الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة التكاثر
تفسيرُ سورةِ التكاثر كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 14 دقيقة قراءة[[تفسير] سورة التكاثر [وهي مكية]] ﷽ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ يقول تعالى: أشغلكم [١]- حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادي بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها؟!
قال ابن أبي حاتم (١): حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوقار [٢] المصري، حدثني خالد بن عبد الدائم، عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عن الطاعة، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: حدثني يأتيكم الموت.
وقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد.
وفي صحيح البخاري (٢)، في "الرقاق" منه: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب؛ قال: كنا نري هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يعني: "لو كان لابن آدم واد من ذهب".
و [٣] قال الإِمام أحمد (٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف -يعني ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه قال: انتهيت إلي رسول الله ﷺ وهو يقول: " ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يقول ابن آدم: مالي مالي.
وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!
".
ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به.
وقال مسلم في صحيحه (٤): حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ "يقول العبد: مالي مالي؟
وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فاقتنى [١]، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس".
تفرد به مسلم.
وقال البخاري (٥): حدثنا الحمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، سمع أنس بن مالك؛ يقول: قال رسول الله ﷺ: "يتبع الميتَ ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة به.
وقال الإِمام أحمد (٦): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل".
أخرجاه في الصحيحين.
وذكر الحافظ ابن عساكر (٧)، في ترجمة الأحنف بن قيس -واسمه الضحاك- أنه رأي في يد رجل درهمًا فقال: لمن هذا الدرهم؟
فقال الرجل: لي.
فقال إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر.
ثم أنشد الأحنف متمثلًا قول الشاعر: أنت للمال إذا أمسكته … فإذا أنفقته فالمال لك وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة؛ قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
قال: نزلت في قبيلتين [من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت] [٢] إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان؟
وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور.
فجعلت إحدي الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟
يشيرون إلي القبر ومثل فلان؟
وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
وقال قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعَدّ من بني فلان وهم كل يوم يتساقطون [١] إلي آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.
والصحيح أن المراد بقوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح (٨)؛ أن رسول الله ﷺ دخل علي رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا باس، طَهُور إن شاء الله".
فقال: قلت: طَهُور؟!
بل هي حمى تفور، علي شيخ كبير، تُزيره القبور!.
قال: "فَنَعَم إذًا".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سَلم [٢] الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾.
ورواه الترمذي (٩) عن أبي كريب، عن حكام بن سلم، به [٣] وقال: غريب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العُرْضي [٤]، حدثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران؛ قال: كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، فلبث [٥] هنيهة [٦] فقال: يا ميمون؛ ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.
قال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله إلى جنة أو إلى [٧] نار، وهكذا ذُكرَ أن بعضَ الأعراب سمع رجلًا يتلو [٨] هذه الآية ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: بُعث اليوم ورَبّ الكعبة.
أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلي غيره.
وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد.
وقال الضحاك: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يعني الكفار، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها المؤمنون.
وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلي المقابر.
ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ﴾، هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة [١]- خوَرّ كل ملك مقرب، ونبي مرسل علي ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، علي ما جاء به الأثر المروي في ذلك.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك.
[ما إذا] [٢] قابلتم به نعمة من شكره وعبادته.
و [٣] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز [٤] المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز [٥]، حدثنا يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه سمع عمر بن الخطاب؛ يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد فقال: "ما أخرجك هذه الساعة؟
" قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله.
قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: "ما أخرجك يا بن الخطاب؟
"، قال: أخرجني الذي أخرجكما.
قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما، ثم قال: "هل بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًّا؟
".
قلنا: نعم.
قال: "مُرّوا بنا إلى منزل ابن التَّيِّهان أبي الهيثم الأنصاري".
قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا، فسلم واستأذن -[] [٦] ثلاث مرات- وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله، قد -والله- سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك.
فقال لها رسول الله ﷺ: "خيرًا".
ثم قال: "أين أبوا [١]- الهيثم؛ لا أراه".
قالت: يا رسول الله، هو قريب ذهب يَستعذبُ الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطًا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقَرَّت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصَرَم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله ﷺ: "حَسْبُك يا أبَا الهيثم".
قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسره، ومن رُطبه، ومن تَذْنُوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه".
هذا [٢] غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير (١٠): حدثني الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة؛ قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ؛ فقال: "ما أجلسكما هاهنا؟
" قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع.
قال: "والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره".
فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار.
فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي ﷺ: "أين فلان؟
".
فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء.
فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبًا [٣] ما زار [العباد شيء] [٤] أفضل من شيء زارني اليوم.
فعلق قرْبَتَه [بكرَب نخلة] [٥]، وانطلق فجاءهم بعذق؛ فقال النبي ﷺ: "ألا كنت [٦] اجتنيت؟
" فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون علي أعينكم.
ثم أخذ الشفرة، فقال النبي ﷺ: "إياك والحلوب".
فذبح لهم يومئذ، فأكلوا.
فقال النبي ﷺ: "لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم".
ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به ورواه أبو يعلى وابن ماجة، من حديث المحاربي [٧]، عن يحيى بن عُبَيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر الصديق به.
وقد رواه أهل السنن الأربعة (١١)، من حديث عبد الملك بن عمير [٨]، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة.
وقال الإِمام أحمد (١٢): حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصَيرة [١]، عن أبي عَسيب -يعني مولى رسول الله- قال: خرج رسول الله ﷺ ليلًا فَمرَّ بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مرَّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرّ [٢] بعمر فدعاه فخرج إليه فانطلق حتى أتي حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا"، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: "لتسألن عن هذا يوم القيامة".
قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فَضَرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله ﷺ، ثم قال: يا رسول الله؛ إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟
قال: "نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لفَ بها الرجل عورته، أو كسرة سدَّ بها جوعته، أو جُحر تدخل فيه من الحرّ والقرّد.
تفرد به أحمد.
وقال الإِمام أحمد (١٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله؛ يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر [وعمر] [٣] رطبًا، وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ "هذا من النعيم الذي تسألون عنه".
ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به [٤].
وقال الإِمام أحمد (١٤): [] [٥]: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن الربيع؛ قال: لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا رسول الله؛ عن أَي نعيم نُسأل؟
وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا علي رقابنا، والعدو حاضر، فعن أبي نعيم نسأل؟
قال: "أما إن ذلك سيكون".
وقال أحمد (١٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان؛ حدثنا معاذ بن عبد الله بن حُبيَب [١]، عن أبيه، عن عمه قال: كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلي رأسه أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله؛ نراك طيب النفس.
قال: "أجل".
قال [٢]: ثم خاض الناس في ذكر الغني، فقال رسول الله ﷺ: "لا بأس بالغنى لمن اتقى الله.
والصحة لمن اتقى الله [٣] خير من الغني، وطيب النفس من النعيم".
ورواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد [٤]، عن عبد الله بن سليمان به.
وقال الترمذي (١٦): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن عبد الله بن العلاء، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري؛ قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: "إن أول ما يسأل عنه -يعني يوم القيامة- العبد من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونروك [٥] من الماء البارد".
تفرد به الترمذي.
ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن [٦] زَبْر به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لما نزلت: ﴿ثُمَّ [٧] ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا [٨] رسول الله؛ لأيّ نعيم نسأل [٩] عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟
قال: "إن ذلك سيكون".
وكذا رواه الترمذي (١٧) وابن ماجة، من حديث سفيان -هو ابن عيينة- به [١٠].
ورواه أحمد (١٨) عنه، وقال الترمذي: حسن.
وقال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة؛ قال: لما [١] أنزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قالت الصحابة: يا رسول الله؛ وأيّ نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟
فأوحى الله إلى نبيه ﷺ: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟
فهذا من النعيم.
وقال ابن أبي حاتم (٢٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سُليمان [٢] ابن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلي -أظنه عن عامر- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قال: "الأمن والصحة".
وقال زيد بن أسلم (٢١): عن رسول الله ﷺ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخَلْق، ولذة النوم.
رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة.
وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل.
وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا.
وقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء، وقال أبو قلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي.
وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾.
وثبت في صحيح البخاري (٢٢)، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (٢٣): حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق [١]، حدثنا أبو حمزة، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ما فوق الإِزار، وظل الحائط، وخُبْز [٢]، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه".
ثم قال: لا نعرفه إلّا بهذا الإسناد.
وقال الإِمام أحمد (٢٤): حدثا بهز وعفان؛ قالا: حدثنا حماد، قال عفان في حديثه: قال إسحاق بن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: "يقول الله ﷿ -قال عفان: يوم القيامة-: يا بن آم، حملتك علي الخيل والإِبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك؟
".
تفرد به من هذا الوجه.
آخر تفسير سورة "التكاثر" ولله الحمد والمنة * * *