الإسلام > فتاوى > عقيدة > السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: تعلمت العلم في السعودية وأ…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله،
أما بعد:
فاعلم أن قِوام الدعوة والإصلاح: الصبرُ والحلمُ والأناة وحسن الخلق،
وأن أسرع وأشد ما ينفّر من الداعية ويبعث على الاستيحاش منه أو معاندته لهو سوء الخلق والغلظة والفظاظة،
وإليك جملة من النصوص التي يجب علينا جميعاً أن نتحلى بها في دعوتنا:
"فبما رحمةٍ من الله لنتَ لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران: ١٥٩] .
"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل: ١٢٥] .
"ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين،
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم،
وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم" [فصلت: ٣٣-٣٥] .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه،
ولا نزع من شيء إلا شانه" مسلم (٢٥٩٤) .
أخي: لا بد أن تدرك جيداً أن هذا الخطأ الذي تراه في زوجتك ليس وليد يومٍ أو ساعة حتى تظن أن التغيير والإصلاح يتحقق في أقصر وقت،
كلا!
يجب أن تُدرك أن الأمر يحتاج صبراً جميلاً وحلماً واسعاً وحكمةً وتعقلاً.
إنّ هذه المظاهر الصوفية التي تراها في زوجتك هي نتاج نشأة طويلة في بيئةٍ تعزّزت فيها مظاهر الصوفية وطرقها،
ومن ثَمَّ فلا عجب أن ترى في زوجتك بعض مظاهرها،
وأن تجد منها محبةً وعصبيةً لها.
لا أقول هذا تسويغاً لواقعها ولا تهويناً لخطئها،
كلا!
ولكن حتى تكون واقعياً في دعوتها،
ومن الواقعية: أن تأخذ المسألة بظروفها وأسبابها وما يحتفّ بها من مؤثرات ودعوات.
وهذه الواقعية تقتضي مراعاة الأمور التالية:
أولاً: اعلم أنه لا مندوحة لك عن التدرج في إصلاحها،
فابدأ بالأهم فالأهم،
فلا تُشغلك مسألة صغرى عن عظمى،
فمثلاً: بدعة الذكر الجماعي ليست كبدعة المولد وما يلقى فيه من قصائد شركية،
وتحلّ بالصبر والحلم والأناة،
فالنجاح في التغيير مرهون بذلك.
ثانياً: اجتنب وأنت في بداية دعوتك لها مجابهتَها بسبِّ الصوفية - وإن كنا نعتقد ضلالها ونتعبد الله ببغضها-؛
ولكن على غرار قوله -تعالى-: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" [الأنعام: ١٠٨] . فزوجتك متعلقة بها محبِةٌ لها،
والإنسان يتعصب بداهةً لما نشأ عليه،
فهو ابن بيئته،
وهو عدوٌ لما جهل،
واجتناب سب الصوفية في هذه المرحلة ليس ضرباً من السكوت عن الباطل أو مهادنته،
وإنما لأجل ترويض نفسها على قبول الحق والانصياع إليه.
وأعرِضْ عن مسألة التكفير؛
فتغيير واقع زوجتك وإصلاح حالها لا يتوقف على تكفير الجماعات الضالة،
وجنوحك إلى مثل هذه الأفعال في البداية يقطع عليك طريق هدايتها والتأثير فيها،
بل ربما دفعها إلى معاندتك والإصرار على ما هي عليه.
ولا تشتغل بقضية التفضيل بين رموز الصوفية وعلماء السنة؛
فهذا يجعلها تراك خصماً لا حكماً،
ومعارضاً لا مصلحاً،
ويجعلها تراك واقعاً فيما حذَّرْتها منه،
وهو التعصب للشيوخ والرموز،
وفي ذلك مجلبة للضغينة والمشاتمة،
ومشغلة بالحواشي عن الأصول والقشور عن اللباب.
ولتعلم أن التدرج في تربيتها على أصول السنة ومنهجها ضمين لك أن يجعل منها امرأة صالحة قادرة على تمييز الخبيث من الطيب،
والسنة من البدعة،
والحق من الضلال.
ثالثاً: ثمَّة أرض مشتركة بينكما ينبغي لك أن تستثمرها لاستمالة قلبها وتهيئتها لقبول ما لديك من الحق،
ومن الخطأ أن تتجاوزها بحجة الاتفاق عليها والتسليم بها،
فأنت في ساحة دعوة ولست في أرض معركة،
ولا في مقارعة خصم.
من جملة هذه القضايا مثلاً:
محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتوقيره وتعظيم سنته،
والحرص على التأسي به،
وفضل ذكر الله سبحانه واستغفاره.
وأنت بإثارتك لمثل هذه القضايا المسلَّمَة تستطيع أن تستميل قلبها إليك،
وأن تنفي عنك تلك التهمة الملفّقة على الوهابية والسلفية،
وهي: الجفاء في حق المصطفى -صلى الله عليه وسلم-،
وإهمال الجانب الروحي،
والغفلة عن الأذكار والأوراد ...
إلخ
فأَعْظِمْ في قلبها محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتوقير سنته والتمسك بها.
اعلِمْها أن حب النبي لا ينحصر في همهمات الصلاة عليه إذا ذُكِرَ فحسب،
وأن ذكر الله ليست فضيلته في كثرة لهج اللسان به،
ما لم يكن صحيح المعنى،
موافقاً لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-،
وبقلب حاضر خاشع.
رابعاً: اعلِمْها أن من مقتضى محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم الغيرةَ على سنته،
ومن الغيرة على سنَّته ألاّ يُنسب إليه حديثٌ إلا بعد التثبت من صحته،
وهذا يستدعيك إشعارَها بأنه بكثرة الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-،
فليس كل ما يُروى عنه يعتبر صحيحاً،
وكم من حديث يعمل به كثيرون ولا يُعرف له أصل.
إن أخذها على هذا المنهج،
وتربيتها على هذا التوثق والتبين فيما يروى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتنبيهَها إلى كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة سوف يُغنيك بإذن الله عن أن تحتجَّ بفتاوى علماءٍ لم يعد في قلبها محل لقبول فتاويهم.
خامساً: عليك أن تربي أهلك على المسارعة إلى الرد لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- عند الاختلاف عملاً بقوله -جل جلاله-: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً" [النساء: ٥٩] .
ولا أرى من الحكمة في شيء أن تدعوها تحت غطاء الوهابية أو السلفية مثلاً،
أو بنقل فتاوى علماء السعودية،
فالأفضل والأبلغ والأدعى لقبولها أن تنقل لها فحوى تلك الفتاوى وما تضمنته من آيات بينات وأحاديث صحاح؛
فأنت بذلك تجعلها أمام أدلة شرعية صريحة صحيحة تحتم عليها الإذعان والتسليم،
لا أمام فتاوى علماء لا تجد حرجاً أن تقدح في علمهم ومنهجهم.
وذكِّرْها بأن العصمة لا تكون إلا لله ولكتابه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-،
وأن غيرهم يخطئ ويصيب.
وأنت من خلال هذا تستطيع أن تزعزع في قلبها ثقتها العمياء بعلماء الصوفية الذين تكن لهم عظيم التوقير والإجلال دون أن تجابهها بسبهم أو لمزهم بالبدعة والضلالة (وهو حق لو قلته،
ولكن من الحكمة السكوت عن بعض الأخطاء حتى تتهيَّأ فرصتها) ،
فأنت ما زلت في أول طريق دعوتها وتصحيح منهجها.
ولك أن تتودد إلى قلبها بالقراءة عليها من صحيح سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-،
وأحسب ذلك كفيلاً بأن يرفع ما قد يكون في نفسها من الوحشة والريبة فيما أتيتها به من منهجٍ متّهمٍ بعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم التوقير الواجب..منهجٍ سمعَتْ عنه أباطيل كثيرة شوَّهت صورته ونفَّرتْ عنه.
سادساً: بالنسبة لحجابها،
لا أرى وجهاً لإلزامها بلبس العباءة على الرأس،
ما دامت تضع على رأسها خماراً يستر وجهها ورأسها ونحرها،
ويغطي منطقة الصدر الذي تحجِّمه عباءة الكتف.
فإذا كان حجابها على هذا النحو فلا بأس.
وأما كون حجابها لا يغطي قدميها،
فلا بأس أيضاً بشرط أن تسترهما بالخفين أو الجوربين.
وأما تنقبها فجائز بلا شك،
ولكن ينبغي ألاّ يزيد عن قدر الحاجة،
وهو إظهار العينين،
أما الجبين فيجب ستره على القول الراجح.
وأما مسألة قص الشعر فلا بأس به إذا كانت تقصد به التزين للزوج ما لم يصل إلى درجة الحلق أو التشبه بالرجال.
وعليك في كل مخالفة تراها فيها: أن تنكر عليها بالرفق واللين وسياسة النفس الطويل والصبر الجميل.
سابعاً: لا يجب عليها غض بصرها عن الرجال إلا إذا خشيت الفتنة بهم،
وتقدير هذا راجع إليها هي،
لا إلى ظنونك التي قد تسرع إليها الاحتمالات السيئة،
ويدل للجواز حديث عائشة الذي ذكرته،
وكذلك أحاديث كثيرة غيره.
أما حديث (أفعمياوان أنتما) فهو ضعيف لا تقوم بمثله حجة.
ثامناً: أما سؤالك عن القراءة في كتب الصوفية،
فلا أرى من حاجة داعية إلى ذلك،
حتى ولو كان فيها حق كثير؛
فما في كتب أهل السنة من السلف الصالح وتابعيهم ما يغنيك عن كتب أولئك،
لا سيما أن فيها من المزالق والضلالات ما قد تحسبه خيراً وسنة،
فما أغناك عنها،
وما أحوجك إلى كتب أهل السنة.
تاسعاً: بالنسبة لحضورك مجلس عالم من علماء الصوفية،
فلا أستطيع أن أعطيك فيه جواباً قاطعاً؛
لأن التصوف دركات،
والمنتسبون أو المنسوبون إليها مختلفون في تصوفهم متفاوتون.
ومجرد كونه لا يخرج عن أدلة الكتاب والسنة لا يكفي؛
لأنه قد يستدل بدليل من الكتاب بتأويل وتعسُّف لا يحتمله لفظ الآية،
وقد يستدل بأحاديث واهية أو ضعيفة،
حتى ولو أسندها؛
لأن كثيراً من الأحاديث مسندة مروية،
ومع ذلك فمنها الواهي والمنكر والضعيف،
ولكن القاعدة في ذلك أن يُتثبَّت من صحة تلك الأحاديث ومعرفة من خرَّجها من أهل السنن والآثار المعتبرين من جملة السلف الصالح.
وفقك الله لكل خير،
وأعانك على إصلاح حالك وإصلاح زوجك،
وأسأله أن يهب لك من زوجك وذريتك قرة أعين،
وأن يجعلك للمتقين إماماً.
والله أعلم،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.