَ النَّاسِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَصُومُونَهُ،
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصُومُوا إلَّا الْيَوْمَ الَّذِي يُمْكِنُهُم فِيهِ رُؤيَةُ الْهِلَالِ،
وَهَذَا لَمْ يَكُن يُمْكِنُهُم فِيهِ بُلُوغُهُ فَلَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِهِمْ،
وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَالنُّسُكِ.

لَكِنَّ هَؤُلَاءِ هَل يُفْطِرُونَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ؟

لَكِنْ إنْ بَلَغَتْهُم بِخَبَرٍ وَاحِدٍ لَمْ يُفْطِرُوا؛
لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ عِنْدَهُم فِي أَثْنَائِهِ مَا يُفْطِرُونَ بِهِ وَلَا يَقْضُونَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ فَيَكُونُ صَوْمُهُم تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَا يَقُولُهُ مَن يَقُولُ بِالْمَطَالِعِ،
إذَا صَامَ بِرُؤْيَةِ مَكَانٍ ثُمَّ سَافَرَ إلَى مَكَانٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُم فَإِنَّهُ يُفْطِرُ مَعَهُم وَلَا يَقْضِي الْيَوْمَ الأوَّلَ .

فَالضَّابِطُ: أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْبُلُوغِ؛
لِقَوْلِهِ: "صُومُوا لِرُؤيتِهِ" ،
فَمَن بَلَغَهُ أَنَّهُ رُئِيَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمَسَافَةٍ أَصْلًا،
وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَنَّ طَرَفَيِ الْمَعْمُورَةِ لَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ شَهْر فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ،
بِخِلَافِ الْأَمَاكِنِ الًّذِي يَصِلُ الْخَبَرُ فِيهَا قَبْلَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ .

وَلهَذَا قَالُوا: إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُم فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُم اعْتِبَارًا بِالْبُلُوغِ،
وَإِذَا أَخْطَأَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُم لَمْ يُجْزِئْهُم لِإِمْكَانِ الْبُلُوغِ؛
فَالْبُلُوغُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ عَلِمَ بِهِ لِلْبُعْدِ أَو لِلْقِلَّةِ.

وَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّا نَعْلَم بِيَقِينٍ أَنَّهُ مَا زَالَ فِي عَهدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُرَى الْهِلَالُ فِي بَعْضِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ بَعْضٍ،
فَإِنَّ هَذَا مِن الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا،
وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَهُم الْخَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ،
فَلَو كَانُوا يَجِبُ عَلَيْهِم الْقَضَاءُ لَكَانَت هِمَمُهُم تَتَوَفَّرُ عَلَى الْبَحْثِ عَن رُؤَيتِهِ فِي سَائِرِ بُلْدَانِ الْإِسْلَامِ،
كَتَوَفُّرِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَن رُؤْيَتِهِ فِي بَلَدِهِ،
وَلَكَانَ الْقَضَاءُ يَكثُرُ فِي أَكْثَرِ الرمضانات،
وَمِثْلُ هَذَا لَو كَانَ لَنُقِلَ،
وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ،
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا .

وَلَو قِيلَ: إذَا بَلَغَهُم الْخَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ لَمْ يَبْنُوا إلَّا عَلَى رُؤْيَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَهُم فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.

بَل الرُّؤْيَةُ الْقَلِيلَةُ لَو لَمْ تَبْلُغ الْإِنْسَانَ إلَّا فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ نَظَرٌ وَإِن كَانَ يُفْطِرُ بِهَا ؛
لِأَنَّ قَوْلَهُ: "صَوْمُكمْ يَوْمَ تَصُومُون " : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِنَا،
وَلِأِنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الْعِلْمَ،
وَلَا عِلْمَ وَلَا دَليلَ ظَاهِرٌ فَلَا وُجُوبَ.

وَطَرْدُ هَذَا: أَنَّ الْهِلَالَ إذَا ثَبَتَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ قَبْلَ الْأَكْلِ أَو بَعْدَهُ أَتَمُّوا وَأَمْسَكُوا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ،
كَمَا لَو بَلَغَ صَبِيٌّ أَو أَفَاقَ مَجْنُون عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ.

فَإِنّ الْهِلَالَ مَأْخُوذٌ مِن الظُّهُورِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ،
فَطُلُوعُهُ فِي السَّمَاءِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْأرْضِ فَلَا حُكْمَ لَهُ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا.

فَلَا هِلَالَ إلَّا مَا اُسْتُهِلَّ،
فَإِذَا اسْتَهَلَّهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَان فَلَمْ يُخْبِرَا بِهِ فَلَمْ يَكُن ذَاكَ هِلَالًا،
فَلَا يَثْبُتْ بِهِ حُكْمٌ حَتَّى يُخْبِرَا بِهِ فَيَكُونُ خَبَرُهُمَا هُوَ الْإِهْلَالَ الَّذِي هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِخْبَارِ بِهِ،
وَلأَنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الْعِلْمَ،
فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ عِلْمُهُ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ.

وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ إذَا كَانَ التَّرْكُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ يَفْتَقِرُ إلَى دَليلٍ.

فَتَلَخَّصَ:

أ- أَنَّهُ مَن بَلَغَهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدِّي بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ الصَّوْمَ أَو الْفِطْرَ أَو النُّسُكَ وَجَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِلَا شَكِّ،
وَالنُّصُوصُ وَآثَارُ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

وَمَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ قَصْرٍ أَو إقْلِيمٍ فَقَوْلُهُ: مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ.

ب- وَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ إلَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَهُوَ مِمَّا لَا يُقْضَى كَالْعِيدِ الْمَفْعُولِ وَالنُّسُكِ: فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ،
وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

ج- وَأَمَّا إذَا بَلَغَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ: فَهَل يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ: مِن حُلُولِ الدَّيْنِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْقَضَاء؟

يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ،
وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ نَظَرٌ.

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 539 · كتاب الصيام > هل رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«(هل رُؤْيَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِهَا»

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده