(هل في الشريعة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاقُ

الإسلام > فتاوى > منوعات > (هل في الشريعة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاقُ

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «(هل في الشريعة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاقُ»

)

٣٢٦ - هَذِهِ الْعِبَارَةُ - وهي: تَكْلِيف مَا لَا يُطَاقُ- وَإن كَثُرَ تَنَازُعُ النَّاسِ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا،
فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْخِلَافَ الْمُحَقَّقَ فِيهَا نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِهِ وَوُقُوعِهِ؛
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي إطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُطَاقُ.

وَالثَّانِي: مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُطَاقُ،
لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الْأَمْرِ بِهِ،
وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي عَدَمِ وُقُوعِهِ.

فَأمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُطَاقُ وَتَنَازَعُوا فِي وُقُوعِ الْأَمْرِ بِهِ: فَلَيْسَ كَذَلِكَ.

فَالنَّوْعُ الْأوَّلُ: كَتَنَازُعِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِن مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ ونفاته فِي اسْتِطَاعَةِ الْعَبْدِ،
وَهِيَ قُدْرَتُهُ وَطَاقَتُهُ: هَل يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ،
أَو يَجِبُ أَنْ تَكونَ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْفِعْلِ،
أَو يَجِبُ أَنْ يمُونَ مَعَهُ وَإِن كَانَت مُتَقَدّمَةً عَلَيْهِ؟.

الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَغَيْرِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ: وَهُوَ أَنّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهِيَ الْمُصَحِّحَةُ لِلْفِعْلِ لَا يَجِبُ أَنْ تُقَارِنَ الْفِعْلَ.

وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ مَعَهَا وُجُودُ الْفِعْلِ فَهِيَ مُقَارِنَةٌ لَهُ.

فَالْأُولَى: كَقَوْلِهِ:

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

[آل: عمران:٩٧] .

وَقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَّ وَالصَّلَاةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَطِيع،
سَوَاءٌ فَعَلَ أَو لَمْ يَفْعَلْ.

فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَجِبُ أَنْ تَكونَ مَعَ الْفِعْلِ.

وَالثَّانِيَةُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

{مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}

[هود: ٢٠] عَلَى قَوْلِ مَن يُفَسِّرُ الِاسْتِطَاعَةَ بِهَذِهِ.

وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ: فَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ مَشَقَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ،
وَصُعُوبَتُهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ،
فَنُفُوسُهِم لَا تَسْتَطِيعُ إرَادَتَهُ وَإن كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى فِعْلِهِ لَو أَرَادُوهُ،
وَهَذِهِ حَالُ مَن صَدَّهُ هَوَاهُ وَرَأْيُهُ الْفَاسِدُ عَن اسْتِمَاعِ كُتبِ اللهِ الْمُنَزَّلَةِ وَاتِّبَاعِهَا.

فَقَد أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ،
وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْمُقَارِنَةُ لِلْفِعْلِ الْمُوجِبَةُ لَهُ .

وَأمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَكَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَن الْفِعْلِ لَا يُطِيقُهُ،
كَمَا لَا يُطِيقُ الْأَعْمَى وَالْأَقْطَعُ وَالزَّمِنُ نَقْطَ الْمُصْحَفِ وَكِتَابَتَهُ،
وَالطَّيَرَانَ؛
فَمِثْلُ هَذَا النَّوْعِ قَد اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِع فِي الشَّرِيعَةِ.

وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الْأَمْرِ بِهِ عَقْلًا .

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 284 · كتاب مجمل اعتقاد السلف > هل في الشريعة تكليف ما لا يطاق؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«(هل في الشريعة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاقُ»

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله