الإسلام > فتاوى > عقيدة > حكم الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
فَقَد ذَكَرَ عُمَرُ -رضي الله عنه-: أَنَّهُم كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ،
ثُمَّ تَوَسَّلُوا بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ،
وَتَوَسُّلهُم بِهِ هُوَ اسْتِسْقَاؤُهُم بِهِ؛
بِحَيْثُ يَدْعُو ويدْعُونَ مَعَهُ،
فَيَكُونُ هُوَ وَسِيلَتَهُم إلَى اللهِ.
وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا فِي مَغِيبِهِ،
وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- كانَ فِي مِثْل هَذَا شَافِعًا لَهُم دَاعِيًا لَهُمْ؛
وَلهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَى: "اللَّهُمَّ فَشَفعْهُ فِيَّ" ،
فَعُلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- شَفَعَ لَهُ فَسَألَ اللهَ أَنْ يُشَفِّعَهُ فِيهِ.
وَالثَّانِيْ: أَنَّ التَّوَسُّلَ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ وَحَضْرَتِهِ .
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ مَن قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَد كَفَرَ،
وَلَا وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ؛
فَإِن هَذِهِ مَسْأَلَة خَفِيَّة،
لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً،
وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِاِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِن الدِّينِ ضَرُورَةً،
أَو بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[١/ ١٠٣ - ١٠٦]
* * *
[حكم الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق؟]
١٧٧ - قَد يَكُونُ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- عِبَارَة لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ،
لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَفْهَمُ مِن تِلْكَ غَيْرَ مُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-،
فَهَذَا يُرَدّ عَلَيْهِ فَهْمُهُ،
كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- مُنَافِق يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ،
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدّيقُ: قُومُوا بِنَا لِنَسْتَغِيثَ بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِن هَذَا الْمُنَافِقِ،
فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي،
وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللهِ" .
فَهَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْمَعْنَى الثَّانِيَ،
وَهُوَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ،
وَإِلَّا فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْة الدُّعَاءَ ويسْتَسْقُونَ بِهِ.
وَالِاسْتِغَاثَةُ بِمَعْنَى أَنْ يُطْلَبَ مِن الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- مَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْصِبِهِ لَا يُنَازعُ فِيهَا مُسْلِمٌ،
وَمَن نَازَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ إمَّا كَافِرٌ إنْ أَنْكَرَ مَا يَكْفُرُ بِهِ وَإِمَّا مُخْطِى ضَالٌّ.
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الَّذِي نَفَاهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ نَفْيُهَا،
وَمَن أَثْبَتَ لِغَيْرِ اللهِ مَا لَا يَكُونُ إلَّا للهِ فَهُوَ أَيْضًا كَافِرٌ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا.
وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَبِي يَزِيدَ البسطامي: اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْغَرِيقِ بِالْغَرِيقِ،
وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِيِّ الْمَشْهُورِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ: اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ كَاسْتِغَاثَةِ الْمَسْجُونِ بِالْمَسْجُونِ .
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَكَانَ مُخْتَصُّا باللهِ: صَحَّ إطْلَاقُ نَفْيِهِ عَمَّا سِوَاهُ ،
وَلهَذَا لَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ جَوَّزَ مُطْلَقَ الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللهِ،
وَلَا أَنْكَرَ عَلَى مَن نَفَى مُطْلَقَ الِاسْتِغَاثَةِ عَن غَيْرِ اللهِ.
وَكَذَلِكَ الاسْتعانة أَيْضا فِيهَا مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا للهِ،
وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
[الفاتحة: ٥] ؛
فَإِنَهُ لَا يُعِين عَلَى
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.