حكم ريق الهرة والبهائم

الإسلام > فتاوى > طهاره > حكم ريق الهرة والبهائم

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «حكم ريق الهرة والبهائم»

]

٢٤٠٠ - إذا أكلت الهرة فأرة ونحوها فإذا طال الفصل طهر فمها بريقها لأجل الحاجة،
وهذا أقوى الأقوال،
واختاره طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة،
وكذلك أفواه الأطفال والبهائم.
[المستدرك ٣/ ٤٩ - ٥٠]

* * *

[فصل]

٢٤٠١ - قال الْقَاضِي: فَأَمَّا الدَّمُ الذي يَبْقَى في خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وما يَبْقَى في الْعُرُوقِ فَمُبَاحٌ،
قال في الْفُرُوعِ: ولم يذكر جَمَاعَةٌ إلَّا دَمَ الْعُرُوقِ،
وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فيه: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا في الْعَفْوِ عنه،
وَأَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَرَقَ بَل يُؤْكَلُ مَعَهَا.
[الإنصاف ١/ ٣٢٧]

٢٤٠٢ - وعنه في الطير: لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف،
فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط،
ذكره شيخنا ومال إليه،
ولا فرق في الكراهة بين جوارح الطير وغيرها،
وسواء كان يأكل الجيف أو لا.
[المستدرك ٣/ ٥٠]

٢٤٠٣ - لا ينجس الآدمي بالموت.
[المستدرك ٣/ ٥٠]

٢٤٠٤ - روث دود القز طاهر عند أكثر العلماء،
ودود الجروح.
[المستدرك ٣/ ٥٠]

٢٤٠٥ - ويجوز الانتفاع بالنجاسات سواء في ذلك شحم الميتة وغيره،
وهو قول الشافعي،
وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور.
[المستدرك ٣/ ٥٠]

* * *

(بَابٌ: الْحَيْضُ)

٢٤٠٦ - الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ كَمَا يَقُولُهُ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد،
وَيَقُولُونَ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ كَمَا يَقُولُهُ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد،
أَوَ لَا حَدَّ لَهُ؛
كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ: فَهُم يَقُولُونَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا عَن أَصْحَابِهِ فِي هَذَا

شَيْءٌ،
وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ كَمَا قُلْنَا . [٢١/ ٦٢٣]

٢٤٠٧ - وَطْءُ النُّفَسَاءِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.

لَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ.
[٢١/ ٦٢٤]

٢٤٠٨ - قَالَ اللهُ تَعَالَى:

{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}

[البقرة: ٢٢٢] قَالَ مُجَاهِدٌ:

{حَتَّى يَطْهُرْنَ}

؛
يَعْنِي: يَنْقَطِعُ الدَّمُ،

{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}

: اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ.

وَهُوَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ.

وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللهُ غَايَتَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ؛
لِأَنَّ قَوْلَهُ:

{حَتَّى يَطْهُرْنَ}

غَايَةُ التَّحْرِيمِ الْحَاصلُ بِالْحَيْضِ ،
وَهُوَ تَحْرِيمٌ لَا يَزُولُ بِالِاغْتِسَالِ وَلَا غَيْرِهِ ،
فَهَذَا التَّحْرِيمُ يَزُولُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ،
ثُمَّ يَبْقَى الْوَطْءُ بَعْدَ ذَلِكَ جَائِزًا بِشَرْطِ الِاغْتِسَالِ،
لَا يَبْقَى مُحَرَّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛
فَلِهَذَا قَالَ:

{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}

. [٢١/ ٦٢٥]

٢٤٠٩ - يحرم وطء الحائض،
فإن وطئ في الفرج فعليه دينار أو نصفه كفارة،
واعتبر شيخنا كونه مضروبًا.
[المستدرك ٣/ ٥١]

٢٤١٠ - وَطْؤُهَا [أي: النفساء] قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ: حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.

وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ بِدُونِ الْأَرْبَعِينَ فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ،
لَكِنْ يَنْبَغِي لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا إلَى تَمَامِ الْأَرْبَعِينَ.

وَأَمَّا قِرَاءَتُهَا الْقُرْآنَ فَإِنْ لَمْ تَخَفِ النِّسْيَانَ فَلَا تَقْرَؤُهُ،
وَأَمَّا إذَا خَافَتِ النِّسْيَانَ فَإِنَّهَا تَقْرَؤُهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.

وَإذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ وَصَلَّتْ بِالِاتِّفَاقِ.

فَإِنْ تَعَذَرَ اغْتِسَالُهَا لِعَدَمِ الْمَاءِ أو لِخَوْفِ ضَرَرٍ لِمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا تَتَيَمَّمُ وَتَفْعَلُ بِالتَّيَمُّمِ مَا تَفْعَلُ بِالِاغْتِسَالِ.
[٢١/ ٦٣٦]

٢٤١١ - فِي "الصَّحِيحَيْن" : عَن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- "أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حبيش سَأَلَتْ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟
فَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ،
وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي" ،
وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ،
فَإِذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ،
فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلى عَنْك الدَّمَ وَصلِّي" .

وعَن عَائِشَةَ أَيْضًا -رضي الله عنها-: "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَن ذَلِكَ،
فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ،
فَقَالَ: " هَذَا عِرْقٌ " فَكَانَت تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ" .

لَيْسَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛
فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ: فِيمَن كَانَت لَهَا عَادَةٌ تَعْلَمُ قَدْرَهَا،
فَإِذَا اُسْتحِيضَتْ قَعَدَتْ قَدْرَ الْعَادَةِ،
وَلِهَذَا قَالَ: "فَدَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَهَا الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا" ،
وَقَالَ: "إذَا أَقبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي" ،
وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُعْتَادَةِ: أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى عَادَتِهَا،
وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أحْمَد.

لَكِنَّهُم مُتَنَازِعُونَ: لَو كَانَت مُمَيِّزَةً: تُمَيِّزُ الدَّم الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ: فَهَل

تُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ عَلَى الْعَادَةِ،
أَمْ الْعَادَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ؟
فَمِنْهُم مَن يُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ عَلَى الْعَادَةِ،
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

وَالثَّانِي: فِي أَنَّهَا تُقَدِّمُ الْعَادَةَ،
وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وهو مذهب أبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.

وَأمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي: فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ،
وَلَكِنْ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ مُطْلَقًا،
فَكَانَت هِيَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.

وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ إذَا قَعَدَتْ أَيَّامًا مَعْلُومَةً هِيَ ايَّامُ الْحَيْضِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ كَمَا تَغْتَسِلُ مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا ثُمَّ صَلَّتْ وَصَامَتْ فِي هَذِهِ الِاسْتِحَاضَةِ؛
بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛
كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد،
وَأَمَّا مَالِكٌ فَعِنْدَهُ لَيْسَ عَلَيْهَا وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ؛
فَإِنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ النَّادِرَاتِ .

وَقَد احْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ" .

وَهَذِهِ الْمُسْتَحَاضَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ مُبْتَدَأَةً،
وَإِن كَانَ ذَلِكَ قَد ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ،
فَإِنَّهَا كَانَت عَجُوزًا كَبِيرَةً،
وَإِنَّمَا حَمَلُوا أَمْرَهَا عَلَى أَنَّهَا كَانَت نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا،
وَفِي "السُّنَنِ" : أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَحِيضَ سِتًّا أَو سَبْعًا.

وَبِهَذَا احْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُتَمَيِّزَةَ تَجْلِسُ سِتًّا أَو سَبْعًا وَهُوَ غَالِبُ الْحَيْضِ.
[٢١/ ٦٢٧ - ٦٣٠]

٢٤١٢ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثلَاثُ سُنَنٍ:

أ - سُنَّةٌ فِي الْعَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ؛
فَإِنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى الْعَلَامَاتِ؛
لِأَنَّ الْأَصْلَ مُقَامُ الْحَيْضِ دُونَ غَيْرِهِ.

ب - وَسُنَّةٌ فِي الْمُمَيِّزَةِ،
وَهُوَ قَوْلُهُ: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" ؛
لِأَنَّهُ الدَّمُ الْأَسْوَدُ،
وَالثَّخِينُ الْمُنْتِنُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حَيْضًا مِنَ الأَحْمَرِ.

