كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢٨٧٧ - الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ مِن صَلَاةِ الْجِنَازَةِ هُوَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَلهَذَا كَانَ عَامَّةُ مَا فِيهَا مِن الذِّكْرِ دُعَاءً. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْعُلَمَاءُ: هَل فِيهَا قِرَاءَةٌ

الإسلام > فتاوى > عقيدة > كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢٨٧٧ - الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ مِن صَلَاةِ الْ…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢٨٧٧ - الْمَقْصُودُ الْأَكْبَ…»

عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ،
وَلَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهَا دُعَاءً بِعَيْنِهِ،
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يتوقت فِيهَا وُجُوبُ شَيْءٍ مِن الْأَذْكَارِ،
وَإِن كَانَت قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا سُنَّةً كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛
فَالنَّاسُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ: قِيلَ: تُكْرَهُ،
وَقِيلَ: تَجِبُ،
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لَا تُكْرَهُ وَلَا تَجِبُ،
فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا فرْآنٌ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ،
فَلَو كَانَت الْفَاتِحَةُ وَاجِبَةً فِيهَا كَمَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ التَّامَّةِ لَشُرِعَ فِيهَا قِرَاءَة زَائِدَةٌ عَلَى الْفَاتِحَةِ.
[٢١/ ٢٨٦]

٢٨٧٨ - إنَّ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

مِنهُم مَن لَا يَرَى فِيهَا قِرَاءَةً بِحَالٍ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ،
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.

وَمِنْهُم مَن يَرَى الْقِرَاءَةَ فِيهَا سُنَّةً؛
كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَغَيْرِهِ.

ثُمَّ مِن هَؤلَاءِ مَن يَقُولُ الْقِرَاءَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ كَالصَّلَاةِ.

وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: بَل هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً،
وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ؛
فَإِنَّ السَّلَفَ فَعَلُوا هَذَا وَهَذَا،
وَكَانَ كِلَا الْفِعْلَيْنِ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ،
كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِقِرَاءَةٍ وَغَيْرِ قِرَاءَةٍ،
كَمَا كَانوا يُصَلُّونَ تَارَةً بِالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَتَارَةً بِغَيْرِ جَهْرٍ بِهَا،
وَتَارَةً بِاسْتِفْتَاحٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ اسْتِفْتَاحٍ،
وَتَارَةً بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي

الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ وَتَارَة بِغَيْرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ،
وَتَارَةً يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ وَتَارَةً تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً،
وَتَارَةً يَقْرَؤُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ بِالسِّرِّ وَتَارَةً لَا يَقْرَؤُونَ،
وَتَارَة يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعًا وَتَارَةً خَمْسًا وَتَارَةً سَبْعًا،
كَانَ فِيهِمْ مَن يَفْعَلُ هَذَا وَفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ هَذَا.

كُلُّ هَذَا ثَابِتٌ عَنِ الصَّحَابَةِ،
كَمَا ثَبَتَ عَنْهُم أَنَّ مِنْهُم مَن كَانَ يُرَجِّعُ فِي الْأَذَانِ وَمِنْهُم مَن لَمْ يُرَجِّعْ فِيهِ،
وَمِنْهُم مَن كَانَ يُوتِرُ الْإِقَامَةَ وَمِنْهُم مَن كَانَ يَشْفَعُهَا،
وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
[٢٤/ ١٩٦ - ١٩٧]

٢٨٧٩ - إذَا حَضَرَ الْجِنَازَةَ مَن لَمْ يُصَلِّ أَوَّلًا: فَهَل لِمَن صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ تَبَعًا كَمَا يَفْعَلُ مِثْل هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ؟
عَلَى وَجْهَيْنِ:

قِيلَ: لَا يَجُوزُ هُنَا؛
لِأَنَّ فِعْلَهُ هُنَا نَفْلٌ بِلَا نِزَاعٍ،
وَهِيَ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا.
[٢٣/ ٢٦٣]

وَقِيلَ: بَل لَهُ الْإِعَادَةُ؛
فَإِنَّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ صَلَّى خَلْفَهُ مَن كَانَ قَد صَلَّى أَوَّلًا،
وَهَذَا أَقْرَبُ؛
فَإِنَّ هَذِهِ الْإِعَادَةَ بِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ،
لَا إعَادَةً مَقْصُودَةً،
وَهَذَا سَائِغٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالْجِنَازَةِ.
[٢٤/ ٢٦٥]

٢٨٨٠ - سُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: هَل يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ إذَا مَرِضَ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَعُودَهُ وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَتْبَعَ جِنَازَتَهُ؟

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
لَا يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ،
وَأَمَّا عِيَادَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَا،
فَإِنَّهُ قَد يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِتَأْلِيفِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ،
فَإِذَا مَاتَ كَافِرًا فَقَد وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛
وَلهَذَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.

٢٨٨١ - مَن كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ: مِنَ الْمُنَاكَحَةِ والموارثة وَتَغْسِيلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛
لَكِنْ مَن عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ وَالزَّنْدَقَةُ،
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَن عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ.

وَأَمَّا مَن كَانَ مُظْهِرًا لِلْفِسْقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِم بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ.

وَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِهِمْ زَجْرًا لِأَمْثَالِهِ عَن مِثْل مَا فَعَلَهُ كَمَا امْتَنَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ،
وَعَلَى الْغَالِّ،
وَعَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ،
وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَع - كَانَ عَمَلُهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ حَسَنًا.

وَهَذَا مِن جِنْسِ هَجْرِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكَبَائِرِ حَتَّى يَتُوبُوا،
فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا.

وَمَن صَلَّى عَلَى أَحَدِهِمْ يَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللهِ وَلَمْ يَكُن فِي امْتِنَاعِهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا.

وَلَو امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْلَى مِن تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا.

وَكُلُّ مَن لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ النِّفَاقُ وَهُوَ مُسْلِمٌ يَجُوزُ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ بَل يُشْرَعُ ذَلِكَ وَيُؤْمَرُ بِهِ.
[٢٤/ ٢٨٥ - ٢٨٦]

٢٨٨٢ - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يُخَلِّفَ وَفَاءً قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِن وَفَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ،
فَلمَّا تَمَكَّنَ صَارَ هُوَ يُوَفِّيهِ مِن عِنْدِهِ فَصَارَ الْمَدِينُ يُخَلِّفُ وَفَاءَ.

هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ أبُو مُوسَى عَنْه: "إنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللهِ أَنْ يَلْقَاهُ عَبْدٌ بِهَا بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا اُّنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْن لَا يَدَعُ قَضَاءً" رَوَاهُ أَحْمَد .

فَثبتَ بِهَذَا أَنَّ تَرْكَ الدَّيْنِ بَعْدَ الْكَبَائِرِ . [٢٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩]

٢٨٨٣ - وَسُئِلَ رحمهُ اللهُ: عَن رَجُلٍ يَدَّعِي الْمَشْيَخَةَ،
فَرَأَى ثُعْبَانًا فَقَامَ بَعْضُ مَن حَضَرَ لِيَقْتُلَهُ فَمَنَعَهُ عَنْهُ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ عَلَى مَعْنَى الْكَرَامَةِ لَهُ فَلَدَغَهُ الثُّعْبَانُ فَمَاتَ،
فَهَل تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟

فَأَجَابَ: يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَتْرُكُوا الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ وَإِن كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ.

وَقَالُوا لسمرة بْنِ جُنْدُبٍ: إنَّ ابْنَك الْبَارِحَةَ لَمْ يَبِتْ،
فَقَالَ: بَشَمًا؟
قَالُوا: نَعَمْ،
قَالَ: أمَا إنَّهُ لَو مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ.

فَبَيَّنَ سَمُرَةُ أَنَّهُ لَو مَاتَ بَشَمًا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ؛
لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ.

فَهَذَا الَّذِي مَنَعَ مِن قَتْلِ الْحَيَّةِ وَأَمْسَكَهَا بيَدِهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ أَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ؛
لِأَنَّهُ قَاتِلُ نَفْسِهِ ؛
بَل لَو فَعَلَ هَذَا غَيْرُهُ بِهِ لَوَجَبَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ.

وَإِن قِيلَ: إنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ،
فَهَذَا شَبِيهُ عَمَلِهِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَكَلَ حَتَّى بَشَمَ،
فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ.

فَمَن جَنَى جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِبًا كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ وَإِمْسَاكُ الْحَيَّاتِ مِن نَوْعِ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُبَاحٍ،
وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَذَا الْفِعْلِ إلَّا إظْهَارَ خَارِقِ

الْعَادَةِ وَلَمْ يَكُن مَعَهُ مَا يَمْنَعُ انْخِرَاقَ الْعَادَةِ،
كَيْفَ وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ كَذَّابُونَ مُلَبِّسُونَ خَارِجُونَ عَن أَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَنَهْيِهِ.
[٢٤/ ٢٩٠ - ٢٠١]

٢٨٨٤ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ رَكِبَ الْبَحْرَ لِلتِّجَارَةِ فَغَرِقَ،
فَهَل مَاتَ شَهِيدًا؟

فَأَجَابَ: نَعَمْ مَاتَ شَهِيدًا إذَا لَمْ يَكُن عَاصِيًا بِرُكُوبِهِ،
فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "الْغَرِيقُ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ،
وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ،
وَالْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ شَهِيدٌ،
وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ في نِفَاسِهَا شَهِيدَةٌ،
وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ" ،
وَجَاءَ ذِكْرُ غَيْرِ هَؤُلَاءِ .

وَرُكُوبُ الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ جَائِزٌ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ.

وَأَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَقَد أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ إنَّهُ شَهِيدٌ.
[٢٤/ ٢٩٣]

٢٨٨٥ - لَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَ الْجِنَازَةِ لَا بِقِرَاءَة وَلَا ذِكْرٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ،
هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ،
وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ،
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
[٢٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤]

٢٨٨٦ - أَهْلُ الْكِتَابِ عَادَتُهُم رَفْعُ الْأَصْوَاتِ مَعَ الْجَنَائِزِ.
[٢٤/ ٢٩٥]

٢٨٨٧ - وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللهُ: عَنِ امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ بَعْلُهَا مُسْلِمٌ تُوُفِّيَتْ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لَهُ سَبْعَةُ أَشْهُرٍ،
فَهَل تُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَو مَعَ النَّصَارَى؟

فَأَجَابَ: لَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مَقَابِرِ النَّصَارَى؛
لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فَلَا يُدْفَنُ الْكَافِرُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْمُسْلِمُ مَعَ الْكَافِرِينَ؛
بَل تُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ؛
لِأَنَّ وَجْهَ الطِّفْلِ إلَى ظَهْرِهَا،
فَإِذَا دُفِنَتْ كَذَلِكَ كَانَ وَجْهُ الصَّبِيِّ الْمُسْلِمِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،
وَالطِّفْلُ يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَإِن كَانَت أُمُّهُ كَافِرَةً بِاتفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
[٢٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦]

٢٨٨٨ - تَلْقِينُهُ [أي: الميت] بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ،
وَلَا كَانَ مِن عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِ بَيْنَهُم عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَخُلَفَائِهِ.

بَل ذَلِكَ مَأْثُورٌ عَن طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛
كَأَبِي أمامة وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ،
فَمِنَ الْأَئِمَّةِ مَن رَخَّصَ فِيهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَد،
وَقَد اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ،
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَن يَكْرَهُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ.

فَالْأَقْوَالُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ: الِاسْتِحْبَابُ،
وَالْكَرَاهَةُ،
وَالْإِبَاحَةُ،
وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.

فَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ.

وَأمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فَكَرهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ،
وَلَمْ يَكُن يَكْرَهُهَا فِي الْأُخْرَى،
وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِيهَا لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِهِ بِفَوَاتِحِ الْبَقَرَةِ وَخَوَاتِيمِهَا،
وَرُوِيَ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛
فَالْقِرَاءَةُ عِنْدَ الدَّفْنِ مَأْثُورَةٌ فِي الْجُمْلَةِ،
وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ أَثَرٌ.
[٢٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨]

٢٨٨٩ - اسْتِئْجَارُ النَّاسِ لِيَقْرَؤُوا وَيُهْدُوهُ إلَى الْمَيِّتِ لَيْسَ بِمَشْرُوع،
وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ؛
فَإِنَّ الْقُرْاَنَ الَّذِي يَصِلُ: مَا قُرِئَ للهِ،
فَإِذَا كَانَ قَد

اسْتُؤْجِرَ لِلْقِرَاءَةِ للهِ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَن الْمَيِّتِ بَل اسْتَأْجَرَ مَن يَقْرَأُ عِبَادَةً للهِ عَزَّ وَجلَّ: لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ.

لَكِنْ إذَا تَصَدَّق عَنِ الْمَيِّتِ عَلَى مَن يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَو غَيْرِهِمْ: يَنْفَعُهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ،
وَكَذَلِكَ مَن قَرَأَ الْقُرْآنَ مُحْتَسِبًا وَأَهْدَاهُ إلَى الْمَيِّتِ نَفَعَهُ ذَلِكَ.
[٢٤/ ٣٠٠]

٢٨٩٠ - جعْلُ الْمُصْحَفِ عِنْدَ الْقُبُورِ وَإِيقَادُ الْقَنَادِيلِ هُنَاكَ: مَكْرُوهٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ،
وَلَو كَانَ قَد جَعَلَ الْقِرَاءَةَ فِيهِ هُنَالِكَ،
فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِيهِ؟
فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" .

فَإِيقَاد السُّرُجِ مِن قِنْدِيلٍ وَغَيْرِهِ عَلَى الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا.

وَأَمَّا جَعْلُ الْمَصَاحِفِ عِنْدَ الْقُبُورِ لِمَن يَقْصِدُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ هُنَاكَ وَتِلَاوَتَهُ فَبِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ؛
بَل هِيَ تَدْخُلُ فِي مَعْنَى "اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ" . [٢٤/ ٣٠٠ - ٣٠٢]

٢٨٩١ - لَا يُنْبَشُ الْمَيِّتُ مِن قَبْرِهِ إلَّا لِحَاجَة،
مِثْل أَنْ يَكُونَ الْمَدْفَنُ الْأَوَّلُ فِيهِ مَا يُؤْذِي الْمَيِّتَ،
فَيُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِ،
كَمَا نَقَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي مِثْل ذَلِكَ.
[٢٤/ ٣٠٣]

٢٨٩٢ - أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ إذَا قُبِضَتْ تَجْتَمِعُ بِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى،
وَيَسْأَلُ الْمَوْتَى الْقَادِمَ عَلَيْهِم عَن حَالِ الْأَحْيَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟
فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ تَزَوَّجَ،
فُلَانٌ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ،
وَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟
فَيَقُولُ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ؟
فَيَقُولُونَ: لَا،
ذُهِبَ بِهِ إلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ.

وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْمَوْتَى فَتَجْتَمِعُ،
الْأَعْلَى يَنْزِلُ إلَى الْأَدْنَى،
وَالْأَدْنَى لَا يَصْعَدُ إلَى الْأَعْلَى.

وَالرُّوحُ تُشْرِفُ عَلَى الْقَبْرِ وَتُعَادُ إلَى اللَّحْدِ أَحْيَانًا،
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِن رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عليه السلام" .

وَالْمَيِّتُ فَد يَعْرِفُ مَن يَزُورُهُ.
[٢٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥]

٢٨٩٣ - الْأَئِمَّةُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ،
وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ؛
كَالْعِتْقِ.

وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛
كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ ،
وَمَعَ هَذَا فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَامُ نَذْرٍ،
قَالَ: "أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فقضيتيه أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟
" ،
قَالَتْ: نَعَمْ،
قَالَ: "فَصُومِي عَن أُمِّك" .

وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَت إلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: إنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟
قَالَ: "أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أُخْتِك دَيْنٌ أَكُنْت تَقْضِيهِ؟
" ،
قَالَتْ: نَعَمْ،
قَالَ: "حَقُّ اللهِ أَحَقُّ بالوفاء" .

وَفِي "الصَّحِيحَيْن" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ جَاءَت إلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟
فَقَالَ: "حُجِّي عَنْهَا" .

فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُ أَمَرَ بِحَجِّ الْفَرْضِ عَنِ الْمَيِّتِ وَبِحَجِّ النَّذْرِ،
كَمَا أَمَرَ بِالصِّيَامِ،
وَأَنَّ الْمَأْمُورَ تَارَةً يَكُونُ وَلَدَا،
وَتَارَةً يَكُونُ أَخًا،
وَشَبَّهَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- ذَلِكَ بِالدَّيْنِ يَكُونُ عَلَى الْمَيِّتِ،
وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِن كُلِّ أَحَدٍ،

فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ مِن كلِّ أَحَدٍ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلَدِ،
كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْأَخِ.

فَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عِلْمٌ مُفَصَّلٌ مُبَيِّنٌ،
فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ:

{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى }

[النجم: ٣٩] ،
"إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ" ؛
بَل هَذَا حَقٌّ وَهَذَا حَقٌّ.

أَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ: لا انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " ،
فَذِكْرُ الْوَلَدِ وَدُعَاؤُهُ لَهُ خَاصَّيْنِ؛
لِأَنَّ الْوَلَدَ مِن كَسْبِهِ.

فَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّاعِيَ فِي وُجُودِ الْوَلَدِ: كَانَ عَمَلُهُ مِن كَسْبِهِ،
بِخِلَافِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْأَبِ وَنَحْوِهِمْ،
فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ أَيْضًا بِدُعَائِهِمْ بَل بِدُعَاءِ الْأَجَانِبِ،
لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن عَمَلِهِ.

وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ"،
لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.

فَإِذَا دَعَا لَهُ وَلَذهُ كَانَ هَذَا مِن عَمَلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ،
وَإِذَا دَعَا لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُن مِن عَمَلِهِ لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ.

وَأَمَّا الْآيَةُ .. فَإِنَّهُ قَالَ:

{لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى }

وَهَذَا حَقٌّ،
فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ سَعْيَهُ،
فَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَيَسْتَحِقُّهُ،
كَمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ مِنَ الْمَكَاسِبِ مَا اكْتَسَبَهُ هُوَ،
وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَمِلْكٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ لَا لَهُ،
لَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِسَعْيِ غَيْرِهِ،
كَمَا يَنْتَفِعُ الرَّجُلُ بِكَسْبِ غَيْرِهِ.

وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ أَو الْحَيُّ أَو يُرْحَمُ بِهِ يَكُونُ مِن سَعْيِهِ؛
بَل أَطْفَالُ الْمُومِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مَعَ آبَائِهِمْ بِلَا سَعْيٍ.
[٢٤/ ٣٠٩ - ٣١٣]

٢٨٩٤ - الصَّدَقَةُ عَنِ الْمَيِّتِ يَنْتَفِعُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .. وَكَذَلِكَ يَنْفَعُهُ الْحَجُّ عَنْهُ،
وَالْأُضْحِيَّةُ عَنْهُ،
وَالْعِتْقُ عَنْهُ،
وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ،
بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ،
وَأَمَّا الصِّيَامُ عَنْهُ وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَنْهُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.

وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِنَفْسِ الْقِرَاءَةِ وَالْإِهْدَاءِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ،
فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ،
وَالْأَذَانِ،
وَالْإِمَامَةِ،
وَالْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ؛
لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ ،
فَقِيلَ: يَصِحُّ لِذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.

وَقِيلَ: لَا يَجُوز.

وَقِيلَ: يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ،
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد،
كَمَا أَذِنَ اللهُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ الْفَقْرِ وَيَسْتَغْنِيَ مَعَ الْغِنَى،
وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِن غَيْرِهِ.

عَلَى هَذَا: فَإِذَا فَعَلَهَا الْفَقِيرُ للهِ،
وَإِنَّمَا أَخَذَ الْأُجْرَةَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَليَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ فَاللهُ يَأْجُرُهُ عَلَى نِيَّتِهِ،
فَيَكُونُ قَد أَكَلَ طَيِّبًا وَعَمِلَ صَالِحًا.

وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إلَّا لِأَجْلِ الْعُرُوضِ فَلَا ثَوَابَ لَهُم عَلَى ذَلِكَ،
وَإِذَا لَمْ يَكن فِي ذَلِكَ ثَوابٌ فَلَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ شَيْءٌ؛
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْعَمَلِ لَا نَفْسُ الْعَمَلِ؛
فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى مَن يَسْتَحِقُّهُ وَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْمَيِّتِ وَإِن قَصَدَ بِذَلِكَ مَن يَسْتَعِينُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ كَانَ أَفْضَلَ وَأَحْسَنَ فَإِنَّ إعَانَةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ مِن أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.

وَأَمَّا صَنْعَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا يَدْعُونَ النَّاسَ إلَيْهِ فَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِدْعَةٌ.
[٢٤/ ٣١٤ - ٣١٦]

٢٨٩٥ - الْعُلَمَاءُ لَهُم فِي وُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛
كَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ إلَى الْمَيِّتِ قَوْلَانِ،
أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَصِلُ.

وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ،
وَمَن قَالَ: إنَّهُ عِنْدَ الْقَبْرِ يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِسَمَاعِهَا دُونَ مَا إذَا بَعُدَ الْقَارِئُ: فَقَوْلُهُ هَذَا بِدْعَة بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.

وَالْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِأَعْمَال يَعْمَلُهَا هُوَ بَعْد الموت: لَا مِن اسْتِمَاعٍ وَلَا قِرَاءَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِآثَارِ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاتِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَو عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" .

وَيُنْتَفَعُ أَيْضًا بِمَا يُهْدَى إلَيْهِ مِن ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ؛
كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِمْ.
[٣١/ ٤١ - ٤٢]

٢٨٩٦ - أَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَتُسَمَّى "مَشاهِدَ" : فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ؛
بَل جَمِيعُ الْأُمَّةِ يَنْهَوْنَ عَن ذَلِكَ،
لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا" .

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا فِيهَا فَضْلٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا،
أَو أَنَّهَا

أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ: فَقَد فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَمَرَقَ مِنَ الدِّينِ .

بَلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَنْهِي عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ.
[٢٤/ ٣١٨]

٢٨٩٧ - لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْقُلَ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَخطَبَهُم مِن مَسْجِدٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ إلَى مَشْهَدِ مِن مَشَاهِدِ الْقُبُورِ وَنَحْوِهَا،
بَل ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الضَّلَالَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ،
حَيْثُ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَفَعَلُوا مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ،
وَتَرَكُوا السُّنَّةَ وَفَعَلُوا الْبِدْعَةَ،
تَرَكُوا طَاعَةَ اللهِ وَرَسولِهِ،
وَارْتَكَبُوا مَعْصِيَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ؛
بَل يَجِبُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ بَيْتٌ مِن بُيُوتِ اللهِ.

وَأَمَّا الْقُبُورُ الَّتِي فِي الْمَشَاهِدِ وَغَيْرِهَا؛
فَالسُّنَّةُ لِمَن زَارَهَا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَدْعُوَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ.
[٢٤/ ٢٣٠]

٢٨٩٨ - الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ: أَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ بِأْنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ،
وَكَانُوا يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا أَمَرَ اللهُ بِذَلِكَ لِأَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ عَلَى الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَيِّتِ،
وَأَمَرَ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ الصَّوْمَ،
فَالصَّدَقَةُ عَنِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ،
وَكَذَلِكَ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ فِي الصَّوْمِ عَنْهُمْ.

وَبِهَذَا وَغَيْرِه احْتَجَّ مَن قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَجُوزُ إهْدَاءُ ثَوَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ إلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ.

فَإِذَا أَهْدَى لِمَيِّت ثَوَابَ صِيَامٍ أَو صَلَاةٍ أَو قِرَاءَةٍ جَازَ ذَلِكَ.

وَمَعَ هَذَا: فَلَمْ يَكُن مِن عَادَةِ السَّلَفِ إذَا صَلَّوْا تَطَوُّعًا وَصَامُوا وَحَجُّوا أَو قَرَؤُوا الْقُرْآنَ يُهْدُونَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِمَوْتَاهُم الْمُسْلِمِينَ وَلَا لِخُصُوصِهِمْ؛
بَل كَانَ عَادَتُهُم كَمَا تَقَدَّمَ،
فَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَعْدِلُوا عَن طَرِيقِ السَّلَفِ،
فَإِنَّهُ أَفْضَل وَأَ كْمَلُ.
[٢٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣]

٢٨٩٩ - القراءة على الميت بعد موته بدعة،
بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بياسين.
[المستدرك ٣/ ١٤٢]

٢٩٠٠ - اختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض،
وتشميت العاطس وابتداء السلام،
والذي يدل عليه النص وجوب ذلك،
فيقال: هو واجب على الكفاية.
[المستدرك ٣/ ١٣٩]

٢٩٠١ - وسمعت شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية رحمهُ اللهُ يقول -وقد عرض له بعض الألم- فقال له الطبيب: أضر ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه والذكر،
فقال الشيخ: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويت وفرحت أوجب فرحها لها قوة تعين بها الطبيعة على دفع المعارض فإنه عدوها فإذا قويت عليه قهرته،
فقال له الطبيب: بلى،
فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم وظفرت بما يشكل عليها منه فرحت به وقويت فأوجب ذلك دفع المعارض هذا أو نحوه من الكلام . [المستدرك ٣/ ١٣٩]

٢٩٠٢ - كان الشيخ تقي الدين رحمهُ اللهُ يكتب على جبهة الراعف:

{وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ}

[هود: ٤٤] .

قال: ولا يجوز كتابتها بدم،
فإن الدم نجس،
فلا يجوز أن يكتب به كلام الله.

وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع،
من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي،
فإن هذا لا يحل لك،
فيفيق المصروع،
وربما خاطبها بنفسها،
وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم،
وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا.

وكان كثيرًا ما يقرأ في أذن المصروع:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }

[المؤمنون: ١١٥] .

وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع،
فقالت الروح: نعم،
ومد بها صوته،
قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى تخلت يداي من الضرب،
ولم يشك الحاضرون بأنه يموت لذلك الضرب،
ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه،
فقلت لها: هو لا يحبك،
قالت: أنا أريد أن أحج به،
فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك،
فقالت: أنا أدعه كرامة لك،
قال: قلت: لا،
ولكن طاعة لله ورسوله،
قالت: فأنا أخرج منه،
قال: فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا،
وقال ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟
قالوا له: وهذا الضرب كله،
فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب،
ولم يشعر بأنه وقع به ضرب ألبتة.

وكان يعالج بآية الكرسي،
وكان يامر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين.
[المستدرك ٣/ ١٤٠ - ١٤١]

٢٩٠٣ - إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه،
كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله كما قال تعالى: {وَمِنْ

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 428 · كتاب الجنائز

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢٨٧٧ - الْمَقْصُودُ الْأَكْبَ…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر