الإسلام > فتاوى > عقيدة > لا نقول: إنهم معصومون، بل يقع منهم أشياء تخالف الشرع، ولولا ما يحدث …
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
-وبالله التوفيق- قد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبريل بالاعتقاد الباطن فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،
وتؤمن بالقدر خيره وشره" ١.
والأحاديث في إثبات القدر كثيرة جدا.
والقدر الذي يجب الإيمان به على درجتين:
الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر،
وطاعة ومعصية،
قبل خلقهم وإيجادهم،
ومن هو منهم من أهل الجنة،
ومن هو من أهل النار؛
وأعد لهم الثواب،
والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم؛
وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه،
وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه،
وكتابه.
والدرجة الثانية: الإيمان بأن الله خلق أفعال العباد كلها: من الكفر والإيمان،
والطاعة والعصيان،
وشاءها منهم؛
فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة،
وينكرها جميع القدرية،
يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد،
ولا شاءها منهم،
بل هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم من خير وشر،
وطاعة ومعصية.
والدرجة الأولى نفاها غلاة القدرية: كمعبد الجهني،
وعمرو بن عبيد؛
ونص أحمد والشافعي على كفر هؤلاء.
القول بأن الله لم يخلق أعمال العباد ولم يشأها
وأما من قال: إن الله لم يخلق أعمال العباد ولم يشأها منهم،
مع إقرارهم بالعلم،
ففي تكفيرهم نزاع مشهور بين أهل العلم.
فحقيقة القدر الذي فرض علينا الإيمان به أن نعتقد أن الله -سبحانه وتعالى- علم ما العباد عاملون قبل أن يوجدهم،
وأنه كتب ذلك عنده،
وأن أعمال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله،
واقعة بمشيئته،
فما شاء كان،
وما لم يشأ لم يكن،
قال الله -تعالى-:
{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}
١،
وقال:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ}
٢،
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا}
٣،
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا}
٤.
فهذه الآيات ونحوها صريحة في أن أعمال العباد خيرها وشرها،
وضلالهم واهتداءهم،
كل ذلك صادر عن مشيئته،
وقال –تعالى-:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
٥ وقال:
{إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}
٦،
فدل ذلك على أن الله –سبحانه- هو الذي جعلها فاجرة،
أو تقية،
وأنه خلق الإنسان هلوعا،
خلقه متصفا بالهلع.
وقال:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}
٧،
ففي هذه الآية بيان أن الله خلق المؤمن وإيمانه،
والكافر وكفره.
وقد صنف البخاري -رحمه الله تعالى- كتاب خلق أفعال العباد،
واستدل بهذه الآيات،
أو بعضها على ذلك،
وفي الحديث: "إن الله خلق كل صانع وصنعته" .
الأدلة على تقدم علم الله سبحانه بجميع الكائنات قبل إيجادها
أما الأدلة على تقدم علم الله -سبحانه- بجميع الكائنات قبل إيجادها،
وكتابته ذلك،
ومنها السعادة والشقاوة،
وبيان أهل الجنة وأهل النار قبل
أن يوجدهم،
فكثيرة جدا،
كقوله -تعالى-:
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
١.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ٢،
وفي حديث آخر: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" ٣.
والأحاديث في هذا كثيرة جدا،
فهؤلاء الذين وصفنا قولهم بأن الله لم يخلق أفعال العباد،
ولا شاءها منهم،
هم القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة.
وقابلتهم طائفة أخرى غلوا في إثبات القدر،
وهم يسمون الجبرية،
فقالوا: إن العبد مجبور مقهور على ما يصدر منه،
لا قدرة له فيه،
ولا اختيار؛
بل هو كغصن الشجرة الذي تحركه الريح.
والذي عليه أهل السنة،
والجماعة: الإيمان بأن أفعال العباد مخلوقة لله،
صادرة عن مشيئته،
وهي أفعال لهم،
وكسب لهم باختيارهم؛
فلذا ترتب عليها الثواب والعقاب.
والسلف يسمون الجبرية قدرية؛
لخوضهم في القدر.
ولهذا ترجم الخلال في كتاب السنة،
فقال: الرد على القدرية،
وقولهم: إن الله جبر العباد على المعاصي،
ثم روى عن بقية،
قال: سألت الزبيدي،
والأوزاعي عن الجبر،
فقال الزبيدي: أمر الله أعظم،
وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل،
ولكن يقضي،
ويقدر،
ويخلق،
ويَجبُل عبده على ما أحب.
وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة،
فأهاب أن أقول ذلك،
ولكن القضاء والقدر والجبل والخلق،
فهذا يعرف من القرآن،
والحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: فهذان
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.