ج - وَسُنَّةٌ فِي غَالِبِ الْحَيْضِ،
وَهُوَ قَوْلُهُ: "تَحَيَّضِي سِتًّا أَو سَبْعًا،
ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي ثَلَاًثًا وَعِشْرِينَ أَو أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ كمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ،
وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ" .

لِأَنَّ الْأَصْلَ إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.

فَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ تَدُل عَلَيْهَا السُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ.

وَالْعُلَمَاءُ لَهُم فِي الِاسْتِحَاضَةِ نِزَاعٌ فَإِنَّ أَمْرَهَا مُشْكِلٌ لِاشْتِبَاهِ دَمِ الْحَيْضِ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ .. وَأَصْوَبُ الْأَقْوَالِ اعْتِبَارُ الْعَلَامَاتِ الَّتِي جَاءَت بِهَا السُّنَّةُ وَإِلْغَاءُ مَا سِوَى ذَلِكَ.

وَأَمَّا الْمُتَحَيِّرَة : فَتَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ كَمَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ،
وَمَن لَمْ يَجْعَلْ لَهَا دَمًا مَحْكُومًا بِأَنَّهُ حَيْضٌ بَل أَمَرَهَا بِالِاحْتِيَاطِ مُطْلَقًا فَقَد كَلَّفَهَا أَمْرًا عَظِيمًا لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِمِثْلِهِ،
وَفِيهِ تَبْغِيضُ عِبَادَةِ اللهِ إلَى أَهْلِ دِينِ اللهِ،
وَقَد رَفَعَ اللهُ الْحَرَجَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ،
وَهُوَ مِن أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ جِدًّا.

وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الدَّمَ بِاعْتِبَارِ حُكمِهِ لَا يَخْرُجُ عَن خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:

أ - دَمٌ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ حَيْضٌ؛
كَالدَّمِ الْمُعْتَادِ الَّذِي لَا اسْتِحَاضَةَ مَعَهُ.

ب - وَدَمٌ مَقْظوعٌ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ؛
كَدَمِ الصَّغِيرَةِ.

ج - وَدَمٌ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أنَّهُ حَيْضٌ،
وَهُوَ دَمُ الْمُعْتَادَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ المستحاضات الَّذِي يُحْكَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ.

د - وَدَمٌ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ،
وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي يُحْكمُ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ مِن دِمَاءِ هَؤُلَاءِ.

ه - وَدَمٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ لَا يَتَرَجَّحُ فِيهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ،
فَهَذَا يَقُولُ بِهِ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ الشَافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا فَيُوجِبُونَ عَلَى مَن أَصَابَهَا أَنْ تَصُومَ وَتُصَلِّيَ ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ،
وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بَاطِلٌ؛
لِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}

[التوبة: ١١٥] ؛
فَاللهُ تَعَالَى قَد بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرِهَا مَا تَتَّقِيهِ مِن الصَّلَاةِ وَالصّيَامِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ،
فَكَيْفَ "يُقَالُ: إنَّ الشَّرِيعَةَ فِيهَا شَكٌّ مُسْتَمِرٌ يَحْكُمُ بِهِ الرَّسُولُ وَأُمَّتُهُ.

نَعَمْ: قَد يَكُونُ شَكٌّ خَاصٌّ بِبَعْضِ النَّاسِ،
كَاَلَّذِي يَشُكُّ هَل أَحْدَثَ أَمْ لَا؟
كَالشُّبُهَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ،
فَأَمَّا شَكُّ وَشُبْهَةٌ تَكُونُ فِي نَفْسِ الشَّرِيعَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ.

وَاَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ هَذَا دَمَ شَكٍّ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ حُكمَ الشَّرْعِ،
لَا يَقُولُونَ: نَحْنُ شَكَكْنَا؛
فَإِنَّ الشَّاكَّ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ فَلَا يَجْزِمُ،
وَهَؤُلَاءِ يَجْزِمُونَ بِوُجُوبِ الصِّيَامِ وَإِعَادَتِهِ لِشَكِّهِمْ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَيْسَ فِيهَا إيجَابُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ،
وَلَا الصِّيَام مَرَّتَيْنِ إلا بِتَفْرِيطٍ مِنَ الْعَبْدِ.

فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ تَفْرِيطِهِ: فَلَمْ يُوجِبِ اللهُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ فِي السُّنَّةِ،
وَلَا صَلَاةَ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ،
وَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ضَعْفُ قَوْلِ مَن يُوجِبُ الصَّلَاةَ وُيوجِبُ إعَادَتَهَا؛
فَإِنَّ هَذَا أَصْلٌ ضَعِيفٌ.

وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَن يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَإِعَادَتِهَا،
وَبِالصَّلَاةِ مَعَ الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ الَّتِي لَا تتَصِلُ وَإِعَادَتِهَا.

فَإِنَّ الصَّوَابَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ مَن فَعَلَ الْعِبَادَةَ كَمَا أُمِرَ بِحَسَبِ وُسْعِهِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

[التغابن: ١٦] ،
وَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ،
لَكِنْ يَأْمُرُ بِالْإِعَادَةِ مَن لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛
كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ]،
وَكَمَا أَمَرَ مَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ.

فَأَمَّا الْمَعْذُورُ؛
كَاَلَّذِي يَتَيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ،
أَو خَوْفَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِمَرَضٍ أو لِبَرْدٍ،
وكالاستحاضة وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ: فَإِنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي هَؤُلَاءِ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ،
وَيسْقُطُ عَنْهُم مَا يَعْجِزُونَ عَنْه؛
بَل سُنَّتُهُ فِيمَن كَانَ لَمْ يَعْلَمِ الْوُجُوبَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛
لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ.

وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ عُمَرَ وَعَمَّارًا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا كَانَا جُنُبَيْنِ،
فَعُمَرُ لَمْ يُصَلِّ،
وَعَمَّارٌ تَمَرَّغَ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ؛
ظَنًّا أنَّ التُّرَابَ يَصِلُ إلَى حَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ،
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا مِن الصَّحَابَةِ حَتَّى تبَيَّنَ لَهُم الْحِبَالُ السُّودُ مِن الْبِيضِ لَمْ يَأْمُرْهُم بِالْإِعَادَةِ .. وَنَظَائِرُهَا مُتَعَدِّدَةٌ .

فَمَن اسْتَقْرَأَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تبَيَّنَ لَهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ،
فَمَن كَانَ عَاجِزًا عَن أَحَدِهِمَا سَقَطَ عَنْهُ مَا يُعْجِزُهُ،
وَلَا يُكلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.

وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُفَرِّطِ الْمُتَمَكنِ مِن فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ: فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ؛
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب" . [٢١/ ٦٣٠ - ٦٣٤]

٢٤١٣ - من كانت ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا؛
فالنقاء طهر والدم حيض،
وعنه أيام النقاء والدم حيض اختاره الشيخ تقي الدين . [المستدرك ٣/ ٥١]

٢٤١٤ - الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

أ - مِنْهَا مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ وَمُسَمَّاهُ بِالشَّرْعِ،
فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛
كَاسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ.

ب - وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ؛
كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْبَرِّ.

ج - وَمِنْهُ مَا يَرْجِعُ حَدُّهُ إلَى عَادَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ،
فَيَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ؛
كاسْمِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاح وَالْقَبْضِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارعُ بِحدٍّ وَلَا لَهَا حَدٌّ وَاحِدٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ؛
بَل يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَصِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ.

فَمَا كَانَ مِنَ النَّوْعِ الْأوَّلِ فَقَد بَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.

وَمَا كَانَ مِنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَد عَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ؛
لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمُسَمَّاهُ الْمَحْدُودِ فِي اللُّغَةِ،
أَو الْمُطْلَقِ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِم مِن غَيْرِ حَدٍّ شَرْعِيٍّ وَلَا لُغَوِيٍّ،
وَبِهَذَا يَحْصُلُ التَّفَقُّهُ فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَالِاسْمُ إذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّ مسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَد نَقَلَهُ عَنِ اللُّغَةِ أَو زَادَ فِيهِ.

وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا أَطْلَقَهُ اللهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامَ مِنَ

الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يُقَيِّدَهُ إلَّا بِدَلَالَةِ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.

فَمِن ذَلِكَ اسْمُ الْحَيْضِ،
عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ،
وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ،
وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ،
فَمَن قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَد خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.

