الإسلام > فتاوى > عقيدة > (تَنَوُّعُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بحسبِ التَّجْرِيدِ وَالاقْتِرَانِ، وم…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
)
٥٠٤ - اسْمُ الْإِيمَانِ:
- تَارَةً يُذْكَرُ مُفْرَدًا غَيْرَ مَقْرُونٍ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ وَلَا بِاسِمِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَلَا غَيْرِهِمَا.
- وَتَارَة يُذْكَرُ مَقْرُونًا إمَّا:
أ - بِالْإِسْلَامِ؛
كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جبرائيل : "مَا الْإِسْلَامُ وَمَا الْإِيمَانُ؟
" ،
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
[الأحزاب: ٣٥] .
ب - وَكَذَلِكَ ذُكِرَ الْإِيمَانُ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛
وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِن الْقُرْآنِ؛
كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
[فصلت: ٨] .
ج - وَإِمَّا مَقْرُونًا بِاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛
كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ}
[الروم: ٥٦] .
فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِيمَانَ مَعَ الْإِسْلَامِ: جَعَلَ الْإِسْلَامَ هُوَ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ: الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ،
وَجَعَلَ الْإِيمَانَ مَا فِي الْقَلْبِ مِن الْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
وَهَكذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد عَن أَنَسٍ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "الإسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالإِيمَانُ: في الْقَلْبِ" .
وَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ الْإِيمَانِ مُجَرَّدًا: دَخَلَ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ؛
كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ: "الِإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَما قَوْلُ لَا إلهَ إلَّا اللهُ
وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ" .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا أعْمَالُ الْبِرِّ مِن الْإِيمَانِ.
ثُمَّ إنْ نَفْىَ الْإِيمَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا : دَلَّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
وَإِن ذَكَرَ فَضْلَ إيمَانِ صَاحِبِهَا -وَلَمْ يَنْفِ إيمَانَهُ-: دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَحَبَّة.
فَمَن قَالَ: إنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْكَمَالُ: فَإنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيتَعَرَّضُ لِلْعُقُوبَةِ: فَقَد صَدَقَ.
وَإِن أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ: فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
[٧/ ١٣ - ١٥]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ كُل مَا نَفَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن مُسَمَّى أَسْمَاء الْأمُورِ الْوَاجِبَةِ؛
كَاسْمِ الْإِيمَانِ،
وَالْإِسْلَامِ،
وَالدِّينِ،
وَالصَّلَاةِ،
وَالصِّيَامِ،
وَالطَّهَارَةِ،
وَالْحَجِّ،
وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَإِنَّمَا يَكُونُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِن ذَلِكَ الْمُسَمَّى،
وَمِن هَذَا قَوْله تَعَالَى:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
النساء: ٦٥،
فَلَمَّا نَفَى الْأِيمَانَ حَتَّى تُوجَدَ هَذِهِ الْغَايَةُ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ فَرْضٌ عَلَى النَّاسِ،
فَمَن تَرَكَهَا كَانَ مِن أَهْلِ الْوَعِيدِ لَمْ يَكُن قَد أَتَى بِالْإِيمَانِ الْوَاجِبِ الَّذِي وُعِدَ أَهْلُهُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِلَا عَذَابٍ؛
فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا وَعَدَ بِذَلِكَ مَن فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ،
وَأَمَّا مَن فَعَلَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا فَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ.
[٧/ ٣٧]
وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ : أنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ،
وَالدِّينُ: مَصْدَرُ دَانَ يَدِينُ دِينًا: إذَا خَضَعَ وَذَلَّ،
وَدِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللهُ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ للهِ وَحْدَهُ،
فَأَصْلُة فِي الْقَلْبِ هُوَ الْخُضُوعُ للهِ وَحْدَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.
فَمَن عَبَدَهُ وَعَبَدَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ: لَمْ يَكُن مُسْلِمًا.
وَمَن لَمْ يَعْبُدْهُ بَل اسْتَكْبَرَ عَن عِبَادَتِهِ: لَمْ يَكُن مُسْلِمًا.
وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ للهِ،
وَهُوَ الْخُضُوعُ لَهُ وَالْعُبُودِيَّةُ لَهُ،
هَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَسْلَمَ الرَّجُلُ إذَا اسْتَسْلَمَ.
فَالْإِسْلَامُ فِي الْأَصْلِ: مِن بَابِ الْعَمَلِ: عَمَلُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارحِ.
وَأَمَّا الْإِيمَانُ: فَأَصْلُهُ تَصْدِيقٌ وَإِقْرَارٌ وَمَعْرِفَة،
فَهُوَ مِن بَابِ قَوْلِ الْقَلْبِ الْمُتضَمِّنِ عَمَلَ الْقَلْبِ،
وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّصْدِيقُ،
وَالْعَمَلُ تَابعٌ لَهُ،
فَلِهَذَا فَسَّرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْإِيمَانَ بِإِيمَانِ الْقَلْبِ وَبِخضُوعِهِ،
وَهُوَ الْإِيمَانُ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبهِ وَرُسُلِهِ.
وَفَسَّرَ الْإِسْلَامَ بِاسْتِسْلَامٍ مَخْصُوصٍ هُوَ الْمَبَانِي الْخَمْسُ.
وَهَكَذَا فِي سَائِرِ كَلَامِهِ -صلى الله عليه وسلم- يُفَسِّرُ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ النَّوْعِ،
ويُفَسِّرُ الْإِسْلَامَ بِهَذَا.
وَذَلِكَ النَّوْعُ أَعْلَى؛
وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ" .
فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
وَالْمُؤْمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ" ،
فَفَسَّرَ الْمُسْلِمَ بِأَمْر ظَاهِرٍ،
وَهُوَ سَلَامَةُ النَّاسِ مِنْهُ،
وَفَسَّرَ الْمُؤْمِنَ بِأَمْر بَاطِنٍ،
وَهُوَ أَنْ يَأْمَنُوهُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ،
وَهَذِهِ الصِّفَةُ أَعْلَى مِن تِلْكَ؛
فَإِنَّ مَن كَانَ مَأْمُونًا سَلِمَ النَّاسُ مِنْهُ،
وَلَيْسَ كُلُّ مَن سَلِمُوا مِنْهُ يَكُونُ مَأمُونًا،
فَقَد يَتْرُكُ أَذَاهُم وَهُم لَا يَأْمَنُونَ إلَيْهِ؛
خَوْفًا أَنْ يَكُونَ تَرَكَ أَذَاهُم لِرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ،
لَا لِإِيمَانٍ فِي قَلْبِهِ.
وَفِي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَن عَمْرِو بْنِ عبسة أَنَ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: مَا الْإِسْلَامُ؟
قَالَ: "إطْعَامُ الطعَامِ،
وَلينُ الْكَلَامِ" ،
قَالَ: فَمَا الإِيمَانُ؟
قَالَ: السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ" ،
فَإِطْعَامِ الطَّعَامِ عَمَلٌ ظَاهِرٌ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ لِمَقَاصِدَ مُتَعَدِّدَةٍ،
وَكَذَلِكَ لِينُ الْكَلَامِ،
وَأَمَّا السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ فَخُلُقَانِ فِي النفْسِ.
[٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤]
وَأَهْلُ الْبِدَعِ إنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِم الدَّاخِلُ: لِأَنَّهُم أَعْرَضُوا عَن هَذِهِ الطَّرِيقِ،
وَصَارُوا يَبْنُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ يَظُنُّونَ صِحَّتَهَا:
- إمَّا فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ.
- وَإِمَّا فِي الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ.
وَلَا يَتَأَمَّلُونَ بَيَانَ اللهِ وَرَسُولِهِ،
وَكُلُّ مُقَدِّمَاتٍ تُخَالِفُ بَيَانَ اللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ ضَلَالًا،
وَلهَذَا تَكَلَّمَ أَحْمَد فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الرَّد عَلَى مَن يَتَمَسَّكُ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِن الْقُرْآنِ مِن غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِبَيَانِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرْجِئَةَ لَمَّا عَدَلُوا عَن مَعْرِفَةِ كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ أَخَذُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِمَا بِطُرُق ابْتَدَعُوهَا؛
مِثْل أَنْ يَقُولُوا: الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ،
وَالرَّسُولُ إنَّمَا خَاطَبَ النَّاسَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَمْ يُغَيِّرْهَا،
فَيَكُونُ مُرَادُهُ بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقَ،
ثُمَّ قَالُوا: وَالتَّصْدِيقُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ،
أَو بِالْقَلْبِ؛
فَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِن الْإِيمَانِ.
ثُمَّ عُمْدَتهُم فِي أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ قَوْلُهُ:
{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}
[يوسف: ١٧] ؛
أَيْ: بِمُصَدِّقٍ لنَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ،
كِلَاهُمَا مَمْنُوعَةٌ:
[المقدمة الأولى] : لَيْسَ هُوَ مُرَادِفًا لَهُ وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ لِلْمُخْبِرِ إذَا صَدَّقْته: صَدَّقَهُ،
وَلَا يُقَالُ: آمَنَهُ،
وَآمَنَ بِهِ؛
بَل يُقَالُ: آمَنَ لَهُ،
كَمَا قَالَ:
{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}
[العنكبوت: ٢٦] .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَد يُقَالُ: مَا أَنْتَ بِمُصَدِّق لنَا.
قِيلَ: اللَّامُ تَدْخُلُ عَلَى مَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إذَا ضَعُفَ عَمَلُهُ،
إمَّا بِتَأخِيرِهِ،
أَو بِكَوْنِهِ اسْمَ فَاعِلٍ،
أَو مَصْدَرًا،
أَو بِاجْتِمَاعِهِمَا،
فَيُقَالُ: فُلَانٌ يَعْبُدُ اللهَ وَيَخَافُهُ وَيَتَّقِيهِ،
ثُمَّ إذَا ذُكرَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ قِيلَ: هُوَ عَابِدٌ لِرَبِّهِ،
مُتَّقٍ لِرّبِّهِ،
خَائِفٌ لِرَبِّهِ،
وَكَذَلِكَ تَقُولُ: فُلَانٌ يَرْهَبُ اللهَ،
ثُمَّ تَقُولُ: هُوَ رَاهِبٌ لِرِّبهِ،
وَإِذَا ذَكَرْت الْفِعْلَ وَأَخَّرْته تُقَوِّيهِ بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ:
{وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}
[الأعراف: ١٥٤] .
وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِيمَانِ؛
فَإِنَّهُ تَعَدَّى إلَى الضَّمِيرِ بِاللَّامِ دَائِمًا،
لَا يُقَالُ: آمَنْته قَطُّ،
وَإِنَّمَا يُقَالُ: آمَنْت لَهُ،
كَمَا يُقَالُ: أَقْرَرْت لَهُ،
فَكَانَ تَفْسِيرُهُ بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ أَقْرَبَ مِن تَفْسِيرِهِ بِلَفْظِ التَّصْدِيقِ،
مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا .
الثَّانِيْ: أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادِفًا لِلَفْظِ التَّصْدِيقِ فِي الْمَعْنَى،
فَإِنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ عَن مُشَاهَدَةٍ أَو غَيْبٍ يُقَالُ لَهُ فِي اللُّغَةِ: صدَقْت،
كَمَا يُقَالُ: كَذَبْت،
فَمَن قَالَ: السَّمَاءُ فَوْقَنَا،
قِيلَ لَهُ: صَدَقَ،
كَمَا يُقَالُ: كَذَبَ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْإِيمَانِ: فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْخَبَرِ عَن غَائِبٍ،
لَمْ يُوجَدْ فِي الْكَلَامِ أَنَّ مَن أَخْبَرَ عَن مُشَاهَدَةٍ؛
كَقَوْلِهِ: طَلَعَت الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ أَنَّهُ يُقَالُ: آمَنَّاهُ،
كَمَا يُقَالُ: صَدَّقْنَاهُ.
فَإِنَّ الْإِيمَانَ مُشْتَقٌّ مِن الْأَمْنِ،
فَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي خَبَرٍ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُخْبِرُ كَالْأَمْرِ الْغَائِبِ الَّذِي يُؤتَمَنُ عَلَيْهِ الْمُخْبِرُ.
وَلهَذَا لَمْ يُوجَدْ قَطُّ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ لَفْظُ آمَنَ لَهُ إلَّا فِي هَذَا النَّوْعِ.
فَاللَّفْظُ مُتَضَمِّنٌ:
أ - معنى التَّصْدِيقِ.
ب - وَمَعْنَى الِائتِمَانِ وَالْأَمَانَةِ.
كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ وَالِاشْتِقَاقُ؛
وَلهَذَا قَالُوا:
{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}
[يوسف: ١٧] ؛
أَيْ: لَا تُقِرُّ بِخَبَرِنَا وَلَا تَثِقُ بِهِ،
وَلَا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَلَو كُنَّا صَادِقِينَ؛
لِأَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا عِنْدَهُ مِمَن يُؤتَمَنُ عَلَى ذَلِكَ،
فَلَو صَدَقُوا لَمْ يَأمَن لَهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ الْإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ لَمْ يُقَابَل بِالتَّكْذِيبِ كَلَفْظِ التَّصْدِيقِ .. بَل الْمَعْرُوفُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِيمَانِ لَفْظُ الْكُفْرِ.
يُقَالُ: هُوَ مُؤْمِنٌ أَو كَافِرٌ،
وَالْكُفْرُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّكْذِيبِ؛
بَل لَو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ إنَّك صَادِقٌ،
لَكِنْ لَا أَتَّبِعُك؛
بَل أُعَادِيك،
وَأُبْغِضُك،
وَأُخَالِفُك،
وَلَا أُوَافِقُك: لَكَانَ كُفْرُهُ أَعْظَمَ،
فَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ الْمُقَابِلُ لِلْإِيمَانِ لَيْسَ هُوَ التَّكْذِيبَ فَقَط: عُلِمَ أنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيقُ فَقَطْ؛
بَل إذَا كَانَ الْكُفْرُ يَكُونُ تَكْذِيبًا،
ويكُونُ مُخَالَفَةً وَمُعَادَاةً وَامْتِنَاعًا بِلَا تَكْذِيبٍ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ تَصْدِيقًا مَعَ مُوَافَقَةٍ وَمُوَالَاةٍ وَانْقِيَادٍ،
لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ،
فَيَكُونُ الْإسْلَامُ جُزْءَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ،
كَمَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِن الِانْقِيَادِ مَعَ التَّصْدِيقِ جُزْءَ مُسَمَّى الْكُفْرِ،
فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤمِنٍ مُسْلِمًا مُنْقَادًا لِلْأَمْرِ،
وَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ.
وَأَمّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فَيُقَالُ: إنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّهُ مُرَادِفٌ لِلتَّصْدِيقِ فَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّصْدِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ أَو اللِّسَانِ عَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا.
الْمَنْعُ؛
بَل الْأفْعَالُ تُسَمَّى تَصْدِيقًا؛
كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن النَبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزنَاهُمَا النَّظَرُ،
وَالْأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا السَّمْعُ،
وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ،
وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ،
وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى ذَلِكَ
وَيَشْتَهي،
وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَو يُكَذِّبُهُ" .
وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَطَوَائِفُ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: إذَا كَانَ أَصْلُهُ التَّصْدِيقَ فَهُوَ تَصْدِيق مَخْصُوصٌ،
كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ،
وَالْحَجَّ قَصْدٌ مَخْصُوصٌ،
وَالصِّيَامَ إمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ،
وَهَذَا التَّصْدِيقُ لَهُ لَوَازِمُ: صَارَتْ لَوَازِمُهُ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛
فَإِنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ،
وَيَبْقَى النِّزَاعُ لَفْظِيًّا: هَل الْإِيمَانُ دَالٌّ عَلَى الْعَمَلِ بِالتَّضَمُّنِ أَو بِاللُّزُومِ؟
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ أَكْثَرَ التَّنَازُعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: هُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ،
وَإِلَّا فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ مِن الْفُقَهَاءِ -كَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ،
وَهُوَ أَوَّلُ مَن قَالَ ذَلِكَ،
وَمَن اتَّبَعَهُ مِن أَهْلِ الْكوفَةِ وَغَيْرِهِمْ- مُتَّفِقُونَ مَعَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ دَاخِلُونَ تَحْتَ الذَّمِّ وَالْوَعِيدِ،
وَإِن قَالُوا: إنَّ إيمَانَهُم كَامِلٌ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ،
فَهُم يَقُولُونَ: إنَّ الْإِيمَانَ بِدُونِ الْعَمَلِ الْمَفْرُوضِ وَمَعَ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ يَكُونُ صَاحِبُهُ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ؛
كَمَا تَقُولُهُ الْجَمَاعَةُ.
وَيَقُولُونَ أَيْضًا: بِأنَّ مِن أَهْلِ الْكَبَائِرِ مَن يَدْخُلُ النَّارَ كَمَا تَقُولُهُ الْجَمَاعَةُ.
وَاَلَّذِينَ يَنْفُونَ عَن الْفَاسِقِ اسْمَ الْإِيمَانِ مِن أَهْلِ السنَّةِ: مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ.
فَلَيْسَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ نِزَاعٌ فِي أَصْحَاب الذُّنُوب إذَا كَانوا مُقِرِّينَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ،
وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُم مِن أهْلِ الْوَعِيدِ،
وَأَنَّهُ يَدْخُلُ
النَّارَ مِنْهُم مَن أَخْبَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِدُخُولِهِ إلَيْهَا،
وَلَا يُخَلَّدُ مِنْهُم فِيهَا أَحَدٌ،
وَلَا يَكُونُونَ مُرْتَدّينَ مُبَاحِي الدِّمَاءِ.
وَلَكِنَ الأقْوَالَ الْمُنْحَرِفَةَ:
أ- قَوْلُ مَن يَقُولُ بِتَخْلِيدِهِمْ فِي النَّارِ؛
كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
ب- وَقَوْلُ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُم يَدْخُلُ النَّارَ؛
بَل نَقِفُ فِي هَذَا كُلّهِ .. [٧/ ٢٨٦ - ٢٩٧]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَقَد يَكُون الرَّجُلُ مُسْلِمًا يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا،
وَمَعَهُ الْإِيمَانُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِ،
وَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ،
وَلَيْسَ مَعَهُ هَذَا الْإِيمَانُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ،
لَكِنَّ هَذَا يُقَالُ: مَعَهُ مَا أُمِرَ بِهِ مِن الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ.
وَقَد يَكُونُ مُسْلِمًا يَعْبُدُ اللهَ كَمَا أُمِرَ،
وَلَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ،
ويَخَافُهُ ويَرْجُوهُ: وَلَكِنْ لَمْ يَخْلُصْ إلَى قَلْبِهِ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،
وَلَا أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن جَمِيعِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ،
وَأَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ،
وَأَنْ يَخَافَ اللهَ لَا يَخَافَ غَيْرَهُ،
وَأَنْ لَا يَتَوَكَّلَ إلَّا عَلَى اللهِ،
وَهَذِهِ كُلُّهَا مِن الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ،
وَلَيْسَتْ مِن لَوَازِمِ الْإِسْلَامِ؛
فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ،
وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْخُضُوعَ للهِ وَحْدَهُ،
وَالِانْقِيَادَ لَهُ،
وَالْعُبُودِيَّةَ للهِ وَحْدَهُ،
وَهَذَا قَد يَتَضَمَّنُ خَوْفَهُ وَرَجَاءَهُ.
وَأَمَّا طُمَأنِينَةُ الْقَلْبِ بِمَحَبَّتِهِ وَحْدَهُ،
وَأَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،
وَبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ،
وَبِأَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُومِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ: فَهَذِهِ مِن حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ.
فَمَن لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا: لَمْ يَكُن مِن الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا وَإِن كَانَ مُسْلِمًا.
وَكَذَلِكَ وَجَلُ قَلْبِهِ إذَا ذُكرَ اللهُ،
وَكَذَلِكَ زَيادَةُ الْإِيمَانِ إذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آيَاتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَفَوَاتُ هَذَا الْإيمَانِ مِن الذُّنُوبِ أَمْ لَا؟
قِيلَ: إذَا لَمْ يَبْلُغ الْإِنْسَانَ الْخِطَابُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ: لَا يَكُونُ تَرْكهُ مِن الذُّنُوبِ.
وَأَمَّا إنْ بَلَغَهُ الْخِطَابُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ: كَانَ تَرْكهُ مِن الذُّنُوبِ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ.
وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ أو أكْثَرُهُم لَيْسَ عِنْدَهُم هَذِهِ التَّفَاصِيلُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ،
مَعَ أَنَّهُم قَائِمُونَ بِالطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْإِسْلَامِ،
وإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُم ذُنُوبٌ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا مِنْهَا،
وَحَقَائِقُ الْإِيمَانِ الَّتِي فِي الْقُلُوب لَا يَعْرِفُونَ وُجُوبَهَا؛
بَل وَلَا أَنَّهَا مِن الْإِيمَانِ؛
بَل كَثِيرٌ مِمَن يَعْرِفُهَا مِنْهُم يَظُنُّ أنَّهَا مِن النَّوَافِلِ الْمُسْتَحَبَّةِ إنْ صَدَّقَ بِوُجُوبِهَا.
فَالْإِسْلَامُ يَتَنَاوَلُ:
أ - مَن أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيءٌ مِن الْإِيمَانِ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْمَحْضُ.
ب - وَيَتَنَاوَلُ مَن أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ التَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ فِي الْبَاطِنِ وَلَكِنْ لَمْ يَفْعَل الْوَاجِبَ كُلَّهُ،
لَا مِن هَذَا وَلَا هَذَا،
وَهُم الْفُسَّاقُ،
يَكُونُ فِي أَحَدِهِمْ شُعْبَةُ نِفَاقٍ.
ج - ويتَنَاوَلُ مَن أَتَى بِالْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ وَمَا يَلْزَمُهُ مِن الْإِيمَانِ،
وَلَمْ يَأتِ بِتَمَامِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا فُسَّاقًا تَارِكِينَ فَرِيضَةً ظَاهِرَةً،
وَلَا مُرْتَكِبِينَ مُحَرَّمًا ظَاهِرًا،
لَكِنْ تَرَكُوا مِن حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبَةِ عِلْمًا،
وَعَمَلًا بِالْقَلْبِ يَتْبعُهُ بَعْضُ الْجَوَارِحِ مَا كَانُوا بِهِ مَذْمُومِينَ.
وَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ الَّذِي كَانَ يَخَافُهُ السَّلَفُ عَلَى نُفُوسِهِمْ؛
فَإنَّ صَاحِبَهُ قَد يَكونُ فِيهِ شُعْبَةُ نِفَاقٍ.
د - وَبَعْدَ هَذَا مَا مَيَّزَ الله بِهِ الْمُقَرَّبِينَ عَلَى الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ مِن إيمَانٍ وَتَوَابِعِهِ؛
وَذَلِكَ قَد يَكُونُ مِن بَابِ الْمُسْتَحَبَّاتِ،
وَقَد يَكُونُ أيْضًا مِمَّا
فُضِّلَ بِهِ الْمُؤمِنُ: إيمَان وَإِسْلَامٌ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ،
وَلَمْ يَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن رَأَى مِنْكُمْ مُنْكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ،
فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ،
فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ،
وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ" ،
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "فَمَن جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ،
وَمَن جَاهَدَهُم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ،
وَمَن جَاهَدَهُم بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ،
وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" .
فَإِنَّ مُرَادَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا الْإِنْكَارِ مَا يَدْخُل فِي الْإِيمَانِ حَتَّى يَفْعَلَهُ الْمُؤْمِنُ؛
بَل الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ آخِرُ حُدُودِ الْإِيمَانِ.
لَيْسَ مُرَادُهُ: أَنَّ مَن لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ لَمْ يَكُن مَعَهُ مِن الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ؛
وَلهَذَا قَالَ: "لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ" فَجَعَلَ الْمُؤمِنِينَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ،
وَكُل مِنْهُم فَعَلَ الْإِيمَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ،
لَكِنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا كَانَ أَقْدَرَهُم كَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْمَلَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي،
وَكَانَ مَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي أَكْمَلَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ،
وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِم بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ مَعَ بُلُوغِ الْخِطَابِ إلَيْهِم كُلِّهِمْ . [٧/ ٤٢٦ - ٤٢٨]
فاسْمُ الْإِيمَانِ:
- تَارَةً يُطْلَقُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ مِن الْأَقْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ؛
مِن التَّصْدِيقِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتَكُونُ الْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْأَعْمَالُ: لَوَازِمهُ وَمُوجِبَاتهُ وَدَلَائِلهُ.
- وَتَارَةً عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ،
جُعِلَا لِمُوجَبِ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّاهُ.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.