الإسلام > فتاوى > عقيدة > وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْمُرَ الشَّارح بِشَيْء لِيَمْتَحِنَ …
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
وَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ؛
كَمَا أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ،
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ،
فَفَدَاهُ بِالذَّبْحِ.
فَالْحِكْمَةُ مَنْشَؤُهَا مِن نَفْسِ الْأَمْرِ،
لَا مِن نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ،
وَهَذَا النَّوْعُ
وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَفْهَمْهُ الْمُعْتَزِلَةُ،
وَزَعَمَتْ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَكُون إلَّا لِمَا هُوَ
مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ بِدُونِ أَمْرِ الشَّارعِ.
وَالْأَشْعَرِيَّةُ ادَّعَوْا: أَنَّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ مِن قِسْمِ الِامْتِحَانِ،
وَأَنَّ الْأَفْعَالَ لَيْسَتْ لَهَا صِفَةٌ لَا قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا بِالشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ وَالْجُمْهُورُ فَأَثْبَتُوا الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ . [٨/ ٤٢٨ - ٤٣٦]
* * *
(إضَافَةُ المؤمن السَّيِّئَاتِ إلَى نَفْسِهِ،
والْحَسَنَاتِ إلى ربَّه: هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ)
٦٣٤ - يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ عَمَلَهُ مِن الْحَسَنَاتِ هُوَ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَمِن نِعْمَتِهِ؛
كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}
[الأعراف: ٤٣] ،
وَقَالَ تَعَالَى:
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}
[الحجرات: ٧] .
وَكَذَلِكَ إضَافَةُ السَّيِّئَاتِ إلَى نَفْسِهِ: هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ،
مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ مَوْجُودٍ مِن الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ؛
كَمَا قَالَ آدَمَ:
{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[الأعراف: ٢٣] ،
وَقَالَ مُوسَى:
{رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}
[القصص: ١٦] .
كَذَلِكَ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلا أَنْتَ،
خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ،
وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ،
أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا صَنَعْتُ،
أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ،
وَأَبُوءُ بِذَنْبِي،
فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ،
مَن قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِن يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ،
وَمَن قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِن لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ" .
قَوْلُهُ: "أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ" : يَتَنَاوَلُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ مِن الْحَسَنَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ: "وَأَبُوءُ بِذَنْبِي" : اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِذَنْبِهِ.
[٨/ ٤٤٢ - ٤٤٤]
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ طَرِيقَةُ الْمُؤْمِنِينَ.
٦٣٥ - قوله عليه السَّلام: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهُمَّ أنت ربي لا إله إلّا أنتَ" : قد اشتمل هذا الحديثُ من المعارف الجليلة ما استحق لأجلها أن يكون سيد الاستغفار،
فإنه صدَّرَه باعترافِ العبدِ بربوبية الله،
ثم ثنَّاها بتوحيد الإلهية بقوله: "لا إله إلا أنت" ،
ثمَّ ذكر اعترافَه بأن الله هو الذي خلقَه وأوجدَه ولم يكن شيئًا،
فهو حقيقٌ بان يتولَّى تمامَ الإحسان إليه بمغفرةِ ذنوبه،
كما ابتدأ الإحسانَ إليه بخلقه.
ثمَّ قال: "وأنا عبدك" ،
اعترفَ له بالعبودية،
فإنّ الله تعالى خلقَ ابنَ آدم لنفسه ولعبادتِه.
فالعبد إذا خَرَج عما خلقه الله له من طاعتِه ومعرفتِه ومحبتِه والإنابةِ إليه والتوكُلِ عليه: فقد أبقَ من سيِّدِه،
فإذا تاب إليه ورَجَع إليه فقد راجعَ ما يُحِبه الله منه،
فيفرح الله بهذه المراجعة.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.