وَأَمَّا إذَا اسْتَمَرَّ الدَّمُ بِهَا دَائِمًا فَهَذَا قَد عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضِ؛
لِأَنَّهُ قَد عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَارَةً تَكُونُ طَاهِرًا وَتَارَةً تَكُونُ حَائِضًا،
وَلطُهْرِهَا أَحْكَامٌ وَلحَيْضِهَا أَحْكَامٌ.

وَالْعَادَةُ الْغَالِبَةُ أَنَّهَا تَحِيضُ رُبُعَ الزَّمَانِ: سِتَّةً أَو سَبْعَةً،
وَإِلَى ذَلِكَ رَدَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْمُسْتَحَاضَةَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ وَلَا تَمْيِيزٌ،
وَالطُّهْرُ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِاتِّفَاقِهِمْ.

وَكَذَلِكَ أَقَلُّهُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا حَدَّ لَهُ؛
بَل قَد تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي الشَّهْرِ ثَلَاثَ حِيَضٍ،
وَإِن قُدِّرَ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي أَقَلَّ مِن ذَلِكَ أَمْكَنَ،
لَكِنْ إذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِيمَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا بِطَانَةٌ مِن أَهْلِهَا كَمَا رُوِيَ عَن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- فِيمَنِ ادَّعَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ.

وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ أَنَّهُ حَيْضٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ؛
لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الدَّمُ الْأَصْلِيُّ الْجَبَلِيُّ،
وَهُوَ دَمٌ تُرْخِيه الرَّحِمُ،
وَدَمُ الْفَسَادِ دَمُ عِرْقٍ يَنْفَجِرُ؛
وَذَلِكَ كَالْمَرَضِ؛
وَالْأصْلُ الصِّحَّةُ لَا الْمَرَضُ.

فَمَتَى رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ جَارٍ مِن رَحِمِهَا فَهُوَ حَيْضٌ تُتْرَكُ لِأَجْلِهِ الصَّلَاةُ.

وَمَن قَالَ: إنَّهَا تَغْتَسِلُ عَقِيبَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْمَعْلُومِ مِنَ السُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ.

وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَو نَقْصٍ أَو انْتِقَالٍ فَذَلِكَ حَيْضٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ؛
فَإِنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ.

وَالْمُسْتَحَاضَةُ تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا ثُمَّ إلَى تَمْيِيزِهَا ثُمَّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ.

وَالْحَامِلُ إذَا رَأَتِ الدَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَهَا فَهُوَ دَمُ حَيْضٍ بِنَاءَ عَلَى الْأَصْلِ.

وَالنِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأقَلِّهِ وَلَا لِأكْثَرِهِ،
فَلَو قُدِّرَ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِن أَرْبَعِينَ أَو سِتينَ أَو سَبْعِينَ وَانْقَطَعَ فَهُوَ نِفَاسٌ،
لَكِنْ إن اتَّصَلَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ،
وَحِينَئِذٍ فَالْحَدُّ أَرْبَعُونَ؛
فَإِنَّهُ مُنْتَهَى الْغَالِبِ جَاءَت بِهِ الْآثَارُ.

وَلَا حَدَّ لِسِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ؛
بَل لَو قُدِّرَ أَنَّهَا بَعْدَ سِتِّينَ أَو سَبْعِينَ زَادَ الدَّمُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الرَّحِمِ لَكانَ حَيْضًا.

وَالْيَأْسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ:

{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ}

[الطلاق: ٤] لَيْس هُوَ بُلُوغُ سِنٍّ،
فلَو كَانَ بُلُوغُ سَنٍّ لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ،
وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَيْأَسَ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا مِن أَنْ تَحِيضَ.

وَإِذَا لَمْ يَكُن لِلنِّفَاسِ قَدْرٌ فَسَوَاءٌ وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ أَو أَكْثَرَ مَا زَالَتْ تَرَى الدَّمَ فَهِيَ نُفَسَاءُ،
وَمَا تَرَاهُ مِن حِينِ تَشْرَعُ فِي الطَّلْقِ فَهُوَ نِفَاسٌ،
وَحُكْمُ دَمِ النِّفَاسِ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ.

وَمَن لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا بَل قَدَّرَ أقَل الْحَيْضِ بِيَوْمٍ أَو يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَو ثَلَاثَةِ أيَّامٍ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.

وَلَو كَانَ هَذَا حَدًّا شَرْعِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكَانَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- أَوْلَى بِمَعْرِفَتِهِ وَبَيَانِهِ مِنَّا،
كَمَا حَدَّ لِلْأَمَةِ مَا حَدَّهُ اللهُ لَهُم مِن أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَمِن أَمَاكِنِ الْحَجِّ،
وَمِن نُصُبِ الزَّكَاةِ وَفَرَائِضِهَا،
وَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا،
فَلَو كَانَ لِلْحَيْضِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- حَدٌّ عِنْدَ اللهِ وَرَسُولِهِ لَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-،
فَلَمَّا لَمْ يَحُدَّهُ دَلَّ عَلَى أنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ

ويُسَمَّى فِي اللُّغَةِ حَيْضًا؛
وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إذَا سُئِلُوا عَنِ الْحَيْضِ قَالُوا: سَلُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.

يَعْنِي: هُنَّ يَعْلَمْنَ مَا يَقَعُ مِنَ الْحَيْضِ وَمَا لَا يَقَعُ.

وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ تَعَلَّقَ بِالِاسْمِ الدَّالِّ عَلَى الْوَاقِعِ،
فَمَا وَقَعَ مِن دَمٍ فَهُوَ حَيْضٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ أَو جُرْحٍ؛
فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارجَ:

أ - إمَّا أَنْ تُرْخِيَهُ الرَّحِمُ.

ب - أَو يَنْفَجِرَ مِن عِرْقٍ مِنَ الْعُرُوقِ،
أَو مِن جِلْدِ الْمَرْأَةِ أَو لَحْمِهَا فَيَخْرُجُ مِنْهُ،
وَذَلِكَ يَخْرُجُ مِن عُرُوقٍ صِغَارٍ،
لَكنَّ دَمَ الْجُرْحِ الصَّغِيرِ لَا يَسِيلُ سَيْلًا مُسْتَمِرًّا كَدَمِ الْعِرْقِ الْكبِيرِ،
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِلْمُسْتَحَاضَةِ: "إنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ" ،
وَإِنَّمَا يَسِيلُ الْجُرْحُ إذَا انْفَجَرَ عِرْقٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَصْدَ الْإِنْسَانِ؛
فَإِنَّ الدَّمَ فِي الْعُرُوقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ . [١٩/ ٢٣٥ - ٢٤٢]

٢٤١٥ - المبتدئة بدم أسود والأصح وأحمر: تجلس برؤيته .. تترك الصلاة والصوم أقل الحيض في ظاهر المذهب ثم تغتسل،
وإن انقطع لدون أقله فلا حيض،
ولأقله حيض،
وإن جاوز أقله اغتسلت عند انقطاعه في مدة الحيض،
ولم تجلس ما جاوزه حتى يتكرر ثلاثًا فتجلس الرابع نص على ذلك،
وقيل: في الثالث: وعنه: يتكرر مرتين فتجلس في الثالث،
وقيل: في الثاني،
واختاره شيخنا،
وأنْ كلامَ أحْمدَ يقتضيه ويصير عادة.

وتعيد واجب صوم ونحوه نص عليه،
وعنه: قبل تكراره احتياطًا،
واختار شيخنا لا تجب الإعادة.
[المستدرك ٣/ ٥٢]

٢٤١٦ - عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: "رَأَيْت رِجَالًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-

يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُم مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ "؛
وَذَلِكَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ الْمَلَائِكَةِ،
وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي " السُّنَنِ" عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

وَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ،
وَهَذَا دَلِيل أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ذَهَبَتِ الْجَنَابَةُ عَن أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا تَبْقَى جَنَابَتُهُ تَامَّةً،
وَإِن كَانَ قَد بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدَثِ،
كَمَا أَنَّ الْمُحْدِثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرِ عَلَيْهِ حَدَثٌ دُونَ الْجَنَابَةِ،
وَإِن كَانَ حَدَثُهُ فَوْقَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَهُوَ دُونُ الْجُنُبِ،
فَلَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ عَن شُهُودِهِ،
فَلِهَذَا يَنَامُ وَيلْبَثُ فِي الْمَسْجِدِ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ تَتَبَعَّضُ فَتَزُولُ عَن بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.

وَأَمَّا الْحَائِضُ فَحَدَثُهَا دَائِمٌ لَا يُمْكِنُهَا طَهَارَةٌ تَمْنَعُهَا عَنِ الدَّوَامِ فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي مُكْثِهَا وَنَوْمِهَا وَأَكْلِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ،
فَلَا تُمْنَعُ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ مَعَ حَاجَتِهَا إلَيْهِ.

وَلِهَذَا كَانَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ .. ؛
فَإِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُهَا الطَّهَارَةُ كَمَا يُمْكِنُ الْجُنُبَ وَإِن كَانَ حَدَثُهَا أَغْلَظَ مِن حَدَثِ الْجُنُبِ مِن جِهَةِ أَنَّهَا لَا تَصُومُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ وَالْجُنُبُ يَصُومُ،
وَمِن جِهَةِ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ طَهُرَتْ أَو لَمْ تَطْهُرْ،
ويُمْنَعُ الرَّجُلُ مِن وَطْئِهَا أَيْضًا،
فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْحَظْرِ فِي حَقِّهَا أَقْوَى،
لَكِنْ إذَا احْتَاجَتْ إلَى الْفِعْلِ اسْتَبَاحَتِ الْمَحْظُورَ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْحَظْرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَمَا يُبَاحُ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الضَّرُورَةِ.

وَإِذَا قُدِّرَ جُنُبٌ اسْتَمَرَّتْ بِهِ الْجَنَابَةُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى غُسْلٍ أَو تَيَمُّمٍ فَهَذَا كَالْحَائِضِ فِي الرُّخْصَةِ وَإِن كَانَ هَذَا نَادِرًا.

فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَوْعِهَا،
لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى غِلَظِ

الْمَفْسَدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَظْرِ إلَّا وَيُنْظَرُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاجَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْإِذْنِ؛
بَلِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ أَو الْإِيجَابِ.

وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ مَعَهُ الصَّلَاةُ يَجِبُ مَعَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا لَمْ تُمْكِنِ الصَّلَاةُ إلَّا كَذَلِكَ،
فَإِنَّ الصُّلَاةَ مَعَ تِلْكَ الْأُمُورِ أَخَفُّ مِن تَرْكِ الصَّلَاةِ.

وَكَذَلِكَ أَكْل الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ: يَحْرُمُ أَكْلُهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا وَيجِبُ أَكْلُهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.

وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي قِرَاءَةِ الْقرْآنِ،
وَلَيْسَ فِي مَنْعِهَا مِنَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ أَصْلًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: "لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ" : حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ.

وَقَد كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-،
فَلَو كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلَاةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِأُمَّتِهِ،
وَتَعْلَمُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ،
وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ،
فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ نَهْيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامًا،
مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَن ذَلِكَ،
وَإِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ . [٢٦/ ١٧٨ - ١٩١]

٢٤١٧ - الصحيح من المذهب: أنها لا تجلس ما جاوز اليوم والليلة إلا بعد تكراره ثلاثًا،
وعليه جماهير الأصحاب وهو من المفردات فتجلس الرابعة على الصحيح،
وقيل: تجلسه في الثالثة،
وعنه: يصير عادة بمرتين،
وقيل: في الثاني،
واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إن كلام أحمد يقتضيه.
[المستدرك ٣/ ٥١]

٢٤١٨ - إن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها

لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين،
قال المصنف هنا : وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار.

قلت : وهو الصواب،
وعليه العمل،
ولا يسع النساء العمل بغيره ..

قال في الفائق: وهو المختار،
واختاره الشيخ تقي الدين.
[المستدرك ٣/ ٥١ - ٥٢]

٢٤١٩ - هي طاهر إذا رأت البياض .. وعنه: أقله ساعة،
وعنه: يوم،
اختاره الشيخ،
وقال: إلا أن ترى ما يدل عليه.
[المستدرك ٣/ ٥٢]

٢٤٢٠ - يجوز التداوي لحصول الحيض ذكره شيخنا إلا قرب رمضان لتفطره.
[المستدرك ٣/ ٥٢]

* * *

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 110 · كتاب الطهارة > حكم ريق الهرة والبهائم؟ > فصل

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«حكم ريق الهرة والبهائم»

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده