تفسير ابن كثير سورة الحجر

الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الحجر

تفسيرُ سورةِ الحجر كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 66 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحجر كاملةً (الحافظ ابن كثير الدمشقي)

[سورة الحجر] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور.

وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدار الدنيا مع المسلمين.

ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن [الكفار] [١] لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين.

وقيل: إن [٢] المراد أن كل كافر يود عند احتضاره [٣] أن لو كان مؤمنًا.

وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كقوله [٤] تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وقال سفيان الثوري (١): عن سلمة بن [٥] كهيل، عن [٦] أبي الزعراء، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قال: هذا في الجهنميين إذا [٧] رأوهم يخرجون من النار.

وقال [٨] ابن جرير (٢): حدثني المثنى، أخبرنا مسلم بن إبراهيم [، حدثنا القاسم] [٩] حدثنا ابن أبي فروة العبدي: أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ يتأولانها: يوم يحبس اللَّه أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار.

قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا.

قال: فيغضب اللَّه لهم بفضل رحمته فيخرجهم، فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.

وقال عبد الرزاق (٣): أخبرنا [١] الثوري عن حماد، عن إبراهيم، وعن خصيف، عن [٢] مجاهد، قالا: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى [عنكم إيمانكم] [٣]؟

فإذا قالوا ذلك، قال اللَّه: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [من ايمان] [٤] قال: فعند ذلك قوله: ﴿رُبَمَا [٥] يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.

وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم.

وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤): حدثنا محمد بن العباس -هو الأخرم [٦]- حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجِهْبِذ [٧]-[دلني عليه يحيى بن معين] [٨]- حدثنا مُعرّف [٩] بن واصل، عن يعقوب [بن نباتة] (*)، عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن ناسًا من أهل لا إله إلا اللَّه يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إله إلا اللَّه، وأنتم معنا في النار؟

فيغضب اللَّه لهم [فيخرجُهم، فيلقيهم] [١] في نهر الحياة، فيبرءون [٢] من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه [٣]، فيدخلون [٤] الجنة ويسمون فيها الجهنميين [٥] ".

فقال رجل: يا أنس، أنت سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ؟

فقال أنس: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النمر".

نعم، أنا سمعت رسول اللَّه ﵌ يقول هذا.

ثم قال الطبراني: تفرد به الجهبذ.

(الحديث الثاني) وقال الطبراني أيضًا (٥): حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء اللَّه من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟

قالوا: بلى.

قالوا: فما أغنى عنكم الإسلامُ، فقد صرتم معنا في النار؟

قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها.

فسمع اللَّه ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتتا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا!!

".

قال: ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.

ورواه ابن أبي حاتم: من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، عوض الاستعاذة.

(الحديث الثالث) قال [١] الطبراني أيضًا (٦): حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه؛ قال: قلت لأبي أسامة: أحدّثكم أبو روق [٢] واسمه [٣] عطية بن الحارث: حدثني صالح بن أبي طريف؛ قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؟

قال: نعم، سمعته يقول: "يخرج اللَّه ناسًا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم".

وقال: "لما أدخلهم اللَّه النار مع المشركين، قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء اللَّه في الدنيا فما بالكم معنا في النار؟

فإذا سمع اللَّه ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم [٤] الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن اللَّه، فإذا رأى المشكون ذلك، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم!!

" قال: "فذلك قول اللَّه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يارب، أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم"؟

فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم.

(الحديث الرابع) وقال ابن أبي حاتم (٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس ابن [٥] الوليد النرسي [٦]، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد ابن حِمْيَر (٥)، عن محمد بن [١] علي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، [ومنهم من يمكث فيها شهرًا ثم يخرج منها] [٢]، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثًا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد اللَّه أن يخرجوا [٣] منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء؟

فيغضب اللَّه لهم غضبًا لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.

وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديد شديد لهم ووعيد أكيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾، ولهذا قال: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: عن التوبة والإِنابة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة أمرهم.

﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ يقول [٤] تعالى: إنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وإنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم [٥] عن ميقاتها، ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة، وإرشاد لهم إلى الإِقلاع عما هم فيه [٦] من الشرك والعناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك.

﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ يخبر تعالى عن كفرهم وعتوِّهم [١] وعنادهم في قولهم ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ أي: الذي يدعي [٢] ذلك ﴿إنك لمجنون﴾ أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا ﴿لو ما﴾ أي: هلَّا ﴿تأتينا بالملائكة﴾ أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به [إن كنت من الصادقين] [٣]، كما قال فرعون: ﴿فلولا [٤] ألقي عليه أسورة [٥]، من ذهب أو جاء معة الملائكة مقترنين﴾، ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًّا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورًا﴾، وكذا قال في هذه الآية: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾.

وقال مجاهد في قوله: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾ بالرسالة والعذاب.

ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه [٦] الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.

ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿له لحافظون﴾ على النبي ﷺ، كقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ يقول تعالى مسلِّيًّا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في [٧] الأم الماضية، وإنه ما أتى أمة من [٨] رسول [٩] إلا كذبوه واستهزءوا به.

ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين، الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى.

قال أنس والحسن البصري: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ يعني: الشرك.

وقوله: ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.

﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق: أنه لو فُتح لهم بابٌ من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل قالوا: ﴿سكرت أبصارنا﴾.

قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا.

وقال قتادة، عن ابن عباس: أخذت أبصارنا.

و [١] قال العوفي، عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا.

وقال الكلبي: عميت أبصارنا.

وقال ابن زيد: ﴿سكرت أبصارنا﴾ السكران الذي لا يعقل.

﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها، وما زينها به من الكواكب الثواقب، لمن تأملها وكرر [نظره فيما يرى فيها] [٢] من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، ولهذا قال مجاهد وقتادة: البروج ها هنا هي الكواكب (قلت): وهذ!

كقوله ﵎: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾.

ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر.

وقال عطية العوفي: البروج هاهنا هي قصور الحرس.

وجعل الشهب حرسًا لها من مردة الشياطين؛ لئلا يَسَّمَّعوا [١] إلى الملأ الأعلى.

فمن تمرد وتقدم [٢] منهم لاستراق [٣] السمع جاءه [شهاب مبين] [٤] فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه، فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحًا به في الصحيح كما قال البخاري في تفسير هذه الآية (٨): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، [] [٥] ضَرَبَت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسة على صفوان".

قال علي.

وقال غيره [٦]: "صفوان ينفذُهُم ذلك.

فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

قالوا للذي قال: الحقَّ وهو العلي الكبير.

فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحدٌ فوق الآخر [٧]- ووصف سفيان [٨] بيده وفرّج بين أصابع يده اليمنى، نَصَبَها بعضَها فوق بعض- فربما أدرك الشهابُ المستمعَ قبل أن يرمِيَ [٩] بها إلى صاحبه فيُحرِقَه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، [إلى الذي] [١٠] هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتلقى [١١] على فم الساحر أو الكاهن، فيكذب معها مائة كذبة، فَيَصدُقُ، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقًّا؟

للكلمة التي سمعت من السماء".

ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها، وتوسيعها [١٢] وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.

و [١] قال ابن عباس: ﴿من كل شيء موزون﴾ أي: معلوم.

وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عُتيبة [٢] والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة.

ومنهم من يقول: مقدر بقدر.

وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر.

وقال ابن زيد: ما [يزنه أهل] [٣] الأسواق.

وقوله: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب [٤] والمعايش؛ وهي جمع معيشة.

وقوله: ﴿ومن لستم له برازقين﴾ قال مجاهد: و [٥] هي الدواب والأنعام، وقال ابن جرير: هم العبيد والإِماء والدواب والأنعام.

والقصد: أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب، ووجوه الأسباب، وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ يخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباد [٦]، لا على جهة [٧] الوجوب، بل هو كتب على نفسه الرحمة.

قال يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه [] [١] حيث شاء، عامًا هاهنا وعامًا هاهنا.

ثم قرأ: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾.

رواه ابن جرير (٩).

وقال أيضًا (١٠): حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين [٢] حدثنا هشيم، أخبرنا [٣] إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عُتيبة [٤].

في قوله: ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقل، ولكنه يُمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر.

قال [٥]: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من [٦] الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع وما تُنبت.

وقال البزار (١١): حدثنا داود -هو ابن [٧] بكر التستري- حدثنا حبان [٨] بن أغلب ابن تميم، حدثني أبي، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " [خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئًا قال له: كن.

فكان"] [٩].

ثم قال: لا يرويه إلا أغلب [ولم يكن] [١٠] بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه.

وقوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر [فتفتح عن] [١] أوراقها وأكمامها، و [٢] هذه الرياح ذكرها [٣] بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها، ووصفها بالعقيم وهو عدم الإِنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من [٤] شيئين فصاعدًا.

و [٥] قال الأعمش (١٢): عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن [٦]، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ قال: لواقح [٧] ترسل [٨] الريح فتحمل [٩] الماء من السماء، [ثم تمري] [١٠] السحاب حتى تذر كما تدر اللقحة.

وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة.

وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه [١١] فيمتلئ ماء.

وقال عبيد بن عمير الليثي (١٣): يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قمًّا [١٢]، ثم يبعث الله المثيرة فتثير [] [١٣] السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤاف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقّح الشجر.

ثم تلا: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾.

وقد روى ابن جرير (١٤): من حديث عبيس بن ميمون، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الريح الجنوب من الجنة، [وهي الريح اللواقح] [١] وهي التي [٢] ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس" وهذا [٣] إسناد ضعيف.

وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده (١٥): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جُعدبة [٤] الليثي، أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق بحدث عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن اللَّه خلق في الجنة ريحًا بعد الريح بسبع [٥] سنين، وإن من دونها بابا مغلقًا، وإنما يأتيكم الريح من خلل ذلك الباب، ولو فتح لأذرت [٦] ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأذيب [٧]، وهي فيكم الجنوب".

وقوله: ﴿فأسقيناكموه﴾ أي: أنزلناه لكم عذبًا يمكنكم أن تشربوا منه، و [٨] لو نشاء لجعلناه [٩] أجاجًا، كما ينبه الله على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة؛ وهو [١٠] قوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون *أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟

*لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾ وفي قوله: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم من شراب ومنه شجر فيه تسيمون﴾.

وقوله: ﴿وما أنتم له بخازنين﴾ قال سفيان الثوري: بمانعين.

ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينًا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبًا، وحفظه في العيون والآبار رالأنهار وغير ذلك؛ ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم.

وقوله: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت﴾ إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العلم، ثم يميتهم، ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع.

وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون [١].

ثم قال تعالى مخبرًا عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم []: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾، قال [٢] ابن عباس ﵄: المستقدمون: كل من هلك من لدن آدم ﵇.

والمستأخرون: من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة.

وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة: محمد بن كعب والشعبي وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير ﵀.

وقال ابن جرير (١٦): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، [عن رجل] [٣]، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾.

وقد ورد [في هذا] [٤] حديث غريب جدًّا؛ فقال [٥] ابن جرير (١٧): حدثني [٦] محمد بن موسى الحرشي (*)، حدثنا نوح بن قيس [] [٧]، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة [] [١].

قال ابن عباس: لا والله إن [٢] رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني: لئلا يروها [٣]، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾.

وكذا [٤] رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه [٥] الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه: من طرق، عن نوع بن قيس الحداني، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرج [٦] له مسلم وأهل السنن.

وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق (١٨)، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك- وهو النكري [٧]- أنه سمع أبا الجوزاء يفول في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾: في الصفوف في الصلاة ﴿والمستأخرين﴾.

فالظاهر [٨] أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر.

وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس.

والله أعلم.

وهكذا روى ابن جرير (١٩) عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه، أنه سمع [عون ابن] [٩] عبد الله يذاكر [] [١٠] محمد بن كعب في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ أنها [١١] في صفوف الصلاة.

فقال محمد بن كعب: ليس هكذا ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ الميت والمقتول ﴿والمستأخرين﴾ من يخلق بعد ﴿وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم﴾ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرًا.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال هاهنا التراب البابس.

والظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار﴾.

وعن مجاهد أيضًا: ﴿الصلصال﴾ المنتن.

وتفسير الآية بالآية أولى.

وقوله: ﴿من حمأ مسنون﴾ أي: الصلصال من حمأ وهو الطين.

والمسنون: الأملس، كما قال الشاعر: ثم خاصرتها [١] إلى القبة الخض … راء تمشي في مرمر مسنون أي: أملس صقيل.

ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب.

وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أيضًا: أن الحمأ المسنون هو المنتن.

وقيل: المراد بالمسنون هاهنا المصبوب.

وقوله: ﴿والجان خلقناه من قبل﴾ أي: من قبل الإِنسان ﴿من نار السموم﴾ قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل.

وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار.

ومنهم من يقول: السموم بالليل، والحرور بالنهار.

وقال أبو داود الطيالسي (٢٠): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمرو [٢] الأصم أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من عبد الله بن مسعود، يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ: ﴿والجان خلقناه من قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.

وعن ابن عباس: إن الجان خلق من لهب النار.

وفي رواية: من أحسن النار.

وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس.

وقد ورد في الصحيح (٢١): " خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم مما وصف لكم".

[ومقصود] [١] الآية: التنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة محتده [٢].

﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له [٣]، وتشريفه إياه بأمره [٤] الملائكة بالسجود له، ويذكر تخلف [٥] إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدًا وكفرًا وعنادًا واستكبارًا وافتخارًا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾، [كقوله: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وقوله] [٦]: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾ الآية.

وقد روى ابن جرير هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا (٢٢): من حديث شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة، قال: إنّي خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته [فاسجدوا له.

قالوا: لا نفعل!

فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكةً أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا:] [١] [لا نفعل!

فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم] [٢]، [ثم خلق] [٣] ملائكة [٤] أخرى [٥] فقال [] [٦]: [إني خالق بشرًا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له؛ قالوا: لا نفعل!

فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال لهم] [٧] [مثل ذلك] [٨]، فقالوا [٩]: سمعنا وأطعنا!

إلا إبليس كان من الكافرين الأوّلين.

وفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، والله أعلم.

﴿قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [يقول آمرًا] [١٠] لإبليس [١١] أمرًا كونيًّا لا يخالف: لا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى وأنه رجيم، أي: مرجوم، وأنه قد أتبعه [١٢] لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنة فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامه منها.

رواه ابن أبي حاتم (٢٣).

وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النَّظِرة إلى يوم القيامة؛ وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإمهالًا، فلما تحقق النظرة قبحه الله.

﴿قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَال هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن إبليس وتمرده وعتوّه: إنه قال للرب: ﴿بِمَا أَغْوَيتَنِي﴾ قال بعضهم: أقسم بإغواء الله له.

(قلت): ويحتمل أنه: بسبب ما أغويتني وأضللتني ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لذرية آدم ﵇ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أحبب إليهم [١] المعاصي، وأرغبهم فيها، وأأزهم إليها، وأزعجهم إزعاجًا ﴿وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي [٢]: كما أغويتني وقدرت على ذلك ﴿أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كقوله [٣]: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾.

قال الله تعالى له متهددًا ومتوعدًا ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: مرجعكم كلكم إليَّ فأجازيكم بأعمالكم؟

إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، كقوله [٤] تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.

وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى وإليه تنتهي.

قاله مجاهد والحسن وقتادة، كقوله [٥]: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.

وقرأ قيس بن عُبَاد [٦] ومحمد بن سيرين وقتادة ﴿هَذَا [٧] صِرَاطٌ عَلَيٌّ مُسْتَقِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي: رفيع، والشهور القراءة الأولى.

وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: الذين [٨] قدرت لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ استثناء منقطع.

وقد أورد ابن جرير ها هنا (٢٤): من حديث عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن مَوْهَب، حدثنا يزيد بن قسيط؛ قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده [١]، فصلى ما كتب الله له [٢]، ثم سأل [٣] ما بدا له، فبينا نبي في مسجده، إذ جاء عدوّ الله -يعني: إبليس- حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!

[فقال عدوّ الله: أرأيت الذي تعوذ منه فهو هو.

فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

قال: فرده] [٤] [قال فردد] [٥] ذلك ثلاث مرات، فقال عدوّ الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟

فقال النبي: بل أخبرني [بأي شيء] [٦] تَغْلِبُ ابنَ آدم مرتين؟

فأخذ كل واحد [٧] منهما [٨] على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾.

قال عدوّ الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد.

قال النبي: ويقول الله [٩]: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك.

قال عدوّ الله: صدقت!

بهذا تنجو مني.

فقال النبي: فأخبرني [١٠] بأي شيء تغلب ابن آدم؟

قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى.

وقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبديس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.

ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس، يدخلونه لا محيد لهه عنه، أجارنا الله منها!

وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله [١١].

قال إسماعيل بن علية وشعبة، كلاهما (٢٥) عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب هو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقًا بعضها فوق بعض.

وقال إسرائيل (٢٦)، عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي يَريم [١]، عن علي ﵁ قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى تملأ كلها.

وقال عكرمة: ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: سبعة أطباق.

وقال ابن جريج [٢]: ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.

ورواية [٣] الضحاك، عن ابن عباس نحوه، وكذا روي [٤] عن الأعمش بنحوه أيضًا.

وقال قتادة: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: هي والله منازل بأعمالهم.

رواهنّ ابن جرير.

وقال جويبر عن الضحاك: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: باب [لليهود، وباب للنصارى] [٥]، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا: وهم كفار العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، [فأهل التوحيد] [٦] يرجى لهم، ولا يرجى لأولئك أبدًا.

وقال الترمذي (٢٧): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن جنيد [٧]، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ؛ قال: "لجهنم سبعة أبواب؛ باب منها لمن سل السيف على أمتي، أو قال [١]: على أمة محمد".

ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث [مالك بن مغول] [٢].

وقال ابن أبي حاتم (٢٨): حدثنا أبي، حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد -يعني ابن يحيى- حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: "إن من [٣] أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِهِ، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازل بأعمالهم؛ فذلك قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ".

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ لما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على [٤] ذكر أهل الجنة، وأنهم في جنات وعيون.

وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ أي: سالمين من الآفات مسلم عليكم ﴿آمِنِينَ﴾ [من كل] [٥] خوف وفزع، ولا تخشوا [٦] من إخراج ولا انقطاع ولا [٧] فناء.

وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ روى القاسم، عن أبي أمامة قال (٢٩): يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا توافوا [١] وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.

هكذا في هذه الرواية، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.

وقد روى سُنيد في تفسيره (٣٠): حدثنا ابن فضالة، عن لقمان، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدورهم من غل، حتى ينزع منه مثل السبع الضاري.

وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة (٣١): حدثنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا سعيد الخدري حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة".

وقال ابن جرير (٣٢): حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد -هو ابن سيرين- قال: استأذن الأشتر على عليّ ﵁ وعنده ابن لطلحة، فحبسه ثم أذن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما احتبستني لهذا؟

قال: أجل.

قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني.

قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [إِخْوَانًا] [٢] عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.

[وقال ابن جرير أيضًا (٣٣)] [٣]: حدثنا [٤] [الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة -مولى لطلحة- قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁، بعد ما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله] [١] وأباك [٢] [من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾] [٣].

قال ورجلان جالسان على [٤] ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانًا!

فقال علي ﵁: قوما أبعدَ أرض وأسحقها فمن هم [٥] إذن إن لم أكن أنا وطلحة؟

وذكر أبو معاوية الحديث بطوله.

وروى وكيع (٣٤)، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حِرَاش، عن علي نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذلك [٦] يا أمير المؤمنين.

قال: فصاح به عليٌّ صيحة، فظننت أن القصر قد [٧] تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن [٨] نحن فمن هم [٩]؟.

وقال سعيد بن مسروق، عن أبي [١٠] طلحة فذكره [١١]، وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي ﵁ فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال: فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟.

وقال سفيان الثوري (٣٥): عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء [١٢] ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁، فحجبه طويلًا ثم أذن له [١٣]، فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم!

فقال علي: بفيك التراب!

إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.

وكذا روى الثوري (٣٦)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي بنحوه.

وقال سفيان بن عيينة (٣٧) عن إسرائيل، أبي موسى، سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.

وقال كثير النوَّاء (٣٨) [١]: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، إنّي [٢] أسألك بالله، أتبرأ من أبي بكر وعمر؟

فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ تولّهما يا كثير، فما أدركك فهو في رقبتي هذه.

ثم تلا هذه الآية ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي ﵃ أجمعين.

وقال الثوري (٣٩)، عن رجل [٣]، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: هم عشرة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين.

وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض.

وفيه [٤] حديث مرفوع؛ قال ابن أبي حاتم (٤٠): حدثنا يحيى بن عبدك القزوينى، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين [١]، عن إبراهيم القرشي [٢]، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ "في الله ينظر بعضهم إلى بعض".

وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين (٤١): " إنّ الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".

وقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ كما حاء في الحديث (٤٢): " يقال: يا أهل الجنة؟

إن لكم أن تصحُّوا فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا [٣] أبدًا".

وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.

وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب [٤] أليم.

وقد تقدم ذكر نطر هذه الآية الكريمة، وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها: ما رواه موسى بن عبيدة، عن [مصعب بن ثابت] [١] قال: مر رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه.

يضحكون، فقال: "اذكروا الجنة واذكروا النار".

فنزلت: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.

رواه ابن أبي حاتم (٤٣) وهو مرسل.

وقال ابن جرير (٤٤): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا [٢] مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من [٣] الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: "ألا أراكم تضحكون".

ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى فقال: "إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إن الله يقول لِمَ [٤] تقنط عبادي ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ ".

وقال سعيد (٤٥) [٥]، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم العبد قدر عفو الله لَما تورع من حرام، ولو يعلم [] [٦] قدر [عقابه] [٧] لبخع نفسه".

﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴿(٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَال أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَال وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ يقول تعالى: وخبرهم [١] يا محمَّد عن قصة ضيف إبراهيم - والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر، وكيف دخلوا عليه ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون.

وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه لهم من ضيافة [٢]: وهو العجل السمين الحنيذ.

﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ أي: لا تخف ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وهو [٣] إسحاق ﵇، كما تقدم في سورة هود.

[فـ ﴿قَال﴾] [٤] متعجبًا من كبره وكبر زوجته، ومتحققًا للوعد ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا، وبشارة بعد بشارة ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ وقرأ بعضهم (القَنِطين)، فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.

﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ يقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇ لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى: إنه شرع يسألهم عما جاءوا له، فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المُهلَكين، ولهذا قالوا: ﴿إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين المهلكين.

﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: ﴿قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم، الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم ﴿وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ﴾ كقوله [١] تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ﴾.

وقوله [٢]: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه.

﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ يذكر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط ﵇ يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم.

وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزاة، بما [] [٣] يكون ساقة يزجي [٤] الضعيف، ويحمل المنقطع.

وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال ﴿وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم [٥] السبيل.

﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: تقدمنا إليه في هذا ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح، كقوله [٦] في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.

وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين ﴿قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.

وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله، كما [] [١] في سياق [٢] سورة هود، وأما ها هنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله، وعطف بذكر مجئ قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دَلَّ دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدًا؟

فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة.

وقد تقدم إيضاح [٣] القول في ذلك بما أغنى عن إعادته.

هذا كله، وهم غافلون عما يراد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المستقر.

ولهذا قال تعالى لنبيه [٤] ﷺ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض.

قال عمرو بن مالك النكري [٥]، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمَّد ﷺ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [] [٦].

رواه ابن جرير (٤٦).

وقال قتادة: ﴿فِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يلعبون.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [١] لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتمادون [٢].

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ يقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ﴾ وهي ما جاءهم [] [٣] من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية.

وقوله [٤]: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي أن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: المتفرسين.

وعن ابن عباس والضحاك: للناظرين.

وقال قتادة: للمعتبرين.

وقال مالك عن بعض أهل المدينة: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للمتأملين.

وقال ابن أبي حاتم (٤٧): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمَّد بن كثير العبدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله".

ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.

رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقال ابن جرير أيضًا (٤٨): حدثني أحمد بن محمَّد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمَّد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن [١] عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله".

وقال ابن جرير (٤٩): حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه، عن طاوس بن كيسان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق [٢] بتوفيق الله".

وقال أيضًا (٥٠): حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمَّد الجَرْمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزَلِق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم".

ورواه الحافظ أبو بكر البزار (٥١): حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمَّد الجرمي، حدثنا أبو بشر- يقال له: ابن المزلِقي [٣]، قال: وكان ثقة- عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم".

وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن قرية سدوم التي [٤] أصابها [ما أصابها] [٥]، من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة [٦] منتنة خبيثة- لطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

وقال مجاهد والضحاك: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال: معلم.

وقال قتادة: بطريق واضح.

وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.

وقال السدي: بكتاب مبين.

يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ولكن ليس المعنى على ما قال ها هنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإن جائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.

﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب.

قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة الشجر الملتف.

وكان ظلمهم: بشركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره [١]: طريق ظاهر.

ولهذا لما أنذر شُعيب قومه قال في نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.

﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَينَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ أصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين [٢]، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين.

وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح؛ كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، فكانت [١] تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وذكر تعالى أنهم: ﴿كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرًا وبطرًا وعبثًا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم ما أصابهم" (٥٢).

وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ما كانوا يستغلونه [٢] من زروعهم وثمارهم، التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها؛ لئلا تضيق [٣] عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم [٤] لما جاء أمر ربك.

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ أي: بالعدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره [٥] بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له، وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله [٦]: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قال [٧] مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال.

وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق [ما يشاء] [١]، وهو العليم بما تمزق من الأجساد، وتفرق في سائر أقطار الأرض، كقوله [٢]: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.

﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرنَّ إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، [فلا تغبطهم بما هم فيه] [٣]، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، حزنًا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ [لِمَنِ اتَّبَعَكَ] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ألن لهم جانبك، كقوله [٤]: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

وقد اختلف في السبع المثاني ما هي؛ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك و [غير واحد] [٥]: هي السبع الطول [٦].

يعنون: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، نص عليه ابن عباس وسعيد بن جبير.

وقال سعيد [٧]: بين فيهنّ الفرائض والحدود والقصص والأحكام.

وقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني المثنى [٨]، البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة.

قال ابن عباس (٥٣): ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ، وأعطي موسى منهن ثنتين.

رواه هشيم [١]، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار [٢]، عن سعيد بن جبير عنه.

[وقال الأعمش (٥٤)، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس] [٣] قال: أوتي النبي ﷺ سبعًا من الثاني: الطول [٤]، وأوتي موسى ﵇ ستًّا، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت [٥] أربع.

وقال مجاهد (٥٥) هي السبع الطُّول [٦].

ويقال: هي القرآن العظيم.

وقال خصيف (٥٦)، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: أعطيتك سبعة [٧] أجزاء؛ آمر وأنهى وأبشر وأنذر وأضرب الأمثال وأعدد النعم وأنبئك بنبأ القرآن.

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

(والقول الثاني): أنها الفاتحة وهي سبع آيات، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وقال [٨] [ابن عباس] [٩]: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها (٥٧).

وبه قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن عبيد بن عمير وابن أبي مليكة وشهر بن حوشب والحسن البصري ومجاهد.

وقال [١] قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين [٢] في كل [٣] قراءة [وفي رواية: في كل] [٤] ركعة مكتوبة أو تطوّع.

واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير و الحمد.

وقد أورد البخاري رحمه الله تعالى ها هنا حديثين: (أحدهما) قال (٥٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني، فلم آته حتى صليت [ثم أتيت] [٥]، فقال: "ما منعك أن تأتي؟

" فقلت: كنت أصلي.

فقال: "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟

" ثم قال: "ألا أُعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد".

فذهب النبي ﷺ ليخرج فذكرته [٦] فقال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته".

(الثاني) قال (٥٩): حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم".

فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف [٧] غيرها من السبع الطول [٨] بذلك؛ لما فيها من هذه [٩] الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا كما أنه ﵊ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأشار إلى مسجده (٦٠)، والآية نزلت في مسجد قباء فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم.

وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية.

ومن هاهنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح (٦١): " ليس منا من لم يتغن بالقرآن" إلى أنه يستغنى به عما عداه، وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو القصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير.

وقال ابن أبي حاتم (٦٢): ذكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن [عبد الله] [١] بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: ضاف [٢] النبي ﷺ ضيف، ولم يكن عند النبي ﷺ شيء [٣] يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: "يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقًا إلى هلال رجب".

قال: لا، إلا برهن.

فأتيت النبي ﵌ فأخبرته [٤] فقال: "أما والله إني لأمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين [١] إليه".

فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى آخر الآية، كأنه يعزيه عن الدنيا.

و [٢] قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ﴾ قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه.

وقال مجاهد: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ هم الأغنياء.

﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ يأمر تعالى نبيه ﷺ بأن [٣] يقول للناس: [أنه] [٤] النذير المبين البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه، كما حل بمن تقدمهم من الأم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام.

وقوله: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كقوله تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية، أي: نقتلهم ليلًا، قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا.

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾.

﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء [من الدنيا] [٥] إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين.

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون [٦] أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله.

وفي الصحيحين (٦٣): عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به؛ كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا [١] النذير العريان، فالنجاء النجاء [٢]، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجَوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق".

وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي: جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

قال البخاري (٦٤): حدثننا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جَزَّءوه أجزاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.

حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل [٣] الكتاب جزَّءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه (٦٥).

حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس [] [٤]: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال [٥]: آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى (٦٦).

قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم مثل [٦] ذلك.

وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: السحر.

وقال عكرمة: العضة السحر بلسان قريش، يقول للساحرة: إنها العاضهة [١].

وقال مجاهد: عضوه أعضاء، قالوا: سحر [٢]!

و [٣] قالوا: كهانة" وقالوا: أساطير الأولين!

وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر!

وقالوا: مجنون!

وقالوا: كاهن" فذلك العضين.

وكذا روي عن الضحاك وغيره.

وقال محمد بن إسحاق (٦٧)، عن محمد بن أبي محمد، عن [عكرمة أو سعيد بن جبير] [٤]، عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ورد قولكم بعضه بعضًا.

فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به.

قال: بل أنتم قولوا لأسمع.

قالوا: نقول كاهن؟

قال [٥]: ما هو بكاهن.

قالوا: فنقول مجنون؟

قال: ما هو بمجنون.

قالوا: فنقول شاعر؟

قال: ما هو بشاعر.

قالوا: فنقول ساحر؟

قال: ما هو بساحر.

[قالوا: فماذا نقول] [٦]؟

قال: والله إن لقوله لحلاوة [٧]، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن [٨] أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر.

فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أصنافًا ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أولئك [٩] النفر الذين قالوا ذلك لرسول الله.

وقال عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله.

وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن ليث -هو ابن أبي سليم- عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله.

وقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم (٦٨): من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سليم، عن بشير بن أبي نهيك (*)، عن أنس، عن النبي ﷺ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال [١]: "عن لا إله إلا الله".

ورواه ابن إدريس (٦٩): عن ليث، عن بشير، عن أنس موقوفًا.

وقال ابن جرير (٧٠): حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم [٢].

قال: قال [٣] عبد الله -هو ابن مسعود-: والذي لا إله غيره، ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلو أحدكم [٤] بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟

ابن آدم ماذا عملت [فيما علمت] [٥]؟

ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.

وقال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية [في قوله] [١]: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة، عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين؟.

وقال ابن عيينة: عن عملك، وعن مالك.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة الشيباني [٢]، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا معاذ، إن المرء [٣] يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة وأحد أسعد بما آتى الله منك".

وقال علي بن أبي طلحة (٧١)، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟

لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟.

﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.

يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به، وبإنفاذه [١] والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أمضه.

وفي رواية: افعل ما تؤمر.

وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.

وقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود.

ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه.

وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين [٢] يريدون أن يصدوك [٣] عن آيات الله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ولا تخفهم؛ فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم، كقوله [٤] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.

وقال الحافظ أبو بكر البزار (٧٢): حدثنا يحيى بن محمد بن السَّكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كهمس، عن نريد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنسًا يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: مر رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل.

قال [٥]: أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم كهبئة الطعنة حتى ماتوا.

وقال محمد بن إسحاق (٧٣): كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير - خمسة نفر من قومه، و [١] كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم؛ من بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الأسود بن المطب أبو زمعة، كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: "اللهم أعم بصره وأثكله ولده".

ومن بني زهرة: الأسود بني عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم بن عمرو (٥) ابن [] [٢] هُصَيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد [بن سهم] (**)، ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن [] [٣] عمرو بن مَلكْان.

فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.

قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت فقام، وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمرّ به [الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى، ومر به] [٤] الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى [٥] بطنه فمات منه حَبَنًا [٦]، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح [٧] بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجرّ ازاره، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء فانتقض به فقتله، ومرَّ به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له ريد الطائف، فوُقص على شِبرْقة (*) فدخلت في أخمص رجله [١] منها [٢] شوكة [٣] فقتلته، ومرَّ به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحًا فقتله.

قال محمد بن إسحاق (٧٤): حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم.

وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق [] [٤] عن يزيد عن عروة بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن عيطلة، وعكرمة يقول: الحارث بن قيس.

قال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس وأمه عيطلة [٥].

وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة.

وقال الشعبي: كانوا سبعة.

والمشهور الأول.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا [٦] آخر.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك ملأ أذاهم لك انقباض صدر وضيق، فلا يهيدنك [٧] ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٧٥): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار [١]، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره".

و [٢] رواه أبو داود والنسائي (٧٦) [٣]: من حديث مكحول، عن كثير بن مرة بنحوه [٤].

ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى (٧٧).

وقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال البخاري (٧٨): قال سالم: الموت.

وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير (٧٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثنا طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال: الموت.

وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وغيره.

والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾.

وفي الصحيح (٨٠): من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أمّ العلاء امرأة من الأنصار: أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، [قلت] [١]: رحمة الله عليك أبا السائب!

فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.

فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟

" فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله فمن؟

فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، و [٢] إني لأرجو له الخير".

ويستدل من هذه [٣] الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري (٨١) عن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب".

ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين: المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس [٤] وأكثر الناس عبادة، ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت كما قدمناه، ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم.

آخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله