الإسلام > فتاوى > عقيدة > سؤال من الأخ: ع. م. ح من اليمن يقول فيه: يوجد في بلادنا أناس متمسكون…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
الحمد لله وحده،
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين،
أما بعد: فاعلم - وفقك الله - أن الله سبحانه إنما خلق الخلق وأرسل الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ليعبد وحده لا شريك له دون ما سواه،
كما قال تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
،
والعبادة هي طاعته سبحانه وطاعة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - بفعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله.
عن إيمان بالله ورسوله وإخلاص لله في العمل كما قال تعالى:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}
،
أي أمر وأوصى بأن يعبد وحده،
وقال تعالى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
،
أبان سبحانه بهذه الآيات أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ويستعان به وحده،
وقال - عز وجل -:
{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}
،
وقال سبحانه:
{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}
،
وقال تعالى:
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}
،
والآيات في هذا المعنى كثيرة،
وكلها تدل على وجوب إفراد الله بالعبادة،
ومعلوم أن الدعاء بأنواعه من العبادة،
فلا يجوز لأحد من الناس أن يدعو إلا ربه ولا يستعين ولا يستغيث إلا به؛
عملا بهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها.
وهذا فيما عدا الأمور العادية والأسباب الحسية التي يقدر عليها المخلوق الحي الحاضر،
فإن تلك ليست من العبادة،
بل يجوز بالنص والإجماع أن يستعين الإنسان بالإنسان الحي القادر في الأمور العادية التي يقدر عليها،
كأن يستعين
به أو يستغيث به في دفع شر ولده أو خادمه أو كلبه وما أشبه ذلك،
وكأن يستعين الإنسان بالإنسان الحي الحاضر القادر أو الغائب بواسطة الأسباب الحسية كالمكاتبة ونحوها في بناء بيته،
أو إصلاح سيارته،
أو ما أشبه ذلك،
ومن هذا الباب قول الله - عز وجل - في قصة موسى - عليه الصلاة والسلام -:
{الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}
،
ومن ذلك استغاثة الإنسان بأصحابه في الجهاد والحرب ونحو ذلك،
فأما الاستغاثة بالأموات والجن والملائكة والأشجار والأحجار فذلك من الشرك الأكبر،
وهو من جنس عمل المشركين الأولين مع آلهتهم كالعزى واللات وغيرهما،
وهكذا الاستغاثة والاستعانة بمن يعتقد فيهم الولاية من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله،
كشفاء المرضى وهداية القلوب ودخول الجنة والنجاة من النار وأشباه ذلك،
والآيات السابقات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث كلها تدل على وجوب توجيه القلوب إلى الله في جميع الأمور وإخلاص العبادة لله وحده؛
لأن العباد خلقوا لذلك،
وبه أمروا كما سبق في الآيات،
وكما في
قوله سبحانه:
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}
،
وقوله سبحانه:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
الآية،
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاذ - رضي الله عنه -: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » متفق على صحته،
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار » رواه البخاري،
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي أهل كتاب،
فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله » وفي لفظ: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأني رسول الله » وفي رواية للبخاري: «فادعهم إلى أن يوحدوا الله » وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله،
حرم ماله ودمه،
وحسابه على الله عز وجل » .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة،
وهذا التوحيد هو أصل دين الإسلام،
وهو أساس الملة،
وهو رأس الأمر،
وهو أهم الفرائض،
وهو الحكمة من خلق الثقلين والحكمة من إرسال الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام كما تقدمت الآيات الدالة على ذلك،
ومنها قوله سبحانه:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
،
ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله - عز وجل -:
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
،
وقوله سبحانه:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}
،
وقال - عز وجل - عن نوح وهود وصالح وشعيب - عليهم الصلاة والسلام - إنهم قالوا لقومهم:
{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}
،
وهذه دعوة الرسل جميعا كما دلت على ذلك الآيتان السابقتان.
وقد اعترف أعداء الرسل بأن الرسل أمروهم بإفراد الله بالعبادة وخلع الآلهة المعبودة من دونه،
كما قال - عز وجل - في قصة عباداتهم قالوا لهود - عليه الصلاة والسلام -:
{أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}
،
وقال - سبحانه وتعالى - عن قريش لما دعاهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى إفراد الله بالعبادة وترك ما يعبدون من دونه من الملائكة والأولياء والأصنام والأشجار وغير ذلك:
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}
وقال عنهم - سبحانه - في سورة الصافات:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}
{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة.
ومما ذكرناه من الآيات والأحاديث يتضح لك - وفقني الله وإياك للفقه في الدين والبصيرة بحق رب العالمين - أن هذه الأدعية وأنواع الاستغاثة التي بينتها في سؤالك كلها من أنواع الشرك الأكبر؛
لأنها عبادة لغير الله وطلب لأمور لا يقدر عليها سواه من الأموات والغائبين،
وذلك أقبح من شرك الأولين؛
لأن الأولين إنما يشركون في حال الرخاء،
وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة؛
لأنهم يعلمون أنه سبحانه هو القادر على تخليصهم من الشدة دون غيره،
كما قال - تعالى - في كتابه المبين عن أولئك المشركين:
{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}
،
وقال - سبحانه وتعالى -
يخاطبهم في آية أخرى في سورة سبحان:
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا}
،
فإن قال قائل من هؤلاء المشركين المتأخرين: إننا لا نقصد أن أولئك ينفعون بأنفسهم،
ويشفون مرضانا بأنفسهم،
أو يعينونا بأنفسهم،
أو يضرون عدوا بأنفسهم،
وإنما نقصد شفاعتهم إلى الله في ذلك.
ف
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.