الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الفلق
تفسيرُ سورةِ الفلق كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةوتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، ينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل [١] من جسده.
وقال الإمام مالك (٣٠) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين.
وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتها.
ورواه البخاري (٣١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس، وابن ماجة من حديث معن، وبشر بن عمر، ثمانيتهم عن مالك به.
وتقدم في آخر سورة: ﴿ن﴾، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان [٢] وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما.
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث حسن".
﷽ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح.
وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح.
وروي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد بن عقيل، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد، ومالك عن [١] زيد بن أسلم - مثل هذا.
قال القرظي، وابن زيد، وابن جرير (٣٢): وهي كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الخلق.
وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله.
وقال كعب الأحبار: ﴿الْفَلَقِ﴾: بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان، عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: ﴿الْفَلَقِ﴾: جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه.
وكذا روي عن عمرو بن عَبَسَةَ [٢]، [] [٣] والسدي، وغيرهم.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير (٣٣): حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق جُبّ في جهنم مغطى".
إسناده غريب ولا يصح رفعه.
وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: ﴿الْفَلَقِ﴾: من أسماء جهنم.
قال ابن جرير (٣٤): والصواب القول الأول، أنه فلق الصبح.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري ﵀ في صحيحه.
وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي: من شر جميع المخلوقات.
وقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته [٤] مما خلق.
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال مجاهد: غاسقُ الليل إذا وقب غُروبُ الشمس.
حكاه البخاري عنه (٣٥) ورواه ابن أبي نجِيح، عنه.
وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، وخُصَيف، والحسن، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه.
وقال الزهريّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: الشمس إذا غربت.
وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب.
وقال أبو المهزم، عن أبي هريرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ كوكب.
وقال ابن زيد: كانت العرب تقرل: الغاسق سقوط الثريا، وكان الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها.
قال ابن جرير (٣٦): ولهؤلاء من الأثر ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله -ابن أخي همام- حدثنا محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال: "النجم الغاسق".
قلت: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ.
قال ابن جرير (٣٧): وقال آخرون: هو القمر.
قلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد (٣٨): حدَثنا أبو داود الحَفَري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث عن [١] أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع، وقال: "تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب".
ورواه الترمذي والنسائي (٣٩)، في كتاب [٢] التفسير من سننيهما، من حديث محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، به.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
ولفظه: "تَعوّذي بالله من شر [١] هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب".
ولفظ النسائي: "تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب".
قال أصحاب القول الأول، وهو أنه [٢] الليل إذا ولج: هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آيةُ الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضئ إلا في الليل، فهو يرجع إلى ما قلناه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة والضحاك: يعني السواحر - قال مجاهد: إذا رقين [٣] ونفثن في العقد.
وقال ابن جرير (٤٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور [٤]، عن معمر، عن ابن طاوس، عن إليه قال: ما من شيء أقرب إلى [٥] الشرك من رقية الحية والمجانين.
وفي الحديث الآخر (٤١) أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت [٦] يا محمد؟
فقال: "نعم"، فقال: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك.
ولعل هذا كان من شكواه ﵇ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردّ كيد السحَرَة الحسَّاد من اليهود في رءوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى.
وقال الإمام أحمد (٤٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن حَبَّان، عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجلٌ من اليهرد، فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها.
فبعث رسول الله ﷺ[عليًّا، رضي الله تعالى عنه] [١] فاستخرجها، فجاء بها فحللَّها، قال: فقام رسول الله ﷺ كأنما نَشط من عقال، فما ذكر ذلك [لليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى] [٢] مات.
ورواه النسائي (٤٣) عن هَنّاد، عن أبي معاوية محمَّد بن حَازم الضرير.
وقال البخاري في "كتاب الطب" من صحيحه (٤٤): حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج [٣]، مول: حدثني آل [٤] عُروة، عن عروة، فسألت هشامًا عنه، فحدثَنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سُحِر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا- فقال: "يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟
أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟
قال: مطبوب (٤٥).
قال: ومن طَبَّه؟
قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زُريق حَليف ليهُودَ، كان منافقًا- قال: وفيم؟
قال: في مُشط ومُشاقة (٤٦) قال: وأين؟
قال: في جُفّ طَلْعَة ذكر (٤٧) تحت رعوفة (٤٨) في بئر ذَرْوَان.
قالت: [فأتى النبي ﷺ] [٥] البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئرُ التي أريتُها، وكان ماءها نُقّاعة الحنَّاء، وكأن نخلها رءوس الشياطين".
قال: فاستُخرجَ قالت [٦]: فقلت: أفلا؟
أي [٧]: تنَشَّرْتَ [٨] (٤٩)؟
فقال: "أمَّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا".
وأسنده من حديث عيسى بن يونس، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وأبي أسامة، ويحيى القطان وفيه: "قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله".
وعنده "فأمر بالبئر فدفنت".
وذكر أنه رواه عن هشام أيضًا ابنُ أبي [١] الزناد والليث بن سعد.
وقد رواه مسلم (٥٠)، من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير [٢] [وروه أحمد عن عفان، عن وهب، عن هشام به (٥١)].
ورواه الإمام أحمد (٥٢) أيضًا عن إبراهيم بن خالد [عن رباح] [٣] عن معمر، عن هشَام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يُرَي أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟
قال: مطبوب.
قال: ومن طبه؟
قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث.
وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره: قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ فدبَّت إليه اليهود، فدم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان من مُشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها.
وكان الذي تولى ذلك رجل منهم -يقال له: لبيد [٤] بن أعصم- ثم دسها في بئر لبني زُريق، قال لها [٥]: ذَرْوان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر هي أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يَذُوب ولا يدري ما عراه.
فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فَقَعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟
قال: طُبَّ.
قال: وما طُبّ؟
قال: سُحر.
قال: ومن سحره؟
قال: لبيد بن أعصم اليهودي.
قال: وبم طَبّه؟
قال: بمشط ومشاطة.
قال: وأين هو؟
قال: في جُفّ طلعة تحت راعوفة [٦] في بئر ذَرْوان- والجف: قشر الطلع.
والراعوفة [٧]: حجر في أسفل البئر ناتئ [١] يقوم عليه الماتح [٢] (٥٣) - فانتبه رسول الله ﷺ مذعورًا، وقال: "يا عائشة، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي؟
".
ثم بعث رسول الله ﷺ عليًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نُقَاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجفّ فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشمطه، وإذا فيه وتر [٣] معقود" فيه اثنتا [٤] عشرة عقدة مغروزة بالإبر.
فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلّت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نَشط من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرقيك، من كل شر [٥] يؤذيك، من حاسد وعين الله يشفيك.
فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟
فقال رسول الله ﷺ: "أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًّا".
هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.
* * *