الإسلام > القرآن > تفسير > ابن عاشور > سورة 14 إبراهيم > الآيات ١٥-١٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةجملة ﴿ واستفتحوا ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ فأوحى إليهم ربهم ﴾ ، أو معترضة بين جملة ﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ وبين جملة ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ .
والمعنى: أنهم استعجلوا النصر.
وضمير ﴿ استفتحوا ﴾ عائد إلى الرسل، ويكون جملة ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ عطفاً على جملة ﴿ فأوحى إليهم ربهم ﴾ الخ، أي فوعدهم الله النصر وخاب الذين كفروا، أي لم يتحقق توعدهم الرسل بقولهم: ﴿ لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ﴾ .
ومقتضى الظاهر أن يقال: وخاب الذين كفروا، فعدل عنه إلى ﴿ كل جبار عنيد ﴾ للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة عنداء وأن كل جبار عنيد يخيب.
ويجوز أن تكون جملة ﴿ استفتحوا ﴾ عطفاً على جملة ﴿ وقال الذين كفروا لرسلهم ﴾ ويكون ضمير ﴿ استفتحوا ﴾ عائداً على الذين ﴿ كفروا ﴾ ، أي وطلبوا النصر على رسلهم فخابوا في ذلك.
ولكون في قوله: ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال: وخابوا، إلى قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ لمثل الوجه الذي ذكر آنفاً.
والاستفتاح: طلب الفتح وهو النصر، قال تعالى: ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ [سورة الأنفال: 19].
والجبار: المتعاظم الشديد التكبر.
والعنيد المعاند للحق.
وتقدماً في قوله: ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ في سورة هود (59).
والمراد بهم المشركون المتعاظمون، فوصف جبار } خلُق نفساني، ووصف ﴿ عنيد ﴾ من أثر وصف ﴿ جبار ﴾ لأن العنيد المكابر المعارض للحجة.
وبين ﴿ خاف وعيد ﴾ و ﴿ خاب كل جبار عنيد ﴾ جناس مصحف.
وقوله: ﴿ من ورائه جهنم ﴾ صفة ل ﴿ جبار عنيد ﴾ ، أي خاب الجبّار العنيد في الدنيا وليس ذلك حظه من العقاب بل وراءه عقاب الآخرة.
والوراء: مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه، كقوله تعالى: ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [سورة الكهف: 79]، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم، وقول هدبة بن خشرم: عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءَه فَرج قريب وأما إطلاق الوراء على معنى من بَعْد} فاستعمال آخر قريب من هذا وليس عينه.
والمعنى: أن جهنم تنتظره، أي فهو صائر إليها بعد موته.
والصديد: المُهلة، أي مثل الماء يسيل من الدمل ونحوه، وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء، لأن شأن الماء أن يُسْقى.
والمعنى: ويسقى صديداً عوض الماء إن طلب الإسقاء، ولذلك جعل ﴿ صديد ﴾ عطفَ بيان ل ﴿ ماء ﴾ .
وهذا من وجوه التشبيه البليغ.
وعطف جملة ﴿ يسقى ﴾ على جملة ﴿ من ورائه جهنم ﴾ لأن السقي من الصديد شيء زائد على نار جهنم.
والتجرع: تكلف الجَرْع، والجرع؛ بلع الماء.
ومعنى ﴿ يُسيغه ﴾ يفعل سوغه في حلقه.
والسوغ؛ انحدار الشراب في الحلق بدون غصة، وذلك إذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح، يقال ساغ الشراب، وشراب سائغ.
ومعنى ﴿ لا يكاد يسيغه ﴾ لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن أن يسيغه بالفعل، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ في سورة البقرة (71).
وإتيان الموت: حلوله، أي حلول آلامه وسكراته، قال قيس بن الخطيم: متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة *** لنفسي إلا قد قضيت قضاءها بقرينة قوله: ﴿ وما هو بميت ﴾ ، أي فيستريح.
والكلام على قوله: ﴿ ومن وراءه عذاب غليظ ﴾ مثل الكلام في قوله: ﴿ من ورائه جهنم ﴾ ، أي ينتظره عذاب آخر بعد العذاب الذي هو فيه.
والغليظ: حقيقته الخشن الجسم، وهو مستعمل هنا في القوة والشدة بجامع الوفرة في كل، أي عذاب ليس بأخف مما هو فيه.
وتقدم عند قوله: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ في سورة هود (58).
<div class="verse-tafsir"