الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة البقرة
تفسيرُ سورةِ البقرة كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 1365 دقيقة قراءة﷽ [تفسير] [١] سورة البقرة [مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان] [٢] [ذكر ما ورد في فضلها] قال الإمام أحمد: حدَّثنا عارم، حدَّثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون مَلَكًا، واستخرجت ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ من تحت العرش، فوصلت [٣]، بها، أو فوصلت [٤] بسورة البقرة، ويس: قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم" (١).
انفرد به أحمد.
وقد رواه أحمد أيضًا، عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرءوها على موتاكم" (٢) يعني يس.
فقد تبيّنا [٥] بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى.
وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجة (٣).
وقد روي الترمذي من حديث حكيم بن جبير -وفيه ضعف- عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل شيء سنامٌ، وإن سنام القرآن سورة [١] البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي" (٤).
وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁]: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي يقرأ [١]، فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان" (٥) وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٦): حدثني ابن أبي مريم، في ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه".
سنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أبو عبيد (٧): حدَّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: إن الشيطان يفرّ من البيت يسمع فيه سورة البقرة.
ورواه النسائي (٨) في "اليوم والليلة".
وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يضع إحدي رجليه علي الأخرى يتغنَّى، ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان ينفر [١] من البيت الذي [٢] تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجَوف، الصِّفْر من كتاب الله" (٩).
وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان به.
[وروي الدارمي في مسنده [٣] (١٠)، عن ابن مسعود قال: ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط.
وقال (١١): إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل.
وروي (١٢) أيضًا من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة؟
أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها.
وفي رواية (١٣): لم يقربه ولا أهله يومئذٍ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق] [١].
وعن سهل بن سعد [٢] قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لكل شيء سنامًا، وإن [٣] سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله شيطان [٤] ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله شيطان [٥] ثلاثة أيام".
رواه أبو القاسم الطبراني (١٤) وأبو حاتم بن حبان في صحيحه [وابن مردويه من حديث الأزرق ابن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل، به.
وعند ابن حبان: خالد بن سعيد المديني] [١].
وقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث [٢] رسول اللَّه ﷺ بعثًا [٣] وهم ذوو عددٍ فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحدٍ منهم -يعني- ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًّا، فقال: "ما معك يا فلان؟
".
فقال [٤]: معي كذا وكذا وسورة البقرة.
فقال: "أمعك سورة البقرة؟
".
قال: نعم.
قال: "اذهب فأنت أميرهم".
فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة [٥] البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها.
فقال رسول الله ﷺ: "تعلموا القرآن واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوّ مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب [أوكي على] [٦] مسك" (١٥).
هذا لفظ رواية [٧] الترمذي، ثم قال: هذا حديث [٨] حسن.
ثم رواه من حديث الليث، عن سعيدٍ، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلًا، فالله أعلم.
وقال البخاري (١٦): وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد ابن حُضير [١]﵁ قال: بينما [٢] هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا ابن حُضير".
قال: فأشفقت يا رسول الله؛ أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها.
قال: "وتدري ما ذاك؟
" قال: لا.
قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم".
وهكذا رواه الإمام العالم [٣] أبو عبيد القاسم بن سلام (١٧)، في كتاب فضائل القرآن عن عبد الله بن صالح [٤] ويحيى بن بكير، عن الليث، به.
وقد رُوي من [وجه آخر] [٥] عن أسيد بن حضير كما تقدم (١٨)، والله أعلم.
وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس [٦]﵁ وذلك فيما رواه أبو عبيد (١٩) - حدَّثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه [٧] جرير بن زيد [٨]: أن أشياخ أهل المدينة حدّثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيحَ؟!.
قال: "فلعله قرأ سورة البقرة".
قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة.
وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهامًا، ثم هو مرسل، والله أعلم.
ذكر [٩] ما ورد في فضلها مع آل عمران قال [١] الإمام أحمد (٢٠): حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا بشير بن المهاجر، حدّثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: "تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة".
قال [٢]: ثم سكت ساعة ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان (٢١)، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟
فيقول: ما أعرفك.
فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه والخُلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتين لا يقوم [٣] لهما أهل الدنيا، فيقولان: بمَ كُسينا هذا؟
فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًّا [٤] كان أو ترتيلًا".
وروى ابن ماجة (٢٢) من حديث بشير بن المهاجر [] [٥] بعضه، وهذا إسناد حسنٌ على شرط مسلم؛ فإن بشيرًا هذا أخرج له مسلم ووثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس.
إلا أن الإمام أحمد قال فيه: هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب.
وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه.
وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن عدي: روى ما لا يتابع عليه.
وقال الدراقطني: ليس بالقوي.
(قلت): ولكن لبعضه شواهد، فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي، قال الإمام أحمد (٢٣): حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا هشام، عن يحيى بن أبي [١] كثير، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من [٢] طير صواف يُحاجان عن أهلهما" ثم قال: "اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة".
وقد رواه مسلم (٢٤) في الصلاة من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام -ممطور الحبشي- عن أبي أمامة - صدي بن عجلان الباهلي [٣]- به.
الزهراوان: المنيران [٤]، والغياية [٥]: ما أظلك من فوقك.
والفرق: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامة.
والبطة: السحرة.
ومعنى لا تستطيعها؛ أي: لا يمكنهم حفظها.
وقيل: لا تستطيع النفوذ [٦] في قارئها، والله أعلم.
ومن ذلك حديث النواس بن سمعان، قال الإمام أحمد (٢٥): حدَّثنا يزيد بن عبد ربه، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران".
وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعدُ، قال: "كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرقٌ، أو كأنهما فرقان من طير صواف [٧] يحاجان عن صاحبهما".
ورواه مسلم (٢٦) عن إسحاق بن منصور، عن يزيد [١] بن عبد ربه، به.
والترمذي (٢٧)، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، به.
وقال: حسن غريب.
وقال أبو عبيد (٢٨): حدَّثنا حجاج، عن حماد بن سلمة [٢]، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال حماد: أحسبه عن أبي منيب، عن عمه [٣]، أن رجلًا قرأ البقرة وآل عمران فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟
قال: نعم.
قال: فوالذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دُعي به استجاب.
قال: فأخبرني به.
قال: لا، واللَّه لا أخبرك به، ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أَهْلَكُ فيها أنا وأنت.
وحدّثنا (٢٩) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن أخًا لكم أُرِي في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان [٤]: هل فيكم من يقرأ سورة البقرة؟
[] [٥] هل فيكم من يقرأ سورة آل عمران؟
قال: فإذا قال الرجل: نعم دنتا [٦] منه بأعذاقهما حتى يتعلق بهما فتخطران [٧] به الجبل.
وحدّثنا (٣٠) عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمران، أنه سمع أم الدرداء تقول: إن رجلًا ممن [قد] [٨] قرأ القرآن أغار على جار له فقتله، وإنه أقيد منه [٩] فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة، ثم إن آل عمران انسلت منه، وأقامت البقرة جمعة، فقيل لها: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال: فخرجت كأنها السحابة العظيمة.
قال أبو عبيد: أراه يعني أنهما كانتا معه في قبره تدفعان [١] عنه وتؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن.
وقال أيضًا (٣١): حدَّثنا أبو مسهر الغساني، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أن يزيد بن الأسود الجُرَشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح.
قال: فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه.
وحدّثنا (٣٢) يزيد، عن وقاء [٢] بن إياس، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان -أو كتب- من القانتين.
فيه انقطاع، ولكن ثبت في الصحيح [٣] (٣٣): أن رسول الله ﷺ [وآله وسلم] [٤] قرأ بهما في ركعة واحدة.
(ذكر [٥] ما ورد في فضل السبع الطول [٦] قال أبو عبيد (٣٤): حدَّثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: "أعطيت السبع الطول [١] مكان التوراة، وأعطيت المئين [٢] مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل".
هذا حديث غريب، وسعيد بن [] [٣] بشير، فيه لين.
وقد رواه أبو عبيد (٣٥) عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن سعيد بن أبي هلال، قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ قال … فذكره، والله أعلم.
ثم قال (٣٦): حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "من أخذ السبع فهو حَبْر".
وهذا أيضًا غريب، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي، روى عنه عمرو بن أبي عمرو، وعبد الله بن أبي بكرة [٤]، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحًا، فالله أعلم.
وقد رواه الإمام أحمد (٣٧) عن سليمان بن داود وحسين، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به.
ورواه أيضًا عن أبي سعيد (٣٨)، عن سليمان بن بلال، عن حبيب بن [هند، عن] [١] عروة، عن عائشة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حَبْر".
قال أحمد (٣٩): وحدّثنا حسين، حدثنا ابن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، مثله.
قال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى فيه، عن أبيه، عن الأعرج، ولكن كذا كان في الكتاب فلا أدري [أغفله أبي] [٢] أو كذا هو مرسل.
[وروى الترمذي (٤٠)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا وهم ذوو عدد، وقدّم عليهم أحدثهم سنًّا لحفظه سورة البقرة، وقال له: "اذهب فأنت أميرهم".
وصححه الترمذي] [٣].
ثم قال أبو عبيد (٤١): حدَّثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: هي السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس.
قال: وقال مجاهد: هي السبع الطول [٤].
وهكذا قال مكحول وعطية بن قيس وأبو محمد الفارسي [و] [٥] شداد بن [عبيد الله] [٦] ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك، وفي تعدادها، وأنّ يونس هي السابعة.
فصل [البقرة نزلت بالمدينة] [٧] والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف، [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن ويحتمل أن تكون منها، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن] [١].
قال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.
وقال العادّون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف، فالله أعلم.
قال ابن جريج (٤٢): عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة.
وقال خصيف (٤٣): عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت [٢] بالمدينة سورة البقرة.
وقال الواقدي (٤٤): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: نزلت البقرة بالمدينة.
وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين ولا خلاف فيه.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا الحسن بن علي بن الوليد الفارسي [٣]، حدَّثنا خلف بن هشام، وحدّثنا عبيس [٤] بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة [٥] التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله" (٤٥).
هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وعبيس [١] بن ميمون هذا هو أبو [٢] سلمة الخوّاص، وهو ضعيف الرواية، لا يحتج به، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
أخرجاه (٤٦).
وروى ابن مردويه (٤٧)، من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن فرقد [٣]، قال: رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخرًا فقال: "يا أصحاب سورة البقرة".
وأظنّ هذا كان يوم حنين حين ولوا مدبرين، أمر العباس فناداهم- "يا أصحاب الشجرة" -يعني: أهل بيعة الرضوان- وفي رواية: "يا أصحاب سورة [٤] البقرة"- لينشطهم [٥] بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه.
وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة، جعل الصحابة يفرون لكثافة [جيش بني] [٦] حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون يا أصحاب سورة البقرة!
حتى فتح الله عليهم (٤٨) رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
﷽ الم ﴿١﴾ قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر اللَّه بعلمه، فردّوا علمها إلى الله ولم يفسروها.
[حكاه القرطبي في تفسيره (٤٩) عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خُثيم، واختاره أبو حاتم بن حبان] [١] ".
ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره (٥٠): وعليه إطباق الأكثر.
ونقل عن سيبويه أنه نص عليه] [٢] ويعتضد لهذا [٣] بما ورد في الصحيحين (٥١) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
وقال سفيان الثوري (٥٢): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه قال: ﴿الم﴾، و ﴿حم﴾، و ﴿المص﴾، و ﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن.
وكذا قال غيره عن مجاهد (٥٣)، وقال مجاهد (٥٤) في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء القرآن.
وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم (٥٥).
ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] [١]: إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسمًا [٢] للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص، إنما ذلك عبارة عن [٣] سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم.
وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى.
وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير.
وقال شعبة: عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء الله الأعظم.
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.
ورواه (٥٦) ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت السدي عن حم و طس و الم؛ فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم.
وقال ابن جرير (٥٧): وحدّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا أبو النعمان، حدَّثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله: … فذكر نحوه.
[وحكي مثله عن علي وابن عباس] [٤].
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (٥٨): هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم (٥٩) وابن جرير من حديث ابن عُليّة عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أنه قال: ﴿الم﴾ قسم.
ورويا (٦٠) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم﴾ قال: أنا الله أعلم.
وكذا قال سعيد بن جبير (٦١).
وقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [١] عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (٦٢): ﴿الم﴾ قال: أما [٢] الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء [٣] الله تعالى.
وقال أبو جعفر الرازي (٦٣): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام [٤] وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم ﵇ وعجب فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به.
فالألف مفتاح اسمه الله.
واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف ستة [٥] واللام ثلاثون [] [٦]، والميم أربعون [] [٧].
هذا لفظ ابن أبي حاتم.
ونحوه رواه ابن جرير (٦٤)، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل [١] واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور، ومن أسماء اللَّه تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سورًا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه.
قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للَّه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين على أصح القولين، قال: فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجهًا، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا، وعلى هذا معنى، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم.
ثم إن لفظة [٢] الأمة تدل [٣] على كل [من معانيها] [٤] في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف؛ والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به.
وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا، كما قال الشاعر: قلنا لها قفي لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف [٥] تعني وقفت.
وقال الآخر: ما للظليم عَال [١] كَيفَ لا يا … ينقَدُّ عنه جلده إذا يا فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فالفاء بالياء من يفعل.
وقال الآخر: بالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشرَّ إلا أن تا يقول: وإن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام، والله أعلم.
[قال القرطبي (٦٥): وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان: هو أن يقول في اقتل "اق"] [٢].
وقال خصيف (٦٦): عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها ﴿ق وص وحم وطسم والر﴾ وغير ذلك هجاء موضوع.
وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل: ابني يكتب في ا ب ت ث، أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها.
حكاه ابن جرير (٦٧).
قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا، وهي - ال م ص رك هـ ي ع ط س خ ق ن- يجمعها قولك: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ لهُ سرٌّ.
وهي نصف الحروف عددًا والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف.
[قال الزمخشري (٦٨): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة.
وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.
وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] [١]، ومن هاهنا لخص [٢] بعضهم في هذا المقام كلامًا فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها ﷾ عبثًا ولا سدىً، ومن قال من الجهلة: إنه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا، وقفنا حيث وقِفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
ولم يجمع العلماء فيها على [٣] شيء معين، وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين.
هذا مقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور، ما هي؟
مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها؛ فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف [١] بها أوائل السور.
حكاه ابن جرير (٦٩) وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها، فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة [٢] تلاوة وكتابة.
وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماع المشركين، إذ [٣] تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له تُلي [٤] عليهم المؤلَّف منه.
حكاه ابن جرير أيضًا (٧٠)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك أيضًا لانبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك.
ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب [٥] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين.
وحكى القرطبيُّ عن الفراء وقطرب نحو هذا.
وقرره الزمحشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.
[قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن.
قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله- ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ - وحرفين مثل ﴿حم﴾ وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المر﴾ ﴿والمص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ ﴿وحم عسق﴾ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات، ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.
(قلت] [١] ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع [في تسع وعشرين سورة] [٢]، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ٣] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم.
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار -صاحب المغازي (٧١) -: حدّثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب [٣] قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل اللَّه تعالى عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال: أنت سمعته؟
قال: نعم.
قال: فمشى حُيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود [٤] إلى رسول اللَّه ﷺ، فقالوا: يا محمد، ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟
فقال رسول الله ﷺ: "بلى".
فقالوا: جاءك [٥] بهذا جبريل من عند الله؟
فقال: "نعم" قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقام [٦] حُييّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، [أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟] [٧] ثم أقبل على رسول اللَّه، ﷺ فقال: يا محمد!
هل مع هذا غيره؟
فقال: "نعم" قال: ما ذاك؟
قال: ﴿المص﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون [١]، فهذه إحدى وثلاثون [٢] ومائة [٣] سنة.
هل مع هذا يا محمد غيره؟
قال: "نعم" قال: ما ذاك [٤]؟
قال ﴿الر [٥]﴾.
قال: هذا [٦] أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا [٧] سنة.
[فهل مع هذا يا محمد غيره؟
قال: "نعم"، [قال: ماذا؟
قال] [٨] ﴿المر﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان] [٩].
ثم قال: لقد لُبِّسَ علينا أمرك يا محمد؛ حتى ما ندري أقليلًا أعطت أم كثيرًا، ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟
لعله قد جمع هذا لمحمد كله، إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين.
فقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
فهذا الحديث [١٠] مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن [١١] لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب [١٢] ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حُسبت مع التكرر فأطم [١٣]، وأعظم، والله أعلم.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ قال ابن جريج (٧٢): قال ابن عباس: ذلك الكتاب أي [١٤]: هذا الكتاب، وكذا [١٥] قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير والسدى، ومقاتل بن حيان [١] وزيد بن أسلم، وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين اسمي [٢] الإشارة، فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم.
[وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾ وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره، والله أعلم.
وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي (٧٣) وغيره إلى أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة.
وقد ضعفت هذا المذهب كثيرون، والله أعلم [٣].
والكتاب: القرآن.
ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير [٤] (٧٤) وغيره فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلّف ما لا علم له به.
والريب: الشك.
قال السديُّ: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، في ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (٧٥): ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه.
وقال أبو الدرداء (٧٦) وابن عباس (٧٧)، ومجاهد وسعيد بن جبير، وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر، وعطاء وأبو العالية، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان [٥]، والسديُّ وقتادة، واسماعيل بن أبي خالد- وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.
[وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل: بثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب واستعمل أيضًا في الحاجة كما قال بعضهم: قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] [١] ومعنى الكلام هنا [٢] أن هذا الكتاب [و] [٣] هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال اللَّه تعالى في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي أي: لا ترتابوا فيه] [٤] ومن القرّاء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوقف على [قوله تعالى]: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها [٥] ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدىً.
وهدًى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت ومنصوبًا على الحال وخصت الهداية المتقين كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة [٦] على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو [٧] في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.
وقد قال السدي عن أبي مالك، و [٨] عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس [٩] من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٧٨): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نورًا اللمتقين.
وقال الشعبي: هدى من الضلالة.
وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين.
وكل [١٠] ذلك صحيح.
وقال السدى: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: هم المؤمنون.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد [بن أبي محمد] [١] مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن [٢] سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٧٩): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، وهجون رحمته في التصديق بما جاء به.
وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: المؤمنين [٣] الذين يتقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي.
وقال سفيان الثوري: عن رجل، عن الحسن البصري قوله تعالى (٨٠): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: اتقوا ما حرم اللَّه [٤] عليهم، وأدَّوْا ما افترض الله [٥] عليهم.
وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال: فأجبته.
فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم قال [٦]: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرَى [٧] أنه كذلك ولم ينكره.
وقال قتادة: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله [٨] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية و [٩] التي بعدها.
واختار ابن جرير (٨١) أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال.
وقد روى الترمذي وابن ماجة (٨٢) من رواية أبي عقيل عبد اللَّه بن عقيل، عن عبد اللَّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما [١] به بأس" ثم قال الترمذي: حسن غريب.
وقال ابن أبي حاتم (٨٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي - عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف - من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف؛ ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل!
قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟
فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.
قلت: من المتقون؟
قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة.
[ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
وقال: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾.
وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾ على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر.
وهو الأرجح، والله أعلم، وأصل التقوى: التوقي مما يكره، لأن أصلها وقى من الوقاية قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد وقال الآخر: فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت … بأحسن موصولين كف ومعصم وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟
قال: بلى.
قال: فما عملت؟
قال: شمرت واجتهدت.
قال: فذلك التقوى.
وقد أخذ هذا المعنى ابن العتز فقال: خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أو … ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى وأنشد أبو الدرداء يومًا: يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجة (٨٤) عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة؛ إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله"] [١].
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله (٨٥) قال: الإيمان التصديق.
وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس (٨٦) ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون.
وقال معمر، عن الزهري: الإيمان: العمل (٨٧).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (٨٨): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون.
قال ابن جرير (٨٩) وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا.
قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.
(قلت): أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إِجماعًا أن الإيمان: قول وعمل، يريد وينقص.
وقد ورد فيه آثار كثيرة، وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
ومنهم [١] من فسره بالخشية كقوله [٢] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى [٣]: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
[وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى: عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ فعلى هذا يكون قوله: بالغيب حالًا، أي: في حال كونهم غيبًا عن الناس] [١].
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.
قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية (٩٠) في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو عن سعيد بن جبير- عن ابن عباس (٩١): ﴿بِالْغَيبِ﴾ قال: بما جاء منه -يعني من الله تعالى.
وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب: القرآن.
وقال عطاء بن أبي رباح (٩٢): من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال بالقدر.
فكل هذه متقاربة [في معنى] [٢] واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور (٩٣): حدَّثنا: أبو [٣]، معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا [١] به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب.
ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق، عن الأعمش به (٩٤).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٩٥): حدَّثنا أبو المغيرة، أخبرنا [٢] الأوزاعي، حدّثني أسيد [٣] بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن مُحَيريز [٤] قال: قلت لأبي جمعة: حدَّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: نعم، أحدّثك حديثًا جيدًا، تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول اللَّه؛ [هل] [٥] أحد خير منَّا؟
أسلمنا معك وجاهدنا معك؟
قال: "نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".
طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٩٦): حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدَّثنا إِسماعيل بن عبد اللَّه بن مسعود، حدَّثنا عبد اللَّه بن صالح، حدَّثنا معاوية بن صالح، [عن صالح] [١] بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول اللَّه ﷺ بيت المقدس ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة [﵁] فلما انصرف [٢] خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًّا أحدّثكم بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ.
قلنا: هات رحمك اللَّه!
قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللَّه، هل من قوم أعظم منَّا أجرًا [٣]، آمنا باللَّه [٤] واتبعناك؟
قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول اللَّه بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا".
مرتين.
ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع (٩٧)، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة بنحوه.
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي، حدَّثنا إِسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟
" قالوا الملائكة.
[قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟
".
قالوا: فالنبيون.] [٥] قال "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزله عليهم؟
".
قالوا: فنحن.
قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟
".
قال: فقال رسول اللَّه، ﷺ: "ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها" (٩٨).
قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
[قلت]: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده (٩٩)، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقد رُوي نحوه عن [١] أنس بن مالك مرفوعًا (١٠٠)، واللَّه أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (١٠١): [حدَّثنا أبي] [٢] حدَّثنا عبد اللَّهِ بن محمد المسندي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته نُوَيلة [٣] بنت أسلم قالت: صليت الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أنّ رسول اللَّه ﷺ قد استقبل البيت [٤] الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو [٥] البيت الحرام.
قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أنّ رسول اللَّه ﷺ حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
قال ابن عباس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي يقيمون الصلاة بفروضها.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام [١] الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان [٢]: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ، فهذا إقامتها.
وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم.
وقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: [هي [٣]] نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جوبير (١٠٢) عن الضحاك: كانت النفقات قرباتٍ [٤] يتقربون بها إلى اللَّه تعالى على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهنّ الصدقات هنّ الناسخات المثبتات.
وقال قتادة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفغوا مما أعطاكم الله هذه الأموال، عواري وودائع عندك يا بن آدم؛ يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير أنّ الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته، من أهلٍ أو [٥] عيال وغيرهم، ممن يجب [٦] عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأنّ اللَّه تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
(قلت): كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو [] [١] الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، ولهذا ثبت في الصحيحين (١٠٣) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلا الله، [وأن محمدًا رسول الله،] [٢] وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان، وحج البيتِ الحرام [٣] ".
والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء، قال الأعشى: لها حارس لا يبرحُ الدّهر بيتها … وإن ذُبِحَت صلَّى عليها وَزَمْزَما وقال أيضًا [٤]: وقابلها الريح في دنها … وصلى على دنها وارتسم أنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك.
وقال الآخر [وهو الأعشى أيضًا] [٥]: تقول بنتي [٦] وقد قَربتُ مرتحلًا … يارب جنِّب أبي الأوصابَ والوَجَعَا عليكِ مثلُ الذي صليت [٧] فاغتمضي … نومًا فإن لجِنَبِ المرء مُضطجعًا [٨] يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعوت [٩] لي، وهذا ظاهر.
ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.
قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة الفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه فيها [١] من حاجته [٢].
[وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب.
ومنه سمي المصلي وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر.
وقيل: هي مشتقة من الصلي وهو الملازمة للشيء من قوله تعالى: ﴿لا يصلاها﴾ أي لا يلزمها ويدوم فيها: ﴿إلا الأشقى﴾.
وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوَّم عوجه بالصلاة: ﴿إن الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم] [٣].
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ قال ابن عباس (١٠٤): ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم.
﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ أي بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان.
وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف الفسرون في الموصوفين هاهنا هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ ومن هم؟
على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدها أن الموصوفين أوّلًا هم الموصوفون ثانيا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو [٤] أهل الكتاب وغيرهم.
قاله مجاهد وأبو العالية والربيع أنس وقتادة.
والثاني: هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب.
وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات كما قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾.
وكما قال الشاعر: إلى الملك القَرم وابن الهُمام … وليثِ الكتيبة [١] في المُزدَحَم فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.
والثالث: أن الموصوفين أوّلًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾.
الآية مؤمنو [٢] أهل الكتاب.
نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة [٣]، واختاره ابن جرير ﵀ ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية.
وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وبما [٤] ثبت في الصحيحين (١٠٥) من حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها".
وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله تعالى وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر، ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي.
(قلت): والظاهر قول مجاهد، فيما رواه الثوري عن رجل، عن مجاهد.
ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنه قال: أربع آيات من أوّل [٥] سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.
فهذه الآيات الأربع عامة [١] في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول [ﷺ] وما جاء به من قبله من [الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] [٢] والإيقان بالآخرة، كما أنّ هذا لا يصح إلا بذاك.
وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾.
الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنْزِلَ إِلَيكُمْ﴾.
الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [٣]؛ آمنوا بما نزلنا مصدّقًا لما معكم﴾.
وقال تعالى: ﴿قل يا أهل الكاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾.
وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم [٤] بذلك فقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبة ورسله [لا نفرق بين أحد من رسله] [٥]﴾ وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم﴾.
إلى [٦] غير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللَّه ورسله وكتبه.
لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم [٧] مفصلًا، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا.
كما جاء في الصحيح (١٠٦): " إذا حدّثكم أهل الكتاب [فلا تكذبوهم ولا تصدّقوهم] [٨]، و [لكن] [٩] قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم".
ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام [الذي] [١] بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم [قد] [٢] يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ يقول الله تعالى ﴿أولئك﴾ أي المتصفون بما تقدّم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل الله [٣] إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو يستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرّمات- ﴿على هدى﴾ أي: على [٤] نور وبيان وبصيرة من الله تعالى.
﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي في الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد (١٠٧)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ أي: على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم به [٥].
﴿وأولئك هم المفلحون﴾.
أي الذين أدركو ما طلبوا، ونجوا من شرّ ما منه هربوا.
وقال ابن جرير (١٠٨): وأمّا معنى قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ فإن معنى ذلك: أنهم [٦] على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديده [٧] إياهم وتوفيقه لهم.
وتأويل قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعدّ الله لأعدائه من العقاب.
وقد حكى ابن جرير قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ إلى مؤمنى أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى [١]: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾.
الآية.
على ما تقدم من الخلاف.
[] [٢]: وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ منقطعًا [٣] مما [٤] قبله، وأن يكون [٥] مرفوعًا على الابتداء وخبره ﴿[أولئك على هدًى من ربهم] [٦]﴾ ﴿أولئك هم المفلحون﴾.
واختار أنه عائد إلى [٧] جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب؛ لما رواه السدّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: أما الذين يؤمنون بالغيب، فهم المؤمنون من العرب والذين يؤمنون بما أنزل إليك [وما أنزل من قبلك هم] [٨] المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾.
وقد تقدّم من الترجيح أنّ ذلك صفة للمؤمنين [٩] عامّة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم.
وقد نقل هذا عن مجاهد وأبي العالية والرّبيع بن أنس وقتادة، ﵏.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدَّثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدّثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم -واسمه سليمان بن عمرو [١٠]- عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ وقيل له: يا رسول الله!
إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس -أو كما قال- قال: فقال: "أفلا [١١] أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟
" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ إلى -قوله تعالى- ﴿المفلحون﴾ هؤلاء أهل الجنة".
قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء.
ثم قال: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ﴾ إلى قوله ﴿عظيم﴾ هؤلاء أهل النار".
قالوا لسنا هم يا رسول الله.
قال: "أجل".
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي غطوا الحق [١] وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارُك وعدمُه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم، به.
كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ وقال تعالى: في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾.
الآية.
أي إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِدَ له، ومن أضله فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم [ولا يهمنك ذلك] [٢] ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ و ﴿إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾.
وقال علي [٣] بن أبي طلحة: عن ابن عباس (١١٠) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرصُ أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكَر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة [٤] في الذكر الأول.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (١١١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك.
وقال أبو [٥] جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمةَ اللَّه كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار [جهنم يصلونها] [١]﴾ والمعنى الذي ذكرناه أوّلا، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي [٢] ابن أبي طلحة- أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها والله أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم (١١٢) هاهنا حديثًا، فقال: حدثنا أبي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله [٣] بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله!
إنا نقرأ من القرآن نرجو [٤]، ونقرأ فنكاد أن نيأس.
فقال: "ألا أخبركم".
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [٥] أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هؤلاء أهل النار".
قالوا: لسنا هم يا رسول اللَّه؟
قال: "أجل".
[وقوله تعالى ﴿لا يؤمنون﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها.
﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ أي هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لا يؤمنون﴾، ويحتمل أن يكون لا يؤمنون خبرًا لأنّ تقديره.
إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملة معترضة والله أعلم] [٦].
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ قال السدّي: ختم الله؛ أي: طبع الله.
وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.
وقال ابن جريج (١١٣): قال مجاهد: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ قال: [نبئت أن] [٧] الذنوب على القلب تحف [١] به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم.
قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع.
قال ابن جريج: وحدّثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من [٢] ذلك كله.
وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده، فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه [٣]-يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، [قال: ثم] [٤] يطبع عليه بطابع.
[وقال مجاهد] [٥]: كانوا يُرَون أنّ ذلك الرين [٦].
ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.
قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دُعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانًا لأصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا.
قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
[(قلت): وقد أطنب الزمخشري (١١٤) في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا، وتأوّل الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.
قال القرطبي: وأجمعت الأمّة على أن الله ﷿ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾.
وذكر حديث تقليب القلوب (١١٥): و "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" (١١٦)، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح (١١٧)، عن رسول الله ﷺ قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا (*) فلا تضره فتنة ما دامت السمواتُ والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مُجخيًّا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" الحديث] [١].
قال [ابن جرير (١١٨)] [٢]: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ، وهو ما حدَّثنا به محمد بن بشار، حدَّثنا صفوان بن عيسى، حدَّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب [٣] صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾.
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي (١١٩)، عن قتيبة، عن الليث بن سعد وابن ماجة عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول [١] الله ﷺ: أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قِبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها [٢] مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر [٣] في قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحله رباطها عنها.
وأعلم أنّ الوقف التام على قوده تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ وقوله: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ جملة تامة؛ فإنّ الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول [٤] الله ﷺ (١٢٠) في قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ [] [٥] يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون، يقول وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون.
وقال ابن جرير (١٢١): حدّثني محمد بن سعد، حدَّثنا أبي، حدّثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، والغشاوة على أبصارهم.
وقال (١٢٢) و [١] حدَّثنا القاسم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن داود وهو سنيد- حدثني حجاج - وهو ابن محمد الأعور - حدّثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾، وقال: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾.
قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾، فيحتمل [٢] أنه نصبها بإضمار فعل، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: ﴿وعلى سمعهم﴾ كقوله تعالى: ﴿وحور عين﴾ وقول الشاعر: عَلَفْتُها [٣] تبنًا وماء باردًا … حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها وقال [٤] الآخر: ورأيت زَوْجَكِ في الوغى … متقلِّدًا سيفًا ورُمْحا تقديره: وسقيتها ماء باردًا، ومعتقلًا رمحًا.
لما تقدّم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعدّدة، كلٌّ منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور؛ تعريفًا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبهُ.
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله تعالى [١] عليه وعلى آله [٢] وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل؛ بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان ﵊ وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعلى [٣] الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخيرُ وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر- قال: هذا أمر قد تَوَجَّه.
فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونِحلته وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثَمَّ وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأمّا المهاجرون فلم يكن فيهم أحد [نافق]، لأنه لم يكن أحد يهاجر مُكْرَهًا، بل يهاجر فيترك [٤] ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (١٢٣)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.
وكذا فسرها بالمنافقين [من الأوس والخزرج] [٥] أبو العالية والحسن وقتادة والسدّي.
ولهذا نبَّه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظواهر [٦] أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ أي يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله [والله يعلم إنك لرسوله] [١]﴾ أي: إنما يقولون [٢] ذلك إذا جاءوك فقط، لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون في [٣] الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها.
كما أكدوا قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وليس الأمر كذلك، كما [كذبهم الله] [٤] في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾، وبقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾.
وقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ أي بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعًا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾.
ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وما يخدعون [٥] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.
يقول: وما يغرّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾.
ومن القرّاء من قرأ: ﴿وما يخدعون [٦] إلا أنفسهم﴾ وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.
قال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟.
قيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سُمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهره [٧] بلسانه تقية، بما يخلص [٨] به من القتل والسبي [٩] والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره [١٠] مستبطن وذلك من فعله - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها [] [١١] حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومُزيرُها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به، فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه [١٢] إليها محسن، كما قال تعالى: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء [١] من أمرهم مقيمون.
وقال ابن أبي حاتم (١٢٤): أنبأنا علي بن المبارك [فيما كتب إلي، حدثنا زيد بن المبارك] [٢]، حدثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ قال: يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.
وقال سعيد: عن قتادة: ﴿ومن الناس من يقول آمنا باللَّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون [٣] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ نعت المنافق عند كثير خَنِعُ الأخلاق، يصدّق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، و [٤] يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هبّ معها.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ قال السدي: عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول [٥] الله ﷺ في هذه الآية: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: شك، ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: شكًّا (١٢٥).
وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: شك (١٢٦).
وكَذلك قال مجاهد وعكرمة، والحسن البصري وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة.
وعن عكرمة وطاوس، ﴿في قلوبهم مرض﴾ يعني: الرياء [٦].
وقال الضحاك: عن ابن عباس: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: نفاق: ﴿فزادهم الله مرضا﴾ قال: نفاقًا.
وهذا كالأول (١٢٧).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: هذا مرض في الدين وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون.
والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فأمّا الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾.
قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم.
وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم﴾.
[وقوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ وقرئ: ﴿يكذبون﴾ وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة، ويكذِّبون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا.
وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ﵊ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟
وذكروا أجوبة عن ذلك؛ منها ما ثبت في الصحيحين (١٢٨) أنه ﷺ قال لعمر ﵁: "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه".
ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأنّ قتله اياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرّد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه.
قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم.
قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون.
ومنها ما قال مالك: إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبين لأمّته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أنّ القاضي لا يقتل بعلمه.
وإن اختلفوا في سائر الأحكام.
قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما مَنَعَ رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله.
ويؤيد هذا قوله ﵊ في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين (١٢٩) وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿".
ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه [في الآخرة] جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله﴾ الآية.
فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث.
ومنها: ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف [١] من شرهم مع وجوده ﵊ بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون.
قال مالك: المنافق في عهد الرسول ﷺ هو الزنديق اليوم.
(قلت): وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر، هل يستتاب أم لا؟
أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟
أو يتكرّر منه ارتداده أم لا، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظُهِر عليه؟
على أقوال متعدّدة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب "الأحكام".
[تنبيه]: قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين، إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان (١٣٠) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك، الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها، والله أعلم.
فأمّا غير هؤلاء فقد قال الله تعالى: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا﴾ ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾.
وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا لما مات صلى عليه النبي ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب ﵁ فيه فقال: "إني أكره أن تتحدّث العرب أنّ محمدًا يقتل أصحابه".
وفي رواية في الصحيح: "إني خيرت فاخترت".
وفي رواية (١٣١): " لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت] [١] ".
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ قال السدي في تفسيره عن أبي مالك و [عن] [٢] أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة الطَّيَّب الهمداني [٣]، عن ابن مسعود، وعن أناس [٤] من أصحاب النبي [٥] ﷺ: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [قال: هم المنافقون] [٦]، أمّا ﴿لا تفسدوا في الأرض﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته [١] فقد أفسد في الأرض؛ لأنّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة.
وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة.
وقال ابن جريج: عن مجاهد: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون.
وقد قال وكيع وعيسى بن يونس وعَثَّام [٢] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي (١٣٢)، عن سلمان الفارسي: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد.
وقال ابن جرير (١٣٣): حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حدَّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان الفارسي [٣] في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء [بَعْدُ [٤]].
قال ابن جرير (١٣٤): يحتمل أن سلمان [﵁] أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمن [٥] النبي ﷺ لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.
قال ابن جرير (١٣٥): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشكهم في دينه الذي لا يُقْبَل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبِهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون [٦] من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأوض وفساد كبير﴾ فقطع الله الموالاة بين [المؤمنين والكافرين] كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا﴾، ثم قال: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا﴾، فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح، ولهذا قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد (١٣٦)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.
يقول الله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس، أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أُخبر المؤمنون [١] به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ يعنون - لعنهم الله - أصحابَ رسول الله ﷺ ﵃ قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة (١٣٧)، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟!.
والسفهاء جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم [والحلماء جمع حليم] [١]، والسفيه هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، قال عامة علماء التفسير [٢]: هم النساء والصبيان.
وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم.
﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ أي أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومصانعة وتقية، وليَشْركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: و [٣] إذا انصرفوا و [٤] ذهبوا و [٥] خلصوا إلى شياطينهم، فضمَّن ﴿خَلَوْا﴾ معنى انصرفوا، لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به.
ومنهم من قال: "إلى" هنا [٦] بمعنى "مع"، والأول أحسن وعليه يدور كلام ابن جرير.
وقال السدّي عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني مضوا، و ﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: سادتهم [وكبراءهم ورؤساءهم] [٧] من أحبار اليهود ورءوس المشركين والمنافقين.
قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [٨]، عن ابن مسعود، وعن [٩] ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني [١٠]: هم رءوسهم في الكفر.
وقال الضحاك عن ابن عباس؛ وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم.
وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد (١٣٨)، عن عكرمة أو [١] سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ.
وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقال قتادة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رءوسهم وقادتهم في الشرك والشر.
وبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس.
قال ابن جرير: وشياطين كل شيء [٢] مَرَدَتُه، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
وفي المسند (١٣٩) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "تعوَّذ بالله من شياطين الإنس والجن" فقلت: يا رسول الله!
أو [٣] للإنس شياطين؟
قال: "نعم".
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (١٤٠) أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
وقال الضحاك عن ابن عباس (١٤١): ﴿[قَالُوا] [١] إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ساخرون بأصحاب محمد ﷺ.
وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة.
وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقال ابن جرير: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله [تعالى]: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ [٢] الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الآية، قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأوّل هذا التأويل.
قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.
قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك.
ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه.
قالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب والله لا يكون منه المكر ولا الهزء.
والمعنى أنّ المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ و ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه [٣] إياهم وعقابه لهم مُخْرَجَ خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ [٤] سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] [٥]﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ [بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ] [٦]﴾ فالأوّل ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.
قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
[قال: وقال آخرون: إنّ معنى ذلك] [١] أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد [صلى الله تعالى عليه وآله وسلم] وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم: [صدقنا بمحمد ﵇ وبما جاء به] [٢] مستهزئون، فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة [٣] دمائهم وأموالهم خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة يعني من العذاب والنكال (١٤٢).
ثم شرع ابن جربر يوجه هذا القول وينصره؛ لأنّ المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتفٍ عن الله ﷿ بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس: حدثنا (١٤٣) أبو كريب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [٤]، عن ابن مسعود، وعن أناس [٥] من [أصحاب النبي ﷺ] [٦] يمدهم: يملي لهم (١٤٤).
وقال مجاهد: يزيدهم.
[وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [١].
قال ابن جرير: والصواب نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
والطغيان هو المجاوزة في الشيء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يتردّدون (١٤٥).
وكذا [٢] فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد في كفرهم وضلالتهم.
قال ابن جرير: والعَمَه: الضلال، يقال: عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا إذا ضلَّ.
قال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم [٣]، وكفرهم الذي قد [٤] غمرهم دنسه وعلاهم رجسه، يتردّدون حيارى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلًا.
[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب.
وقد يستعمل العمى في القلب أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وتقول: عمه الرجل يعمه عموهًا فهو عمه، وعامه وجمعه عُمه، وذهبت إبله العمهاء إذا لم يدر أين ذهبت [٥].
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
قال السدي في تفسيره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
وقال ابن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد (١٤٦)، عن عكرمة أو عن سعيد [بن جبير] [١]، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان.
وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا.
وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى.
وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا [٢] ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عَدَلُوا عن الهدى إلى الضلال [٣]، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى، كما قد [٤] يكون حال فريق آخر [٥] منهم، فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
[أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾] [٦] أي: راشدين في صنيعهم ذلك.
وقال ابن جرير (١٤٧): حدثنا بشر، حدثنا نريد، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم (١٤٨) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، بمثله سواء.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [يقال: مَثَل ومِثْل ومَثِيل أيضًا والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾] [١]، وتقرير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة [٢] إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذ طُفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا [٣] أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر تعالى [٤] عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم.
[وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] [٥].
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير ﵀ هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
فلهذا [٦] وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان -أي في الدنيا- ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: كدوران [عيني] الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا نارًا] [١].
[وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه.
وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين، كما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] [٢] ((١٤٩) قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد [٣] إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهب عنهم ما [٤] ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان.
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
(ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه) قال السدّي في تفسيره (١٥٠) عن أبي مالك و [٥] عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني [٦] عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أنّ ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبي الله ﷺ المدينة ثم إنهم نافقوا، وكان [٧] مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فلما أضاءت [] [٨] ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه [٩]، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك [١] المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من [٢] الشرِّ، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرِّ.
وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أمّا إضاءة النار فإقبالهم [٣] إلى المؤمنين والهدى.
وقال عطاء الخراساني في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا [٤] مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويحرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.
و [٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة والحسن، والسدّي والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارًا [٦]، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي عن ابن عباس (١٥١) في هذه الآية، قال: أمّا [٧] النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمّا الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم [الذي كانوا] [٨] يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى ثم نُزع منهم فعتوا بعد ذلك.
وأمّا قول ابن جرير، فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١٥٢) في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ كما سُلب صاحب النار ضَوءه.
[وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي] [٩] اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك [في قوله] [١]: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [أمّا نورهم] [٢] فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (١٥٣): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إنّ [٣] المعنى أنّ المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت سُلبها المنافق؛ لأنه [٤] لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله.
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ [لَا يُبْصِرُونَ] [٥]﴾ قال علي بن أبي [٦] طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا (١٥٤).
وقال محمد [٧] بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [٨]- عن ابن عباس (١٥٥): ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى [إذا خرجوا] [٩] من ظلمة الكفر [أطفئوه بكفوهم] [١٠] ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدًى ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك حين يموت المنانق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خيرٍ عمل به يصدق به قول لا إله إلا الله [١١].
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ [عُمْيٌ] [١]﴾ فهم خرس عمي.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٥٦): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه.
وكذا قال أبو العالية ص وقتادة بن دعامة.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عباس (١٥٧): أي لا يرجعون إلى هدى، وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال السدي بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] إلى الإِسلام.
وقال قتادة: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ﴿كَصَيِّبٍ﴾ والصيب: المطر، قاله ابن مسعود (١٥٨) وابن عباس (١٥٩) وناس من الصحابة، [وأبو العالية ومجاهد، وسعيد بن جبير] [٢] وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطة العَوْفى، وعطاء الخراساني، والسُّدّي، والربيع بن أنس.
وقال الضحاك: هو السحاب.
والأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق.
و ﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِمْ﴾ قال ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.
والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان، ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: ولا [١] يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بهم [٢] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾.
بهم [٣].
ثم قال ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [أي لشدته] [٤] وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٦٠): ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد (١٦١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدة [٥] ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: كما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تَعْرضُ لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٦٢): ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا﴾ يقول: كما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا [٦] أصاب الإِسلامَ نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد [بن أبي محمَّد] [٧] (١٦٣)، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [٨]- عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم في قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ أي: متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية والحسن البصري وقتادة [والربيع بن أنس] [١] والسدي بسنده عن الصحابة، وهو أصح وأظهر، والله أعلم.
وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم؛ فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى، [ومنهم من يمشي] [٢] على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين، الذين قال تعالى: فيهم ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.
وقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ [تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ] [٣]﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [نُورُهُمْ يَسْعَى] [٤] بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
(ذكر الحديث الوارد في ذلك) قال سعيد بن أبي عروبة، [عن قتادة] [٥] في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية: ذكر لنا أن [نبي الله] [٦] ﷺ كان يقول: "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، [أو بين صنعاء] [٧] ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه".
رواه ابن جرير (١٦٤).
ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر القطان عن قتادة، بنحوه.
وهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى [٨] نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى [٩] نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويتقد [١] مرة.
وهكذا [٢] رواه ابن جرير (١٦٥)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.
وقال ابن أبي حاتم (١٦٦): حدَّثنا أبي، حدثنا علي بن محمَّد الطافسي [٣]، حدَّثنا ابن إدريس، سمعت [أبي يذكر] [٤] عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله [بن مسعود] [٥]: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم [يمرّون على الصراط] [٦]؛ منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا [٧] (١٦٧): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي [٨]، حدثنا أبو يحيى الحماني [٩]، حدثنا عتبة بن اليقظان [١٠]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق [١١] مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا؛ أتمم لنا نورنا.
وقال الضحاك بن مزاحم: يعطي كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طُفيء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا فقالوا: ربنا؛ أتمم لنا نورنا.
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون [١٢] خُلص وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفارٌ خُلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون وهم قسمان: خلص وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يتردّدون [١٣] تارة يظهر لهم لُمعٌ من الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل [١٤] المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذُكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري، وهي قلب المؤمن المفطور على الاٍ يمان واستمداده من الشريعة الخالصة الشافعية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ الآية.
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال تعالى فيهم [١]: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فقسم الكفار هاهنا الي قسمين: داعية، ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وقال بعده: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [٢] وقد قسم الله المؤمنين في أوّل [٣] الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون [٤] وهم المقرّبون، وأصحابُ يمين وهم الأبرار.
فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقرّبون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون؛ وأنّ المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين (١٦٨)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها من إذا حدّث كذب، وإذا ومحمد أخلف، وإذا ائتمن خان".
استدلوا به على أنّ الإنسان قد تكون [٥] فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي، لهذا [٦] الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض العلماء، ما تقدم وكما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
قال الإِمام أحمد (١٦٩): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو [١] معاوية [-يعني شيبان-] [٢] عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتري [٣]، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ: "القلوب أربعة: قلب أجرد، فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، [وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص] [٤]، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه [٥] كمثل البقلة، يَمُدّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المادتين [٦] غلبت على الأخرى غلبت عليه".
وهذا إسناد [٧] جيد حسن.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال محمَّد بن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (١٧٠) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال: لِما تركوا من الحق بعد معرفته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن عباس [١] (١٧١): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير.
وقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذر المنافقين بَأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير.
ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: قادر، كما أن معنى عليم عالم.
[وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون "أو" في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أو تكون للتخيير، أي: اضرب لهم مثلًا بهذا وإن شئت بهذا.
قال القرطبي (١٧٢): " أو" للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري (١٧٣) أن كلًّا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربت لهم مثلًا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
(قلت): وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات، كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة، ومنهم، ومنهم، ومنهم، يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم.
كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية.
فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب] [٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.
شرع ﵎ في بيان [١] وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العلم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي مهدًا كالفراش، مقررة [٢] موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل [لهم] [٣] من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهدٌ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية [٤] بهذه الآية قوله تعالى: ﴿[] [٥] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾.
ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا [٦] يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟
قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … " (١٧٤) الحديث.
وكذا حديث معاذ: "أتدري ما حق الله على عباده؟
كان يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … " (١٧٥) الحديث، وفي الحديث الآخر: "لا يقولنّ أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان" (١٧٦).
وقال حماد بن سلمة: حدَّثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِراش [٧] عن الطفيل ابن سَخْبرَة [١] أخي عائشة أم المؤمنين لأمها، قال: رأيت فيما هي النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟
فقالوا: نحن اليهود.
قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله.
قالوا: وإنكم [٢] لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد.
قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: من أنتم؟
قالوا: نحن النصارى.
قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله.
قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد.
فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟
" فقلت: نعم.
فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإن طُفَيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم: كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمَّد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده".
هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به (١٧٧)، وأخرجه ابن ماجه (١٧٨) من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت.
فقال: "أجعلتني [٣] لله ندًّا؟
قل: ما شاء الله وحده".
رواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجه (١٧٩) من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به.
وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
وقال محمَّد بن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (١٨٠).
وبه عن ابن عباس (١٨١): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول، ﷺ، من التوحيد [١] هو الحق الذي [٢] لا شكَّ فيه.
وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم (١٨٢): حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي -الضحاك بن مخلد- أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله ﷿: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة [٣] سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان.
لا تجعل فيها "فلان"، هذا كله به شرك.
وفي الحديث (١٨٣) أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: ما شاء الله وشئت.
فقال: "أجعلتني لله ندًّا".
وفي الحديث الآخر (١٨٤): " نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون، تقولون: ما شاء الله وشاء فلان".
قال أبو العالية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي [عدلاء شركاء].
وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة، والسدي وأبو مالك، واسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
(ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة) قال الإمام أحمد (١٨٥): حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف -موسى بن خلف، وكان يُعَدُّ من البُدَلاء- حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن نبي اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه ﷿ أمر يحيى بن زكريا- ﵇ بخمس كلمات، أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكاد [١] أن [٢] يبطئ بها [٣]، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهنّ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإما أن تبلغهنّ وإما أن أبلغهنّ فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهنّ، [وأولهنّ] [٤]، أن تعبدوا الله [و] [٥] لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَلُ رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته [٦] إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟
وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمركم بالصلاه؛ فإن اللَّه ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلفت، فإذا صليتم فلا تلعفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فشدّوا يديه إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم [١]؟
فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرًا؛ فإن [٢] مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِرَاعًا في أثره، فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللَّه.
قال: وقال رسول اللَّه ﷺ: (وأنا آمركم بخمس، اللَّهُ أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللَّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبْقة [٣] الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية [٤] فهو من جُثَى (١٨٦) جهنم".
قالوا: يا رسول اللَّه؛ وإن صام وصلَّى [٥]؟
[فقال: "وإن صام وصلَّى] [٦] وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم [على ما] [٧] سماهم اللَّه ﷿ المسلمين المؤمنين عباد اللَّه".
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
[وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين -كالرازي وغيره- على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمّل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها، وطباعها ومنافعها، ووضعها في مواضع النفع بها محكمة- علم قدرة خالقها وحكمته، وعلمه وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟
فقال: يا سبحان اللَّه!
أن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟
ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
وحكى الرازي عن الإمام مالك أنّ الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أنّ بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أنّ سفينة في البحر موقرة، فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد.
فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل.
فقال: وَيحَكُم!
هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة أليس لها صانع؟
فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد؛ تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الطاء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح.
يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة، وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد: تأمّل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك وقال ابن المعتز: فيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشَاهَدَها كيف تدور مع الفلك العظيم، في كل هم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقرّ ويسكن ساكنوها، مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوّعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييح، والأشكال [والألوان] مع اتحاد طبيعة التربة والماء- استدل على وجود الصانع وقدرته العطمة، وحكمته ورحمته [بخلقه]، ولطفه بهم وإحسانه إليهم، وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًّا] [١].
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.
ثم شرع تعالى في تقرير النبوّة بعد أن قرّر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزَّلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ﴿فأتوا بسورة﴾ من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير اللَّه، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون اللَّه فإنكم لا تستطعون ذلك.
قال ابن عباس (١٨٧) ﴿شهداءكم﴾ أعوانكم.
[أي قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] [٢].
وقال السدي: عن أبي مالك: شركاءكم [٣] أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدّونكم وينصرونكم [٤] وقال مجاهد: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ قال: ناس يشهدون به.
[يعني حكام الفصحاء] [٥].
وقد تحدّاهم اللَّه تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال [في سورة "القصص": ﴿قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾.
وقال] [٦] في سورة سبحان: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾.
وقال في سورة هود: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللَّه إن كنتم صادقين﴾.
وقال في سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون اللَّه ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل [١] الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾.
وكل هذه الآيات مكية، ثم تحدّاهم بذلك أيضًا في المدينة فقال في هذه الآية: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ أي شك ﴿مما نزلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير [الطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجَّح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحدّاهم كلهم متفرّقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدّي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم] [٢]، وبدليل قوله تعالى: ﴿فأتوا بعشو سور مثله﴾ وقوله: ﴿لايأتون بمثله﴾ وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ يعني من رجل أمي مثله.
والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدّة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ ولن لنفي التأييد [في المستقبل] [٣]، أي ولن تفعلوا ذلك أبدًا.
[وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد] [٤] [الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام الخلوقين، ومن تدبر القرآن، وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى.
قال الله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقًا في الإخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إنّ أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة، عند من يعرف ذلك تفصيلًا واجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾.
وقال: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون﴾.
وقال في الترهيب: ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر﴾.
﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير﴾.
وقال في الزجر: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ وقال في الوعظ: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللَّه تعالى يقول في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك؛ فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
ولهذا قال تعالى: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ الآية.
وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدّ اللَّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبَّتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط اللَّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم] [١].
ولهذا ثبت في الصحيحين (١٨٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "ما [من الأنبياء من نبي] [١] إلا قد أعطي من الآيات [ما مثله آمن عليه البشر] [٢]، وإنما [كان الذي أوتيت] [٣] وحيًا أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
لفظ مسلم.
وقوله [ﷺ]: "وإنما كان الذي أوتيت [٤] وحيًا" أي الذي اختصصت [٥] به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] [٦]، واللَّه أعلم.
وله أعليه الصلاة والسلام، من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما [٧] لا يدخل تحت حصر، وللَّه الحمد والمنة.
[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند اللَّه، لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية -لأن القرآن في نفسه معجز، لا يستطع البشر معارضته كما قررنا- إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق.
وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار؛ كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر] [٨].
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وَقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ أما الوَقود بفتح الواو فهو ما يُلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: ﴿وأما القاسِطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ وقال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حَصَبُ جهنمَ أنتم لها واردون [لو كان هؤلاء آلهةً ما وَرَدُوها وكلٌّ فيها خالدون] [٩]﴾.
والمراد بالحجارة هاهنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء [١٠] الصلبة المنتنة، وهي أشدّ الأحجار حرًّا إذا حميت، أجارنا اللَّهُ منها!
وقال عبد [١١] الملك بن ميسرة الزرّاد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَقُودُها الناس والحجارة﴾ قال: هي حجارة من كبريت، خلقها اللَّه يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يُعدها للكافرين.
رواه ابن جرير، وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه، وقال: على شرط الشيخين (١٨٩).
وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿فاتقوا [١] النار التي وقودها الناس والحجارة﴾.
أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار (١٩٠).
وقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة.
وقال أبو جعفر محمد بن علي: حجارة من كبرسا.
وقال ابن جريج: حجارة من كبريت أسود في النار.
وقال لي [٢] عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.
[وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تُعبد من دون اللَّه، كما قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حصب جهنم﴾ الآية، حكاه القرطبي والرازي، ورجحه على الأوَّل، قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى.
وهذا الذي قاله ليس بقوي؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشدّ لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم إن أخذ النار بهذه الحجارة أيضًا مشاهد، وهذا الجص يكون أحجارًا فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك.
وكذلك سائر الأحجار تفجرها النار وتحرقها، وإنما سيق هذا في حرّ هذه النار التي وعدوا بها وشدة إضرامها وقوة لهبها كما قال تعالى: ﴿كلما خَبَتْ زِدْنَاهُم سعيرًا﴾.
وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تُسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها، قال: ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها.
قال: وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مؤذٍ في النار" (١٩١).
وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف.
ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين: أحدهما أن كل من آذى الناس دخل النار.
والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] [١].
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في أعدت، عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.
وأعدت؛ أي: أرصدت وحصلت للكافرين باللَّه ورسوله، كما قال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.
[وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي أُرصدت وهُيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: "تحاجَّت الجنة والنار" (١٩٢).
ومنها: "استأذنت النار وبها فقالت: ربِّ أَكَلَ بعضي بعضًا.
فأذِنَ لها بنفسين نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف" (١٩٣).
وحديث ابن مسعود: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟
فقال رسول اللَّه ﷺ: "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها".
وهو عند مسلم (١٩٤).
وحديث صلاة الكسوف (١٩٥)، وليلة الإسراء، وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.
(تنبيه ينبغي الوقوف عليه) قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بسورة من مثله﴾، وقوله في سورة يونس: ﴿بسورة مثله﴾ يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعُم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا.
وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن.
فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر، كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين.
(قلنا): فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني.
وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حدّ الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا، فعلى التقديرين يحصل المعجز.
هذا لفظه بحروفه.
والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي ﵀ لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
وقد رُوينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟
فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟
فقال ﴿والعصر إنّ الإنسان لفي خسر﴾ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليَّ مثلها.
فقال: وما هو؟
فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر.
ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟
فقال له عمرو: واللَّه إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب] [١].
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ لما ذكر تعالى ما أعدَّه لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صدَّقوا إيمانهم [١] بأعمالهم الصالحة.
وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء [٢] ثم الأشقياء [٣] أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ومقابله.
وأمّا ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء الله، فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار] [٤]، كما وصف النار بأن وقودها الناسُ والحجارة، ومعنى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها وغرفها.
وتد جاء فِي الحديث (١٩٦) أن أنهارها تجري في [٥] غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه [٦] قباب اللؤلؤ المجوَّف، ولا منافاة بينهما، وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله إنه هو البر الرحيم.
وقال ابن أبي حاتم (١٩٧): قرئ على الربيع بن سليمان، حدَّثنا أسد بن موسى، حدَّثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قُرَّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنهار الجنة تُفَجَّر من تحت تلال أو [٧] من تحت جبال المسك".
وقال [أيضًا (١٩٨)] [١]: حدَّثنا أَبو سعيد، حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله [بن مرّة، عن مسروق قال: قال عبد الله] [٢]: أنهار الجنَّة تفجر من جبل مسك.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
قال [٣] السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، وعن مرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنَّة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا (١٩٩).
وهكذا قال قَتَادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ونصره [٤] ابن جرير.
وقال عكرمة: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس.
وكذا قال الربيع بن أَنس.
وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به!
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنَّة من قبل هذا [٥]؛ لشدة [٦] مشابهة بعضه بعضا لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال سُنَيد بن داود (٢٠٠): حدَّثنا شيخ من أهل المصيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: يؤتى أحدهم بالصحفة [من الشيء] [٧] فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل.
فتقول الملائكة: كُلْ، فاللون واحد والطعم مختلف.
وقال ابن أبي حاتم (٢٠١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عامر بن يسَاف، عن يحيى بن أبي كثير قال: عُشب الجنَّة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها، فيقول لهم أهل الجنَّة: هذا الذي أيتمونا آنفًا به.
فتقول [٨] لهم الولدان: كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف.
وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
وقال أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه بعضه بعضًا، ويختلف في الطعم.
وقال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد والربيع بن أَنس والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير بإسناده (٢٠٢): عن السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن [١] أبي صالح؛ عن ابن عبَّاس، وعن مرَّةٍ عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعني: في اللون والمرأى [٢].
وليس يشتبه في الطعم.
وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنَّة أطيب.
وقال سفيان الثَّوري عن الأعمَش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنَّة ما في الدنيا إلَّا في الأسماء (٢٠٣).
وفي رواية ليس في الدنيا مما في الجنَّة إلَّا الأسماء.
ورواه [٣] ابن جرير من رواية الثَّوري، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمَش، به.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا؛ التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنَّة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهًا، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: مطهرة من القذر والأذى.
وقال مجاهد: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
وقال قَتَادة: مطهرة من الأذى والمأثم.
وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف.
ورُوي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير (٢٠٤): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [١] ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حوّاء ﵍ حتَّى عصت، فلما عصت قال الله تعالى: إني خلقتك مطهرة، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة.
وهذا غريب.
وقال الحافظ أَبو بكر بن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب، وأحمد بن محمد الجُوري [٢] قالا: حدَّثنا محمد بن عبيد الكندي، حدَّثنا عبد الرزاق بن عمر البريعيّ، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن قَتَادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: من الحيض والغائط، والنخاعة [٣] والبزاق (٢٠٥).
هذا حديث غريب، وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به.
وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أَبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به (٢٠٦).
(قلت): والأظهر ال هذا من كلام قَتَادة، كما تقدَّم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسئول أن يحشرنا في زمرتهم إنه جواد كريم، بر رحيم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ ﴿(٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ قال السدي في تفسيره (٢٠٧): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عبَّاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله تعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَل الذي استوقد نارًا﴾، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله تعالى ﴿هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقال عبد الرزاق (٢٠٨)، عن [١] معمر، عن قَتَادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟
فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
وقال سعيد: عن قَتَادة: أي: إنَّ الله لا يَسْتَحْيي من الحق أن يذكر شيئًا ما، قلّ أو كثر، وإن الله [ذكر] [٢] في كتابه [الذباب و] [٣] العنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟
فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾.
قلت: العبارة الأولى عن قَتَادة فيها [٤] إشعار أنَّ هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد [عن قَتَادة] [٥] أقرب، والله أعلم.
وروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قَتَادة.
وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقَتَادة.
وقال أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس في هذه الآية قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، إِذْ البعوضة [١] تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت.
وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله [٢] لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله عند ذلك، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ﴾.
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي جعفر، عن الربيع [بن أَنس] [٣]، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول، وقد اختار ابن جرور ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمسَّ بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية أنَّه تعالى أخبر أنَّه لا يستحي أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما، أي مثل كان، بأي شيء كان صغيرًا كان [٤]، أو كبيرًا.
و"ما" هاهنا للتقليل [٥]، وتكون بعوضة منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء، [أو تكون "ما" نكرة موصوفة ببعوضة] [٦] واختار ابن جرير أن "ما" موصولة، وبعوضة معربة بإعرابها، قال: وذلك سائغ في كلام العرب، أنهم يعربون صلة "ما" ومن" إعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت: يَكْفِي [٧] بِنَا فَضْلًا عَلَى من غَيرِنَا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا قال: ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.
[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء، وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ﴿بَعُوْضَةً﴾ بالرفع.
قال ابن جني: وتكون صلة لـ "ما"، وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على الذي هو أحسن.
وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، أي: بالذي هو قائل لك شيئًا] [٨].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وُصف رجل باللؤم والشحِّ، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك.
يعني: فيما وصفت، [وهذا قول الكسائي وأبي عبيد.
قاله الرازي وأكثر المحققين.
وفي الحديث: "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء" (٢٠٩)] [١].
والثاني: فما فوقها فما هو أكبر منها، لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة.
وهذا [قول قَتَادة بن دعامة] [٢] واختيار ابن جرير، [فإنه يؤيده ما رواه مسلم، عن عائشة، ﵂،: أن رسول الله، ﷺ، قال: "ما من مسلم يُشَاك شَوْكةً فما فوقها إلَّا كُتب له بها درجةٌ ومُحيت عنه بي خطيئة" (٢١٠)] [٣].
فأخبر أنَّه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، [كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها] [٤]، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ [٥] لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ﴾ الآية.
ثم قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَينَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾] [١] الآية.
كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية.
وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾.
الآية.
وقال [٢]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف: إذا سمعتُ المثل في القرآن فلم أفهمه بكيتُ على نفسي؛ لأن الله تعالى قال [٣]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون [٤] ويعلمون أنَّها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها.
وقال قَتَادة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلمون أنَّه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.
وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أَنس نحو ذلك.
وقال أَبو العالية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: هذا المثل.
الذين كفروا ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [٥] وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾.
وكذلك قال هاهنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾.
قال السُّدي في تفسيره: عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: يضل به كثيرًا يعني به المنافقين، ويهدي به كثيرًا يعني به المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم [٦] لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه [لهم، وأنه لما ضُرب] [١] له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يعني: المثل [٢] كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينًا أنَّه موافق لما [٣] ضربه الله له مثلًا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ [قال: هم المنافقون.
وقال أَبو العالية: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾] [٤]، قال: هم أهل النفاق.
وكذا قال الربيع بن أَنس.
وقال ابن جريج (٢١١): عن مجاهد، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾: قال: يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قَتَادة: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ فسقوا فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم (٢١٢): حُدِّثت عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني: الخوارج.
وقال شعبة (٢١٣)، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي فقلت: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هم الحرورية.
وهذا الإسناد [إن] [٥] صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو تفسير على المعنى، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنَّما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم عن [٦] طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا، وتقول العرب: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن جحرها للفساد.
وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يُقْتَلن في الحِل والحرَم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفارة، والكلب العقور" (٢١٤).
فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم؛ بدليل أنَّه وصفهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الآيات.
إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو [١] تركهم العمل به.
وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن [٢] الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، وهذا اختيار ابن جرير ﵀ و [هو] [٣] قول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده إلى جميعهم في توحيده ما [٤] وضع لهم [٥] من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما [٦] احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها [٧]، الشاهدة لهم على صدقهم [٨].
قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت [١] لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي عن مقاتل بن حيان أيضًا نحو هذا، وهو حسن.
[وإليه مال الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟
قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [٢].
وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [٣] وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا] [٤]﴾.
الآيتين، ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهْرَةُ عليهم أظهروا الخصال الثلاث [٥]: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا، وقال السدي في تفسيره بإسناده: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: هو ما عُهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.
وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ورجحه ابن جرير، وقيل: المراد [٦] أعم من ذلك، فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وقال الضحاك: عن ابن عباس (٢١٥): كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسرًا وخُسرانًا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية.
إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنه … أولادُ قَوم خُلقُوا أقِنَّه ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ يقول تعالى محتجًّا على [وجوده وقدرته] [١]، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟!
﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: وقد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾ والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ (٢١٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾.
قال: هي التي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وقال ابن جريج: عن عطاء (٢١٧)، عن ابن عباس: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم.
قال: وهي مثل قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى [١]، فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وهكذا روي عن السُّدي بسنده، [] [٢] عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك.
وقال الثوري عن السدي، عن أبي صالح: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال: يحييكم في القبر، ثم يميتكم.
وقال ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خلقهم في [٣] ظهر آدم [ثم أخذ] [٤] عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾.
وهذا غريب والذي قبله، والصحيح ما تقدّم عن ابن مسعود وابن عباس، وأولئك الجماعة من التابعين، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية [وعبر عن الحال، قبل الوجود بالموت لجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ الآية.
وقالا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾] [٥].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه في أنفسهم، ذكر دليلًا آخرَ مما يشاهدونه من خَلْق السموات والأرض فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا تضمن معنى القصد و [٦] الإقبال؛ لأنه عُدي بإلى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي: فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق.
كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا أن شاء الله.
فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ فقد قيل: إن "ثم" هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم [١] قد ساد قبل [٢] ذلك جده وقيل: إن الدحيَ كان بعد خلق [٣] السموات.
رواه علي [٤] بن أبي طلحة عن ابن عباس (٢١٨).
وقد قال السدي في تفسيره (٢١٩)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ قال: أن الله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو [النون] [٥] الذي ذكره الله في القرآن ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿[وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] [١] رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، وخلق الجبال فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها [٢] وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ [٣] أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول: أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [يقول: أقواتها] [٤]، لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما [٥] لا يعلم [٦]، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظًا تحْفَظُ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش [فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾.
وقال ابن جرير (٢٢٠): حدثني المثنى، حدثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والإثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال: خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض [٧] ثار [٨] منها دخان، فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني بعضهن تحت بعض.
[وهذه الآية دالة على أنّ الأرض خُلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذه وهذه دالتان على أنّ الأرض خُلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير، عن قتادة أنه زعم أنّ السماء خُلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾.
قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض وفي صحيح البخاري (٢٢١) أنّ ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأنّ الأرض خلقت قبل السماء، وأنّ الأرض إنما دُحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد حرّرنا ذلك في سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية، ثم السماوية، دحا بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك، فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله ﷾ أعلم] [١].
وقد ذكر ابن أبي حاتم (٢٢٢) وابن مردويه في تفسير هذه الآية- الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير أيضًا، من رواية ابن جُرَيج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل".
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم وقد تكلم عليه علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنّ أبا هريرة إنما سمعه من كلام [١] كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه [٢] مرفوعًا، وقد حرّر ذلك البيهقي.
﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ يخبر تعالى بامتنانه علي بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملإ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك [٣]، وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [-وهو أبو عبيدة-] [٤] أنه زعم أن "إذ" هاهنا زائدة، وأنّ تقدير الكلام "وقال ربك"، وردّه ابن جرير.
[قال القرطبي: وكذا ردّه جميع المفسرين حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة] [٥].
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: قومًا يخلف [٦] بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ وقال [١]: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [وقرئ في الشاذ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حكاها الزمخشري وغيره، ونقل القرطبي، عن زيد بن علي] [٢] وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ﵇ فقط [كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسير وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا] [٣]؛ إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فإنهم إنما [٤] أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، [فإن الله] [٥] أخبرهم أنه يخلق هذا المصنف من صلصال من حمإ مسنون، [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي] [٦]، أو أنهم قاسوهم [٧] على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين، [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا، قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية] [٨]، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا!
ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك، كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا] [٩] وقع الاقتصار علينا؟
قال الله تعالى -مجيبًا لهم عن هذا السؤال-: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [أي إني [١٠] أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا المصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون] [١١] أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم [١٢] الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.
[وقد ثبت في الصحيح (٢٢٣) أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم -وهو أعلم- كيف تركتم عبادي؟
فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون.
وذلك لأنهم يتعاقبون فينا، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء، ويصعد أولئك بالأعمال.
كما قال ﵊: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" (٢٢٤).
فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقيل معنى قوله جوابًا لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها.
وقيل: إنه جواب ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من وجود إبليس بينكم، وليس هو كما وصفتم أنفسكم به.
وقيل: بل تضمن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم.
ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم] [١].
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه قال ابن جرير (٢٢٥): حدثني القاسم بن الحسن، [قال حدثنا الحسين، قال] [٢] حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك [عن الحسن، وأي بكر] [٣]، عن الحسن وقتادة قالوا: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل.
وهذا، معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدّي: استشار الملائكة في خلق آدم.
رواه ابن أبي حاتم قال: وروي عن قتادة نحوه (٢٢٦).
وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٢٧): حدثنا أبي، حدثنا [أبو سلمة] [١]، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله، ﷺ، قال: "دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يعني مكة".
وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم.
فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك، [والله أعلم] [٢].
﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره (٢٢٨)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: إن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟
قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون [] [٣] ويقتل بعضهم بعضًا.
قال ابن جرير (٢٢٩): فكان تأويل الآية على هذا ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني [٤]، يخلفني في الحكم [بالعدل] [٥] بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقدمه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قَرْنٍ منهم قَرْنًا، قال: والخليفة الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقدمه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا.
قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول: ساكنًا وعامرًا يعمرها ويسكنها خلقًا ليس منكم.
[قال ابن جرير (٢٣٠)،] [١]: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان [٢] بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن [٣] أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم وأسكنه إياها فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وقال سفيان الثوري (٢٣١): عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يعنون به [٤] بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعل فيها خليفة، وليس لله ﷿ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها!.
وقد تقدّم ما رواه السُّدّي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن الله أعلم الملائكة بما تفعله [٥] ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك، وتقدم آنفًا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم (٢٣٢): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان الجن [٦] بنو الجان، في الأرض قبل أن يُخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الريبع [بن أنس،] [١]، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم [ببغيهم] [٢]، فكانت الدماء بينهم، وكان [٣] الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما سفكوا.
قال ابن أبي حاتم (٢٣٣): وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن قال: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل.
[أفاضوا برأيهم] [٤]، فعلمهم علمًا وطوي عنهم علمًا، علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهمم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: إن ابن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق (٢٣٤) كلت معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
كان الله [٥] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٢٣٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف، يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السِّجِل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في [١] كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أمّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسَرَّ ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
قالا [٢] ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب، وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب ردّه، والله أعلم.
ومقتضاه: أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضًا، حيث قال (٢٣٦): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد [٣] الله، حدَّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال سمعت أبي يقول؛ إنّ الملائكة الذين قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.
وهذا أيضًا إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم.
قال ابن جريج (٢٣٧): إنما تكلموا بما أعلمهم الله [١] أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.
قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ لأنّ الله أذن لها [٢] في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرها [٣] أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة فقالت -على [٤] التعجب منها-: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟
فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم وإن لم تعلموه أنتم [ومن بعض ما] [٥] ترونه لي طائعًا.
قال: وقال بعضهم ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب!
خبرنا، مسألة استخبار منهم، لا على وجه الإنكار.
واختاره ابن جرير.
[وقال سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇، قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم -وكل خَلْق مُبتَلى- كما ابتُليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله تعالى ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾.
وقوله تعالى] [٦]: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (٢٣٨) عن معمر، عن قتادة: التسبيحُ: التسبيحُ، والتقديس: الصلاة.
وقال السدي (٢٣٩): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس- وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.
وقال مجاهد: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.
وقال الضحاك: التقديس: التطهير.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه.
وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سبوح قدُّوس، يعني بقولهم: سبوح: تنزيه له [١]، وبقولهم: قدوس: طهارة وتعظيم له، وكذلك [٢] قيل للأرض: أرض مقدّسة، يعني بذلك المطهرة.
فمعنى قول الملائكة إذا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
[وفي صحيح مسلم (٢٤٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁ أنْ رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟
قال: "ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده".
وروى البيهقي (٢٤١) عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به سمع تسبيحًا في السموات العلى: "سبحان العلي الأعلى، ﷾"] [٣].
﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ و [٤] قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في [٥] علم تلك الخليقة [٦] أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.
وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير [١] واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
[وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والإمامة تُنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده.
كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، واللَّه أعلم.
أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي.
وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟
فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكرا حرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا عدلًا مجتهدًا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيًّا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ، خلافًا للغلاة الروافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟
فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊ "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (٢٤٢).
وهل له أن يعزل نفسه؟
فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي ﵁ نفسه وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدح على ذلك.
فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز؛ لقوله ﵊ "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (٢٤٣).
وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنين فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوّز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك.
قلت: وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب "الأحكام".
إن شاء الله تعالى] [١].
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ هذا مقام ذَكَرَ الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه [به] [٢] من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدّم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة [٣] خلق الخليفة [٤]، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا؛ ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
وقال السدي عمن حدّثه عن ابن عباس (٢٤٤): ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ قال: علمه [١] أسماء ولده إنسانًا [إنسانًا] [٢] والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.
وقال الضحاك عن ابن عباس (٢٤٥): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [قال: هي هذه الأسماء] [٣] التي يتعارف بها الناس إنسان، ودواب [٤]، وسماء [٥]، وأرض، وسهل، وبحر، وخيل [٦]، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (٢٤٦) من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد [٧]، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟
قال: نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة [٨].
وقال مجاهد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه [٩]، اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.
وكذلك رُوي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء.
وقال الربيع في رواية عنه: أسماء الملائكة.
وقال حميد الشامي: أسماء النجوم.
وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم.
واختار ابن جرير أنه علمه أسماء اللائكة وأسماء الذرية، لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل.
وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب.
كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
[وقد قرأ عبد الله بن مسعود ﴿ثم عرضهن﴾.
وقرأ أبي بن كعب: ﴿ثم عرضها﴾، أي: السموات] [١].
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها [٢] وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسيّة، يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في [٣] كتاب التفسير من صحيحه (٢٤٧): حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال -وقال لي خليفة: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟
فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُنَاكُم، ويذكر ذنبه فيستحي، فيقول [٤]: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم.
فيقول [٥]: ائتوا موسى عبدًا كلمه [٦] الله وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم.
في يذكر قتل النفس بغير نفس؛ فيستحي من ربه.
فيقول [٧]: ائتوا عيسى عبدَ الله ورسوله وكَلِمَةَ الله وروحه، فيأتونه [٨]، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقُل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فَيَحدُّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا [٩] رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، [ثم أعود الثالثة] [١٠]، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود.
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدستوائى، عن قتادة، به (٢٤٨).
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث سعيد، و [١] هو ابن أبي عروبة، عن قتادة (٢٤٩).
ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله ﵊ "فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء".
فدل هذا على [٢] أنه علمه [٣] أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ يعني المسميات، كما قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة: ﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال السدي في تفسيره (٢٥٠): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وعلم آدم الاسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.
وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿ثم عرضهم﴾: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وقال ابن جرير (٢٥١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قال: علمه اسم كل شيء، [وجعل يسمي كل شيء] [٤] باسمه، وعُرضت عليه أمَّة، أمَّة.
وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾.
إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
وقال الضحاك: عن ابن عباس (٢٥٢): ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني [٥] لم أجعل في الأرض خليفة.
وقال السدي (٢٥٣) عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك فقال: أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها [١] الملائكة القائلون: أتجعل فيها [٢] من يفسد فيها [٣] ويسفك الدماء؟
من غيرنا، أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قِيلكم، إني إنْ جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني و [٤] ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم [٥] أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا [٦] كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا [٧] غير عالمين.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للَّه تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى؛ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ [الْحَكِيمُ] [٨]﴾ أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام.
قال ابن أبي حاتم (٢٥٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان الله.
قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال [٩]: ثم قال عمر لعلي -وأصحابه عنده-: لا إله إلا الله قد عرفناها، فما سبحان الله؟
فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال: قال (٢٥٥): وحدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا النضر بن عربي [١] قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن "سبحان الله" قال [٢]: اسم يُعَظّمُ الله به ويحاشى به من السوء.
وقوله تعالى: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال زيد بن أسلم: قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدّد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب.
وقال مجاهد في قول الله: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قال اسم الحمامة، والغراب، واسم كل شيء.
وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك.
فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما [٣] علمه اللَّه تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
وقيل في معنى [٤] قوله تعالى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غيرُ ما ذكرناه؛ فروى الضحاك عن ابن عباس ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: يقول [٥]: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كَتَم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
وقال السدي (٢٥٦): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابه قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
الآية] [٦].
فهذا الذي أبدوا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، [واختاره مالك و] [٧] ابن جرير.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدوا هو [١]، قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [٢]﴾ وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا [٣] نحن أعلم منه وأكرم.
فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم.
وقال ابن جرير (٢٥٧): حدَّثنا يونس، حدَّثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة الملائكة وآدم فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطعني، قال: وقد [٤] سبق من الله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، قال: فلما [٥] رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقرّوا له بالفضل.
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى ﴿وأعلم ما تبدون﴾ وأعلم -مع علمي غيب السموات والأرض- ما تظهرونه [٦] بألسنتكم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تخفونه] [٧] في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمونه [٨] ما كان منطويا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره [٩]، والتكبر عن طاعته.
قال: وصح ذلك كما تقول العرب: قُتِل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو [١٠] البعض، وهزم الواحد أو [١١] البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه و [١٢] المقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ذُكِر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم، امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضًا كثيرة، منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى ﵇ "رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله [١] بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته … (٢٥٨).
قال وذكر الحديث كما سيأتي [إن شاء الله] [٢].
وقال ابن جرير (٢٥٩): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الحن، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من غير غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت.
قال: وخلق الإنسان من طين] [٣]، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء [٤]، وقتل بعضهم بعضًا.
قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي اللذين [٥] يقال لهم: الجن - فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد.
قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطع [٦] عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعلى للملائكة الذين كانوا [٧] معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟
فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يقول: إِني قد اطلعت من [١] قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.
قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللزج الصلب [٢]، من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده.
قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقى، وكان [٣] إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل [أي] [٤] فيصوت قال: فهو قول الله تعالى: ﴿من صلصال كالفخار﴾ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت.
قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فِيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، وَلِشَيء مَا خُلِقْتَ ولئن سلَّطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطتَ عليَّ لأعصينك [٥].
قال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه [ما رأى من جسده] [٦] فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: ﴿وكان [٧]، الإنسان عجولًا﴾ قال: ضَجِرًا [٨] لا صبرَ له على سراء ولا ضراء.
قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" -بإلهام الله- فقال الله له: "يرحمك الله يا آدم!
".
قال: ثم قال تعالى: للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات-: اسجدوا لآدم؛ فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبي واستكبر، لما كان حدّث نفسه من الكبر والاغترار.
فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين.
يقول: إن النار أقوى من الطين.
قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي [٩]: آيسه من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته.
ثم علّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة، وأرض وسهل، وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي [١] يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إن كنتم صادقين﴾ إن كنتم تعلمون لِم أجعل في الأرض خليفة.
قال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم ﴿قالوا سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره- و [٢] تبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبريًّا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿[فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ] [٣] قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيتها [٤] الملائكة خاصة ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ ولا يعلم غيري ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في تفسيره (٢٦٠)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي [٥] ﷺ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبلس على مُلك السماء [٦] الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن، لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره [كبر] [٧] وقال: ما أ عطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة.
فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه فقال [٨] الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالوا: [٩] ربنا؛ وما يكون ذلك الخليفة؟
قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا.
قالوا: [ربنا] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون.
يعني: من شأن إبليس.
فبعث الله [١٠] جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض [١] مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها [٢]، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فَبَلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه يخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعًا منه [٣] إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك [٤] حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ ويقول: لأمر ما خلقت.
ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، [فقال: الحمد لله] [٥]، فقال له الله: "رحمك ربك".
فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوبه اشتهى المام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلق الإنسان من عجل﴾ ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.
قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقتُ بيدي؟
قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر [٦] خلقته من طين.
قال الله له: ﴿فاهبط [٧] منها فما يكون لك﴾ يعني ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج [٨] إنك من الصاغرين﴾ والصغار هو الذل.
قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة ﴿فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا له [١]: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.
قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ فهذا الذي أبدوا ﴿[وما كنتم] [٢] تكتمون﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السديّ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج [٣] ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم.
والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري (٢٦١).
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وترسم [٤] بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر، وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾.
ولهذا قال محمد بن إسحاق، عن خلاد (٢٦٢)، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك [٥] دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون حنًّا [٦].
وفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس -أو مجاهد- عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه (٢٦٣).
وقال ابن أبي حاتم (٢٦٤): حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني ابن العوّام- عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف [١] الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس [٢] بعد.
وقال سُنَيد [٣]، عن حجاج، عن ابن جريج (٢٦٥)، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان على [٤] الأرض.
وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء (٢٦٦).
وقال صالح مولى التَّوأمة [٥] (٢٦٧) عن ابن عباس: إن من الملائكة قَبيلًا يقال لهم: الحن، وكان [٦] إبليس منهم، وكان [يسوس] [٧] ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا.
رواه ابن جرير.
وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (٢٦٨).
وقال ابن جرير (٢٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي [٨] بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.
وهذا إسناد صحيح عن الحسن.
وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.
وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
رواه ابن جرير.
وقال سنيد بن داود (٢٧٠): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة، يتعبد [١] معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا [٢]، فأبى إبليس فلذلك قال تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾.
وقال ابن جرير (٢٧١): حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقًا فقال: اسجدوا لآدم.
فقالوا: لا نفعل.
فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم [٣].
ثم خلق خلقًا آخر فقال: ﴿إني خالق بشرًا من طين﴾ اسجدوا لآدم.
قال: فأبوا.
فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم.
ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم.
قالوا: نعم.
وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.
وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلًا مبهمًا ومثله لا يحتج به، والله أعلم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها [٤] أن أسجد له ملائكته.
وقال في قوله تعالى: ﴿فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني.
وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو اللَّه أن يسجد لآدم ﵇.
وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا﴾.
وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا.
قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله؛ أحق أن يسجد لك.
فقال: "لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (٢٧٢).
ورجحه الرازي وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها.
كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى.
وقد قوّاه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما: كونه جُعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف.
والآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض.
وهو ضعيف كما قال: وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدوّ الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوّ الله أن يسجد لآدم ﵇.
قلت: وقد ثبت في الصحيح "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" (٢٧٣).
وقد كان في قلب إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس.
وقال ابن أبي حاتم (٢٧٤) حدثنا أبو [١] سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا، فأحرقتهم النار.
وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين.
وقال السدي: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ [٢] يكونون بعد.
وقال محمد بن كعب القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره الله إلى ما [ابتدأه] عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
[وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها أن أسْجَدَ له ملائكته.
قال بعض المعربين: وكان من الكافرين، أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الشاعر: بتيهاء قفرٍ والمطيٌّ كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها أي قد صارت.
وقال ابن فورك: تقديره وقد كان في علم الله من الكافرين.
ورجحه القرطبي وذكر هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا: من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق العادات فليس ذلك دالًّا على ولايته خلافًا لبعض الصوفية والرافضة.
هذا لفظه.
ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان وهو لا يقطع لنفسه لذلك، يعني: والولي الذي يقطع له بذلك الأمر.
قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يد غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢٧٥).
وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت؛ وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأن يقتل ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة.
وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء [] [١] فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
فقال الشافعي: قصر الليث ﵀ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
وقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء هلي المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض أو عام بملائكة السموات والأرض؟
وقد رجح كلًّا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ﴾ فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم] [٢].
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ يقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء، رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله؟
أرأيت آدم أنبيًّا كان؟
قال: "نعم نبيًّا رسولًا، [كلمه الله قِبَلًا] " [يعني عيانًا.
فقال] [٣]: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢٧٦).
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم [١] في الأرض؟
والأكثرون على الأول، [وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] [٢]، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حوّاء خلقت قبل دخول آدم الجنة.
وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق حيث قال (٢٧٧): لما فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: ثم [٣] ألقيت السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب- من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره- ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهُب من نومه حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السنة وهبَّ من نومه، رآها إلى جنبه، فقال:- فيما يزعمون والله أعلم-"لحمى ودمي وروحي [٤] ".
فسكنْ [٥] إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه قال له قِبَلًا [٦]: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
ويقال: إن خلق حوّاء كان بعد دخوله الجنة كما قال السدي في خبر [٧] ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة (٢٧٨): أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحْشًا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟
قالت: امرأة.
قال: ولم خلقت؟
قالت: لتسكن إليَّ.
قالت له الملائكة: -ينظرون ما بلغ من علمه- ما اسمها [٨] يا آدم؟
قال: حوّاء، قالوا [٩]: ولم [سميت] [١٠]، حوّاء؟
قال: إنها خلقت من شيء حي (٢٧٩).
قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم.
وقد اختلف في هذه الشجرة، ما هي؟
فقال السدي: عمن حدّثه، عن ابن عباس (٢٨٠): الشجرة التي نُهي عنها آدم ﵇ هي الكَرْم.
وكذا قال سعيد بن جبير، والسدي، والشعبي، وجَعْدة بن هُبَيرة، ومحمد بن قيس.
وقال السدي أيضًا في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم.
وتزعم يهود أنها الحنطة.
وقال ابن جرير وابن أبي حاتم (٢٨١): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدَّثنا أبو يحيى الحماني [١]، حدَّثنا النضر أبو عمر الخزّاز [٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم [﵇] هي السنبلة.
وقال عبد الرزاق (٢٨٢): أنبأنا [٣] ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي السنبلة.
وقال: محمد بن إسحاق عن رجل من أهل العلم، [] [٤]، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: هي البر.
وقال ابن جرير (٢٨٣): وحدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا القاسم، حدّثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد [٥] يسأله [٦] عن الشجرة التي أكل منها آدم والشجرة التي تاب عندها آدم.
فكتب إليه [أبو الجلد] [١]: سألتني عن الشجرة التي نُهِيَ عنها آدم وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة.
وكذلك فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه أنه كان يقول: هي [٢] البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، و [٣] ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وقال سفيان الثوري: عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: النخلة.
وقال ابن جرير: عن مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: التينة [٤]، وبه قال قتادة وابن جريج.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.
وقال عبد الرزاق (٢٨٤): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في [٥] بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة [٦] التي نهى الله عنها آدم وزوجته.
فهذه أقوال ستة في تعيين [٧] هذه الشجرة.
قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير (٢٨٥) ﵀: والصواب في ذلك أن يقال: إنّ الله جلَّ ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة.
وقد قيل: كانت شجرة البر وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين.
وجائز أن تكون [١] واحدة منها، وذلك عِلْمٌ إذا عُلِمَ لم ينفع العالمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم.
[وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره وهو الصواب] [٢].
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾.
يصح أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قرأ [٣] عاصم بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود: فأزلهما، أي: فنحاهما، ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو الشجرة، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة: "فأزلهما"، أي: من قَبِيلِ الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؟
ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
أي [٤]: قرار وأرزاق وآجال ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.
وقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدّي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه وغيرهم، هاهنا أخبارًا إسرائيلية عن قصة الحية [٥] وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى [٦] الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك، إن شاء الله، في سورة الأعراف، فهناك القصة أبسط منها هاهنا، والله الموفق.
وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا (٢٨٦): حدثنا علي بن الحسن [٧] بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأوّل ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَدَّ في الجنة فأخذت شَعْرَه شجرةٌ، فنازعها، فناداه الرحمن يا آدم؛ مني تَفرُّ؟
فلما سمع كلام الرحمن، قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياء".
قال (٢٨٧): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي [١] سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليمان [٢] بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "لما ذاق آدم من الشجرة فرّ [٣] هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي يا آدم؛ أفرارًا مني؟
قال بل حياء منك.
قال: يا آدم؛ اخرج من جواري؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا فم عصوني لأسكنتهم دار العاصين".
هذا حديث غريب، وفيه انقطاع، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب، ﵁ [٤]!
وقال الحاكم (٢٨٨): حدَّثنا [٥] أبو بكر بن بَالُويَه [٦] عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن [] [٧] معاوية البَجَلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
[وقال عبد بن حميد في تفسيره.
حدَّثنا روح، عن هشام، عن الحسن، قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] [٨].
وقال أبو جعفر الرازي (٢٨٩): عن الربيع بن أنس قال: خرج [٩]، آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة.
وقال السدي: قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا ونزل [١] آدم بالهند، [ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة فبثه بالهند] [٢] فنبتت شجرة [٣] الطب، فإنما أصل ما يجاء به من [الطيب من الهند] [٤] من قبضة الورق التي [٥] هبط بها آدم، وإنما قبضها [آدم حين أخرج من الجنة] [٦] أسفًا على الجنة حين أخرج منها.
وقال عمران بن عيينة (٢٩٠) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أهبط آدم من الجنة بدَحْناء أرض بالهند [٧].
وقال ابن أبي حاتم (٢٩١): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها دَحْناء، بين مكة والطائف.
وعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان.
رواه ابن أبي حاتم (٢٩٢).
وقال [أبو محمد] [٨] بن أبي حاتم (٢٩٣): حدَّثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدَّثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدَّثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير [٩] بن عدي، عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة.
وقال رجاء بن أبي سلمة (٢٩٤): أهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأهبط إبليس مشبكًا [١] بين أصابعه رافعًا رأسه إلى السماء.
قال عبد الرزاق (٢٩٥): قال معمر: أخبرني عوف عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال الزهري: عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها".
رواه مسلم والنسائي (٢٩٦).
[وقال الرازي: اعلم أن في هذه الآية تهديدًا عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه: (الأوّل): إنما يتصوّر ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر: يا ناظرا يرنو بعينَيْ راقدٍ … ومشاهدًا للأمر غير مشاهدِ تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي … دَرَجَ الجنَانِ ونيل فوز العابدِ أنسيتَ ربَّك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحدٍ قال ابن القاسم: ولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم قال الرازي: عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة، فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.
فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء -كما يقول الجمهور من العلماء- فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟
فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء.
كما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه السرقة والإهانة فلا يمتنع؛ ولهذا قال بعضهم -كما جاء في التوراة: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة.
وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة.
وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره.
وقد أورد القرطبي (٢٩٧) هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] [١].
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ قيل: إن هذه الكلمات [٢] مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وروي هذا [٣] عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال أبو إسحاق السبيعي (٢٩٨) عن رجل من بني تميم، قال: أتيت ابن عباس فسألته قلت [٤]: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟
قال: علم شأن الحج.
وقال سفيان الثوري (٢٩٩): عن عبد [٥] العزيز بن رُفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير - أنه قال: قال آدم: يا رب؛ خطيئتي التي أخطأتُ شيءٌ كتبتَه عليَّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعتُه من قِبَلِ نفسي؟
قال "بل شيء [٦] كتبتُه عليك yyy قبل أن أخلقك" قال: فكما كتبته علي فاغفر [١] لي.
قال فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [٢]﴾.
وقال السدّي (٣٠٠): عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قال آدم ﵇: يا رب؛ ألم تخلقني بيدك؟
قيل له: بلى.
قال [٣]: [ونفخت في من روحك؟
قيل له: بلى] [٤] وعطستُ، فقلتَ: يرحمك الله، وسبقت رحمتُكَ غضَبَك؟
قيلَ له: بلى.
وكتبت عليَّ أن أعمل هذا؟
قيل له: بلى.
قال: أرأيت [٥] إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟
قال: نعم.
وهكذا [٦] رواه العوفي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مَعْبَد، عن ابن عباس، بنحوه.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد [٧] بن جبير، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٣٠١).
وهكذا فسره السدّي وعطية العَوْفي.
وقد روى ابن أبي حاتم (٣٠٢) هاهنا حديثًا شبيهًا بهذا فقال: حدثنا علي بن الحسين [٨] ابن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "قال آدم ﵇: أرأيت يا رب؛ إن تبتُ ورجعتُ أعائدي إلى الجنة؟
قال: نعم.
فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [٩]﴾.
قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: يا رب؛ أرأيت إن تبت وأصلحت؟
قال الله: "إذًا أرجعك إلى الجنة".
فهي من الكلمات، ومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد، أنه كان يقول في قول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [١]﴾ قال الكلمات اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي [[فارحمني] [٢]، إنك خير الراحمين، اللَّهُمَّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي] [٣] فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا [٤] أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا] [٥]﴾.
الآية.
وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا [فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا] [٦]﴾.
إلى [٧] غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب؛ ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين [٨] أهبطهم من الجنة -والمراد الذرية- إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهُدَى الأنبياء والرسل والبينات [٩] والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد ﷺ، وقال الحسن: الهدى القرآن، وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أُنزلتْ به الكتب، وأُرسلتْ به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه [١٠] من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
كما قال هاهنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها، ولا محيص.
وقد أورد ابن جرير ﵀ هاهنا حديثًا ساقه من طريقين عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد -واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخدري- قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا [١] يموتون فيها ولا يحيون، و [٢] لكن أقوام [٣] أصابتهم النار بخطاياهم أو بذنوبهم فأماتتهم [٤]، إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة".
وقد رواه مسلم من حديث شعبة، عن أبي سلمة، به (٣٠٣).
[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قم.
قم.
وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض.
والصحيح الأول، والله أعلم] [٥].
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول [٦] في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيّجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا بن الكريم؛ افعل كذا.
يا بن الشجاع؛ بارز الأبطال.
يا بن العالم؛ اطلب العلم.
ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
فإسرائيل هو يعقوب ﵇ بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟
" قالوا: اللَّهُمَّ؛ نعم.
فقال النبي ﷺ: "اللَّهُمَّ؛ اشهد" (٣٠٤).
وقال الأعمش: عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير [١] مولى ابن عباس.
عن [عبد الله] [٢] بن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله (٣٠٥).
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، أن [٣] فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم [٤] من عبودية آل فرعون.
وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.
قلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾.
يعني: في زمانهم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (٣٠٦)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه، [وقال تعالى] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
قال: بعهدي الذي أخذت في [٥] أعناقكم للنبي محمد ﷺ إذا [٦] [جاءكم أوف بعهدكم، أي:] [٧] أنجز لكم ما وعدتكم [٨] عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.
[وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
الآية.
وقال آخرون هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة، أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع الشعوب، والمراد به محمد ﷺ، فمن اتبعه غفر الله له ذنبه، وأدخله الجنة، وجعل له أجرين.
وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ] [١]، وقال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده دين [٢] الإسلام أن يتبعوه.
وقال الضحاك (٣٠٧): عن ابن عباس ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرضَ [٣] عنكم وأدخلكم الجنة.
وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي أنزل بكم ما أنزلت [٤] بمن كان قبلكم من آبائكم من النّقمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول، ﷺ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله [يهدي من] [٥] يشاء إلى [صراط مستقيم] [٦].
ولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزله على محمد [ﷺ] النبي الأمي العربي، بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله تعالى، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول [يا معشر أهل الكتاب؛ آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول] [٧] لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك] [١].
قال ابن عباس (٣٠٨): ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
و [٢] قال أبو العالية: يقول ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ.
[يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه] [٣].
وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس.
واختار ابن جرير أن الضمير في قوله ﴿بِهِ﴾ عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.
وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد [ﷺ] [٤] ومن كفر بمحمد ﷺ، فقد كفر بالقرآن.
وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإنّ يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك (٣٠٩): أنبأنا [٥] عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن هارون بن يزيد [٦] قال: سئل الحسن - يعني البصري- عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقال ابن لهيعة (٣١٠): حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وإن آياته كتابه الذي أنزله [٧] إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها.
وقال السدي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول لا تأخذوا طمعًا [١] قليلًا ولا [٢] تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن.
وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا بن آدم؛ عَلِّمْ مجانًا كما عُلِّمْتَ مجانًا.
[وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس؛ لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب.
وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة (٣١١) ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا (لم يُرَحْ رائحة الجنة) [٣] يوم القيامة".
فأمّا تعليم العلم بأجرة؛ فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء.
كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد (٣١٢) في قصة اللديغ "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
وقوله في قصة المخطوبة: "زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن" (٣١٣).
فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، فسأل عنه رسول الله، ﷺ، فقال: "إن أحببت أن تطوَّق بقوس من نار فاقْبَلْه" فتركه.
رواه أبو داود (٣١٤) وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (٣١٥)، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء، منهم أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأمَّا إذا كان من أوّل الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم.
وقوله] [١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٣١٦): حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله] [١]، على نور من الله [تخاف عقاب الله] [٢].
ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه [٣] من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه [٤] من تلبيس [٥] الحق بالباطل وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك: عن ابن عباس (٣١٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ لا [٦] تخلطوا [الحق بالباطل والصدق بالكذب] [٧].
وقال أبو العالية: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله من أمّة [٨] محمد ﷺ.
ويروى [٩] عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه.
وقال قتادة ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [] [١٠] ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، [وأنتم تعلمون] [١١] أنّ دين الله الإسلام، وأنّ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.
وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (٣١٨)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا [١] عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
وروي عن أبي العالية نحو ذلك.
وقال مجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا، ﷺ.
[(قلت): ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا، ويحتمل أن يكون منصوبًا، أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق، أي: في حال كتمانكم الحق ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المُفْضِي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق؛ لتروّجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل [٢].
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلوا مع النبي ﷺ[﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي ﷺ] [٣] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمّة محمد ﷺ، يقول: كونوا معهم ومنهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٣١٩): [وآتوا الزكاة] [٤] يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص.
وقال وكيع عن أبي جناب [٥] (٣٢٠)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة، قال: مائتان فصاعدًا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها [٦] وبالصلاة.
وقال ابن أبي حاتم (٣٢١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العُكلي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر.
[وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة.
وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وأُبسط ذلك في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد] [١].
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى كيف يليق بكم -يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر- وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون [٢] بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر الله؟
أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا [٣] من رقدتكم، وتتبصروا [٤] من عمايتكم؟
وهذا كما قال عبد الرزاق (٣٢٢) عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون؛ فعيرهم الله ﷿.
وكذلك قال السدي.
وقال ابن جريج: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهلُ الكتاب والمنافقون، كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، وَيَدَعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك، [فمن أمر بخير] [٥] فليكن أشدّ الناس فيه مسارعة.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [٦]- عن ابن عباس ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون [١] ما تعلمون من كتابي (٣٢٣).
وقال الضحاك (٣٢٤): عن ابن عباس في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم؟
وقال أبو جعفر بن جرير (٣٢٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجَرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: قال أبو الدرداء ﵁: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
والغرض: أنّ الله تعالى ذمّهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ بل على تركهم له، فإن الأمرَ بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن [الواجب و] [٢] الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾.
فكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف.
وذهب بعضهم إلى أنّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها.
والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، [قال مالك: عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما، ما أمر أحد بالمعروف، ولا نهى عن منكر.
قال مالك: وصدق، مَنْ ذا الذي ليس فيه شيء؟
(قلت):] [١] ولكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية؛ لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (٣٢٦): حدَّثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي المعمري، قالا: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا علي بن سليمان الكلبي، حدَّثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَثَل العالِم الذي يُعلِّم الناس الخير ولا يعمل به؛ كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر، قال الإمام أحمد بن حنبل (٣٢٧) في مسنده [٢]: حدَّثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد -هو ابن جدعان- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: "مررت ليلة أسري بي على قوم شفاهُهم تُقْرضُ بمقاريض من نار.
قال: قلت: من هؤلاء؟
قالوا: خطباء أمّتك [٣] من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟
".
ورواه عبد بن حميد في مسنده (٣٢٨) وتفسيره عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به [١].
ورواه ابن مردويه في تفسيره (٣٢٩)، من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، به [٢].
ثم قال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدَّثنا مكي بن إبراهيم، حدَّثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة، عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار.
قلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء خطاء أمّتك، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٣٠)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة -يعني ابن حبيب ختن مالك بن دينار [- عن مالك بن دينار] [٣]، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: لما عُرج برسول الله ﷺ مرّ بقوم تُقرض شفاهُهم فقال: "يا جبريل!
مَن هؤلاء؟
قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم؛ أفلا يعقلون؟
".
حديث آخر، قال الإمام أحمد (٣٣١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: قيل لأسامة، وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟
فقال: [ألا] [٤] إنكم تُرَون أني لا أكلمه، ألا أسمعكم!
إني لأكلمه [٥] فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا -لا أحب أن أكون أوّل منٍ افتتحه، والله لا أقول لرجل إنك خير الناس وإن كان عليّ أميرًا- بعد أن [٦] سمعت رسول الله ﷺ يقول [٧].
قالوا: وما سمعته يقول؟
قال: سمعته يقول: "يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق [١] (٣٣٢) به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان!
ما أصابك؟
ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟
فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
ورواه البخاري ومسلم، من حديث سليمان بن مهران [٢] الأعمش، به نحوه (٣٣٣).
[وقال أحمد: حدَّثنا سيار بن حاتم، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يعافي الأمّيين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء" (٣٣٤).
وقد ورد في بعض الآثار: "إنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرّة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة، عن النبي ﷺ قال: "إنّ أناسًا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار؟
فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل" (٣٣٥).
ورواه من حديث الطبراني (٣٣٦)، عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر [الدَّاهري] عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة فذكره] [١].
وقال الضحاك: عن ابن عباس (٣٣٧): أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عني المنكر، قال أوَبَلَغتَ ذلك؟
قال: أرجو.
قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل.
قال: وما هنّ؟
قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
أَحْكَمْتَ هذه؟
قال: لا.
قال فالحرف الثاني؟
قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
أحكمت هذه؟
قال: لا.
قال: فالحرف الثالث؟
قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ] [٢]﴾ أحكمت هذه الآية؟
قال: لا.
قال: فابدأ بنفسك.
رواه ابن مَرْدُويه في تفسيره.
وقال الطبراني (٣٣٨): حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدَّثنا زيد بن الحريش، حدَّثنا عبد الله بن خِرَاش، عن العوام بن حوشب، عن المسيب بن رافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال، أو دعا إليه".
[إسناده فيه ضعف.
وقال إبراهيم النخعي إني لأكره القصص لثلاث آيات؛ قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله إخبارًا عن شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ [١]﴾.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.
يقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤملون من خير الدنيا [والآخرة] [٢] بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما [قال مقاتل] [٣] بن حَيَّان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، والصلاة.
فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد.
[قال القرطبي وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث] [٤].
وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن جُرَيّ بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ قال: "الصوم نصف الصبر" (٣٣٩).
وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها فعل الصلاة.
و [١] قال ابن أبي حاتم (٣٤٠): [حدثني أبي حدَّثنا] [٢] عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: الصبر صبران؛ صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.
قال [٣]: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر.
وقال ابن المبارك: عن ابن لَهِيعة، عن مالك بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: الصبر: اعتراف العبد لله بما أصيب [٤] فيه، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد، لا يُرى منه إلا الصبر.
وقال أبو العالية في قوله تعالى [٥]: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال [٦]: على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله.
وأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية.
وقال الإمام أحمد (٣٤١): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو [٧] حذيفة -قال حذيفة- يعني ابن اليمان ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى.
ورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار كما سيأتي] [١].
وقد رواه ابن جرير (٣٤٢) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
[ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة -ويقال: أخي حذيفة- مرسلًا عن النبي ﷺ.
وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي: قال عبد العزيز قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى (٣٤٣).
حدَّثنا [عبد الله] [٢] بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله، ﷺ، يصلي ويدعو حتى أصبح (٣٤٤)] [٣].
قال ابن جرير: وروي عنه ﵊ أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له: "أشكنب [٤] دّرْدْ" [ومعناه: أيوجعك بطنك!
قال نعم] [٥].
قال: "قم فصل فإن الصلاة شفاء" (٣٤٥).
قال ابن جرير (٣٤٦): وقد حدَّثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدَّثنا ابن عُلَيَّة، حدَّثنا عيينة [١] بن عبد الرحمن، عن أبييه، أن ابن عباس نُعِي إليه أخوه قُثَم [٢]، وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾.
وقال سُنَيد [٣]: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما مَعونتان على رحمة اللَّه، والضمير في قوله ﴿وإنها لكبيرة [٤]﴾ عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير.
ويحتمل أن يكون عائدًا على ما يدل [٥] عليه الكلام وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى: في قصة قارون ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب إلا خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا [وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا] [٦]، وما يلقاها، أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم.
وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة﴾ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، و [٧] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس يعني المصدقين بما أنزل اللَّه.
وقال مجاهد: المؤمنين حقًّا، وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين: الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: إلا على الخاشعين، يعني به: المتواضعين.
وقال الضحاك: ﴿وإنها لكبيرة﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده.
وهذا يشبه ما جاء في الحديث: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره اللَّه عليه" (٣٤٧).
وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة اللَّه، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضاء اللَّه، العطمة إقامتها إلا على [الخاشعين، أي] [١] المتواضعين للَّه [٢] المستكينين [٣] لطاعته المتذللين من مخافته.
هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامّه لهم ولغيرهم.
واللَّه أعلم.
وقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم أبيه راجعون﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: وإنّ الصلاة أو الوَصَاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظون أنهم ملاقو ربهم، أي: [يعلمون أنهم محشورون] [٤] إليه يوم القيامة معروضون [٥] عليه، وأنهم إليه راجعون، أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فِعلُ الطاعات وترك المنكرات.
فأما قوله: ﴿يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ فقال [٦] ابن جرير، ﵀: العرب قد تسمي اليقين ظنًّا، والشك، ظنًّا، نطر تسميتهم الظلمة "سُدْفة" [٧]، والضياء "سُدْفة" [٨]، والمغيث "صارخًا"، والمستغيث "صارخًا"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه، كما قال دريد بن الصِّمة: فقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ [٩] … سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِيِّ [١٠] المسرَّدِ [١١] يعني بذلك تيقنوا بألفي [١] مدجج [٢] يأتيكم، وقال عَمِيرة [٣] بن طارق: بأن [٤] تغتزوا قومي وأقعُدَ فيكم … وأجعلَ مني الظنَّ غيبًا [٥] مرجَّما يعني وأجعل مني اليقين غيبًا [٦] مرجمًا، قال والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أنّ الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية؛ ومنه قول اللَّه تعالى ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾، ثم قال [ابن جرير (٣٤٨)] [٧].
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد قال: كل ظنّ في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا.
وحدثني المثنى (٣٤٩)، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن [٨] أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم، وهذا سند صحيح.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ قال: الظن هاهنا يقين.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية.
وقال سُنَيد: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ [علموا أنهم ملاقوا ربهم] [٩] كقوله ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ يقول: علمت.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(قلت): وفي الصحيح (٣٥٠) أنّ اللَّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: "ألم أزوِّجك، ألم أكرمك، ألم [١] أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (٣٥١) وتربع (٣٥٢) " فيقول: بلى.
فيقول اللَّه تعالى [٢]: "أفظننت أنك ملاقيَّ؟
" [فيقول: لا] [٣].
فيقول اللَّه: "اليوم أنساك كما نسيتني"، وسيأتي مبسوطًا عند قوله تعالى: ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ [إن شاء اللَّه تعالى] [٤].
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧) يذكرهم تعالى بسالف [٥] نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم و [٦] على سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين﴾.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عَالم من كان في ذلك الزمان؛ فإنّ لكل زمان عالمًا.
ورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأنّ هذه الأمّة [٧] أفضل منهم لقوله تعالى: خطابًا لهذه الأمّة: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾ وفي المسانيد [٨] والسنن، عن معاوية بن حَيدَة [٩] القُشَيري (٣٥٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ "أنتم تُوفُونَ سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه".
والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس﴾.
[وقيل: المراد تفضيل بنوع مَا من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا، حكاه الرازي، وفيه نظر.
وقيل إنهم فُضِّلوا على سائر الأم لاشتمال أمّتهم على لأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات اللَّه وسلامه عليه.] [١] وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) لما ذكرهم تعالى بنعمه أولًا، عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال ﴿واتقوا يومًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ أي: لا يغنى أحد عن أحد، كما قال ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقال ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ وقال ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا﴾ فهذه أبدغ المقامات أنّ كلًّا من الوالد وولده لا يغنى أحدهم عن الآخر شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿ولا يقل منها شفاعة﴾ يشي: من [٢] الكافرين، كما قال: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وكما قال عن أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ وقال ﴿إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾.
وقال ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا [مأواكم النار هي مولاكم] [٣]﴾ الآية، فأخبر تعالى أنهم إن [٤] لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا اللَّه يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا، كما قال تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ وقال ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾.
[قال سنيد: حدّثني حجاج، حدّثني ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: بدل، والبدل الفدية، وقال السدّي: أمّا عدل فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تُقُبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم] [١]، وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولا يؤخذ [٢] منها عدل﴾ يعني: فداء.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق أنبأنا [٣]، الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل: قال: والصرف والعدل التطوّع والفريضة (٣٥٤).
وكذا قال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ.
وهذا القول غريب هاهنا [٤]، والقول الأوّل أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقوّيه، وهو ما قال ابن جرير: حدّثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيبم، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بني قيس المُلائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام -أحسن عليه الثناء- قال: قيل: يا رسول الله، ما العدل؟
قال: "العدل الفدية" (٣٥٥).
وقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال ﴿فما له من قوّة ولا ناصر﴾ أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذٌ، [ولا يخلصه منه أحد] [٥]، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ وقال ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ وقال ﴿ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾ وقال ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون اللَّه قربانا آلهة بل ضلوا عنهم﴾ الآية.
وقال الضحاك (٣٥٦) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ ما لكم اليوم لا تَمانَعُون منا، هيهات!
ليس ذلك لكم اليوم.
قال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية.
بَطَت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحعكم إلى [الجبار العدل] [١] الذي لا ينفع لديه الشفعاء ولا [٢] النصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾.
وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم؛ ﴿إذ نجيناكم من آل فرعون [يسومونكم سوء العذاب] [٣]﴾، أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم، أي ورردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون -لعنه اللَّه- كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها: أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال: بل تحدث سمَّاره عنده بأن بنى إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم، يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في [حديث الفُتُون،] [٤] كما سيأتي في موضعه، [في سورة طه،] [٥] إن شاء اللَّه تعالى، فعند ذلك أمر فرعون -لعنه اللَّه- بقتل كل ذَكَر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.
وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه، كما قال ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾، وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة والعونة والتأييد.
[ومعنى يسومونكم: يولونكم قاله أبو عبيدة.
كما يقال: سامه خطة خسف، إذا أولاه إياها.
قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملْكُ سام الناسَ خَسْفًا … أبَينا أن نُقِرَّ الخسْفَ فينا وقيل: معناه يديمون عذابكم.
كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي.
وإنما قال هاهنا: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ وأما في سورة إبراهيم: فلما قال: ﴿وذكرهم بأيام اللَّه﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والاُيادي علي بني إسرائيل] [١].
وفرعون عَلَمٌ على كل من ملك مصر، كافرًا [من العماليق وغيرهم] [٢]، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكذلك كسرى لمن [٣] ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرًا، [والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطيموس لمن ملك الهند] [٤]، ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن [٥] موسى ﵇ الوليد بن مصعب [بن الريان] [٦]، وقيل: مصعب بن الريان، [فكان من سلالة عمليق بن الاُود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر] [٧]، وأيَّاما كان فعليه [٨] لعنة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاءمن ربكم عظيم﴾.
قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل [٩] فرعون، بلاءلكم من ربكم عطم، أي: نعمة عطمة عليكم في ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (٣٥٧) قوله تعالى: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال: نعمة.
وقال مجاهد: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال: نعمة.
من ربكم عظيمة، وكذا [١٠] قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم، وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾، وقال ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات [لعلهم ويرجعون] [١]﴾.
قال ابن جريو: وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بَلَاء، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى: جَزَى الله بالإحسان ما فَعَلا يكُمْ … وأبلاهما خَيْرَ البلاء الذي يَبْلُو قال فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد: فأنعم اللَّه عليهما خير النعم التي يَخْتَبِرُ بها عباده.
[وقيل: المراد بقوله ﴿وفي ذلكم بلاء﴾ إشارة الى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح الأبناء واستحياء النساء.
قال القرطبي: وهذا قول الجمهور ولفظه بعد ما حكى القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان] [٢].
وقوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم، فقرقنا بكم البحر، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا كما سيأتي في مواضعه، ومن أبسطها ما [٣] فى سورة الشعراء [إن شاء اللَّه] [٤].
﴿فأنجيناكيم﴾.
أي خلصناكم منهم، وحجزنا يينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ فى إهانة عدوكم.
قال عبد الرزاق (٣٥٨): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن عمرو بن ميمون الأَوْدي في قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ الى قوله ﴿وأنتم [٥] تنظرون [٦]﴾.
قال لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تبعوهم حتى تصيح الديكة.
قال فواللَّه ما صاح ليلتئذ [٧] ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فَذُبحت، ثم قال لا أفرغ من كبدها [٨] حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها [٩] حتى اجتمع اليه ستمائة ألف من القبطِ، [ثم سار] [١٠] فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون أين أمَرَ [١١] ربك؟
قال أمامك.
يضير إلِى البحر.
فأقحم [١] يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ، فذهب به الغمر، ثم رجع، فقال أين أمَرَ [٢] ربك يا موسى؟
فواللَّه ما كذبتَ، ولا [٣] كذِبتَ، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى: ﴿أن اضوب بعصاك البحر﴾ فضربه ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ - يقول مثل الجبل- ثم سار موسى ومن معه، وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾.
وكذلك قال غير واحد من السلف، كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (٣٥٩): حدّثنا عفان، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيوب، عن عبد اللَّه بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومون".
قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجى اللَّه عزَّ وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم [٤]، فصامه موسى ﵇.
فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "أنا أحق بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصومه.
وروى هذا الحدثحا البخاريُّ ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة (٣٦٠)، من طرق، عن أيوب السختياني، به نحو ما تقدم.
وقال أبو يعلى الموصلي: حدّثنا أبو الرييع، حدّثنا سلام- يعني ابن سليم- عن زيد العَمّيّ، عن يزيد الرقاشى، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "فلق اللَّه البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء" (٣٦١).
وهذا ضعيف من هذا الوجه بم فإن زيدًا العمّيّ فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.
﴿أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون، وإنجائهم من البحر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
[وقيل: الواو زائدة، والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان، وهذا غريب.
وقيل: عطف عليه، وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول الشاعر: وقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراقشيه … فألفى قولها كذبا ومينا وقال الآخر: ألَا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ … وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ والبعدُ فالكذب هو المين، والنأي هو البعد.
وقال عنترة: حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقادم عَهْدُه … أقْوَى وأقْفَرَ بعدَ أُمِّ الهيثم فعطف الإقفار على الأقواء وهو هو] [١].
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ هذه صفةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل [١]، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حين قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾.
الآية.
قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾.
أي إلى خالقكم.
قلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلَى [٢] بَارِئِكُمْ﴾ تنبيه على عظَم جرمهم.
أي فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره.
وقد [٣] روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم (٣٦٢)، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الورّاق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل [من لقي [٤]] [٥] من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن.
فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على [٦] ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول.
وهذا قطعة من حديث الفُتُون، وسيأتي في سورة طه بكماله، إن شاء الله.
وقال ابن جرير (٣٦٣): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا [٧] إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، قال: أمر موسى قومه - عن [١] أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم، قال [٢]: واحتبى الذين عبدوا [٣] العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظُلّة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظُلّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.
وقال ابن جريج (٣٦٤): أخبرني القاسم [بن أبي بَزَّة] [٤]: أنه سمع سعيد بن جُبَير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل [٥] بعضهم بعضًا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل.
وأن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه.
[وروي عن علي ﵁ نحو ذلك] [٦].
وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل فجعله لِحَيِّهم توبة وللمقتول شهادة.
وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حنْدس (٣٦٥)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدّي: في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم [٧] سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقيةَ البقيةَ؛ فأمرهم أن يلقوا [٨] السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال الزهري: لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم، قالوا [٩]: يا نبي الله؛ ادع الله لنا، وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟
أما من قُتل منهم [١] فحيٌّ عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته.
فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل.
رواه ابن جرير (٣٦٦) بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل.
فقال [٢]: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نَصبر لأمر الله، فَأمَرَ موسى: من لم يكن عَبَدَ العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ [عليهم القومُ] [٣] السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وَبَهَشَ [٤] (٣٦٧) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب الله [٥] عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين [٦] رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه.
فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم.
فقالوا يا موسى؛ ما من توبة؟
قال بلى، ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ﴾.
الآية.
فاخترطوا السيوف والجِرَزَة [٧] (٣٦٨) والخناجر والسكاكين.
قال: وبعث عليهم ضبابة.
قال فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا.
قال ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو [٨] لا يدري.
قال ويتنادون فيها [٩]، رحم الله عبدًا صبر نفسه [١٠] حتى يبلغ الله رضاه، قال فقتلاهم شهداء، وتِيبَ على أحيائهم ثم قرأ ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانية (٣٦٩).
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانية، أي: حتى نرى الله (٣٧٠).
وقال قتادة والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانًا.
وقال أبو جعفر.
عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه.
قال [١] فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.
وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة: صيحة من السماء.
وقال السدي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة [٢]: نار.
وقال عروة بن رُوَيم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال فصُعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعث هؤلاء وصُعق هؤلاء.
وقال السدي: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب؛ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾.
فأوحي الله إلى موسى: أنّ هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوار [٣] رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعض: كيف يحيون؟
قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال الربيع بن أنس: كان موتُهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم.
وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير (٣٧١): حدثنا محمد بن حميد، حدَّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرَّق العجل وذرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله وتوبوا [إلى الله] [١] مما صنعتم، واسألوه [٢] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهِّروا ثيابكم.
فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّتَهُ له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى؛ اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم ادنوا - وكان موسى إذا كلمه الله [٣] وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه - فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل.
فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟
أي: إن هذا لهم هلاك، و [٤] اخترت منهم سبعين [٥] رجلا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ فلم بزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.
هذا سياق محمد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل [٦] بعضهم لبعض [٧]-كما أمرهم الله [٨] به - أمر اللهُ موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله دعوته.
وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿؛ فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، كيف يناله هؤلاء السبعون.
القول الثاني في الآية] [١]: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم - فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله؛ فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه.
فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟
لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطع الله علينا ويقول [٢]: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؛ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من اللَّه، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقَتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله.
فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟
فقالوا [٣]: أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا، قال: خذوا كتاب الله.
قالوا: لا.
فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم.
[وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.
وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف.
قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح، والله أعلم] [٤].
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ لما ذكر تعالى ما [٥] دفعه عنهنم من [٦] النقم، شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سُمي بذلك، لأنه يَغُمّ السماء أي: يواريها ويسترها.
وهو السحاب الأبيض، ظُلّلوا به في التيه ليقيهم حرّ الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.
و [١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس، وأبي مِجْلَز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس، وقال الحسن وقتادة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾: كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس.
وقال ابن جرير [٢]: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.
وقال ابن أبي حاتم (٣٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نَجيِح، عن مجاهد ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير (٣٧٣)، عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة.
وكذا رواه الثوري، وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٣٧٤).
وكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زيِّ هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو [٣] الذي يأتي الله فيه في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [٤]﴾ وهو الذي جاءت فهه الملائكة يوم بدر.
قال ابن عباس: وكان معهم في التّيه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المنّ ما هو؟
فقال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس: كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا (٣٧٥).
وقال مجاهد: المنّ صمغة.
وقال عكرمة: المنّ شيء أنزله الله عليهم مثل: الطل، يشبه [١] الرُّبّ الغليظ.
وقال السدي: قالوا: يا موسى؛ كيف لنا بما هاهنا؟
أين الطعام؟
فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط [٢] على شجرة [٣] الزنجبيل.
وقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم [٤] في محلتهم سُقُوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق حتى إذا كان يوم سادسه - ليوم [٥] جمعته - أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخَص فيه لأمر [٦] معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية.
وقال الربيع بن أنس: المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه - وسئل عن المنّ - فقال: خُبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النَقيِّ.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد [٧] بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المنّ.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه العسل.
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال.
فرأى الله أنهم بِمَضِيع … لا بذي مَزْرَع ولا مَثْمُورا فسناها عليهمُ غاديات … وتَرى مُزْنهم خلايا وخورا عسلا ناطفًا وماء فراتًا … وحليبًا ذا بهجة مرمورا فالناطف: هو السائل، والحليب المرمور: الصافي منه.
والغرض أنّ عبارات المفسرين متقاربة في شرح المنّ؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب.
والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كَدٌّ، فالمن المشهور إن أُكل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده، والدليل على ذلك قول البخاري (٣٧٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن [١] عمرو بن حُرَيث عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي، ﷺ: "الكمأة (٣٧٧) من المنّ (٣٧٨)، وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.
وأخرجه الجماعة (٣٧٩) في كتبهم؛ إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العُرَني، عن عَمرو بن حريث، به (٣٨٠).
وقال الترمذي (٣٨١): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ومحمود بن غيلان قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
تفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب، [لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر، عنه،] [١] وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر.
كذا قال.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره (٣٨٢)، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدَّثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدَّثنا أسلم بن سهل، حدَّثنا القاسم بن عيسى، حدَّثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا [السلمي الواسطى] [٢]، يكنى: بأبى محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب.
قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (٣٨٣).
ثم قال الترمذي [٣]: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جُدَري الأرض، فقال نبي الله ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار، به (٣٨٤).
وعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به (٣٨٥).
وعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب.
بقصة الكمأة فقط (٣٨٦).
وروى [١] النسائي أيضًا وابن ماجة [٢] [من حديث] [٣] محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة (٣٨٧).
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع [٤] منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض.
فقال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٨٨).
وروي، عن شهر [بن حوشب] [٥]، عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد (٣٨٩): حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وقال النسائي في الوليمة أيضًا: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، [عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٠).
ثم رواه أيضًا [] [١] ابن ماجة من طرق عن الأعمش] [٢] عن أبي بشر، عن شهر عنهما، به (٣٩١).
وقد رويا [٣]-أعني النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
زاد النسائي جابر [٤]، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٢).
ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب، عن عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، كابن ماجة.
وقال ابن مَرْدُويه أيضًا حدَّثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت [٥] فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به (٣٩٣) ثم [١] رواه أيضًا، عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان [٢]، عن الأعمش، به.
وكذا رواه النسائي (٣٩٤)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [٣].
وقد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ كما قال ابن مردويه.
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا [٤] في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه [٥] الكمأة.
فقال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم" (٣٩٥).
وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة.
وقد روى الترمذي والنسائي (٣٩٦) من طريقه شيئًا من هذا، والله أعلم.
وروي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي أيضًا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز [٦]، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس [عن النبي] [٧]، ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٧).
فقد اختلف -كما ترى- فيه على شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد [﵁] [١].
وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس السلوى طائر شبيه [٢] بالسُّمَانَى، كانوا يأكلون منه (٣٩٨).
وقال السدي في خَبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس [٣] من الصحابة: السلوى: طائر يشبه السُّمَانى (٣٩٩).
وقال ابن أبي حاتم (٤٠٠): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس قال: السلوى: هو السُّمَانى.
وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن، وعكرمة والربيع بن أنس، رحمهم الله تعالى [٤]، وعن عكرمة: أمّا السلوى فَطَير كطير يكون بالجنة، أكبر من العصفور، أو نحو ذلك.
وقال قتادة: السلوى كان [٥] من طير إلى الحمرة، تحشُرها [٦] عليهم الريحُ الجنوبُ، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدّى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه [٧] لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب بن منبه: السلوى: طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت.
وفي رواية عن وهب، قال: سألتْ بنو إسرائيل موسى ﵇ اللحم، فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم السلوى، وهو السمانى [١]، مثل ميل في ميل قيدَ رمح في [٢] السماء، فخبؤا [٣] للغد [٤] فنتن اللحم وخَنِز الخبز.
وقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما هاهنا؟
أين الطعام؟
فأنزل الله عليهم المنّ، فكان ينزل [٥] على شجر [٦] الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟
فأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا [٧] عشرة عينًا، فشرب كل سِبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟
فَظَلَّلَ عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟
فكانت ثيابهم تطول [٨] معهم كما تطول الصبيان، ولا يَنخرق لهم ثوب فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ [٩] الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ [١٠] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [١١] عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ] [١٢]﴾.
وروي عن وهب بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدى.
وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج: فكان [١٣] الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.
[قال ابن عطية (٤٠١): السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا.
وقاسمها باللَّه جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما أشورها قال: فظنّ أن للسلوى عسلًا.
قال القرطبي: دعوى الإجماع لا يصح؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛ لأنه يسلى به ومنه عين سلوان.
وقال الجوهري: السلوى: العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضًا.
والسلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر: شربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ … فلا وجديدِ العيش يامَيُّ ما أسلو واسم ذلك الماء: السلوان، وقال بعضهم: السلوان دواء يشفي الحزين فيسلوا، والأطباء يسمونه مفرج.
قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال سمانى للمفرد والجمع، وويلي كذلك.
وقال الخليل: واحده سلواة وأنشد: وإني لتعروني لذكراك هِزَّةٌ … كما انتفض السَّلواة من بَلَلِ القطر وقال الكسائى: السلوى واحدة وجمعه سلاوى.
نقله كله القرطبي (٤٠٢)] [١].
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات؛ ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد [ﷺ] ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء، في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، [مع ما] [٢] كانوا معه في أسفاره وغزواته؛ منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحرّ الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجادَ أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي [٣] ﷺ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم فجاء قدر مَبْرك الشاة، فدعا الله [٤] فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم [٥] سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملئوا سقيتهم [٦]، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر.
فهذا هو الأكمل في الاتباع [٧]: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخول الأرض المقدّسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇ فأمروا بدخول الأرض المقدّسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله تعالى في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا [١] كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السديُّ والرَّبيعُ بن أنسٍ وقتادةُ، [وأبو مسلم الأصفهانيُّ وغير واحد.
وقد قال اللَّه تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا﴾.
الآيات] [٢].
وقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن ابن زيد] [٣]، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم، وهم قاصدون بيت المقدس، لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس] [٤]، [وهذا كان لما] [٥] خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ أي شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.
[قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس (٤٠٣) أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي ركعًا] [٦].
وقال ابن جرير: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا أبو أحمد الزبيري، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعًا من باب صغير.
ورواه الحاكم من حديث سفيان، به.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان -وهو الثوري- به (٤٠٤).
وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم.
[وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي وحكى عن بعضهم أن المراد هاهنا في السجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] [١] وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قِبَل القِبلة.
وقال [ابن عباس] [٢] ومجاهد والسدي وقتادة [٣] والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس.
[وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القبلة] [٤] وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق (٤٠٥).
وقال السدي: عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود (٤٠٦)، عن عبد الله بن مسعود قيل لهم ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
وقوله [تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري: عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾] [٥] قال: مغفرة، استغفروا.
وروي عن عطاء والحسن وقتادة والرييع بن أنس، نحوه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا [٦] حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم (٤٠٧).
وقال عكرمة: قال [٧]: قولوا: لا إله إلا الله.
وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقرّوا بالذنب.
وقال الحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال [١]: هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم؛ غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر: أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من [٢] المحبوب [عند الله] [٣] تعالى، كما قال تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس: بأنه نُعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقرّه على ذلك عمر ﵁.
ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضًا، ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح -فتح مكة- داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله، [شكرًا للَّه] [٤] على ذلك.
ثم لما دخل البلد اغتسل وصلَّى ثماني ركعات وذلك ضحىً، وقال [٥] بعضهم: هي صلاة الضحى.
وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح؛ فاستحبوا للإمام وللأمير [٦] إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح [٧] أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
قال البخاري (٤٠٨): حدّثني محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال "قيل لبني إسرائيل ﴿وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعره".
ورواه النسائي: عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، به موقوفًا.
وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: فبدلوا [١]، فقالوا: حبة.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "قال الله لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا، ودخلوا [٢] الباب يزحفون على أستاههم فقالوا: حبة في شعرة".
وهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم عن محمد بن رافع، والترمذي، عن عبد [الرحمن] [٣] بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به (٤٠٩).
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم، كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة [٤]، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "دخلوا الباب -الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة" (٤١٠).
وقال أبو داود (٤١١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ: "قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم".
ثم قال أبو داود: حدَّثنا جعفر بن مسافر، حدَّثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد بمثله [١].
هكذا رواه منفردًا به في كتاب الحروف مختصرًا.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا إبراهيم بن مهدي [٢]، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي [٣] فديك، عن [٤] هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله- ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل، أجزنا في ثنية [٥] يقال لها: ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: "ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم" (٤١٢).
وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: اليهود، قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا.
قال: ركعًا، وقولوا حطة، أي [٦]: مغفرة، فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الثوري (٤١٣): عن السدّي، عن أبي سعد [٧] الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: وقولوا: حطة فقالوا: حنطة حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال أسباط (٤١٤): عن السدّي، عن مرَّة، عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هُطِّي سمعاتا [٨] أزبة [٩] مزبا [١٠]، فهي بالعربية: حبة [١١] حنطة حمراء مثقوبة [١٢] فيها شعرة سوداء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الثوري (٤١٥): عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال [١] ركعًا من باب صغير، فدخلوا [٢] من قبل أستاههم، وقالوا حنطة، فذلك [٣] قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وهكذا روي عن عطاء ومجاهد، وعكرمة والضحاك، والحسن وقتادة، والربيع بن أنس ويحيى بن رافع.
وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق من الحديث: أنهم بذلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قِبَل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا [وخطايانا] [٤]، فاستهزءوا فقالوا: حنطة في شعيرة [٥].
وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب (٤١٦).
وهكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدّي، والحسن، وقتادة أنه العذاب.
وقال أبو العالية الرجز: الغضب، وقال الشعبي: الرجز؛ إمَّا الطاعون، وإمَّا البرد.
وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
وقال ابن أبي حاتم (٤١٧): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا وكيع، عن [٦] سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد -يعني بن أبي وقاص- عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ: "الطاعون رجز عذاب [٧]، عذب به من كان قبلكم".
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به (٤١٨).
وأصل الحديث في الصحيحين (٤١٩) من حديث حبيب بن أبي ثابت: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها".
الحديث.
قال ابن جرير (٤٢٠): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال [١]: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا الوجع والسَّقَم رجز عذِّبَ به بعض الأمم قبلكم".
وهذا الحديث أصله مخرّج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، بنحوه (٤٢١) ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠] يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم [٢] منه من ثنتي عشرة عينا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم [ولا كدّ] [٣]، واعبدوا [٤] الذي سخر لكم ذلك ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فَتُسلَبوها.
وقد بسطه [٥] المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس، ﵁،: وجُعِلَ بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇ فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من مَنْقَلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.
وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون الطويل.
وقال عطية العوفي (٤٢٢): وجعل لهم حجرًا مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلًا وضعوه فضربه موسى ﵇ بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء.
وقال عثمان بن عطاء الخراساني: عن أبيه كان لبنى إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.
وقال قتادة: كان حجرًا طوريًّا من الطور، يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.
[وقال الزمخشري: وقيل: كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان، وقيل كان من الجنة، طوله عشرة أذرع، على طول موسى، وله شعبتان يتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار.
قال: وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا.
وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر؛ فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته.
قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.
وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه.
قال: وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرّون، والله أعلم] [١].
وقال يحيى بن النضر: قلت لجوبير: كيف علم كل أناس مشربهم؟
قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا [٢] عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.
وقال الضحاك (٤٢٣): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا.
وقال سفيان الثوري (٤٢٤): عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا [٣] عشرة عينًا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها.
وقال مجاهد نحو قول ابن عباس.
وهذه القصة شبيهة بالقصة التي [١] في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية؛ فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص [] [٢] على رسوله [ﷺ] ما [٣] فعل بهم.
وأمّا في هذه السورة -وهي البقرة- فهي [٤] مدنية؛ فلهذا كان الخطاب فيها [٥] متوجهًا إليهم.
وأخبر هناك بقوله ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [٦] عَشْرَةَ عَينًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار، وأخبر هاهنا بما آل إليه الحال [٧] آخرًا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار [٨] هاهنا وذاك هناك، والله أعلم.
[وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها الزمخشري في تفسيره، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب، والله أعلم] [٩].
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلًا، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم [١٠]، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنية من البقول ونحوها مما سألتم.
وقال الحسن البصري ﵀ فبطروا ذلك ولم [١١] يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل [١٢] وفوم، فقالوا ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.
وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المنّ والسلوى؛ لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم فهو مأكل واحد] [١].
فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم [٢] فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء، وكذا [٣] فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم، عنه، بالثوم [٤].
وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير.
وقال ابن أبي حاتم (٤٢٥): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: قال ابن عباس: الثوم.
قالوا: وفي اللغة القديمة: فوّموا لنا [بمعنى اختبزوا] [٥]، وقال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاشور شر، وعافور شر.
وأثافي وأثاثي.
ومغافير ومغاثير، وأشباه [٦] ذلك مما تقلب الفاء ثاء.
والثاء فاء لتقارب مخرجيهما، والله أعلم.
وقال آخرون: الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.
قال ابن أبي حاتم (٤٢٦): حدثنا يونس بن عبد الأعلى.
قراءةً، أنبأنا [٧] ابن وهب قراءةً [٨]، حدثني نافع بن أبي نعيم: أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟
قال: الحنطة.
قال ابن عباس.
أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول: قد كنت أغنى [٩] الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم وقال ابن جرير (٤٢٧): حدثنا علي بن الحسن [١٠]، حدثنا مسلم الجَرمي [١١]، حدثنا عيسى بن يونس، [عن رشدين بن كريب] [١٢]، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم.
وكذا قال علي بن أبي طلحة (٤٢٨) والضحاك (٤٢٩)، [عن ابن عباس] [١]، وعكرمة (٤٣٠) عن ابن عباس أن الفوم الحنطة.
وقال سفيان الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: و [٢] خبزها.
وقال هشيم: عن يونس، عن الحسن وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة.
وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، فالله [٣] أعلم.
[وقال الجوهري: الفوم: الحنطة، وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة.
وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز.
قال: وقال بعضهم هو الحمص لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فامي مغير عن فومي] [٤]، قال البخاري وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم.
وقوله تعالى: ﴿قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنية مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع.
وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.
قال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك.
وقال ابن عباس (٤٣١): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال مصرًا من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعد البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه.
قال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود (اهبطوا مصر) من غير إجراء يعني من غير صرف.
ثم روي عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع [٥]، وعن الأعمش أيضًا.
وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا.
ويكون ذلك من باب [١] الاتباع لكتابة المصحف، كما في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾.
ثم توقف في المراد ما هو؛ أمصر فرعون أم [٢] مصر من الأمصار؟
وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى ﵇ يقول لهم هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه [٣] وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة [٤] فيه لم يجابوا إليه، والله أعلم.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١] يقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذَلِّين، من وَجَدَهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون [٥].
وقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب النيالات، يعني الجزية (٤٣٢).
وقال عبد الرزاق (٤٣٣): عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ [٦] وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وقال الضحاك ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: الذل [٧].
وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمَّة [٨] وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة.
وقال عطية العوفي: الخراج.
وقال الضحاك: الجزية.
وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله.
وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله.
وقال سعيد بن جبير ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [يقول: استوجبوا سخطًا، وقال ابن جربر: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [١] انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولًا: إمّا بخير وإمّا بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءًا وبواء.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني.
فمعنى الكلام إذا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم [من الله] [٢] سخط.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم [به] [٣] من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم؛ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع -وهم الأنبياء وأتباعهم- فانتقصوهم [إلى أن] [٤] أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر [٥] أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء [الله بغير] [٦] الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: "الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس" (٤٣٤).
وقال الإمام أحمد (٤٣٥) [﵀] حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، قال: [فأتيت رسول الله ﷺ] [٧] وعنده مالك بن مرارة الرهاوي [٨]، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أن أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟
فقال: "لا ليس ذلك [] [٩] من البغي، ولكن البغي من بطر -أو قال- سفه الحق وغمط الناس".
يعني: رد الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم.
ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله [وقتلهم أنبياءه] [١]، أحل الله بهم بأسه الذي لا يردّ، وكساهم ذلا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاء وفاقًا.
قال أَبو داود الطالسي (٤٣٦): حدَّثنا شعبة، عن الأعمَش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من [٢] آخر النهار.
وقد قال الإمام أحمد (٤٣٧): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبان، حدَّثنا عاصم، عن أَبي وائل، عن عبد الله يعني: ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أَشدّ الناس [٣] عذابًا يوم القيامة: رجل كله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين".
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم [٤]، بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ لما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما [لا إذن] [٥] فيه، وانتهك المحارم، وما أحل بهم من النكال - نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة [٦] وأطاع؛ فإن له جزاءًا لحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
قال ابن أبي حاتم (٤٣٨): حدَّثنا [أبي] [١] حدَّثنا ابن أبي عمر العدني [٢]، حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سألت النبي، ﷺ، عن أهل دين كنتُ معهم، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [إلى آخر] [٣] الآية.
وقال السدي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدّث النبي، ﷺ، إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا أ يصلون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي اللَّه، ﷺ: "يا سلمان، هم من أهل النار".
فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود: أنَّه من تمسك بالتوراة [وسنة موسى ﵇، حتَّى جاء عيسى.
فلما جاء عيسى؛ كان من تمسك بالتوراة] [٤]، وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكًا.
وإيمان النصارى: أن من تمسك بالإنجيل منهم، وشرائع عيسى، كان مؤمنا مقبولا منه [٥]، حتَّى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدًا، ﷺ، منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل؛ كان هالكًا (٤٣٩).
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.
(قلت): وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية - قال [٦]- فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فإن هذا الذي قاله [ابن عبَّاس] [٧] أخبار عن أنَّه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملًا، إلَّا ما كان موافقًا لشريعة محمد، ﷺ، بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك؛ فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.
واليهود [١] من الهوادة وهي المودّة، أو التهوّد وهو التوبة؛ كقول [٢] موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ أي تُبنا، فكأنهم سُمُّوا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض [٣] أوقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أَبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة] [٤]، فلما بُعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه، والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسُموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم: أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: ناصرة، قاله قَتَادة وابن جريج، ورُوي عن ابن عبَّاس أيضًا والله أعلم.
والنصارى جمع نصران كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة: نصرانة، قال الشاعر: نصرانة لم تَحَنَّفِ (٤٤٠) فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الاطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر.
وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا [٥]، وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين؛ لكثرة إيمانهم وشدّة إيقانهم؛ ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.
وأما الصابئون فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثَّوري: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أَبو العالية والربيع بن أَنس والسدي وأَبو الشعثاء جابر بن زيد والضحاك [وإسحاق بن راهوية] [٦]: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور (٤٤١).
[ولهذا قال أَبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] [٧] وقال هُشَيم، عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة فحدّثه رجل من أهل [١] البصرة عن الحسن أنَّه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير (٤٤٢): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: [أُخبر] زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمسة، قال: فأراد أن يضع عنهم الجِزيَةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يعبدون الملائكة] [٢].
وقال أَبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلون للقبلة [٣]، وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة.
وقال ابن أبي حاتم (٤٤٣): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى [٤] وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وَهْب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.
وقال عبد الله بن وَهْب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل [٥] دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلَّا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلَّا قول: لا إله إلَّا الله، قال [٦]: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني: في قول [٧]: لا إله إلَّا الله.
[وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلَّا أن قبلتهم نحو مَهَب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇.
وحكى القرطبي، عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركَّب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، [قال ابن عبَّاس]: ولا تنكَح نساؤهم.
قال القرطبي (٤٤٤): والذي تحصل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة [١]؛ ولهذا أفتى أَبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم.
واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها.
قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (٤٤٥) الذين جاءهم إبراهيم ﵇ رادًّا عليهم ومبطلًا لقولهم] [٢].
وأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه [٣] ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنَّما هم قوم [٤] باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون (٤٤٦) من أسلم بالصابئ، أي أنَّه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، واللَّه أعلم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله، وأخبر تعالى أنَّه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق [٥] رءوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة [٦] وامتثال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالطور: هو الجبل، كما (فسره به في) [١] الأعراف، ونصَّ على ذلك ابن عبَّاس ومجاهد، وعطاء وعكرمة، والحسن والضحاك، والربيع بن أَنس وغير واحد، وهذا ظاهر.
وفي رواية عن ابن عبَّاس - الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم يُنْبِتْ فليس بطور.
وفي حديث الفتون عن ابن عبَّاس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا.
وقال السدي: فلما أَبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجَّدًا، فسجدوا [٢] على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا: والله [٣] ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
وقال الحسن في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: التوراة.
وقال أَبو العالية والربيع بن أَنس: بقوة أي: بطاعة.
وقال مجاهد: بقوة: بعمل بما فيه.
وقال قَتَادة: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة الجد وإلَّا قذفته [٤] عليكم.
أقال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.
ومعنى قوله" وإلَّا قذفته عليكم: أي] [٥]: أسقطه عليكم، يعني: الجبل.
وقال أَبو العالية والربيع: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به.
وقوده تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: بتوبته [٦] عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود؛ ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم فتحيَّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها [١] يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت.
فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيَلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
القصة بكمالها.
وقال السدي: أهل هذة القرية هم أهل "أيلة"، وكذا قال قَتَادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة.
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال [٢] ابن أبي حاتم (٤٤٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مُسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنَّما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
ورواه ابن جرير (٤٤٨)، عن المثنى، عن أبي حذيفة.
وعن (٤٤٩) محمد بن عمرو [٣] الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾.
الآية.
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عبَّاس: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فجعل الله [١] منهم القردة والخنازير.
فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن [٢] المشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي عن قَتَادة: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فصار القوم قردة [٣] تَعَاوَى لها أذناب بعدما كانوا رجالًا ونساءً.
وقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان، ألم ننهكم؟
فيقولون برءوسهم: أي بلى.
وقال ابن أبي حاتم (٤٥٠): حدَّثنا علي بن الحسين [٤]، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدَّثنا محمد بن مسلم -يعني الطائفي- عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا [٥] (٤٥١) ثم هلكوا.
ما كان للمسخ نسل.
وقال الضحاك (٤٥٢)، عن ابن عبَّاس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم: يقول إذ لا يحيون في الأرض إلَّا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.
وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام [٦] التي ذكرها [٧] اللَّه في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القِرَدة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوِّله كما يشاء.
وقال أَبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿كُونُوا [٨] قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلة صاغرين، ورُوي عن مجاهد وقَتَادة والربيع وأبي مالك، نحوه.
وقال محمد بن إسحاق: عن داود بن [] [١] "الحصين (٤٥٣)، عن عكرمة، قال: قال ابن عبَّاس: إن الله إنما افترضَ علي بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به، فلما أَبوا إلَّا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه [فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين] [٢] فحرم الله [٣] عليهم في السبت الحيتانَ: صيدها وأكلها.
وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فلم يروا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتَّى إذا كان يومُ السبت أتين شرَّعًا، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فكانوا كذلك، حتَّى إذا [٤] طال عليهم الأمد، وقَرِموا [٥] (٤٥٤) إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه حتَّى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق [٦] به فأكله، حتَّى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنع [٧] ذلك الرجل.
قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا [٨] سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة [٩] حتَّى صادوها علانية وباعوها [في الأسواق] [١٠].
فقالت طائفة منهم من أهل البقية [١١]: وَيحَكُم" اتقوا الله، ونَهوهم عما كانوا [١٢] يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما [١٣] صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
لسُخطنا أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال ابن عبَّاس: فبينا هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم فقدوا الناس فلم [١] يروهم [٢]، قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا [٣] فانظروا ما هو؟
فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، و [٤] إنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد.
قال: قال [٥] ابن عبَّاس: فلولا ما ذكر الله أنَّه نجى [٦] الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله [٧] الجميع منهم.
قال: وهي القرية التي قال [الله] [٨] جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾.
الآية.
وروى الضحاك عن ابن عبَّاس (٤٥٥) نحوًا من هذا.
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال: هم [٩] أهل "أيلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وَقَدْ حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا- لم يبق في البحر حوتٌ إلَّا خرج، حتَّى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لَزمْنَ مقل [١٠] (٤٥٦) البحر فلم يُرَ منهن شيء حتَّى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
فاشتهى بعضهم السمك فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتَّى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فيها [١١]، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره حتَّى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم!
إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء [١٢]: لا، ولكنكم صِدْتُموه يوم فتحتم [١٣] له [١٤] الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا.
فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطعوكم، فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نُسَاكنكم في قرية واحدة.
فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسوّر [١] المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
الآية.
فهم القردة.
(قلت): والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًّا لا صوريًّا؛ بل الصحيح أنه معنوي صوري.
والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا [لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [٢].
قال بعضهم: الضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.
عائد على القردة، [وقيل: على الحيتان] [٣]، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية، حكاها ابن جرير.
والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية -والمراد أهلها- بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾.
أي: عاقبناهم عقوبة فجعلناها [٤] عبرة، كما قال الله [٥] عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
أي: من القرى، [قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى] [٦].
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
الآية.
على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في [٧] المكان، كما قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين (٤٥٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
قال [٨]: من بحضرتها من الناس يومئذ.
ورُوي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾.
قال: ما كان [١] قبلها من الماضين في شأن السبت.
وقال أبو العالية والربيع وعطية: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن [٢] بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم.
وكان هؤلاء يقولون: المراد لما [٣] بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأمّا بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن تكون عبرة لمن سبقهم؟
و [٤] هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع [بن أنس] [٥]، عن أبي العالية ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا [وَمَا خَلْفَهَا] [٦]﴾.
[] [٧] أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم [٨].
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد، والسدي [والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك] [٩] [وحكى القرطبي عن ابن عباس والسدي] [والفراء، وابن عطية: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾.
من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾.
لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب.
وحكى الرازي ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن المراد لما بين يديها وما خلفها من تقدّمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها].
[والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
والثالث: أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.
(قلت): وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها، من بحضرتها من القرى، التي يبلغهم خبرها وما حل بها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.
الآية.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
فجعلهم عبرة ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [١]: وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة (٤٥٨).
وقال الحسن وقتادة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون [٢] نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي وعطية العوفي: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ.
(قلت): المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله [ابن بطة] [٣]: حدَّثنا أحمد بن محمد بن مسلم [٤]، حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا محمد بن عمرو، [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا [٥]، ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٤٥٩).
وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وَثَّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
يقول تعالى: واذكروا -يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وييان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصِه على من قتله منهم.
[مسألة الإبلُ تنحر، والغنم تذبح، واختلفوا في البقر، فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها.
قال ابن المنذر: ولا أعلم خلاقًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك.
وقد يكره الإنسانُ ما لا يحرمه.
قال أبو عبد الله وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة].
[(ذكر بسط القصة)] [١] [كما] [٢] قال ابن أبي حاتم: [] [٣] حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا [٤] هشام بن حَسَّان، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لايولد له، وكان له مال كثير، وكان ابنُ أخيه وارثَه فقتله، ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبحَ يَدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض.
فقال ذوو الرأي منهم [٥] والنهى: علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟
فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال: قالولم [٦] يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من مِلء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟
فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتًا، فلم يُعْطَ من ماله شيئًا [٧]؛ فلم يُوَرَّث قاتل بعد.
ورواه ابن جرير (٤٦٠) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، بنحو من ذلك، والله أعلم.
ورواه [عبد بن حميد] [١] في تفسيره أنبأنا [٢] يزيد بن هارون.
به.
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر -هو الرازي [٣]- عن هشام بن حسان، به.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا [٤] أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: و [٥] كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًّا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله؛ ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبن لي من قتله غيرك يا نبي اللَّه؛ قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇ فقال له: أنت نبي الله فسل [٦] لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى اللَّه إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [٧] قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾.
يعني: لا هَرِمة ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾.
يعني: ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾.
أي: نصفٌ بين البكر والهرمة ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
[أي: صاف لونها] [٨] ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
أي: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾.
أي: لم يذللها [٩] العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾.
يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.
يعني [١٠]: ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
يعني: مسلمة من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
يقول: لابياض فيها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح [١١] بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن [١٢] شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
لما هدوا إليها أبدًا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز و [١٣] عندها يتامى، وهي القَيِّمَة عليهم، فلما علمت أنه [١٤] لا يزكو [١٥] لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم [١] موسى: إن اللَّه قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخذ قاتله -وهو الذي كان أتى موسى ﵇ فشكا إليه-[فقتله الله] [٢] على أسوأ عمله.
وقال محمد بن جرير (٤٦١): حدثني محمد [٣] بن سعد [٤]، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه [٥] عن ابن عباس في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لامال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان [٦] بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألّا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها دِيَتَهُ؛ وذلك أنهما كانتا [٧] مدينتين، كانوا في إحداهما [٨]، وكان القتيلِ إذا قتل وطرح [٩] بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما [١٠] كانت أقرب إليه غرِمَت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها.
فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قُتل على باب مدينتكم، فواللَّه لتغرمنّ لنا دية عمنا.
قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا.
وإنهم عمدوا إلى موسى ﵇ فلما أتوه، قال بنو أخي الشيح: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵇ فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
فتضربوه ببعضها.
وقال السدي (٤٦٢): ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلنّ ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم؛ انطق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها [١]، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني؛ فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطب عمه -كأنه لا يدري أين هو- فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدّوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي: واعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية.
فقالوا له: يا رسول الله؛ ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة [٢] فوالله إنّ ديته علينا لهينة، [ولكن نستحي] [٣] أن نعير به.
فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فقال لهم موسى [﵇]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذجوا بقرة، أتهزأ بنا؟
﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن عباس (٤٦٣): فلو اعترضوا [٤] بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا، وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم.
فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾.
والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا.
والعوان: النَّصَفُ التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ [إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: نقي لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
قال: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ] [٥] إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
من بياض ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
فطلبوها فلم يقدروا عليها.
وكان رجل في بني إسرائيل، من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه -وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح- فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟
فقال له [٦] الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا؛ قال [٧] الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ [٨] ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبي أن يوقظ أباه فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرة [١] فأبى [٢] فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك.
فانطلقوا به إلى موسى ﵇ فقالوا: يا نبي الله؟
إنا وجدناها عند هذا، فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا، فقال له موسى: أعطهم بقرتك.
فقال [٣]: يا رسول الله، أنا أحق بمالي.
فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها.
قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه [٤]: من قتلك؟
فقال لهم: ابن أخي قال: أقْتلُهُ فآخذ ماله وأنكح ابنته.
فأخذوا الغلام فقتلوه.
وقال سنيد (٤٦٤): حدثنا حجاج -هو ابن محمد- عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فأعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف [٥] رئيس المدينة على باب المدينة فنظر فلم ير شيئًا ففتح الباب، فلما رأى القتيل ردّ الباب فناداه أخو المقتول وأصحابه: هيهات!
قتلتموه ثم تردّون الباب!
وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه -بنى إسرائيل- كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، قالوا: يا موسى [٦]؛ إن هؤلاء قتلوا قتيلًا، ثم ردوا الباب.
وقال أهل المدينة: يا رسول الله؛ قد عرفت اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة كما رأيت، نعتزل شرور الناس، والله [٧] ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا.
فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ما، و [٨] الظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدّق ولا تُكَذّب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا [١] لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله [٢] عليهم، ولو أنهم ذبحوا أبي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعَبيدةُ وغير واحد، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
أي [٣]: ما هذه البقرة؟
وأي شيء صفتها.
قال ابن جرير (٤٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا عَثَّام [٤] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدّد الله عليهم.
إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية وغير واحد.
وقال ابن جريج: قال لي [٥] عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم [٦].
قال ابن جريج: قال رسول الله، ﷺ: "إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شدّدوا على أنفسهم شدّد الله عليهم، وايم الله، لو أنهم لم يستثنوا لما [١]، بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (٤٦٦).
﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.
أي: لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي، ومجاهد وعكرمة، وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس أيضًا.
وقال الضحاك عن ابن عباس (٤٦٧): ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾.
[يقول: نَصَفٌ] [٢] بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون [٣]، وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك.
وقال السدي: العوان: النَّصَف التي بين ذلك التي قد [٤] ولدت، وولد ولدها.
وقال هشيم: عن جويبر (٤٦٨) عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية.
وقال ابن جريج: عن عطاء، عن ابن عباس (٤٦٩): من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها؛ وذلك قوله تعالى ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: إنها كانت صفراء.
وعن ابن عمر (٤٧٠): كانت صفراء الظِّلف.
وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف.
وقال ابن أبي حاتم (٤٧١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نصر بن علي، حدَّثنا نوح [٥] بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: سوداء شديدة السواد.
وهذا غريب، والصحيح الأوّل؛ ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
وقال عطية العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
[تكاد تسود] [١] من صفرتها.
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: صافية اللون.
وروي عن أبي العالية والربيع ابن أنس، والسدّي والحسن وقتادة نحوه.
وقال شريك عن مغراء، عن ابن عمر: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: صاف [٢].
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.
وقال السدّي: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
أي: تعجب الناظرين.
وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس.
وقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها يُخَيَّل إليك أنْ شعاع الشمس يخرج من جلدها.
[وفي التوراة أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم] [٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا﴾ أي [٤]: لكثرتها، فميِّز لنا هذه البقرة وصفها وجَلِّها لنا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها.
وقال ابن أبي حاتم (٤٧٢): حدَّثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدَّثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدَّثنا سرور بن المغيرة الواسطي -ابن أخي منصور بن زاذان- عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا أنّ بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما [٥] أعطوا ولكن استثنوا".
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (٤٧٣) في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة ابن [١] زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى اللَّه عديه وسلم: "لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدّي، والله أعلم.
﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.
أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدّة للسقي في [السانية] بل هي مكرّمة حسنة [٢] صبيحة ﴿مسلمة﴾.
صحيحة لا عيب فيها ﴿لا شية فيها﴾ أي: ليس فيها لون غير لونها.
وقال عبد الرزاق (٤٧٤) عن معمر عن قتادة: ﴿مسلمة﴾ يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: ﴿مسلمة﴾ من الشية.
وقال عطاء الخراساني: ﴿مسلمة﴾ القوائم والخلق.
﴿لا شية فيها﴾ قال مجاهد: لا بياض ولا سواد.
وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض.
وقال عطاء الخراساني: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لونها واحد بهيم.
وروي عن عطية العوفي، ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.
وقال السدّي: ﴿لا شية فيها﴾ من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.
[وقد زعم بعضهم أنّ المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث.
وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي [لم] تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره] [٣].
﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [] [٤] قال قتادة: الآن بيَّنتَ لنا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك، والله قد جاءهم الحق.
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال الضحاك عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألَّا يذبحوها.
يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمٌّ لهم؛ وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها [١].
وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
لكثرة ثمنها.
وفي هذا نظر؛ لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس.
وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك.
وقال عبد الرزاق (٤٧٥): أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: [ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.
وهذا إسناد جيد عن عكرمة] [٢]، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.
و [٣] قال ابن جرير وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه.
ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة.
وفي هذا نظر؛ بل الصواب -والله أعلم- ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق.
[مسألة استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، والليث والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين (٤٧٦) عن النبي ﷺ: "لا تنعت المرأةُ المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها" وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العبد بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله، وحُكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم] [١].
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ قال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ـ اختلفتم.
وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (٤٧٧)، عن أدِ"، عن أبي حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
اختلفتم.
وقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال ابن جريج: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه.
وقال آخرون [٢]: بل أنتم قتلتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال مجاهد: ما تغيبون.
وقال ابن أبي حاتم (٤٧٨): حدثنا عمرو بن سلم [٣] البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدَّثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله؛ وتصديق ذلك في كلام الله ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.
هذا البعض أيُّ شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تحيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه [١] أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم (٤٧٩): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدثنا عفان [٢] بن مسلم، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه [ملء مسكها] [٣] دنانير، فذبحوها فضربوه -يعني القتيل- بعضوٍ منها، فقام تَشْخُب أوداجه دمًا، فقالوا له: مَنْ قتلك؟
قال: قتلني فلان.
وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه ضرب ببعضها.
وفي رواية عن ابن عباس أنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا [٤] معمر قال: قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها، و [٥] قال معمر: قال قتادة: ضربوه [٦] بلحم فخذها فعاش، فقال: قتلني فلان (٤٨٠).
وقال [وكيع بن الجراح في تفسيره] [٧]: حدَّثنا [٨] النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾: فضرب بفخذها فقام؛ فقال: قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد وقتادة وعكرمة [٩]، نحو ذلك.
وقال السدي: فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه، فقال: قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها.
وقيل: بلسانها.
[وقيل: بعجب ذنبها] [١].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل.
جعل ﵎ ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة والفساد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما [٢] خلقه من [٣] إحياء الموتى في خمسة مواضع؛ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾.
وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي من على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة.
ونبه [٤] تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأَجسام بعد صيرورتها رميمًا، كما قال أبو داود الطالسي (٤٨١): حدَّثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء قال: سمعت وكيع بن عُدُس يحدث عن أبي رَزِين العقيلي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف يحيي الله الموتى؟
قال: "أما مررت بواد مُمْحل، ثم مررت به خَضِرا؟
" قال: بلى قال: "كذلك النشور".
أو قال: "كذلك يحيى الله الموتى".
وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
[مسئلة استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلنى لوثًا بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سُئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني، فكان ذلك مقبولًا منه، لأنه لايخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك لحديث أنس: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها، فرضىخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا؟
أفلان؟
أفلان؟
حتى ذكروا اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله، ﷺ، أن يرضخ رأسه بين حجرين (٤٨٢).
وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] [١].
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ يقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾.
التي لا تلين أبدًا؛ ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا [٢] كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
و [٣] قال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟
قال [٤]: بنو أخي قتلوني، ثم قبض فقال بنو أخيه حين [قبضه الله] [٥]: ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يعني: بني أخي الشيخ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية، بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة؛ فإن [٦] من الحجارة ما يتفجر [٧] منها العيون [الجارية بالأنهار] [٨]، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكان جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه [٩]، كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق [١٠] عن ماء، أو يتردى [١] من رأس جبل، لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (٤٨٣) عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عَمَّا تدعون إليه من الحق ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
[وقال أبو علي الجبائي في تفسيره ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
هو سقوط البرد من السحاب.
قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد.
وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال؛ فإن هذا خروج عن اللفط بلا دليل، والله أعلم] [٢].
وقال ابن أبي حاتم (٤٨٤): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب -يعني يحيى بن يعقوب- في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾.
قال: هو كثرة البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب، من غير دموع العين.
[وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يريد أن ينقض﴾ قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾.
الآية.
وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية ﴿قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ ﴿الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَينَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ الآية.
وفي الصحيح: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه] [١].
تنبيه اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: "أو"هاهنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشدّ قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾] [٢] وكما قال النابغة الذبياني [٣]: قالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا … إلى [٤] حَمَامتنا أو نصفُه فَقَدِ تريد: ونصفه.
قاله ابن جرير.
وقال جرير بن عطية: قال الخِلافَةَ أو كانت له قدرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ قال ابن جرير: يعني قال الخلافة، وكانت له قدرًا.
وحكى القرطبي قولًا: أنها للتخيير، أي: مثلًا لهذا وهذا، وهذا مثل: جَالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.
وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولًا آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى الخاطب، كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: [كُلْ] حلوا أو حامضًا، أي: لا يخرج عن واحد منهما.
أي: وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها، لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] [٥].
وقال آخرون: "أو"هاهنا بمعنى "بل"، تقديره [٦]: فيى كالحجارة بل أشدّ قسوة، وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ عندكم، حكاه ابن جرير.
وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على الخاطب كما قال أبو الأسود: أحبّ محمدًا حُبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصيَّا فإن يك حُبُّهم رشدًا أصبه … ولست بمخطيء إن كان غيًّا قال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًّا في أن حب من سمى رَشَدٌ، ولكنه أبهم على من خاطبه، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟
فقال: كلا والله.
ثم انتزع [١] يقول [٢] الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فقال: أوَ [٣] كان شاكًّا من أخبر بهذا: في الهادي منهم من الضلال؟.
[وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم [٤] لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها قسوة.
قال ابن جرير: ومعنى ذلك] [٥]-على هذا التأويل-: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشدّ قسوة من الحجارة.
وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.
(قلت): وهذا القول الأخير يبقي [٦]، شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ مع قوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾، وكقوله: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾ مع قوله: ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾.
الآية.
أي: إن منهم من [هو هكذا] [٧]، ومنهم من [هو هكذا] [٨]، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بين أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي".
رواه الترمذي (٤٨٥) في كتاب الزهد من جامعه، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، صاحب الإمام أحمد، به.
ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به.
وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم.
[وروى البزار (٤٨٦) عن أنس مرفوعًا: "أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا"] [١].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا [٢] لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي [٣]: يتأوّلونه على غير تأويله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
قال محمد بن إسحاق (٤٨٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس قوله: [يسمعون كلام الله] [١]: يسمعون [٢] التوراة.
كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
قال محمد بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم: إنهم قالوا لموسى، يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك.
فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم مُرْهُم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا [فوقعوا سجودًا] [٣]، وكلمه ربه تعالى فسمعوا [٤] كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا عنه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، [وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله؛ إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله ﷿ لهم] [٥]، فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.
وقال السدي ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة، حرّفوها.
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى ابن عمران ﵊ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: مُبلَّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود، و [٦] كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعدما عقلوه ووعوه.
وقال مجاهد: الذين يحرّفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.
وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في [٧] كتابهم، من نعت محمد ﷺ، فحرّفوه عن مواضعه، وقال السدي ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا.
وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرّفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا [والحرام فيها حلالًا] [٨] والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإن جاءهم [١] أحد يسألهم شيئًا [٢] ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
و [٣] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا [آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] [٤]﴾.
الآية.
قال محمد بن إسحاق: حدثنا [٥] محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو -سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا﴾.
لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم.
فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
أي: تقرّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم [٦] باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ونجد في كتابنا.
اجحدوه ولا تقرّوا به.
يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وقال الضحاك: عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.
وقال السدي (٤٨٨): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله، ﷺ، قد قال: "لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن" فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكَر [٧] يرجعون إليهم بعد العصر.
وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون.
وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم: كذا وكذا؟
فيقولون: بلى.
فإذا رجعوا إلى قومهم -[يعني: الرؤساء] [١]- قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ الآية.
وقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.
يعني: بما أنزل الله [٢] عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ.
وقال عبد الرزاق (٤٨٩) عن معمر عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
قال: كانوا يقولون: سيكون نبي.
فخلا بعضهم [إلى بعض] [٣]، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.
قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد (٤٩٠)، في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.
قال: قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: "يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت".
فقالوا: من أخبر بهذا [٤] الأمر محمدًا؟
ما خرج هذا القول إلا منكم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.
بما حكم الله للفتح، ليكون لهم حجة عليكم.
قال ابن جريج: عن مجاهد هذا حين أرسل إليهم عليًّا، فآذوا محمدًا ﷺ.
وقال السدي ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ - من العذاب - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا [٥] يحدّثون المؤمنين من العرب بما عُذّبوا به، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ فيحاجوكم به عند ربكم، فيخصموكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد، ﷺ، وتكذيبهم به، وهم [١] يجدونه مكتوبًا عندهم.
وكذا قال قتادة.
وقال الحسن ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾.
قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد، ﷺ، وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد [٢] منهم أصحاب محمد، ﷺ، بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجهم أصحاب محمد، ﷺ، بما في كتابهم عند ربهم.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: آمنا.
وكذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن أهل الكتاب.
قاله مجاهد.
والأمّيون جمع أمّي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة.
قاله أبو العالية والربيع، وقتادة وإبراهيم النخعي، وغير واحد، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرون ما فيه؛ ولهذا في صفات النبي ﷺ: أنه الأمي [٣]؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقال ﵊: "إنا أمّة أمّية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا".
الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب.
وقال [تبارك] وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله بالكتاب، دون أبيه.
قال: وقد روي عن ابن عباس ﵄ [٤] قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا، به (٤٩١): أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأمّيون قوم لم يصدّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جُهَّال: هذا من عند الله.
وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أمّيين لجحودهم كتب الله ورسله.
ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم.
وذلك أنّ الأمّي عند العرب الذي لا يكتب.
قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.
و [١] قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني: إلا أحاديث.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا.
وقال مجاهد: إلا كذبًا.
وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾.
قال: أُنَاس من اليهود [٢] لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها.
وعن الحسن البصري، نحوه.
وقال أبو العالية والرييع وقتادة: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب.
وليسوا منهم.
قال ابن جرير (٤٩٢): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس.
وقول [٣] مجاهد: إن الأمّيين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله [٤] الله تعالى على موسى - شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصُون [٥] الكذب، ويَتَخَرَّصُون [٦] الأباطيل كذبًا وزورًا.
والتمني [٧] في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه [٨].
ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان، ﵁، ما تغنيت ولا تمنيت.
يعني: ما تخرصت [٩] الباطل ولا تخلقت [١٠]، الكذب.
[وقيل: المراد بقوله إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعًا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي تلا ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية.
وقال كعب بن مالك الشاعر: تمنَّى كتاب الله أوّل ليلِهِ … وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله آخر ليلِهِ … تمني داود الكتاب على رسل] [١] وقال محمد بن إسحاق (٤٩٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾.
أي [٢]: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون [٣] نبوتك بالظن.
وقال مجاهد ﴿وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾: يكذبون.
وقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله [٤] الظنون بغير الحق.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
الآية هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
[والويل: الهلاك والدمار] [٥]، وهي كلمة مشهورة في اللغة.
وقال سفيان الثوري: عن زياد بن فَيَّاض، سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار: الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
وقال ابن أبي حاتم (٤٩٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ، قال: "ويل: واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره".
ورواه الترمذي (٤٩٥)، عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى، عن [١] ابن لهيعة، عن درّاج، به.
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
(قلت): لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعًا- منكرٌ، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٤٩٦): حدَّثنا المثنى، حدَّثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري [٢]، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، في عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، ﵁، عن رسول الله، ﷺ: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
قال: "الويل: جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرّفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة ولذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ".
وهذا غريب أيضًا جدًّا.
[وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب.
وقال الخليل بن أحمد: الويل شدّة الشر.
وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها.
وقال الأصمعي: الويل تفجع، والويل ترحم.
وقال غيره: الويل الحزن.
وقال الخليل: وفي معنى ويل ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرّق بينها.
وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوّز نصبها بمعنى ألزمهم ويلًا.
(قلت): لكن لم يقرأ بذلك أحد] [١].
وعن عكرمة عن ابن عباس، ﵄، ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود.
وكذا قال سعيد: عن قتادة: هم اليهود.
وقال سفيان الثوري: عن عبد الرحمن بن علقمة سألت ابن عباس، ﵁، عن قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السديُّ: كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه [٢] من عند الله، ليأخذوا [٣] به ثمنًا قليلًا.
وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، [وكتاب الله] [٤] الذي أنزله [٥] على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه [٦] غضًّا لم يَشِب؟، وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم.
رواه البخاري من طرق، عن الزهري (٤٩٧).
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري:، الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادّعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فردّ الله عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾.
أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد [١] فهو لا يُخَلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى "بأم" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ [٢] هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّبُ بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة [٣]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾.
ثم رواه عن محمد (٤٩٨)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه [٤].
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة (٤٩٩).
[زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل.
وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] [٥].
وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أنّ ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة [١] في أصل الجحيم، وقال أعداء [٢] الله: إنما نُعذَّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك [٣].
فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
وقال عبد الرزاق (٥٠٠): عن معمر عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله- ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها [٤] قوم آخرون- يعنون [٥] محمدًا ﷺ وأصحابه، ﵃، فقال رسول الله، ﷺ، بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد".
فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
الآية.
وقال الحافط أبو بكر بن مردويه ﵀: حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمد بن صخر، حدّثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدّثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سُم، فقال رسول الله- ﷺ: "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا".
فقال لهم رسول الله، ﷺ: "من أبوكم؟
" قالوا: فلان.
قال: "كذبتم؛ بل أبوكم فلان".
فقالوا: صدقت وبَرِرت.
ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟
".
قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أهل النار؟
".
فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوا نا فيها.
فقال لهم رسول الله، صلى الله عيه وسلم: "اِخسَئُوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا".
ثم قال لهم رسول الله، ﷺ: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟
".
قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ قال [٦]: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟
" فقالوا: نعم.
قال: "فما [٧] حملكم على ذلك؟
".
فقالوا: أردنا؛ إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك.
ورواه الإمام [١] أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه (٥٠١).
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه مَنْ عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست [٢] له حسنة؛ بل جميع أعماله [٣] سيئات؛ فهذا من أهل النار [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾] [٤] [أي [٥]: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات] [٦] من العمل الموافق للشريعة فهم [٧] من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
قال محمد بن إسحاق (٥٠٢): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
أي: عمل مثل [٨] أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك (٥٠٣).
قال ابن أبي حاتم (٥٠٤): وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد، وعكرمة، والحسن وقتادة والربيع بن أنس، نحوه.
وقال الحسن أيضًا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر (٥٠٥).
وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قالوا [١]: أحاط به شركه.
وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطايا [٢] من قبل أن يتوب.
وعن السدي وأبي رزين.
نحوه.
وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما، وقتادة والربيع بن أنس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الكبيرة الموجبة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال (٥٠٦): حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا [عمران عن قتادة] [٣]، عن عبد ربه، عن أبي عياض، [] [٤] عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رسول الله، ﷺ، قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه".
وإنّ رسول الله، ﷺ، ضرب لهنّ مثلًا، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: من آمن بما كفرتم به [١].
وعمل بما [٢] تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها.
يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله [لا انقطاع له أبدًا] [٣].
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ إلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ يُذكِّر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم، كما قال تعالى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى] [٤]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن [تبارك و] [٥] تعالى [كثيرًا] [٦] بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية.
إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وفي الصحيحين (٥٠٧)، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله؛ أيُّ العمل أفضل؟
قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟
قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟
قال: "الجهاد في سبيل الله" ولهذا جاء في الحديث الصحيح (٥٠٨): أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ من أبَرُّ؟
قال: "أمك" قال: ثم من؟
قال: "أمك" قال: ثم من؟
قال: "أباك، ثم أدناك ثم [١] أدناك".
[وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد، وقيل: كان أصله: أن لا تعبدوا إلا الله، كما قرأها من قرأها من السلف فحذفت أن فارتفع، وحكى عن أُبي، وابن مسعود أنهما قرآها: (لا تعبدوا إلا اللَّه) ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه.
قال: واختاره الكسائى والفراء] [٢].
قال ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيّبًا ولِينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُقٍ حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد (٥٠٩): حدَّثنا روح، حدَّثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق [١] ".
وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] [٢] من حديث [أبي عامر الخزَّاز] [٣]، واسمه صالح بن رستم، به.
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأخبر أنهم تولوا [٤] عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم.
وقد أمر الله تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ فقامت هذه الأمة [٥] من ذلك بما لم تقم به أمة من الأم قبلها ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٥١٠): حدثنا أبي، حدَّثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا عبد الله بن يوسف [-يعني التنيسي-] [٦] حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًّا ولا نصرانيًّا إلا سلم عليه فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟
فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام.
قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.
(قلت): وقد [ثبت في] [٧] السنة أنهم لا يبدءون بالسلام والله أعلم (٥١١).
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) يقول الله ﵎، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله، ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج -وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من [١] الفريق الآخر، وذلك حرام عليه في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ] [٢]﴾ وذلك أنّ أهل [الملة الواحدة] [٣] بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵊: "مثل المؤمنين في توادّهم وتواحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر".
[وقوله تعالى]: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة [٤] هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ [١]﴾ الآية.
و [٢] قال محمد بن إسحاق بن يسار، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
قال: أنَّبهم الله بذلك [٣] من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع -وهم [٤] حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة ش، وهم [٥] حلفاء الأوس- فكانوا [٦] إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم.
والأوس والحزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، و [٧] لا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به- بعضهم من بعض- يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون (٥١٢) ما أصابوا من دمائهم [٨]، وقتلى [٩] من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم.
يقول الله -تعالى ذكره-[حيث أنَّبَهم] [١٠] بذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم [١١] بحكم التوراة، وتقتلونهم [١٢]، وفي حكم التوراة أن لا يقتل [١٣]، ولا [١٤] يخرج [١٥] من داره، ولا [١٦] يظاهر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا.
ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نزلت هذه القصة (٥١٣).
وقال أسباط، عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضيرُ تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم [١] فيخرّبون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما [٢] جمعوا له حتى يفدوه.
فتعيرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟
قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرِّم علينا قتالهم: قالوا: فلم تقاتلونهم؟
قالوا: إنا نستحي [٣] أن تُسْتَذلَ [٤] حلفاؤنا [٥].
فذلك حين عيرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.
وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَظِيم [٦]: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية.
وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير [٧]، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة، وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرَّ برأس الجالوت، نزل به فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت؛ هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟
قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم.
قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى.
قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف.
قال: لا حاجة لي فيها.
قال: والله لتشترينها [٨] مني أو لتكفُرَنَّ بدينك الذي أنت عليه.
قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [٩] وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟
قال: نعم.
قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، وردّ عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر -يعني الرازي- حدثنا الربيع بن أنس (٥١٤)، أخبرنا أبو العالية: أنّ عبد الله بن سلام مَرَّ على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهنّ كلهنّ.
والذي [١٠] أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذمُّ اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة؛ فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شئونه، التي قد [١] أخبرت بها الأنبياء قبله [عليهم الصلاة والسلام] [٢].
واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [٣] أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم [٤] منه.
وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) ينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتوّ والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى [٥] الكتاب -وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعا.
وقال غيره: أردفنا.
والكل قريب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله تعالى من البينات، وهي: المعجزات.
قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطر فينفخ فيها فتكون طيرًا [٦] بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده [٧] بروح القدس- وهو جبريل ﵇ - ما يدلهم [به] [٨] على صدقه فيما جاءهم به.
فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدُهم وعنادُهم لمخالفته التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية.
فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة؛ [ففريقًا يكذبون، وفريقًا يكذبونه و] يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، ووإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان [ذلك يشق] [١] عليهم فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
والدليل على أن روح القدس هو جبريل -كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس] [٢] ومحمد بن كعب القرظى [٣] وإسماعيل بن أبي [٤] خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]- ما [٥] قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُروة، عن عائشة: إن رسول الله، ﷺ، وضع لحسان بن ثابت مِنْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ: "اللَّهُمَّ؛ أيِّدْ حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك [٦] ".
وهذا [٧] من البخاري تعليق (٥١٥).
وقد رواه أبو داود في سننه، [عن لُوَين] [٨]، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به (٥١٦).
وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد.
وفي الصحيحين (٥١٧): من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه [١]، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللَّهُمَّ، أيده بروح القدس"؟
فقال: الَّلهُمَّ نعم.
وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك".
[وفي شعر حسان قوله: وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] [٢] وقال محمد بن إسحاق: حدّثني [عبد الله بن] [٣] عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح.
فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟
" قالوا: نعم (٥١٨).
[وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] [٤] " (٥١٩).
أقوال آخر: قال ابن أبي حاتم (٥٢٠): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا منجاب [١] بن الحارث، حدَّثنا بشر، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَأَيَّدْنَاهُ [٢] بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم [٣] الذي كان عيسى يُحيي به الموتى.
وقال ابن جرير (٥٢١): حدثت [٤] عن المنجاب.
.
.
فذكره.
و [٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
[ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضًا قال: وهو الاسم الأعظم] [٦].
وقال [ابن أبي نجيح] [٧]: الروح هو حفظة على الملائكة.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب ﵎.
وهو قول كعب، [وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل.
فعلى هذا يكون القول الأوّل] [٨].
وقال السدي: القدس البركة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: القدس الطهر.
وقال ابن جرير (٥٢٢) حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [٩] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا، كما جعل القرآن روحًا كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.
ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية.
فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قولًا: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، والله [﷾] أعز وأجل [١] أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به [٢].
(قلت): ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق، ولله الحمد.
[وقال الزمخشري: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة.
وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، فتضمن كلامه قولًا آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدّسة المطهرة.
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل؛ وفريقًا، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسُّمِّ والسحر، وقد قال ﵇ في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري".
(قلت): وهذا الحديث في صحيح البخاري (٥٢٣) وغيره] [٣].
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ قال محمد بن إسحاق (٥٢٤)، حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.
وقال العوفي (٥٢٥)، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي: القلوب المطبوع عليها.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوة.
وقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي لا تفقه [١]، وقال السدي: يقولون عليها غلاف، وهو الغطاء.
وقال عبد الرزاق: عن مَعْمَر، عن قتادة [فلا تعي ولا تفقه، قاله مجاهد وقتادة.
وقرأ ابن عباس: ﴿غُلْفٌ﴾ بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاءٍ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم الله وأبعدهم من كل خير.
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا القليل] [٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول [٣]: قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما [٤] تقول [٥] شيء [٦]، وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾.
وهذا هو [٧] الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما رُوي من حديث عمرو بن مرّة الجملي [٨]، عن أبي البختري، عن حذيفة قال: "القلوب أربعة" (٥٢٦) فذكر منها: "وقلب أغلف مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر".
وقال ابن أبي حاتم (٥٢٧): حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَميُّ، أنبأنا [١] أبي، عن جدّي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن.
وهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدّم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير.
قول آخر: قال الضحاك عن ابن عباس (٥٢٨) [في قوله] [٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون [٣]: قلوبنا غلف [٤] مملوءة علمًا لا تحتاج [٥] إلى علم محمد، ولا غيره.
وقال عطية العوفي [] [٦] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: أي: أوعية [٧] للعلم.
وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ بضم اللام، [نقلها الزمخشري] [٨] أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادّعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر، كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: ليس الأمر كما ادّعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.
وقد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.
فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم.
وقيل فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان [١] لا ينفعهم؛ لأنه مغمور [٢] بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.
وقال بعضهم: إنما [٣] كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما [٤] رأيت مثل هذا قط.
تريد: ما رأيت مثل هذا قط.
[وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت.
أي: لا تنبت شيئًا] [٥] حكاه [٦] ابن جرير، ﵀، والله أعلم.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ يقول تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود.
﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ مصدّق لما معهم، يعني: من التوراة وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم.
كما قال محمد بن إسحاق (٥٢٩)، عن عاصم بن [٧] عمر بن قتادة، [عن قتادة] [٨] الأنصاري، عن أشياخ منهم قال: قالوا [٩]: فينا والله وفيهم، يعني: في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة، يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
قالوا [١٠]: كنا قد علوناهم قهرًا [١١] دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون: إن نبيًّا يُبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم [١] معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه [٢] كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقال الضحاك عن ابن عباس (٥٣٠) في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال: يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك [٣] بل [٤] يكذبون.
وقال محمد بن إسحاق (٥٣١): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن يهودًا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله، ﷺ، قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرور، [أخو بني] [٥] سلمة: يا معشر يهود؛ اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا] [٦] بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته.
فقال سَلام بن مِشْكم [٧] أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم.
فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
الآية [٨].
وقال العوفى (٥٣٢): عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقول: يستنصرون بخروج محمد، صلى الله عليه: سلم، [على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد، ﷺ] [٩] ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.
وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد، ﷺ، على مشركي العرب، يقولون: اللَّهُمَّ، ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم.
فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله، ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقال قتادة: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
[قال: هم اليهود] [١].
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ قال مجاهد: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل، وكتمانَ ما جاءَ به مُحَمَّد ﷺ، بأن يبينوه.
وقال السدي: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم.
يعني: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فَرَضُوا [٢] به، [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه وموازرته ونصرته] [٣]، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ﴿أَنْ [٤] يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
ولا حسد أعظم من هذا.
و [٥] قال ابن إسحاق: عن محمد عن عكرمة -أو سعيد- عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
أي: أن الله جعله من غيرهم ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.
قال ابن عباس: فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب عليهم [٦] بكفرهم بهذا النبي الذي بعث [٧] الله إليهم.
(قلت): ومعنى باءوا: أي [١] استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب، وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد، ﷺ، وبالقرآن [٢].
و [عن عكرمة وقتادة مثله] [٣].
قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأمأ الغضب [٤] الثاني فغَضِب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ.
[وعن ابن عباس مثله] [٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
[أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] [٦].
وقد قال الإمام أحمد (٥٣٣): [حدثنا يحيى] [٧]، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، ﷺ، قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور [٨] الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَسُ، تعلوهم [٩] نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عُصارةِ أهل النار".
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي] [١] على محمد ﷺ، وصدقوه واتبعوه ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني بما يعد [٢] بعده ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد، ﷺ، الحق ﴿مُصَدِّقًا﴾ منصوب [٣] على الحال، أي: في حال تصديقه [٤] لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
ثم [٥] قال تعالى ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] [٦]﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل اليكم فَلِمَ قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟
قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
وقال السدي في هذه الآية: يعيرهم الله ﵎ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل الذين [٧] إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا: لم تقتلون -إِن كنتم يا معشر يهود [٨]، مؤمنين بما أنزل الله عليكم-[أنبياء الله] [٩]؟
وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم [١٠]؛ بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعييرٌ لهم.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات [١١]، والدلائل القاطعات [١٢] على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، و [الآيات] [١٣] البينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن، والسلوى، والحجر وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه [١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ﷿ -كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [أي وأنتم ظالمون] [٢]، في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ يعدد سبحانه [٣] وتعالى عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم [٤] عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه، ثم خالفوه؛ ولهذا قال [٥]: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا﴾.
وقد تقدّم تفسير ذلك.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.
قال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [٦]﴾.
قال: أشربوا [في قلوبهم] [٧] حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس.
وقال الإمام أحمد (٥٣٤): حدثنا عصام بن خالد، حدثني [٨] أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: قال "حبك الشيء يُعْمي وَيُصِم".
ورواه أبو داود، عن حيوة بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، به.
وقال السدي: أخذ موسى ﵇ العجلَ فذبحه [ثم حرقه] [١] بالمبرد، ثم ذراه [٢] في البحر، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وفع فيه شيء منه [٣] ثم قال لهم موسى: اشربوا منه.
فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول الله [٤] تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٥٣٥)، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا [٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبدٍ [٦] وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد [٧] (٥٣٦)، فبرده [٨] بها [٩] وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
[قال: لما أحرق العجل] [١٠] بُرِد، ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.
[وحكى القرطبي عن كتاب القشيري أنه ما شرب أحد منه ممن عبد العجل إلا جنّ، ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن القصود من هذا السياق أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجه عثمة: تغلغل حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي … فباديه مع الخافي يسيرُ تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرتُ العهد منها … أطير لو أن إنسانا يطيرُ] [١] وقوله [٢]: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ وهذا أكبر ذنوبكم وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان، وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل [من دون الله] [٣]؟!
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ قال محمد بن إسحاق (٥٣٧): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﵁: يقول الله تعالى لنبيه محمد [٤] ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ ﴿ولنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
أي: بِعِلْمِهِم [٥] بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وقال الضحاك (٥٣٨): عن ابن عباس: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: فسلوا [٦] الموت.
وقال عبد الرزاق (٥٣٩): عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود [١] الموت لماتوا.
وقال ابن أبي حاتم (٥٤٠): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.
وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أنّ النبي [٢] ﷺ قال: "لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله، ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلًا، ولا مالا".
حدَّثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ.
ورواه الإمام أحمد (٥٤١)، عن إسماعيل بن يزيد الرقي، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به.
وقال ابن أبي حاتم (٥٤٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه [٣] أبدًا [٤] بما قدّمت أيديهم.
قلت: أراُيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم ﴿تَمَنَّوُا الْمَوْتَ [٥]﴾ أتراهم كانوا ميتين؟
قال: لا والله، ما كانوا ليموتوا لو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه وقد قال الله -ما سمعت-: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وهذا غريب عن الحسن.
ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم، أو في المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى!
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
فهم -عليهم لعائن الله تعالى!
- لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة، والدعاء عدى أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين.
فلما نكلوا [١] عن ذلك عَلِم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم، وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم- إلى المباهلة، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تَطْرِفُ، فعند ذلك [جنحوا للسلم] [٢] وبذلوا [٣] الجزية عن يد، وهم صاغرون، فضوبها عليهم، وبعث معهم أبا [٤] عبيدة بن الجراح ﵁ أمينًا.
ومثل هذا المعنى، أو قريب منه [قول الله] [٥] تعالى لنبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.
أي: من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه، ومدّ له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فأما من فسر الآية على معنى ﴿[قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] [٦] إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
أي: [إن كنتم صادقين] [٧] في دعواكم فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاءِ للمباهلة، كما قرره [٨] طائفة من التكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال (٥٤٣): القول في تأويل [٩] قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الآية [١].
فهذه [٢] الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه به ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ [أن يدعوهم] [٣] إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر [٤] من النصارى إذ خالفوه في عيسى [ابن مريم] [٥]﵇ وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة.
فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإنّ ذلك غير ضارّ بكم إن كنتم محقين، فيما تدعون من الإيمان، وقرب النزلة من الله، بل أعطكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم [٦]؛ فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها [٧] أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى [الذين جادلوا النبي، ﷺ، في عيسى -إذ دعوا للمباهلة- من المباهلة] [٨].
فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره ففيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه [٩] لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون [١٠] في دعواهم أن يتمنوا الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يودّ أن يعمر ليزداد [١١] خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء [في الحديث] [١٢]: "خيركم من طال عمره، وحسن عمله" (٥٤٤).
ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها [١] المسلمون؛ أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت [٢]، فكيف تلزموننا [٣] بما لا يلزمكم [٤]؟!
وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس، فلا يلزم عليه [٥] شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نَصَفٌ: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله [٦] من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من [٧] أهل الجنة، ومن عداكم من [٨] أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم، أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة.
فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويتحققونه.
فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم، وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة!!
[وسميت هذه الباهلة تمنِّيًا، لأنّ كل محق يودّ لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة؛ لا يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] [٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.
أي: على طول عُمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما [يحاذرون منه] [١٠] واقع بهم لا محالة، حتى وَهُم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، وهذا من باب عطف [الخاص على العام] [١١].
قال ابن أبي حاتم (٥٤٥): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.
وكذا [١] رواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه.
قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي.
وقال الحسن البصري: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.
قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾.
أي: يودّ [٢] أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق.
وقال أبو العالية: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي [٣]: أحد [٤] المجوس، وهو يرجع إلى الأوّل ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قال الاعمش: عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قال [٥]: هو كقول الفارسي "زه هزارسال" يقول: عشرة آلاف [٦] سنة، وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا.
وقال ابن جرير (٥٤٦): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال [٧]: سمعت أبي [عليًّا] [٨] يقول: حدثنا [٩] أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم: " [هزار سال نوروز مهرجان] [١٠] ".
وقال مجاهد: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حَببتْ [إليهم الخطئةُ طولَ العمر] [١١].
وقال محمد [١٢] بن إسحاق (٥٤٧)، عن محمد [بن أبي محمد] [١٣] عن [١٤] سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: و [١٥] ما هو بمنجيه من العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي لو [١] عرف مآله في الآخرة من الخزي ما [٢] ضيع ما عنده من العلم.
وقال العوفي (٥٤٨): عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل.
وقال أبو العالية وابن عمر: فما ذاك بمغيثه من العذاب، ولا منجيه منه.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [في هذه الآية] [٣]: يهود أحرص على الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء لو [٤] يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عُمرَ، كما أنّ عمر إبليس لم ينفعه، إذ كان كافرًا.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا، أنّ هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك.
فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم، وبين رسول الله ﷺ في [٥] أمر نبوّته.
(ذكر من قال ذلك) حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شهر بن حَوشب، عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود إلى [٦] رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثْنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله، ﷺ: "سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم [عن شيء] [٧] فعرفتموه لتتابعني [٨] على الإسلام" فقالوا: ذلك لك.
فقال رسول الله ﷺ: "سلوني عما شئتم" فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهنّ: أخبرنا أيّ الطعام [١] حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟
وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟
وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟
وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ومن [٢] وليُّه من الملائكة؟
فقال النبيُّ ﷺ: "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني [٣]؟
" فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال: "نشدتكم بالذي أنزل التوراةَ على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا؛ لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم [٤] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها" فقالوا: اللَّهم نعم.
فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهم اشهد عليهم، وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل [غليظ أبيض] وأن ماء المرأة [رقيق أصفر]، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله [﷿]، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله [﷿] ".
قالوا: اللَّهم نعم.
قال: "اللَّهم اشهد -قال:- وأنشدكم [بالله الذي] [٥]، أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
" قالوا: اللَّهم نعم، قال: "اللَّهم اشهد" قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك.
قال: "فإن وليي جبريل، ولم يبعث اللَّه نبيًّا قط إلا وهو وليه" قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك.
قال: "فما يمنعكم [٦] أن تصدقوه؟
" قالوا: إنه عدوُّنا؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ]﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باءوا بغضب على غضب (٥٤٩).
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٥٥٠)، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس كلاهما، عن عبد الحميد بن بَهرام به.
ورواه الإمام أحمد أيضًا (٥٥١)، عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد به [٧]، بنحوه.
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلًا (٥٥٢)، وزاد فيه.
قالوا: فأخبرنا عن الروح؟
قال: "أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟
" قالوا: اللَّهم [١] نعم، ولكنه [عدو لنا]، وهو مَلَكٌ إنما يأتي بالشدة، وسفك الدماء، فلولا ذلك لاتبعناك [٢]؛ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ [٣] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ] [٤]﴾ إلى قوله ﴿كَأَنَّهُمْ [٥] لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال الإمام أحمد (٥٥٣): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا [٦]: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنك نبي، واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل علي بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟
قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه".
قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟
قال: "يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة؛ أذكرت [٧]، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أنثت" قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟
قال: "كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" -قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل؛ فحرم لحومها- قالوا: صدقت.
قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟
قال: "مَلَكٌ من ملائكة [٨] الله ﷿ موكل بالسحاب، بيديه -أو في [يديه- مِخْراق] [٩] من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿" قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟
قال [١٠]: "صوته" قالوا: صدقت.
قالوا [١١]: إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها [١٢]، إنه ليس من نبي إلا و [١٣] له مَلَك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟
قال: "جبريل ﵇ "قالوا: جبربل ذاك الذي [١] ينزل بالحرب، والقتال، والعذاب عدونا، لو قلتَ ميكائيل الذي ينزل بالرحمة، [والقطر والنبات] لكان؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية.
ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد به، وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال سنيد (٥٥٤) في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة [٢]: أن يهود سألوا النبي ﷺ عن [٣] صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي قال: "جبريل" قالوا: فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة، والحرب، والقتال؛ فنزلت [٤]: ﴿قُلْ [٥] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، قال ابن جريج: و [٦] قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال؛ فإنه لنا عدوّ؛ فنزل: ﴿قُلْ [٧] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
وقال البخاري (٥٥٥): قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية [٨]، قال عكرمة: جبر، وميك [٩] وإسراف: عبد، وإيل: الله.
حدثنا عبد الله بن مُنِير [١٠]، سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ، وهو في أرض يخترف [١١] [- يجتني- الثمر] [١٢] فأتى النبيَّ، ﷺ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي؛ ما أوّل أشراط الساعة؟
وما أوّل طعام أهل الجنة؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا" قال: جبريل؟
قال: "نعم" قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾، "و [١٣] أمّا أوّل أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة: فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق [ماء الرجل] [١] ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت أنثى [٢] " قال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بُهتٌ، وإنهم [] [٣] إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال [لهم النبي ﷺ] [٤]: "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟
" قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟
" فقالوا: أعاذه الله من ذلك!
فخرج عبد الله فقال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد [٥] أن محمدًا رسول الله، فقالوا: هو [٦] شَرُّنا وابنُ شَرِّنا؛ فانتقصوه فقال [٧]: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقد أخرجه [٨] (٥٥٦) من وجه آخر عن أنس بنحوه.
وفي صحيح مسلم (٥٥٧)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه.
[إن شاء الله تعالى] [٩] وحكاية البخاري [كما تقدم] [١٠] عن عكرمة هو المشهور أن "إيل" هو الله.
وقد رواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة.
[ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه عن عكرمة] [١١] ورواه ابن جرير (٥٥٨)، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس بن [١٢] عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن [١٣] جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل: اسمه [١٤] عبيد الله، إيل: الله.
ورواه نريد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء.
كذا قال غير واحد من السلف -كما سيأتي قريبًا- ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة في عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل، فعبدٌ موجودة [١] في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبربل، وميكائيل، [وعزرائيل، وإسرافيل] ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم.
ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك؛ من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب، ﵁، وبينهم، في أمر النبي ﷺ.
(ذكر من قال ذلك) حدثني محمد بن المثنى (٥٥٩) حدثني ربْعِي بن عُلَيّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما بال [٢] هؤلاء؟
قالوا: يزعمون أن رسول الله، ﷺ، صلى هاهنا، قال: فكره ذلك، وقال: إيما [٣] رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أدركته الصلاة بواد فصلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مِدْراسهم، فأعجب من التوراة و [٤] كيف تصدق الفرقان؟
ومن القرآن [٥] كيف يصدق التوراة؟
فبينما [٦] أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب؛ ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك.
قلت: ولم ذلك؟
قالوا: لأنك [٧] تغشانا وتأتينا، قلت: إني آتيكم، فأعجب من الفرقان [٨] كيف يصدق التوراة؟
ومن التوراة كيف تصدق [٩] الفرقان؟
قال: وَمَرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم، فَالْحَقْ به.
قال [١٠]: فقلت [١١] لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما [١] استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟
قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، [قالوا: فأنت] [٢] عالمنا، وكبيرنا فأجبه أنت.
قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به؛ فإنا نعلم أنه رسول الله.
قال [٣]: قلت: ويحكم فأنَّى هلكتم، قالوا: إنا [٤] أنهلك.
قال [٥] ": قلت: كيف ذلك [٦]، وأنتم تعلمون أنه رسول الله، و [٧] لا تتبعونه، ولا تصدقونه؟
قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وَسِلْمًا من الملائكة، وإنه قرن بنبوّته عدوّنا من الملائكة.
قال: قلت: ومن عدوّكم؟
ومن سلمكم؟
قالوا: عدوّنا جبريل، وسلمنا ميكائيل.
[قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل، وفيم سالمتم ميكائيل؟] [٨] قالوا: إن جبريل ملك الفظاطة والغلظة، والإعسار، والتشديد، والعذاب، ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة، والرأفة، والتخفيف، ونحو هذا.
قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ﷿؟
قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره.
قال: قلت: فواللهِ [٩] الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، و [١٠] ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ فلحقته، وهو خارج من خَوْخة [١١] [-باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب-] [١٢] لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل، فقرأ عليَّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حتى قرأ هذه [١٣] الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت [١٤] يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا [أريد أن] [١٥] أخبرك، فأسمع [١٦] اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.
وقال ابن أبي حاتم (٥٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، أنبأنا [١] عامر قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟
قالوا: نعم.
قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟
قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدّونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا، قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما من رب العالمين؟
قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله.
قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدوّ جبريل، وما كان جبرائيل ليسالم عدوّ ميكائيل، فبينما [٢] هو عندهم إذ مرّ النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا بن الخطاب؛ فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله ﷿ عليه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدّث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك وفاته، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٥٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن [٣] قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه [٤] رحبوا به؛ فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم، ولا لرغبة [٥] فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا، مَنْ صاحبُ صاحبِك؟
فقال لهم: جبريل، فقالوا: ذاك عدوّنا من أهل السماء، يُطِلعُ محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب [٦] والسَّنَة [٧]، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل [٨] تعرفون جبريل، وتنكرون محمدًا ﷺ؟
ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدّثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآيات.
ثم قال: حدثني المثنى (٥٦٢)، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى [١] اليهود يومًا، فذكر نحوه، وهذا [] [٢] أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط، عن السدّي، عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضًا.
وقال ابن أبي حاتم (٥٦٣): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن [يعني الدَّشْتَكي] [٣]، حدثنا [٤] أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهوديًّا لقي [٥] عمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا.
فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر، ﵁.
[ورواه عبد بن حميد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر هو الرازي] [٦].
وقال ابن جرير (٥٦٤): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن [٧] عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو [٨] الذي ينزل عليكم لتبعناكم؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه [عدوّ لنا] [٩]، قال: فنزلت هذه الآية.
[حدثني (٥٦٥) يعقوب، قال] [١٠]: حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بنحوه.
وقال عبد الرزاق (٥٦٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل [عدوّ لنا] [١١]؛ لأنه ينزل بالشدة والسَّنَة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا، فقال الله تعالى: [﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾.
الآية.
وأما تفسير الآية فقوله تعالى] [١]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل، فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم، على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله مَلكي، ومن عادى رسولًا، فقد عادى جميع الرسل، [كما أنّ من آمن برسول، فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] [٢]، وكما أنّ من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
الآيتين.
فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدوّ لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
وقد روى البخاري في صحيحه (٥٦٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب"، ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المتقدّمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هدى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
الآية.
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾.
الآية.
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي- ورسله تشمل [٣] رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿[] [٤] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال [٥]﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصَا [٦] بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه [١] ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوّهم وميكائيل وليهم [٢]، فأعلمهم [الله تعالى] [٣] أن [٤] بن عادى واحدًا منهما، فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على [أنبياء الله] [٥] بعض الأحيان، كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى، وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل [بالنفخ في الصور للبعث] [٦] يوم [٧] القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح (٥٦٨): أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: "اللَّهم رب جبربل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وقد تقدّم مما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة، وغيره [٨] أنه قال: جبر [٩] وميك وإسراف: عبيد [١٠]، وإيل: الله.
وقال ابن أبي حاتم (٥٦٩): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [١١] قال: إنما كان قوله جبريل كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن، وقيل [١٢] جبر: عبد، وإيل: الله.
وقال محمد بن إسحاق (٥٧٠): عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: أتدرون [١٣] ما اسم جبريل من أسمائكم؟
قلنا: لا.
قال: اسمه عبد [١٤] الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟
قلنا لا.
قال اسمه عبيد [١٥] الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله [﷿].
قال ابن أبي حاتم (٥٧١): وروي عن [عكرمة، ومجاهد] والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو ذلك، ثم [] [١] قال حدثني [٢] أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاري، حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدَّثتُ به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لَهَذا الحديثُ أحبُّ إليَّ من كلِ شيءٍ في دفتر كان بين يديه.
وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات، تذكر في كتب اللغة والقراءات، [ولم نطول] [٣] كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ [٤] عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المُظْهَر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدوّ للكافرين؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر: لا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيء [٥] … نغص [٦] الموتُ ذا [٧] الغنى والفقيرا وقال الآخر [٨]: ليتَ الغرابَ غداةَ ينعَبُ دائبًا … كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأوداج وإنما أظهر [الله هذا] [٩] الاسم هاهنا؛ لتقرير [١٠] هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى وليًّا [١١] لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدوّ له، ومن كان الله عدوّه، فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدّم الحديث: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب" (٥٧٢)، وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِبُ".
وفي الحديث [١٢] الصحيح: "وَمَنْ كنتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُه".
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٥٧٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
الآية [١].
أي: أنزلنا إليك يا محمد؛ علامات واضحات دالات [٢]، على نبوّتك، وتلك الآيات هي ما حواه [٣] كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدّلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة.
فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه [٤] إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وَصَفَ من غير تَعَلُّمٍ تعلَّمه من بشر [٥]، ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي.
كما قال الضحاك: عن ابن عباس (٥٧٤): ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمّي لا [١] تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى [لهم في ذلك] [٢] عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
وقال محمد بن إسحاق (٥٧٥): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا الفطيُوني [٣] لرسول الله ﷺ: يا محمد؛ ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك.
فأنرل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ [٤] بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ﴾.
وقال مالك بن الصيف [٥] (٥٧٦) - حين بُعث رسولُ الله ﷺ وذكَّرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ: والله ما عَهِد إلينا في محمد [ﷺ] ولا أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
وقال الحسن البصري: في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا.
وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ.
وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي نقضه فريق منهم.
وقال ابن جرير (٥٧٧): أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سُمي اللقيط منبوذًا، ومنه سُمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء.
قال أبو الأسود الدؤلي: نظرتَ إلى عنوانه فنبذْتَه … كنبذك نعلًا أخْلَقَتْ من نعالكا قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم، وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعتُه، وصفتُه وأخباره، وقد أُمروا فيها باتباعه، ومؤازرته، ومناصرته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية.
وقال هاهنا ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
الآية.
أي: طرح [١] طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا أرادوا كيدًا برسول [٢] الله ﷺ وسحروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طلعة ذَكَر تحت راعوثة [٣] (٥٧٨) ببئر [٤] ذي أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم - لعنه الله وقبحه [٥] فأطلع [٦] الله على ذلك رسوله، ﷺ، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه.
و [٧] قال السدي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال قتادة في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به.
وقال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.
وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام [٨] (٥٧٩) من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع [٩] الله إلى سليمان مُلْكَه، وقام الناس على الدين كما كان، أو أن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حِدْثَان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا [١٠] فأخذوا به فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
الآية.
واتبعوا الشهوات التي كانت [تتلو الشياطين] [١]، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وقال ابن أبي حاتم (٥٨٠): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان [٢] آصف كاتب سليمان، وكان يَعْلَمُ الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته [٣] الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.
قال [٤]: فأكفره [٥] جُهَّالُ الناس وَسَبُّوه، ووقف [علماء الناس] [٦]، فلم يزل [جهال الناس] [٧] يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال ابن جرير (٥٨١): حدّثني أبو السائب سلم [٨] بن جنادة السُّوائي، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه أعطى الجرادة - وهي امرأته [٩]- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ - بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين، والجن، والإنس.
قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي.
فقالت: كذبت، لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابْتُلي به.
قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها [١٠] على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرئ الناس من سليمان، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
ثم قال ابن جرير (٥٨٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران -وهو ابن الحارث- قال: بينما [١] نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟
قال: من العراق.
قال: من أيَه؟
قال: من الكوفة قال: فما الخبر؟
قال: تركتهم يتحدثون أن عليًّا خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟
لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّب منه وصُدق كذب معها سبعين كذبة.
قال: فَتَشْرَبُها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇ فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطانُ الطريق فقال: أفلا أدلكم على كنزه [٢] المُمَنَّع الذي لا كنز له مثله؟
تحت الكرسي.
فأخرجوه، فقالوا: هذا سحره [٣] فتناسخها الأمم -حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق- فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
الآية.
وروى الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به (٥٨٣).
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما [٤] يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فَتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، فلما [٥] أمنتهم الكهنة كذبوا لهم؛ وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك [٦] في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق.
وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه.
فلما مات سليمان، ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خَلْف - تمثل الشيطان [٧] في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟
قالوا: نعم.
قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب [١] معهم، وأراهم [٢] المكان وقام ناحية، فقالوا له [٣] فادنُ.
فقال [٤]: لا، ولكنني [٥] هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس، والشياطين، والطير بهذا السحر.
ثم طار وذهب.
وفشا في الناس أن سليمان إنما [٦] كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ عليه [٧] ما سألوه [٨] عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا.
وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وإن الشياطين عمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السحر، والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي [٩] مجلس سليمان، وكان سليمان [١٠]﵇ لا يعلم الغيب.
فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسده [١١] الناس عليه، فأخبرهبم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده، وقد حزنوا [١٢] [وقد] [١٣] أدحض الله حجتهم.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع [١٤] الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها.
فأرسل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته [١٥] الشياطين وعلمته [١٦] الناس، وهو السحر.
وقال سعيد بن جبير: كان سليمان ﵇ يتتبع [١] ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر [٢] الشياطين أن يصلوا إليه، فدبت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما [٣] العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟
قالوا: نعم.
قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به.
الإنسُ، واستخرجوه، [وعملوا به] [٤]، فقال أهل الحجا [٥]: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر.
فأنزل الله تعالى على لسان [٦] نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇ فكتبوا أصناف السحر: "من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل [٧] كذا وكذا"، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه [٨] بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في [٩] عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود [﵉] من ذخائر كنوز العلم.
ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك [١٠] سليمان [بن داود] [١١] إلا بهذا؛ فأفشوا السحر في الناس، فتعلموه [١٢] وعلموه [١٣]، [فليس هو] [١٤] في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله!
فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدّ [١٥] من المرسلين.
قال من كان بالمدينة من اليهود [١٦]: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا.
وأنزل الله في [١٧] ذلك من [١٨] قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
الآية.
وقال ابن جرير (٥٨٤): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا حسين حدثنا [١] حجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوْشب قال: لما سُلِبَ سليمان ﵇ ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان.
فكتبت: "من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا؛ ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا؛ فكتبتْه وجعلتْ عنوانَه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵉ من ذخائر كنوز العلم".
ثم دفنته تحت كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس لعنه الله!
خطيبًا، فقال [٢]: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه، وبيوته.
ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه.
فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تَعَبَّدَنا، وبهذا قهرنا.
فقال [٣] المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا.
فلما بعث الله النبي محمدًا [٤] ﷺ [جعل يذكر الأنبياء] [٥] حتى [٦]، ذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل.
يذكر سليمان مع الأنبياء.
إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ [وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ] [٧]﴾.
الآية.
وقال [٨] ابن جرير (٥٨٥): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حُدَيْر [٩]، عن أبي مِجْلزَ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلي عنه، فزاد [١٠] الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به سليمان [بن داود ﵉]؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٥٨٦): حدَّثنا [عصام بن رَوّاد] [١١]، حدَّثنا آدم، حدَّثنا المسعودي، عن زياد مولى ابن مصعب عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾.
قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.
وقال (٥٨٧): حدثنا الحسن بن أحمد، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدّثني سُرور [١] بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ وتبعته [٢] اليهود على ملكه.
وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.
فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهم، والله الهادي.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من [٣] بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد ﷺ ما تتلوه [٤] الشياطين، أي: [ما ترويه وتخبر به] [٥] وتحدثه الشياطين على ملك سليمان.
وعدّاه بـ "على"، لأنه ضمن "تتلو" "تكذب".
وقال ابن جرير: "على" هاهنا بمعنى "في"، أي: تتلو في ملك سليمان.
ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق (قلت): والتضمين أحسن وأولى، والله أعلم.
وقول الحسن البصري ﵀: "و [٦] قد كان السحر قبل زمان [٧] سليمان بن داود" صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
الآية.
ثم ذكر [٨] القصة بعدها، وفيها: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ - لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [أي: المسحورين على المشهور] [٩].
و [١٠] قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أنّ "ما" نافية، أعني: التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾.
[قال القرطبي: ما نافية، ومعطوف في قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل، وميكائيل، فأكذبهم الله، وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من الشياطين.
قال: وصح ذلك؛ إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، أو لكونهما لهما أتباع، أو ذُكرا من بينهم لتمردهما.
تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل وهاروت، وماروت.
ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح، ولا يلتفت إلى ما سواه] [١].
وروى ابن جرير بإسناده (٥٨٨)، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية.
يقول: لم ينزل الله السحر.
وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر [وما أنزل على الملكين] [٢] ببابل هاروت، وماروت.
فيكون قوله: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ من المؤخر الذي معناه المقدَّم.
قال: فإن قال لنا قائل: كيف [٣] وجه تقديم ذلك؟
قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ [من السحر] [٤]، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر [٥] على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيًّا بالملكين جبريل وميكائيل ﵉ لأنّ سحرة [٦] اليهود فيما ذكر كانت تزعم: أن الله أنزل السحر على لسان جبريل، وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا، ﷺ أن حبريل، وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرَّأ سليمان ﵇ مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًّا عليهم.
هذا لفظه بحروفه (٥٨٩).
وقد قال ابن أبي حاتم (٥٩٠): حدثت [١] عن عُبَيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله [٢] على جبريل، وميكائيل السحر.
[قال ابن أبي حاتم (٥٩١)] [٣]: وحدثنا الفضل [٤] بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا [معلى]-يعني ابن أسد- حدثنا بكر -يعني ابن مصعب- حدثنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: "وما أنزل على الملكين داود وسليمان".
وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول [٥]: عَلِما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشدّ النهي.
رواه ابن أبي حاتم.
ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وارعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده، وامتحانًا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى: أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم: أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] [٦].
وروى ابن أبي حاتم (٥٩٢) بإسناده، عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل.
وَوَجَّه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ [١] لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾.
وفي الحديث: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء" (٥٩٣)، وكما يقال: "أنزل الله الخير والشر".
[وحكى القرطبي عن ابن عباس، وابن أبزى، رالحسن البصري: أنهم قرءوا ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ بكسر اللام، وقال ابن أبزى: وهما داود وسليمان.
قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] [٢].
رذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [وما: نافية] [٣] قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد: وسأله رجل عن قول الله تعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ قال الرجل: يعلمان الناس السحر، و [٤] ما أنزل عليهما، أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟
فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت (٥٩٤).
ثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان، إني آمنت به (٥٩٥).
وذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده- ﵀ -كما سنورده إن شاء الله تعالى، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا، وبين ما ورد [٥] من الدلائل على عصمة الملائكة- أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، رفي قول: إنه كان من الملائكة: لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أنّ شأن هاررت وماروت على ما ذكر، أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى!
[وقد حكاه القرطبي، عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] [١].
(ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه) قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- في مسنده (٥٩٦): حدثنا يحيى بن أبي بكير [٢]، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: "إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض [فننظر كيف يعملان.
قالوا: ربنا هاروت وماروت.
فأهبطا إلى الأرض] [٣] ومثلت لهما الزهرة، امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، ففالت: لا والله حتى تتكلما [٤] بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا.
فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي.
فقالا: لا [٥]، والله لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم [٦] رجعت [٧] بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها.
فقالت: لا، والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما.
فخُيرا بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، وهكذا رواه أبو حاتم [] [٨] ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بُكير، به.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب [٩] بن مالك، رَوَى عنه ابنه عبد السلام، وبكر ابن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب.
وروى له أبو داود، وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا [١] من هذا، ولا هذا فهو مستور الحال (٥٩٧)، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ.
وروي له متابع من وجه آخر، عن نافع كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] [٢]، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس [٣]، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي، ﷺ، يقول … فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير ﵀ (٥٩٨): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل، قال: يا نافع؛ انظر، طلعت الحمراء؟
قلت لا - مرتين أو ثلاثًا - ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا.
قلت: سبحان الله!
نجم مسخر سامع مطيع.
قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله، ﷺ، أو قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إن الملائكة قالت: يارب؛ كيف صبرك على بني آدم في الخطايا [٤] والذنوب؟
قال: إني ابتليتهم وعافيتكم.
قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك.
قال: فاختاروا ملكين منكم.
قال [٥]: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت، وهذان أيضًا غريبان جدًّا.
وأقرب ما يكون [٦] في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي، ﷺ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار [٧] قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال [٨] لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلًا، ليس [١] بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر.
قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه.
ورواه ابن جرير من طريقين (٥٩٩)، عن عبد الرزاق، به.
ورواه ابن أبي حاتم (٦٠٠)، عن أحمد بن عصام، عن مؤمّل، عن سفيان الثوري، به.
ورواه ابن جرير أيضًا (٦٠١): حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد- حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره.
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في [٢] أبيه من [٣] مولاه نافع.
فدار الحديث، ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.
[ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين] قال ابن جرير (٦٠٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحدٌ [٤] يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به [٥] فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدًّا.
وقال ابن أبي حاتم (٦٠٣): حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا [١] أبو معاوية، عن [ابن أبي خالد] [٢]، عن عمير بن سعيد، عن علي ﵁ قال: هما ملكان [٣] من ملائكة السماء.
يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾.
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي- مرفوعًا، وهذا لا يثبت من هذا الوجه.
ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عِن أبي الطفيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت [٤] الملكين هاروت وماروت".
وهذا أيضًا لا يصح (٦٠٤)، وهو منكر جدًّا، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٦٠٥): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا [تمهلهم] [٥] تهلكهم [٦] فأوحى الله إلى الملائكة: إني [أزلت [٧] الشهوة والشيطان من قلوبكم] [٨] [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] [٩]، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا.
قال: فحدّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم، فاختاروا هاروت وماروت، فأهُبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس [يسمونها بيدخت] [١٠]، قال [١١]: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.
وقال ابن أبي حاتم (٦٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا [١] عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، عن مجاهد قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر!
هل [٢] طلعت الحمراء؟
لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملَكَين، قالت الملائكة: يارب [٣]؛ كيف تَدَعُ عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟
قال: إني قد ابتليتهم، فلعل [٤] إن [٥] ابتليتكم [٦] بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون.
قالوا: لا.
قال: فاختاووا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إلى مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا، ولا تزنيا، ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشهوة [٧]، وأهبطت لهما الأرض في أحسن صورة امرأة، فتعرّضت لهما، فراوداها [٨] عن نفسها.
فقالت: إني على دين لا يصح [٩] لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله.
قالا: وما دينك.
قالت: المجوسية، قالا: الشرك!
هذا شيء لا نقرّ به، فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما فراوداها [١٠] عن [١١] نفسها.
فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت.
فأقرّا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اخْتُطِفَتْ منهما، وقطعت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب.
فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة!، فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب التوبة [١٢] أهل الأرض لأهل السماء؟!
قالا: إنا قد ابْتُلِينا، قال: ائتياني يوم الجمعة.
فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية، فأتياه، فقال: اختارا فقد خيّرتما؛ إن أحببتما [١] معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا قليل [٢].
وقال الآخر ويحك!
إني قد أطعتك في الأمر الأوّل، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى.
فقال [٣]: و [٤] إننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا.
قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، عاليهما سافلهما.
وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر.
وقد تقدّم في رواية ابن جرير من حديث معاوية ابن صالح، عن نافع، عنه، رفعه.
وهذا أثبت وأصح إسنادًا.
ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر.
عن كعب.
كما تقدّم بيانه [من رواية] [٥] سالم، عن أبيه.
وقوله إن الزهرة نزلت على [٦] صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدًّا.
وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (٦٠٧)، حدثنا عصام بن رواد [٧]، حدثنا آدم، أخبرنا [٨] أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يارب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، [] [٩] قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الحمر.
فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم.
فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم مَلَكَين، آمرهما وأنهاهما.
فاختاروا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونُهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر.
فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمن [١٠] إدريس ﵇ وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها [١١] على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها [١٢] عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا.
فقالت: هذا أعبده.
فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا فذهبا [فغبرا ما شاء الله] [١]، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، [ففعلت مثل ذلك] [٢].
فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، [وإما أن تقتلا هذه النفس] [٣] وإما أن تشربا هذه الخمر.
فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر.
فشربا الخمر.
[فأخذت فيهما] [٤] فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.
فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة.
فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا، ببابل فهما يعذبان.
وقد رواه الحاكم في مستدركه مطوَّلًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي [٥]-وكان ثقة- عن أبي جعفر الرازي، به، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم (٦٠٨).
وقال ابن أبي حاتم (٦٠٩): حدثنا أبي، حدثنا مسلم [٦] حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني [٧]، حدثنا يزيد -يعني الفارسي- عن ابن عباس قال [٨]: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي، فقالوا: يارب؛ أهل الأرض كانوا [٩] يعملون بالمعاصي.
فقال الله: أنتم معي، وهم في [١٠] غيب عني.
فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن.
فاستقال منهم واحد فأقيل، فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية.
فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني.
فقالا: لا نسجد.
ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا.
فأشرف أهل السماء عليهما.
فقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي [١] إذا قلتماها طِرْتُما؟.
فأخبراها.
فطارت، فمسخت جمرة، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فَخَيَّرَهُما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
فاختارا عذاب الدنيا.
فهما مناطان بين السماء والأرض.
وهذا السياق فيه زيادات كثيرة، وإغراب ونكارة.
والله أعلم بالصواب.
وقال عبد الرزاق (٦١٠): قال معمر: قال قتادة والزهري: عن عبيد الله بن عبد الله ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس.
وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها.
ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم [٢] خُيَّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.
وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر فأخذ عليهما أن لا يعلما [٣] أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
وقال أسباط: عن السدى أنه قال: كان [٤] من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس، فنزلا ببابل دنياوند [٥] فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما [] [٦] حسنها واسمها بالعربية زهرة [٧]، وبالنبطية [٨] بيذخت [٩] وبالفارسية أناهيد [١٠] فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك، فقال الآخر، هل لك أن أذكرها لنفسها؟
قال نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟
قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله.
فلما جاءت تخاصم زوجها ذكر إليها نفسها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها، فأخبراها فتكلمت، فصعدت، فأنساها الله -تعالى- ما تنزل [١] به فثبتت [٢] مكانها وجعلها الله كوكبًا، فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال [٣] هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين [٤] عذاب الدنيا و [٥] عذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني، آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم -تعالى-: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض [بين بني آدم] [٦]، فاختاروا فلم يألوا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما [٧] من بني آدم من ظلمهم و [] [٨] معصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء رراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا و [٩] كذا، فأمرهما بأمر ونماهماشم [١٠] نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا.
فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا، فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟
قال: نعم.
فبعثا إليها أن ائتنا نقض لك.
فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما، فتكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما [١١] في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها.
فلما بلغا ذلك، واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت.
فلما أمسيا عرجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بنى آدم، فأتياه.
فقالا: ادع لنا ربك.
فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؛ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء.
فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه.
فقال: ألا تعدم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟
فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما.
وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.
وقد روى في قصة [١] هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدى، والحسن، وقتادة، وأبي العالية، والزهرى، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان [٢]، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله -تعالى- والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد ورد [في ذلك] [٣] أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٦١١) - رحمه الله تعالى-: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة زوج النبي، ﷺ، أنها قالت: قدمت [عليّ امرأة] [٤] من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله، ﷺ، بعد موته حداثة ذلك، تسأله [] [٥] أشياء دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به قالت عائشة، ﵂، لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله، ﷺ، فيشفيها، فكانت [٦] تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز، فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وَرَكَبَتْ الآخر، فلم يكن كشيء [٧] حتى وقفنا ببابلَ، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما.
فقالا: ما جاء بك؟
فقلت [٨]: أتعلم [٩] السحر؟
فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيت، وقلت [١٠]: لا.
قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه.
فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟
فقلت: نعم.
فقالا: هِل رأيت شيئًا؟
فقلت: لم أرى [١١] شيئًا.
فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري فَأرْبَبْتُ [١٢]، وأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه.
[فذهبت فاقشعررت، وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد فعلت.
فقالا: فما رأيت؟
فقلت: لم أرى شيئًا.
فقالا: كذبت؛ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك، فَأرَبْبَتُ وأبيت.
فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه] [١] فذهبت إليه فبلت [٢] فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد [خرج مني] [٣]، فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت.
فقالا: فما رأيت؟
قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج [٤] مني [٥] فذهب في السماء حتى ما أراه.
فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك.
اذهبي.
فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا.
فقالت: بلى لم تريدي شيئًا إلا كان: خذي هذا القمح فابذر [٦]؛ فبذرت، وقلت: اطلعي فأطلعت [٧]، وقلت: [احقلي فأحقلت] [٨] ثم قلت: افركي، فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت، ثم قلت: اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان، سُقِطَ في يدي، وندمت، -والله- يا أم المؤمنين؛ والله [٩] ما فعلت شيئًا قط، ولا أفعله أبدًا.
ورواه ابن أبي حاتم (٦١٢) عن الربيع بن سليمان، به [١٠] مطولًا كما تقدم.
رزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا: فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه رسلم-، حداثة وفاة رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافررن، فما دَرَوْا ما يقولون لها، وكلهم هاب، وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما؟.
قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان.
قال ابن أبي الزناد: ركان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع رالخشية [١١] من الله.
ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نَوْكَى، أهل حمق رتكلف بغيرعلم.
فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂.
وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان، لأن هذه المرأة بذرت، واستغلت في الحال.
وقال آخرون: بل ليس له القدرة [١] إلا على التخييل، كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.
واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنباوند [٢] كما قاله السدي وغيره، ثم إن الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم (٦١٣): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدّثني ابن وهب، حدّثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [٣]: أن علي بن أبي طالب ﵁[مرّ ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه لصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] [٤] قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أُصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] [٥] ببابل فإنها ملعونة.
وقال أبو داود (٦١٤): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [٦]: أن عليًّا مر ببابل، وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي، ﷺ، نهاني: أن أصلي في المقبرة، ونهاني: أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.
حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر، وابن لهيعة، عن حجاج [٧] بن شداد، عن أبي صالح الغفاري [٨]، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود قال: فلما "خرج" مكان "برز".
وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه، وسكت عليه [٩]، ففيه من الفقه كراهيةُ الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.
قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، [ويقال له] [١] "أوقيانوس [٢] " سبعون درجة.
ويسمون هذا طولًا، وأمّا عرضها، وهو بعد [٣] ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان [٤] وثلاثون درجة، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشدّ النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر.
قال [٥]: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطانَ فعلَّمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء فيقول: يا حسرتاه يا ويله [٦] ماذا أصنع؟.
وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذة الآية: نعم أُنزل الملكان بالسحر، ليعلما [٧] الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة -أي: بلاء ابتلينا به فلا تكفر.
وقال السدّي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة.
فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فَبُلْ عليه.
فإذا بال عليه، خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان.
وأقبل شيء أسودُ كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه [٨] وكلِّ شيء.
وذلك غضب الله.
فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
الآية.
وقال سُنيد: عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجتريء على السحر إلا كافر.
وأما الفتنة: فهي المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر: وقد فُتِن النَّاسُ في دينهم … وخلَّى ابنُ عفان شرًّا طويلا وكذلك [١] قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك، واختبارك، وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [٢].
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستَشْهَدُ له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (٦١٥)، حدَّثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله قال: "من أتى كاهنًا، أو ساحرًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ".
وهذا إسناد جيد، وله شواهد أخر.
وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرّقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف.
وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه (٦١٦)، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "إن الشيطان ليضع [٣] عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم [٤] عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركتُه وهو يقول كذا وكذا.
فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرّقت بينه، وبين أهله قال: فَيُقَرِّبُه ويدنيه، ويلتزمه، ويقول: نعم أنت".
وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر، ما يخيل إلى الرجل، أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق، أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنَّى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله.
وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد.
وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشإ الله [١] لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى.
وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول [٢] ﷺ لمن فعل فعلهم؛ ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس، ومجاهد، والسدّى: من نصيحب، [وقال عبد الرازق: عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرازق، وقال الحسن: ليس له دين] [٣].
وقال سعد [٤]: عن قتادة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: ولقد [٥] علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم؛ أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل: ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل، لو كان لهم [٦] علم بما وعظوا به.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ﴾.
أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله [٧]، واتقوا المحارم، لكان مثوبةُ الله على ذلك خيرًا لهم، مما [٨] استخاروا لأنفسهم ورضُوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾.
وقد يستدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل (٦١٧)، وقول طائفة من السلف.
وقيل: بل لا يكفر، ولكن حدُّه ضربُ عنقِه، لما رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله قال [٩]: أخبرنا سفيان [-هو ابن عيينة-] [١] عن عمرو بن دينار أنه سمع بِجَالةَ بن عَبَدةَ يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كلَّ ساحر، وساحرة.
قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وقد أخرجه البخاري (٦١٨) في صحيحه أيضًا.
وهكذا صح أن حفصة أمَّ المؤمنين سحرتها جاريةٌ لها، فأمرت بها فقتلت (٦١٩).
قال الإمام أحمد بن حنبلٍ: [صح عن] [٢] ثلاثة [٣] من أصحاب النبي، ﷺ، في قتل الساحر.
وروى الترمذي (٦٢٠) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "حدّ الساحر ضربه بالسيف".
ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإِسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن، عن جندب موقوفًا.
قلت: قد رواه الطبراني (٦٢١) من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب مرفوعًا، والله أعلم.
وقد روي من طرف متعددة أنّ الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيردّ إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى!
ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقًا [٤] فَلُيحيي نفسَهُ.
وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك؛ فسجنه ثم أطلقه (٦٢٢)، والله أعلم.
و [٥] قال الإمام [٦] أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدّثني أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كان [١] عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملًا على سيفه فقتله، قال [٢]: أراه كان ساحرًا.
وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا، والله أعلم.
(فصل) حكى أبو عبد الله الرازي في "تفسيره " عن المعتزلة، أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كَفَّروا من اعتقد وجوده، قال: وأمّا أهلُ السنة فقد جوَّزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا [٣] والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: أن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك، والنجوم، فلا، خلافًا للفلاسفة، والمنجمين، والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن الأخبار: بأن رسول الله، ﷺ، سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂ وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابلَ، وتعلمها السحر.
قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا [٤]: (المسألة الخامسة) في أنّ العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك، لأنّ العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ولأنّ [٥] السحر لو لم يكن [٦] يُعْلَم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز [٧] معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا وما يكون واجبًا، فكيف [٨] يكون حرامًا وقبيحًا؟!.
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه: أحدها [٩] قوله: العلم بالسحر ليس بقبيحٍ شرعًا [١٠]، [إن عنى به ليس بقبيح عقلًا] [١١]، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذة الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، [وفي الصحيح (٦٢٣): " من أتى عرافًا أو [١] كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد"] [٢].
وفي السنن (٦٢٤): " من عقد عقدة، ونفث فيها فقد سحر".
وقوله: "ولا محظورًا [٣]- اتفق المحققون على ذلك".
كيف لا يكون [محظورًا مع] [٤] ما [٥] ذكرناه من الآية والحديث؟!
واتفاقُ المحققين يقتضي أن يكون قد [٦] نصَّ على هذه المسألة أئمة العلماء، أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟
ثم إدخاله علم [٧] السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، وَلِم قُلتَ إن هذا منه؟
ثم [٨] ترقيه [٩] إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ثم إن [١] العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر، ولا تعلموه ولا علَّموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن [٢] أنواع السحر ثمانية - (الأول): سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة [٣] المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله [٤] إليهم إبراهيم الخليل، ﷺ، مبطلًا لمقالتهم، ورادَّا [٥] لمذهبهم [٦]، وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما [٧] ذكره [٨] القاضي ابن خلكان وغيره، ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل [٩] صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد.
وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم [١٠] في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتنسكون [١١] به.
قال: (والنوع الثاني) - سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية [١٢]، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه، قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى [١٣] الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك [١٤] إلا لأن النفوس خلقت مطيعةً [١٥] للأوهام.
قال: ولقد [١٦] اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح (٦٢٥): أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين".
قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًّا، فتستغني في هذه الأفاعيل [١] عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة؛ فتحتاج إلى الاستعانة بهذة الآلات.
وتحقيقُه أن النفس إذا كانت [مستعلية على] [٢] البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذة الذات [٣] البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرفٌ ألبتة إلا في هذا البدن.
ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن [الناس] [٤] [والرياضة] [٥].
(قلت): وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو علي قسمين: تارة تكون [٦] حالًا صحيحة شرعية يتصرف [بها فيما] [٧] أمر الله ورسوله [ﷺ]، ويترك [٨] ما نهى الله تعالى عنه ورسوله، ﷺ، فهذه [٩] الأحوال مواهبٌ من الله تعالى؛ وكراماتٌ للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع.
وتارة تكون الحالة فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله، ﷺ، ولا يتصرف بها في ذلك.
فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال -لعنه الله- له من [١٠] الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع إنّه مذموم شرعًا لعنه الله!.
وكذلك عن شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وبسط هذا يطول جدًّا؛ وليس هذا موضعه.
قال: (والنوع الثالث) من السحر: الاستعانة [بالأرواح [١١] الأرضية] [١٢]؛ وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنين [١٣]، وكفار وهم الشياطين.
قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة، وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن [١] والتجريد.
وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير [٢].
(النوع الرابع) من السحر: التخييلات [٣] والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على [٤] أن البصر قد يخطئ، ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق و [٥] نحوه، عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ يُظهر لهم شيئًا [٦] آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت [ولم تكلم] [٧] بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
(قال): وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشدَّ، كان العملُ أحسن، مثل أن يجلس [٨] المشعبذ في موضع مضيء جدًّا -أو مظلم- فلا تقف القوة الناظرة [٩] على أحوالها بكلالها، والحالة هذه.
(قلت): وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر.
والله أعلم.
(النوع الخامس من السحر): الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت [١٠] ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصوروها [١١] ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطف أمور المخاييل.
قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
(قلت): يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال، والعصي، فحشوها زئبقًا، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطَّلع عليها قدر عليها.
(قلت): ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفيةً إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطفة تروج على العوام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون: أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم، وفيه شبهة للجهلة الأغبياء من متعبدي الكرّامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٦٢٦) وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا علي؛ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار" (٦٢٧).
ثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت، ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترقُّ له، فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصّل إلى أن جعله أجوفَ، فإذا دخلته الريح يُسمع له صوتُ كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح باب من ناحيته فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتَها كُلُّ طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور، فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه، ففتنهم بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
قال الرازي: (النوع السادس من السحر): الاستعانة بخواص الأدوية؛ يعني في الأطعمة والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد.
(قلت): يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًّا أنها أحوال له من مخالطة النيران، ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
قال: (النوع السابع من السحر) تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز؛ اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب، والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
(قلت): هذا النمط يقال له: التنبلة، وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.
قال: (النوع الثامن من السحر) السعي بالنميمة، والتضريب من وجوه خفيفة لطفة، وذلك شائع في الناس.
(قلت): النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس، وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من ينم خيرًا" (٦٢٨)، أو يكون على وجه التخزيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة" (٦٢٩)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب، وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء، فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت.
وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة، والله المستعان.
ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه، وأصنافه.
(قلت): وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عمَّا لطف وخفي سببه.
ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا" (٦٣٠).
وسمي السحور لكونه يقع خفيًّا آخر الليل.
والسَّحْرُ: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك؛ لخفائها؛ ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرك أي: انتفخت رئته من الخوف.
وقالت عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري (٦٣١).
وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، أي أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة، وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، حيث قالوا: إنه تمويه، وتخييل.
قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد؛ لخفة سيره.
قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام البادية.
قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقىً من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية، وأدخنة، وغير ذلك.
قال: وقوله ﵇: "إن من البيان لسحرًا" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًّا للبلاغة قال: وهذا أصح.
قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ﵊: "فلعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض فأقضي له" (٦٣٢) الحديث.
(فصل) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمَّد بن هبيرة، ﵀، في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابًا في السحر؛ فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده.
واختلفوا فيمن يتعلم السحر، ويستعمله، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك.
ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إنْ تعلمه ليتقيه، أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه كفر.
وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر.
وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر؛ قلنا له: صف لنا سحرك.
فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟
فقال مالك وأحمد [١]: نعم.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا.
فأمَّا إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك، والشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل، حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين.
وإذا قتل، فإنه يقتل حدًّا عندهم، إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا.
قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟
فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنهم [٢]: لا تقبل.
وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل.
وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة فإنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم.
وقال مالك، [وأحمد والشافعي]: لا يقتل.
يعني لقصة لبيد بن الأعصم.
واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس.
وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله اُعلم.
وقال أبو بكر الخلال (٦٣٣): أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قُرئ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهريّ قال: يقتل ساحر المسلمين، ولا يققال ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
[وقد نقل القرطبي، عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي إذا سحر: يقتل إن قتل سِحْرُهُ، وحكى ابن خويز منداد، عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم، وإلا قتل.
والثانية: أنه يُقْتَل وإن أسلم.
وأمّا الساحر المسلم، فإن تضمَّن كفرًا؛ كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، لكن قال مالك: إذا ظُهِرَ عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يُظهر عليه وجاءنا] [١] [تائبًا قبلناه، فإن قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ.
قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
(مسألة) وهل يُسْأَلُ الساحرُ حلًّا لسحره؟
فأجارُه سعيد بن المسيب، فيما نقله نقلًا عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (٦٣٤).
وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله!
هلا تنشرت؟
فقال: "أمّا الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًّا" (٦٣٥)، وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
(قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهو المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما" (٦٣٦) وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشيطان] [٢].
انتهى بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ نهى اللَّه تعالى عباده [١] المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم، وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه توريةٌ لما يقصدونه من التنقص [٢] عليهم لعائن اللَّه؛ فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا.
يقولون: راعنا.
يورُّون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم، والسام: هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم" (٦٢٤).
وإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض أن اللَّه -تعالى- نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
وقال الإمام أحمد (٦٢٥): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية [٣]، عن أبي مُنيب الجُرَشي [٤]، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، [وجعلت الذلة] [١]، والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
وروى أبو داود (٦٢٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به: "من تشبه بقوم فهو منهم" ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نُقَرر عليها.
و [٢] قال ابن أبي حاتم (٦٢٧): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن مَعْن دمعون -أو أحدهما- أنّ رجلا أتى عبد اللَّه بن مسعود فقال: اعهد إليَّ، فقال: إذا سمعت اللَّه يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وقال الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرءون [٣] في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين.
وقال محمد بن إسحاق (٦٢٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﴿راعنا﴾ أي: أرعنا سمعك.
وقال الضحاك (٦٢٩): عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾.
قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما ﴿راعنا﴾ كقولك: عاطنا.
وقال ابن أبي حاتم (٦٣٠): وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.
وقال مجاهد (٦٣١): ﴿لا تقولوا راعنا﴾: لا تقولوا خلافا.
وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء (٦٣٢): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ كانت لغة تقول [١] الأنصار فنهى اللَّه عنها.
وقال الحسن (٦٣٣): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ قال: الراعنُ من القولِ السخريُّ منه.
نهاهم اللَّه أن يسخروا من قول محمد ﷺ وما يدعوهم إليه من الإسلام.
وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ قال: كان رسول اللَّه ﷺ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول [٢]: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له.
وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى [٣] رفاعة بن زيد، يأتي النبيَّ، ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مُسْمَع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع: غَيرَ صاغر.
وهي كالتي في سورة النساء.
فتقدم [٤] الله إلى المؤمنين ألا يقولوا: راعنا.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.
قال ابن جرير (٦٣٤): والصواب من القول في ذلك عندنا: أن اللَّه نهى المؤمنين: أن يقولوا لنبيه ﷺ: راعنا، لأنها كلمة كرهها [٥] اللَّه تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنة قال: "لا تقولوا للعنب الكرم؛ ولكن قولوا: الحبلة، ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتاي" (٦٣٥) وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يبين [تعالى بذلك] شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر اللَّه [١] تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودّة بينهم وبينهم.
وينبه [٢] تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيه محمد ﷺ حيث يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ قال ابن أبي طلحة (٦٣٦): عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نبدل من آية.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي [٣]: ما نَمْحُ [٤] من آية.
وقال ابن أبي نَجِيح (٦٣٧)، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قال: نثبت خطها ونبدّل حكمها.
[حدّث به] [٥] عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
وقال ابن أبي حاتم (٦٣٨): وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.
وقال الضحاك: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نُنْسِكَ [٦].
وقال عطاء: أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾: فما نترك من القرآن.
وقال ابن أبي حاتم: يعني تُرك فلم ينزل على محمد، ﷺ.
وقال السدي ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نَسْخُها: قَبْضُها.
وقال ابن أبي حاتم (٦٣٩): يعني: قبضها رفعها مثل قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وقوله "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا" (٦٤٠).
وقال ابن جرير: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما ننقل من حُكْم آية إلى غيره، فنبدِّله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا.
ولا يكون ذلك إلا في الأمر، والنهي، والحظر، والإطلاق، والمنع، والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ، ولا منسوخ.
وأصل النسخ: من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة [إلى] [١] أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله، ونقل عبادَة إلى غيرها [٢]، وسواء نسخ حكمها أو خطها، [إذ هي] [٣] في كلتا حالتيها منسوخة.
وأما علماء الأصول، فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ولخّص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر، فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعَكسُه، والنسخ لا [٤] إلى بدل.
وأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه، وشروطه، فمبسوط [٥] في فَنّ أصول الفقه.
وقال الطبراني (٦٤١): حدثنا أبو شبيل [٦] عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول اللَّه، ﷺ، فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول اللَّه ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول اللَّه، ﷺ: "إنها مما نسخ، وأنسي، فالهوا عنها" فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بضم النون الحفيفة.
[] [١] سليمان بن أرقم: ضعيف.
[وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود [عن] أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث عن يونس وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي (٦٤٢)] [٢].
وقوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ فقرئ على وجهين: ننسأها وننسها، فأمّا من قرأها: نَنْسأَها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخرها.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسأهَا﴾ يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.
و [٣] قال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها نثبت خطها ونبدل حكمها.
وكما [٤] قال عبيد بن عُمَير، زمجاهد، وعطاء: أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها.
وقال عطة العوفي: ﴿أو ننسأها﴾: نؤخرها فلا ننسخها.
وقال السدي مثله أيضًا، وكذا الربيع بن أنس.
وقال الضحاك: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾ يعني الناسخ من المنسوخ.
وقال أبو العالية: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾ أي: نؤخرها عندنا.
وقال ابن أبي حاتم (٦٤٣): حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل -يعني ابن مسلم- عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خطنا عمر ﵁ فقال: يقول الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نؤخرها.
وأما على قراءة ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله [﷿] [١] ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير (٦٤٤): حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنًا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم (٦٤٥): حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج -يعني الجزري- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مما ينزل الله على النبي، ﷺ، الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾.
قال أبو حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.
وقال عبيد بن عمير: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾؛ نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير (٦٤٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: فقال سعد: إنّ القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب قال الله -جل ثناؤه-: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
وكذا رواه عبد الرزاق (٦٤٧)، عن هشيم.
وأخرجه الحاكم في مستدركه (٦٤٨) من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى [١] بن عطاء، به.
وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد (٦٤٩): أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أبي، وأبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء.
والله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾.
وقال البخاري (٦٥٠): [حدثنا عمرو بن علي] [٢] حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي؛ وذلك أنّ أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾ يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي نركناه.
وقال قتادة: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يرشد تعالى عباده [١] بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها -تعالى- ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى.
فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا، وفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم -لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلًا، كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا، وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٦٥١) ﵀: فتأويل الآية ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض، وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما، بما أشاء، وآمر فيهما، وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ، وأبدل، وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذا أشاء، وأقرّ فيهما ما أشاء.
ثم [٢] قال: وهذا الخبر وإن كان خطابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوّة عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله: أنّ له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأنّ الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما شاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره، وأمره، ونهيه.
(قلت): الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله -تعالى- لأنه يحكم ما يشاء كما أنه [٣] يفعل ما يريد، مع [٤] أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدّمة، وشرائعه الماضية؛ كما أحلَّ لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرَّم ذلك.
وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرَّم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، [وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده ثم نسخ قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل] [١] وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون [٢] عنه.
وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا يصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود كما في كتبهم مشهورًا من البشارة برحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته ﵊ وأنه لا يُقْبَل عملٌ إلا على شريعته.
وسواء قيل: إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ وقيل: إنها مطلقة وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوبُ متابعته [٣] متعيّنٌ، لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدًا بالله ﵎.
[ففي هذا المقام بَيَّن تعالى جواز النسخ ردًّا على اليهود عليهم لعنة الله، حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقرئ في سورة آل عمران -التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب- وقوع النسخ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية.
كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه.
وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن.
وقوله ضعيف مردود مرذول.
وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدّة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يُجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يُجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك، والله أعلم [٤].
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.
نهى الله تعالى المؤمنين [١] في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي، ﷺ، عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة.
ولهذ جاء في الصحيحين [٢] (٦٥٢): (إنّ [٣] أعظم المسلمين جرمًا من سأل [٤] عن شيء لم يحرّم؛ فحرّم من أجل مسألته"، ولما سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا (٦٥٣)، فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت عن مثل ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (٦٥٤) من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله ﷺ: كان ينهى عن قيل وقال، [وإضاعة المال، وكثرة السؤال] [٥].
وفي صحيح مسلم (٦٥٥): " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟
فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا.
ثم قال ﵇: "لا، ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم" الحديث، وهكذا قال أنس بن مالك (٦٥٦): نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل [١] البادية فيسأله ونحن نسمع.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٦٥٧) في مسنده: أخبرنا أبو كريب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: إن [٢] كان ليأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله، ﷺ، عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار (٦٥٨): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ؛ [ما سألوه] [٣] إلا عن ثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ يعني هذا وأشباهَهُ.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين؛ فإنه، عليه الصلاة [٤] والسلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال -تعالى-: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾.
قال محمد بن إسحاق (٦٥٩): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس قال: قال رافع بن حُرَيمَلَةَ -أو وهب بن زيد: يا محمد!
ائتنا بكتاب تُنَزِّلُه علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهارًا نتِّبعْك ونصدقك.
فأنزل الله من قولهم: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله -تعالى-: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله!
لو كانت كَفَّارتنا [١] ككفَّارات [٢] بني إسرائيل؟
فقال النبي ﷺ: "اللَّهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه، وكفارتها، فإن كَفّرها كانت له خزيًا [٣] في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل" قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: (الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات [٤] لما بينهن" وقال: "من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه؛ وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك" فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
وقال مجاهد: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: أن يريهم الله جهرةً؟
قال: سألت قريش محمدًا ﷺ أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا قال: "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل [إن كفرتم" فأبوا ورجعوا] [٥].
وعن السدي، وقتادة نحو هذا، والله أعلم.
والمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا، وتكذيبًا، وعنادًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: ومن يَشْتَر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال.
وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم، والانقياد لهم إلى مخالفتهم، وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويُعْلِمُهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر [١]، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم، وفضل نبيهم، ويأمر عبادَهُ المؤمنين بالصفح والعفو، أو [٢] الاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر، والفتح.
ويأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك، ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (٦٦٠)، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان حُيَي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدًا، إذ خصهم الله برسوله، ﷺ، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
وقال عبد الرزاق (٦٦١)، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: هو كعب بن الأشرف.
وقال ابن أبي حاتم (٦٦٢): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبيَّ صلى الله عليه ويمملم، وفيه [٣] أنزل الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: أن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا، وحسدًا، وبغيًا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم، ولامهم أشدَّ الملامة، وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان، والإقرار بما أنزل الله عليهم، وما أنزل من قبلهم بكرامته، وثوابه الجزيل، ومعونته لهم.
وقال الربيع بن أنس: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم.
وقال أبو العالية: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ من بعد ما تبين لهم [١] أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا، وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم، وكذا قال قتادة، والربيع بن أنس، والسدي.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ الآية.
و [٢] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٦٦٣) في قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نَسَخَ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا [٣] الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فَنَسَخَ هذا عفوَهُ عن المشركين، وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٦٦٤)، حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى قال الله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله ﷺ يتأول من العفو ما أمره [٤] الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل [٥]، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش.
وهذا إسناده صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ولكن له أصل في الصحيحين (٦٦٥) عن أسامة بن زيد] [٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَحُثهم [١] تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُود عليهم عاقبتهُ يوم القيامة، من إقامة [٢] الصلاة وإيتاء الزكاة؛ حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ هذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ [٣] بَصِير﴾ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا، أو شرًّا؛ بأنه سيجازي كل عامل بعمله.
وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ [٤] بَصِير﴾: وهذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرًّا أو علانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء؛ فيجزيهم بالإحسان خيرًا، وبالإساءة مثلها.
وهذا الكلام، وإن كان [قد خرج] [٥] مخرج الخبر، فإن فيه رعدًا، ووعيدًا، وأمرًا، وزجرًا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم؛ ليجدّوا في طاعته - إذ كان ذلك مُدَّخرًا لهم عنده حتى يثيبهم [٦] عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وليحذروا معصيته.
قال: وأما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صُرف إلى "بصير" كما صرف مُبْدع إلى "بديع"، ومؤلم إلى "أليم"، [والله أعلم] [٧].
وقال ابن أبي حاتم (٦٦٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه رسلم [يفسر في] [٨] هذه الآية: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، يقول: بكل شيء بصير.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ يبين تعالي اغترار اليهود والنصاري بما هم فيه؛ حيث ادّعت كل طائفة من اليهود والنصاري: أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم [١] بذنوبهم، ولو كانوا كما ادّعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدّم من دعواهم: أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينتقلون إلي الجنة، وردّ عليهم تعالي في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادّعَوْها [٢] بلا دليل، ولا حجة، ولا بينة فقال: ﴿تلك أمانيهم﴾.
وقال أبو العالية: أماني: تمنَّوْها علي الله بغير حق.
وكذا قال قتادة، والربيع بن أنس.
ثم قال تعالى: ﴿قل﴾ أي: يا محمد، ﴿هاتوا برهانكم﴾.
قال أبو العالية، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس: حجتكم.
وقال قتادة: بيِّنتكم علي ذلك ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي [٣] فيما [٤] تدعونه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.
الآية.
وقال أبو العالية والربيع: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.
يقول: من أخلص لله.
وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: أخلص ﴿وجهه﴾، قال: دينه ﴿وهو محسن﴾ أي: متبع [٥]، فيه الرسولَ، ﷺ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدَهما [٦] أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتي كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال [رسول الله] [٧] ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، ﵊.
فعمل الرهبان ومن شابههم، وإن فرض أنهم مخلصون [١] فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول، ﷺ، المبعوث إليهم والي الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ و [قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥)﴾] [٢].
وروي عن أمير المؤمنين عمر، ﵁، أنه تأوّلها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله تعالى فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال [المرائين والمنافقين] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضَمِن لهم تعالي علي ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافون من المحذور فـ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ علي ما مضى مما يتركونه.
كما قال سعيد بن جبير فـ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ يعني في الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يعني: لا يحزنون] [٣] للموت.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يبين [٤] به تعالي تناقضَهُم، وتباغضَهُم، وتعاديهم، وتعاندهم، كما قال محمد بن إسحاق (٦٦٧): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصاري علي رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال رافع بن حُرَيملة: ما أنتم علي شيء، وكَفَرَ بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصاري لليهود: ما أنتم علي شيء وجَحَدَ بنبوّة موسى، وكفر بالتوراة.
فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: إن كلًّا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم علي لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء به [١] من التوراة من عند الله، وكل [٢] يكفر بما في يد [٣] صاحبه.
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصاري علي شيء.
وقال قتادة: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ﴾ قال: بلي [٤] قد كانت أوائل النصاري علي شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.
﴿وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ﴾ قال: بلي [٥]، قد كانت أوائل اليهود علي شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرّقوا.
وعنه رواية أخرى؛ كقول أبي العالية، والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ﴾.
هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا علي عهد رسول الله- ﷺ وهذا القول يقتضي أن كلًّا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع [٦] علمهم بخلاف ذلك.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: وهم يعلمون أن [٧] شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم [٨] تجاحدوا فيما بينهم عنادًا، وكفرًا، ومقابلة للفاسد بالفاسد، كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ [] [٩] لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يبيِّن [١٠]، بهذا جهل اليهود، والنصارى فيما تقابلوا به من القول، وهذا من باب [الإيماء والإشارة] [١١] وقد اخْتُلف فيمن عُني بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [فقال الربيع بن أنس، وقتادة ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قالا: قالت النصاري مثل قول اليهود وقيلهم] [١٢].
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟
قال: أم كانت قبل اليهود والنصاري وقبل التوراة والإنجيل.
وقال السدي: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهم العرب، قالوا: ليس محمد علي شيء.
واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامّة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، والحمل علي الجميع أولى، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرّة.
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسَعَوا في خرابها علي قولين: (أحدِهما): ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس (٦٦٨) في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصاري.
وقال مجاهد: هم النصاري.
كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذي، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق (٦٦٩)، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتنَصّر وأصحابه، خرّب بيت المقدس، وأعانه علي ذلك النصاري.
وقال سعيد، عن قتادة: قال: أولئك أعداء الله النصاري، حملهم بغض اليهود علي أن أعانوا بختنَصّر البابلي المجوسي علي تخريب بيت المقدس.
وقال السدّي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم علي خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
وروي نحوه عن الحسن البصري.
(القول الثاني) ما رواه ابن جرير (٦٧٠): حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا [١] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هؤلاء المشركون الذين [٢] حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طُوَي وهادنهم، وقال لهم: "ما كان أحد يَصُدّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقي قاتل أبيه وأخيه فلا يصدّه"، فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم (٦٧١): ذكر عن سلمة: قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن قريشًا منعوا النبي، ﷺ، الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
(قلت): والذي يظهر -والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد.
وروي عن ابن عباس؛ لأن النصاري إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس؛ كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لُعنوا من قبل على لسان داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
وأيضًا فإنه تعالي لما وجه الذم في حق اليهود والنصاري، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول، ﷺ، وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده علي أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟
أخرجوا عنها رسول الله، ﷺ، وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم، وأندادهم، وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَي أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسَي أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟
وليس المراد بعمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط؛ إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ررفعها عن الدنس والشرك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه: الطلب، أي: لا تُمَكِّنوُا هؤلاء - إذا قدرتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله، ﷺ، مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي برحاب مِنَى: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلي مدته" (٦٧٢) وهذا كان تصديقًا، وعملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية.
[١] قال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين علي حال التهيب، رارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلًا أن يستولوا عليها، ويمنعوا المؤمنين منها.
والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل: أن هذا بشارة من الله للمسلمين: أنه سيُظْهرُهم علي المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم؛ حتى لا يدخل [٢] المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يُقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول [المسجد الحرام] [٣]، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلي اليهود والنصاري منها ولله الحمد والمنة.
وما ذاك إلا لتشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه [١] عليه.
وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة [أجلوا عنها] [٢].
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده والطواف به عُرْيًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله ﷺ.
وأمّا من فسر بيت القدس فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا علي بيت المقدس خَرَّبوه، فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾.
الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا، وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تُضْرَبَ [٣] عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.
قلت: وهذا لا ينفي أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس، بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود، عُوقبوا شرعًا وقَدَرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن [٤] بهم بيت القدس.
وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضًا أعظمَ من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظمَ، والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي، عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود.
وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله.
وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، كما قال الإمام أحمد (٦٧٣): حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلْبَس، سمعت أبي يحدث عن بُشْر [١] بن أرطاة قال: كان رسول الله ﷺ، يدعو: "اللَّهم؛ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".
وهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيَّه؛ وهو بُسْر [٢] بن أرطاة، حديث سواه، وسوي حديث: "لا تقطع الأيدي في الغزو [٣] " (٦٧٤).
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ وهذا -والله أعلم- فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم، ومُصَلَّاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبةُ بين يديه، فلما قدم المدينة وَجَّه (٦٧٥) إلي بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله الي الكعبة بَعْدُ، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام (٦٧٦) في كتاب "الناسخ والمنسوخ": حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم- شأنُ القبلة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم [صرفه الله إلي بيته العتيق ونسخها] [١].
فقال: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة.
وذلك أن رسول الله، ﷺ، لما هاجر إلي المدينة -وكان أهلها اليهود- أمره الله أن يستقبل بيت المقدس؛ ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله، ﷺ، بضعةَ عَشَرَ شهرًا، وكان رسول الله، ﷺ، يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا﴾ [فأنزل الله] [٢]: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا.
وقال مجاهد: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة.
وقال ابن أبي حاتم (٦٧٧) بعد رواية الأثر المتقدم، عن ابن عباس في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.
وقال ابن جرير (٦٧٨): وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلي الكعبة، وإنما أنزلها تعالى، ليعلم نبيه- ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك، وناحية إلّا كان جلَّ ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿[ولا أدنى من ذلك] [١] ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلي المسجد الحرام، هكذا قال: وفي قوله: "وأنه تعالى لا يخلو منه مكان" إن أراد علمه تعالى، فصحيح، فإن علمه، تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شي من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
قال ابن جرير (٦٧٩): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية علي رسول الله- ﷺ إذنًا من الله أن يصلي [المتطوع] حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.
حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدَّثنا عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله ﷺ، كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ورواه مسلم (٦٨٠)، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به.
وأصله في الصحيحين (٦٨١) من حديث ابن عمر، وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية.
وفي صحيح البخاري (٦٨٢) من حديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي، ﷺ.
[مسألة: ولم يفرق الشافعي -في المشهور عنه- بين سفر المسافة، وسفر العدو، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافًا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف، عن أنس بن مالك ﵁ واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضًا] [١].
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيَتْ عليهم القبلة، فلم يعرفوا شَطْرها، فصلوا على أنحاء مختلفة فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب فأنى [٢] وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم- فيعلمكم [٣] بذلك أن صلاتكم ماضية.
حدَّثنا (٦٨٣) أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجلُ يأخذ الأحجارَ، فيعمل مسجدًا يصلي فيه.
فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله!
لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية.
ثم رواه (٦٨٤) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه.
ورواه الترمذي (٦٨٥) عن محمود بن غيلان، عن وكيع.
وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي [٤] الربيع السمان.
ورواه ابن أبي حاتم (٦٨٦)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان: واسمه أشعث بن سعيد البصري- وهو ضعيف الحديث.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن [١].
ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.
قلت: وشيخه عاصم أيضًا ضعيف.
قال البخاري: منكر الحديث.
وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به.
وقال ابن حبان: متروك، والله أعلم.
وقد رُوي من طريق أخرى عن جابر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر قال: بَعَث رسولُ الله ﷺ سَريَّة كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قِبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك المخطوط لغير القبلة.
فلما قفلنا من سفرنا سألْنَا النبيَّ، ﷺ، فسكت، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرزَمي، عن عطاء، عن جابر، به (٦٨٧).
وقال الدارقطني: قرئ على عبد الله بن عبد العزيز -وأنا أسمع- حدثكم داود بن عمرو، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا في القبلة: فصلى كل رجل [٢] منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي، ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم.
ثم قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم.
وقال غيره: عن محمد بن [عبيد الله] [١] العَرْزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان (٦٨٨).
ثم رواه ابن مردويه أيضًا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، بعث سَرِيَّة فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة.
ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة.
فلما جاءوا إلى رسول الله، ﷺ، حدثوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدُّ بعضها بعضًا.
وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.
قال ابن جرير (٦٨٩): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا [هشام بن معاذ] [٢]، حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: إن أخًا لكم قد مات فصلوا عليه.
قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟.
قال فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾، [قال قتادة] [٣] فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذا غريب والله أعلم.
[وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة.
وذكر القرطبي (٦٩٠): أنه لما مات، صلى عليه رسول الله، ﷺ.
فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب.
قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه أحدها: أنه ﵇ شاهد حين [سُوِّي] عليه طويت له الأرض.
والثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه، واختاره ابن العربي.
قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت.
وهذا جواب جيد.
والثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم] [١].
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، عن محمد بن عَمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام، وأهل العراق".
وله مناسبة هاهنا.
وقد أخرجه الترمذي (٦٩١)، وابن ماجة من حديث أبي معشر -واسمه نجيح بن عبد الرحمن السّندي [٢] المدني- به: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قِبَلِ حفظِه.
ثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن أبي بكر المروزي، حدثنا المعلي بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي [٣]، عن عثمان بن محمد [بن المغيرة الأخنسي] [٤]، عن سعيد [٥]، المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة (٦٩٢) "، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وحُكِي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح.
قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"- منهم عمر بن الخطاب (٦٩٣)، وعلي، وابن عباس، ﵃، أجمعين.
وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة.
ثم قال ابن مردويه (٦٩٤): حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن [يوسف] مولى بني هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقد رواه الدارقطني والبيهقي: وقال: المشهور عن ابن عمر، عن عمر، ﵄، قوله.
قال ابن جرير (٦٩٥): ويحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال مجاهد لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟
فنزلت ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير (٦٩٦): [ومعنى قوله] [١]: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود [٢].
وأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني: عليم بأعمالهم، ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب [٣] عن علمه، بل هو بجميعها عليم.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها [٤] علي الرد على النصارى -عليهم لعائن الله- وكذا من أشبههم من اليهود، ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم: إنّ لله ولدًا؛ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تعالى، وتقدّس، وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السموات والأرض [ومن فيهنَّ] [١]، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم، ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم، ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم؟!
والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو تبارك، وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد؟
كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
فقرّر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له، ولا شبيه له، وأنّ جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة؛ فكيف يكون له منها ولد؟
ولهذا قال البخاري (٦٩٧) في تفسير هذه الآية [٢] من البقرة: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي حُسَين، حدثنا نافع بن جبير -هو ابن مطعم- عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، [وشتمني، ولم يكن له ذلك] [٣]، فأمّا تكذبيه إياي، فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إنّ [٤]، لي ولدًا فسبحاني [٥] أن أتخذ صاحبة، أو [٦] ولدًا".
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال ابن مردويه (٦٩٨): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا [إسحاق بن محمد الفَرْوي] [٧]، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم، وما [٨] ينبغي له أن يكذبني، وشتمني وما [١] ينبغي له أن يشتمني، فأمّا [٢] تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته.
وأما شتمه [٣] إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا.
وأنا الله الأحد الصمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وفي الصحيحين (٦٩٩): عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم، ويعافيهم".
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (٧٠٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرِّف، عن عطية، عن ابن عباس قال: ﴿قَانِتِينَ﴾ مصلين.
وقال عكرمة وأبو مالك: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مقرون له بالعبودية، وقال سعيد بن جبير: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: الإخلاص، وقال الربيع بن أنس يقول: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي [٤]: قائم يوم القيامة، وقال السدي: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي [٥]: مطيعون يوم القيامة.
وقال خصيف، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، قال: مطيعون، كن إنسانًا فكان، وقال: كن حمارًا فكان.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعون، يقول: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.
وهذا القول عن [٦] مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع [٧] الأقوال كلها، وهو أنّ القنوت هو الطاعة، والاستكانة إلى الله، وهو [٨] شرعي وقدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وقد روي [٩] حديث فيه بيان القنوت في القرآن، ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم (٧٠١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن دراجًا أبا السمح حدّثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة".
وكذا رواه الإمام أحمد (٧٠٢)، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دَرّاج بإسناده، مثله.
ولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أو من دونه، والله أعلم.
وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نَكَارَة؛ فلا يغتر بها، فإنَّ السند ضعيف، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة.
كما جاء في [صحيح مسلم] [١]: "فإن كل محدثة بدعة" (٧٠٣)، والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة [٢] شرعية، كقوله: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (٧٠٤)، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (٧٠٥) ﵁ عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نِعْمَتِ البدعةُ هذه.
وقال ابن جرير (٧٠٦): و ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما [١]، وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل، كما صُرف المؤلم إلى الأليم [٢]، والمُسمع إلى السميع.
ومعنى المبدع [٣]: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد.
قال: ولذلك سُمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبقه [٤] إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلًا أو قولًا [٥] لم يتقدّمه [٦] فيه متقدّم، فإن العرب تسميه مبتدعًا.
ومن ذلك قول أعشى ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنَفي: يرعى [٧] إلى قول سادات الرجال إذا … أبدَوا له الحزْمَ أو ما شاءهُ ابَتَدعا أي: يحدث ما شاء.
قال ابن جرير (٧٠٧): فمعنى الكلام؛ سبحان الله أن [٨] يكون له [٩] ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد [١٠] له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقرّ له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه.
وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات، والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى [١١] من غير والد بقدرته.
وهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
يبين بذلك تعالى كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا [١٢] قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وقال الشاعر: إذا ما أراد الله أمرًا فإنَّما … يقول له كن قولة فيكونُ ونبه تعالى بذلك أيضًا على أنه خلق عيسى بكلمة: كن، فكان كما أمره الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ قال محمد بن إسحاق (٧٠٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله ﷺ: يا محمد!
إن كنت رسولًا من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه.
فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [وقال مجاهد ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾] [١].
قال: النصارى تقوله.
وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن [٢] السياق فيهم، وفي ذلك نظر.
[وحكى القرطبي ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾: أي يخاطبنا بنبوّتك يا محمد.
قلت: وهو ظاهر السياق والله أعلم] [٣].
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ] [٤]﴾ قالوا: هم اليهود والنصارى، ويؤيد [٥] هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا [٦] جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.
الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿قل سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب، وعتوّهم [١] وعنادهم، وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدّمهم في الكفر والعناد والعتوّ، كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى، لمن أيقن، وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن [٢] الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه [٣]، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ قال ابن أبي حاتم (٧٠٩)، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفَزَاري [٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "أنزلت عليَّ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار".
وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة أكثرهم [٥]: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ بضم التاء على الخبر.
وقراءة أبي بن كعب ﴿وما تسأل﴾.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿ولن تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ نقلها [٦] ابن جرير (٧١٠) أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله [٧]: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾.
وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾.
الآية.
وكقوله تعالى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وأشباه ذلك من الآيات.
وقرأ آخرون: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بفتح التاء على النهي، أي لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق (٧١١): أخبرنا الثوري، عن موسى بن عُبَيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله، ﷺ: "ليت شعري!
ما فعل أبواي؟
ليت شعري!
ما فعل أبواي؟
ليت شعري!
ما فعل أبواي؟
" فنزلت: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فما ذكرهما حتى توفاه الله ﷿.
ورواه ابن جرير (٧١٢)، عن أبي كُريب، عن وكيع عن موسى بن عبيدة [-وقد تكلموا فيه- عن محمد بن كعب] [١] به مثله.
[وقد حكاه القرطبي، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان أي: قد بلغ فوق ما تحسب.
وقد ذكرنا في التذكرة: أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به.
وأجبنا عن قوله: "إن أبي وأباك في النار".
قلت: والحديث المروي في حياة أبويه ﵇ ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم] [٢].
ثم قال [ابن جرير] [٣] (٧١٣): وحدّثني القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني حجاج، عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم: أنّ النبي، ﷺ، قال ذات يوم: "أين أبواي؟
" فنزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
وهذا مرسل كالذي قبله.
وقد رَدَّ ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب، وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول، ﷺ، في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى.
وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر؛ لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار.
[كما ثبت هذا في الصحيح] [٤] ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (٧١٤): حدثنا موسى بن داود، حدَّثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله، ﷺ، في التوراة فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي؛ إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وحِرْزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع [بالسيئةِ السيئةَ] [١]، ولكن [يعفو ويغفر] [٢]، ولن يقبضه حتى يقيم [٣] به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله؛ فيفتح به أعينًا عُمْيًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.
انفرد بإخراجه البخاري (٧١٥)، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان، عن فُلَيح، به،.
وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام.
ورواه (٧١٦) في التفسير عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به.
فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب.
وزعم أبو مسعود الدمشقي [٤] أنه عبد الله بن رجاء.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به.
وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبًا قال بِلُغَتِهِ: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود -يا محمد- ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم [١]، وأقبلْ على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.
قال قتادة: في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال: خصومة عَلَّمَها الله محمدًا ﷺ وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة.
قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: "و [٢] لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون [٣] على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (٧١٧).
(قلت): هذا الحديث مخرّج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو (٧١٨).
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد، ووعيد شديد للأمّة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعدما علموا من القرآن والسنة، عياذًا بالله من ذلك، فإن الخطاب مع الرسول، [والأمر لأمّته] [٤].
[وقد استدل كثير من الفقهاء لقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة، على أن الكفر كله ملة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه، سواء كان من أهل دينه أم لا؛ لأنهم كلهم ملة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه.
وقال في الرواية الأخرى كقول مالكٍ: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى كما جاء في الحديث (٧١٩)، والله أعلم] [٥].
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [] [١] قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى.
وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد، عن قتادة: هم أصحاب رسول الله، ﷺ.
وقال ابن أبي حاتم (٧٢٠): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قالا: [حدثنا يحيى بن يمان] [٢]، حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة، سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار، تعوّذ بالله من النار.
وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يُحِلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على [٣] غير تأويله".
وكذا رواه عبد الرزاق (٧٢١)، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.
وقال السدّي (٧٢٢): عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُحِلون حلاله ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.
وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وَيَكِلُون ما أشكل عليهم إلى عالمه.
وقال ابن أبي حاتم (٧٢٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يقول: اتبعها.
قال: وروي عن عكرمة، وعطاء، ومجاهد، وأبي رزين، وإبراهيم النخَعي نحوُ ذلك.
وقال سفيان الثوري: حدثنا زُبَيد، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.
[قال القرطبي (٧٢٤): وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: "يتبعونه حق تلاوته" ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب، إلا أن معناه صحيح.
وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.
وقال عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها.
قال: وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ (٧٢٥) -: أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوّذ] [١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدّمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية.
وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدّقتم ما فيها من الإخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته، وصفته، والأمر باتباعه، ونصره، ومؤازرته - قادكم ذلك إلى الحق، واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ..
الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ [١] أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد، ﷺ، لواقعًا.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (٧٢٦).
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ و [٢] قد تقدّم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكرّرت هاهنا، للتأكيد، والحث على اتباع الرسول النبي الأمي، الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته، واسمه، وأمره، وأمّته.
يحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية.
ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم [٣] ذلك الحسد على مخالفته، وتكذيبه، والحيد [٤] عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
* ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇ وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد [حين] قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذِ [١] ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: واذكر يا محمد، لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفي جميع ما شرع له؛ فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) [شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [٢]﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [وقال تعالى]: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: بشرائع، وأوامر، ونواهٍ، فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله -تعالى- عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
وتطلق، ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: كلماته الشرعية.
وهي إما خبر صدق، وإمّا طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنّ.
قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر، وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة، وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقد اختُلِف في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇ فروي عن ابن عباس في ذلك روايات: فقال عبد الرزاق (٧٢٧)، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك.
وكذا رواه أبو إسحاق السّبِيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.
وقال عبد الرزاق (٧٢٨) أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس.
وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
قال ابن أبي حاتم (٧٢٩): وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.
(قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم (٧٣٠) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "عَشْرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء".
قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء.
وفي [الصحيحين] [١]، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقيم الأظفار، ونتف الإبط" ولفظه لمسلم (٧٣١).
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٢): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن [ابن هُبَيرة] [١]، عن حَنَش [٢] بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في تفسير [٣]، هذه الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: عَشْرٌ: ستٌّ في الإنسان، وأربعٌ في المشاعر، فأمّا التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة.
والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟
قال: الإسلام ثلاثون سهمًا: منها عشر آيات في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وعشر آيات في الأحزاب ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت [٤] له براءة.
قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
هكذا رواه الحاكم (٧٣٣)، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به.
وهذا لفظ ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن [٥] إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله [٦] حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين [٧] وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار، ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه [٨] وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كلِّه، وأخلصه للبلاء قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن -يعني البصري: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [١]﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، أو ابتلاه بابنه فرضي عنه] [٢].
وقال ابن جرير (٧٣٥): حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله لقد ابتلاه [٣] بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده ليقومه حتى لحق بالشام، مهاجزا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، وابتلاه الله بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك.
وقال عبد الرزاق (٧٣٦)، أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكوكب، [والقمر، والشمس].
وقال أبو جعفر بن جرير (٧٣٧): حدثنا ابن بشار، أحدثنا سَلْم بن قتيبة] [٤]، حدثنا أبو هلال، عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب، والشمس [٥]، والقمر، فوجده صابرًا.
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، فمنهنّ: ﴿قَال [٦] إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ [٧]﴾، ومنهنّ الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.
وقال ابن أبي حاتم (٧٣٨): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في [١] قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟
قال: تجعلني للناس إمامًا؟
قال نعم: قال: ومن ذرّيتي؟
﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: تجعل البيت مثابة للناس؟
قال: نعم.
قال: وأمْنًا؟
قال: نعم: قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أمّة مسلمة لك.
قال: نعم: قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟
قال: نعم.
قال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
وهكذا رواه ابن جرير (٧٣٩) من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: الكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم.
وقال السدي: الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
[وقال القرطبي (٧٤٠): وفي الموطأ وغيره (٧٤١)، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ﵇ أوّل من اختتن، وأوّل من ضاف الضيف، [وأول من استحد] [١] وأوّل من قلم أظفاره، وأوّل من قص الشارب، وأوّل من شاب فلما رأى الشيب قال: يا رب!
ما هذا؟
قال: وقار.
قال: يا رب!
زدني وقارًا.
وذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: أوّل من خطب على المنابر إبراهيم ﵇، قال غيره: وأوّل من برد البريد، وأوّل من ضرب بالسيف، وأوّل من استاك، وأوّل من استنجى بالماء، وأوّل من لبس السراويل.
وروي [عن] معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أَتخذ المنبرَ لقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتَّخِذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم" (قلت): هذا الحديث لا يثبت والله أعلم: ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] [٢].
قال أبو جعفر بن جرير (٧٤٢) ما حاصله: أنَّهُ يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين؛ إلا بحديث، أو إجماع.
قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
قال: غَيْرَ أنه قد روي عن النبي، ﷺ، في نظير معنى ذلك خبران: أحدهما ما [٣] حدثنا به أبو كريب، حدثنا رشدين [٤] بن سعد، حدثني [زَبَّان بن فائد] [٥]، عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النبي، ﷺ، يقول: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الذي وفى لأنه كان يقول كما أصبح، وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] [٦] (١٨)﴾ [إلى آخر] [١] الآية (٧٤٣).
قال: والآخر منهما (٧٤٤) ما [٢] حدثنا به أبو كريب، أخبرنا [٣] الحسن بن [٤] عطية، أخبرنا [٥] إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله، ﷺ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قال [٦]: "أتدرون مما وفَّي؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة، وعبد بن حميد، عن يونس بن محمَّد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.
ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوّز [٧] روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة: فإنّ كلّا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم.
ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إنّ الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أولى بالصواب [من القول الذي قاله غيرهم] [٨] كان مذهبًا؛ لأن [٩] قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهنّ إبراهيم.
(قلت): والذي قاله أوّلًا من أنّ [١] الكلمات تشمل [٢] جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوّزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال [٣] لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذرّيته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم.
والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي أرسله [٤] الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذرّيته صلوات الله وسلامه عليه.
وأما قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك، فقال خصيف، عن مجاهد في قوله: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: إنه سيكون في ذرّيتك ظالمون.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا يكون لي إمام ظالم، وفي رواية لا اجعل إمامًا ظالما يقتدى به.
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
وقال ابن أبي حاتم (٧٤٥)، حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا [٥] شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أنا من كان منهم صالحًا فسأجعله [٦] إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالمًا، فلا، ولا نُعْمَةَ عين.
وقال سعيد بن جبير: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: المراد به المشرك، لا يكون إمامَ ظالمٍ.
يقول: لا تكون إمام مشرك.
وقال ابن جريج: عن عطاء، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا قلت لعطاء: ما عهده؟
قال: أمره.
وقال ابن أبي حاتم (٧٤٦): حدثنا [١] عمرو بن ثور -القيساري [٢]- فيما كتب إليّ، حدثنا الفريابي [٣]، حدثنا إسرائيل، حدَّثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن أبي محمَّد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذرّيته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي أن يوليه شيئًا من أمره، وإن كان من ذرّية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
وقال ابن جرير (٧٤٧): [حدثنا المثنى] [٤]، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانتقضه.
وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ.
وقال عبد الرزاق (٧٤٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينال عبد الله في الآخرة الظالمين، فأمّا في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.
وقال الربيع بن أنس: عهدُ الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١١٣] يقول: ليس كل ذرّيتك يا إبراهيم على الحق.
وكذا رُوي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان [١].
وقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد [٢] بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي، ﷺ، قال: " ﴿لَا يَنَالُ [عَهْدِي الظَّالِمِينَ] [٣]﴾ قال [٤]: لا طاعة إلا في المعروف" (٧٤٩).
وقال السدي: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: عهدي: نبوّتي.
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى.
واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرة في الخبر، أنه لا ينال عبد الله بالإمامة ظالمًا، ففيها [٥] إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذرّيتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدّم عن مجاهد وغيره، والله أعلم.
[وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا، ولا راويًا] [٦].
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال العوفي عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً﴾ قول: لا يقضون منه وطرًا؛ يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: مثابة للناس، يقول: يثوبون.
رواهما [١] ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم (٧٥٠): أخبرنا [٢] أبي، أخبرنا [٣] عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل [٤]، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه، ثم يرجعون.
قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في رواية، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك نحو ذلك.
وقال ابن جرير (٧٥١): حدّثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدّثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي-: حدّثني عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.
وحدّثني يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
[وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي (٧٥٢): جعل البيت مثابًا لهم ليس … منه الدهر يقضون الوطر] [٥] وقال سعيد بن جبير -في الرواية الأخرى- وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعًا.
﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنًا للناس.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول: أمنًا من العدوّ، وأن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون.
وروي عن مجاهد وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمنًا.
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا، من كونه مثابةً للناس، أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو تردّدت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، ﵇، في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ ويصفه تعالى بأنه جعله آمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل، ثم دخله كان آمنًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل [أبيه وأخيه] [١]ـ فيه فلا يَعْرض له، كما وصف [٢] في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، أي: يُرفع عنهم بسبب تعظيمها السوءُ، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض.
وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أوّلا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
وفي هذه الآية الكريمة نبّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده.
فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام [٣] ما هو؟
فقال ابن أبي حاتم (٧٥٣): حدثنا عمرو بن شبة [٤] النميري، حدَّثنا أبو خلف -يعني عبد الله بن عيسى- حدثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله.
وروي عن مجاهد، وعطاء مثل ذلك.
وقال أيضًا [٥] (٧٥٤): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذُكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد.
ثم قال: و ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يَعُدُّ كثير مقامَ إبراهيم الحجَّ كلَّه.
ثم فسره [٦] لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف كان الصفا والمروة.
فقلت: أفسره ابن عباس؟
قال: لا.
ولكن قال: مقام إبراهيم الحجُّ كلُّه.
قلت: أسمعت ذلك لم أجمع؟
قالا: نعم، سمعته منه.
وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحِجْر مقام إبراهيم [نبي الله] [١] قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة.
ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.
[وقال السُّدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه.
حكاه القرطبي وضعفه ورجّحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره، عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس] [٢].
وقال ابن أبي حاتم (٧٥٥): حدثنا الحسن بن بن الصباح، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدّث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي، ﷺ، قال له عمر: هذا مقامُ أبينا إبراهيم؟
قال: نعم.
قال: أفلا نتخذه مصلى؟
فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال عثمان بن أبي شيبة (٧٥٦): أخبرنا [٣] أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله!
هذا مقام خليلِ ربِّنا؟
قال: نعم.
قال: أفلا نتخذه مصلّى؟
فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا غيلان بن عبد الصمد، حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه مرَّ بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله، أليس نقوم [٤] بمقام خليل ربنا؟
قال: بلى.
قال: أفلا نتخذه مصلى؟
فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن مردويه، حدَّثنا محمد بن أحمد بن أحمد القزويني، حدَّثنا علي بن الحسين، بن الجنيد، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد، عن مالك بن أَنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما وقف رسول الله، ﷺ، يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله!
هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؟
قال: نعم.
قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟
﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قال: نعم.
هكذا وقع في هذه الرواية.
وهو غريب.
وقد روى النَّسائي (٧٥٧) من حديث الوليد بن مسلم نحوه.
وقال البخاري (٧٥٨): باب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ﴿مَثَابَةً﴾: يثوبون: يرجعون.
حدَّثنا مسدد، حدَّثنا يحيى، عن حميد، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله!
لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلَّى؟
فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقلت: يا رسول الله!
يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.
قال: وبلغني معاتبة النبي، ﷺ، بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت: إن انتهين، أو ليبدلن الله رسولَهُ خيرًا منكن، حتَّى أتيتُ إحدى نسائه، فقالت: يا عمر!
أما في رسول الله ما يعظ نساءه - حتَّى تعظهنَّ أنت، فأنزل الله -: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ … [١]﴾ ..
الآية.
وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدَّثني حميد قال: سمعت أنسًا، عن عمر، ﵄.
هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطَّرِيق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري.
وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة.
وروى عنه الباقون بواسطةٍ، وغرضه من تعليق هذا الطَّرِيق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنَّما لم يسنده، لأن يحيى بن أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: هو سيئ الحفظ، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (٧٥٩): حدَّثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أَنس قال: قال عمر ﵁: وافقت ربي ﷿ في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله!
لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟
فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقلت: يا رسول الله!
إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟
فنزلت آية الحجاب.
واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة.
فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ فنزلت كذلك، ثم رواه أحمد (٧٦٠) عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أَنس، عن عمر أنَّه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره.
وقد رواه البخاري (٧٦١)، عن عمرو بن عون، والترمذي، عن أحمد بن منيع، والنَّسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، كلهُم عن هشيم بن بشير، به.
ورواه التِّرمِذي (٧٦٢) أيضًا عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، والنَّسائي عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد -وهو ابن تيرويه الطويل- به.
وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.
ورواه الإمام علي بن المديني، عن يزيد بن زريع عن حميد، به.
وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري.
ورواه الإمام مسلم بن الحجاج (٧٦٣) في صحيحه بسند آخر؛ ولفظ آخر، فقال: حدثنا عقبة بن مُكرمَ، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.
وقال أَبو حاتم الرازي (٧٦٤): حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدَّثنا حميد الطويل، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقفي ربي في ثلاث، أو وافقت ربي [في ثلاث] [١]: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟
فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقلت: يا رسول الله؛ لو حجبت النساء فنزلت آية الحجاب.
والثالثة: لما مات عبد الله بن أُبَيٍّ، جاء رسول الله، ﷺ، ليصلي عليه.
قلت: يا رسول الله!
تصلي على هذا الكافر المنافق!
فقال: إيهًا (٧٦٥) عنك يا بنَ الخطَّاب فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.
وهذا إسناد صحيح أي، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه، والله أعلم.
وقال ابن جرير: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله، ﷺ، رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن جرير (٧٦٦): حدثنا يوسف بن سلمان، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا] ومشى أربعًا، ثم تقدم [٢] إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل.
وروى البخاري (٧٦٧) بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله، ﷺ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين.
فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به، ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، و [٣] كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، و [١] هكذا، حتَّى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي وإنه في قصة إبراهيم، وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عبَّاس عند البخاري.
وكانت آثار قدميه ظاهرة منه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أَبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا.
كما قال عبد الله بن وَهْب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أَنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇ وأخمص قدميه، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم.
وقال ابن جرير (٧٦٨): حدَّثنا بشر بن معاذ، حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، إنما أمروا أن يصلوا عنده و [٢] لم يؤمروا بمسحه.
وقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتَّى اخلولق وانمحى.
(قلت): وقد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنَّه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنَّما أخره عن جدار الكعبة أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁ أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله، ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٧٦٩) وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين.
قال عبد الرزاق (٧٧٠) عن ابن جريج.
حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب، ﵁.
[وقال عبد الرزاق (٧٧١) - أيضًا- عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁] [١].
وقال الحافظ أَبو بكر أحمد [بن الحسين بن علي] [٢] البيهقي، أخبرنا أَبو [الحسين ابن] [٣] الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدَّثنا أبو إسماعيل محمد ابن إسماعيل السلمي، حدَّثنا أَبو ثابت، حدَّثنا الدراوردي، عن حشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر، ﵁، ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.
وقال ابن أبي حاتم (٧٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن أبي عمر العَدَني [٤] قال: قال سفيان [يعني ابن عيينة] [٥] وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سُقْع [٦] البيت على عهد رسول الله، ﷺ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ، وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.
وقال سفيان: لا أدرى كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله؟.
قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟
فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدَّثنا أبو عمرو [وهو أحمد بن محمد بن حكيم] [٧] حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب [بن أبي تمام] [٨]، حدَّثنا آدم [هو ابن أبي إياس] [٩] في تفسيره، حدَّثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر [بن الخطاب] [١٠]: يا رسول الله!
لو صلينا خلف المقام؟
فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله، ﷺ، إلى موضعه هذا.
قال مجاهد: و [١] كان عمر يرى الرأي؛ فينزل به القرآن (٧٧٣).
هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن [٢] أول من أَخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨).
قال الحسن البصري: قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى، والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء.
وقال ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ما عهده؟
قال: أمره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: أمرناه ..
كذا، قال.
والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى لأنه في معنى: تقدمنا وأوحينا.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس (٧٧٤): قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾.
قال: من الأوثان.
وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾: إن ذلك من الأوثان، والرفث [٣] وقول الزور، والرجس.
قال ابن أبي حاتم (٧٧٥): وروي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ﴾.
أي: بلا إله إلَّا الله، من الشرك.
وأما قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني من أتاه من غُرْبَةٍ ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه.
[وهكذا روي عن قَتَادة والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه] [١] كما قال سعيد بن جبير.
وقال يحيى القطان عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن عطاء في قوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده، وقال لنا ونحن مجاورون: أنتم من العاكفين.
وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي (٧٧٦)، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.
وقال ابن أبي حاتم (٧٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلَّا مُكَلِّم الأمير: أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجْنِبون ويُحدثون.
قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.
[ورواه عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، عن حمَّاد بن سلمة، به] [٢].
(قلت): وقد ثبت في الصحيح (٧٧٨): أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول، ﷺ، وهو عَزَب [٣].
وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي (٧٧٩)، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء، وقَتَادة.
وقال ابن جرير، ﵀: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم، وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو: تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟
وأجاب بوجهين: (أحدِهما) أنَّه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَانَ قوم نوح من الأصنام، والأوثان؛ ليكون ذلك سنة لمن بعدهما [١]، إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى، به.
كما قال عبد الرحمن بن زيد ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.
(قلت): وهذا الجواب مُفَرَّعٌ على أنَّه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم، ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] [٢].
(والجواب الثاني): أنَّه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾.
قال: فذلك [٣] قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾.
أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين.
وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم، وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات.
[وقد اختلف الفقهاء: أبهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟
فقال مالك ﵀: الطواف به لأهل الأمصار أفضل.
وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطقًا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام] [٤]، والمراد من ذلك الردُّ على المشركين الذين يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ثم ذكر: أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، وإمّا [١] بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين، لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع، والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنَّه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام، وفي ذلك [٢] أيضًا ردٌّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود، والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بَنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة، وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يعلمون شيئًا من ذلك، فكيف [٣] يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟!
وقد حج البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -كما أخبر بذلك المعصوم، الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وتقدير الكلام إذًا.
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي تقدّمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين، والعاكفين، والركع السجود.
وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها، وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات، وما أشبه ذلك، ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت الساجد لما بنيت له" (٧٨٠).
وقد جمعت في ذلك جزءًا على حده، ولله الحمد والنة.
[وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة فقيل: الملائكة قبل آدم، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسن، ذكره القرطبي، وحكى لفظه، وفيه غرابه.
وقيل: آدم ﵇.
رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، وسعيد بن المسيب، وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء، وطور سيناء زيتا، وجبل لبنان، والجودى، وهذا غريب أيضًا.
وروي عن ابن عبَّاس، وكعب الأحبار، وقَتَادة، وعن وَهْب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇.
وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب.
وهي مما لا يصدق، ولا يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها.
وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين] [١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قال الإمام أَبو جعفر بن جرير (٧٨١): حدَّثنا ابن بشار قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: "إِنَّ إِبَراهيم حرم بيت الله وأَمَّنَه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصاد صيدها ولا يُقطع عِضَاهُهَا".
وهكذا رواه النَّسائي (٧٨٢)، عن محمد بن بشار، عن بندار، به.
وأخرجه مسلم (٧٨٣)، عن أَبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثَّوري.
وقال [ابن جرير] [٢] أيضًا (٧٨٤): حدَّثنا أَبو كريب، وأَبو السائب قالا [٣]: حدَّثنا ابن إدريس.
وحدثنا أَبو كريب، حدَّثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم كَان عبدَ الله وخليله، وإني عبدُ الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عِضَاهَها وصَيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلَّا لعلف بعير".
وهذه الطَّرِيق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أوّل الثمر، جاءوا به إلى رسول الله، ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم، بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللَّهم، إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك.
وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل مما دعاك لمكة، ومِثْلِهِ معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له فيعطه ذلك الثمر.
وفي لفظ"بركة مع بركةٍ".
ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان- لفظ مسلم (٧٨٥).
ثم قال ابن جرير (٧٨٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به.
ولفظه كلفظه سواء.
وفي الصحيحين (٧٨٧) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ، لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله، صلى الله عليه: سلم، كلما نزل.
وقال في الحديث: ثم أقْبَل حتى إذا بدا له أحد قال: "هذا جبل [١] يحبنا ونحبه"، فلما أشرف على المدينة قال: "اللَّهم، إني أحرم ما بين جبليها، فل ما حرم به إبراهيم مكة، اللَّهم، بارك لهم في مُدِّهِم وصاعهم".
وفي لفظ لهما: "اللهم [بارك لهم في مكيالهم، و،] [٢] بارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم".
زاد البخاري: يعني أهل المدينة.
ولهما أيضًا عن أنس: أن رسول الله، ﷺ قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" (٧٨٨).
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ عن النبي ﷺ: "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة".
رواه البخاري (٧٨٩) وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، واني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة".
وعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي، ﷺ قال: "اللَّهم، إن إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مَأزِمَيها [١] (٧٩٠).
ألا [٢] يُهْرَاقَ فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف اللَّهم، بارك لنا في مدينتنا، اللهم، بارك لنا في صاعنا، اللَّهم، بارك لنا في مدنا، اللَّهم، اجعل مع البركة بركتين" الحديث رواه مسلم (٧٩١).
والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة.
[وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم] [٣].
وقد وردت أحاديث أُخَرُ تدلٌ على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين (٧٩٢) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ، يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.
[وإنه لم يُحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [٤].
لا يعضد شوكه؛ ولا ينفر صيده، ولا تُلتَقَط لُقْطتُهُ إلا من عرّفها، ولا يخُتْلى خَلاهَا".
فقال العباس: يا رسول الله!
إلا الإذخَر فإنه لقينهم، ولبيوتهم فقال: "إلا الإذخر (٧٩٣) "، وهذا لفظ مسلم.
ولهما (٧٩٤) عن أبي هريرة نحو من ذلك.
ثم قال البخاري (٧٩٥) بعد ذلك: و [١] قال أبان بن صالح: عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي، ﷺ، مثله.
وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجه (٧٩٦)، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير [٢]، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن [٣] أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت [رسول الله] [٤] ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يأيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لُقْطَتَهَا إلا مُنْشِد".
فقال العباس: إلا الإذخر فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله، ﷺ: "إلا الإذْخِر".
وعن أبي شُرَيح العدوي أنه قال لعَمْر بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن اُحدثك قولًا قام به رسول الله، ﷺ، الغَدَ من يوم الفتح، سَمِعَتْهُ أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلي الله تعالى [٥] عليه وآله [٦] وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذنَ لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس؛ فليبلغِ الشاهدُ الغائب" فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟
قال: أنا أعلم بذلك منك [١] يا أبا شريح، وإن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بِخَرَبَة [٢] (٧٩٧).
رواه البخاري (٧٩٨)، ومسلم، وهذا لفظه، فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها؛ لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنه قد كان رسول الله، ﷺ، مكتوبًا عند الله خاتم النبيين؛ وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية.
وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره.
ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن بَدْء أمرك.
فقال: "دعوة أبي إبراهيم [﵇] [٣]، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت [٤] له قصور الشام".
أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك.
كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله، وبه الثقة.
وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.
إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها، وفي صحيح مسلم (٧٩٩) عن جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [أي اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا] [٥]، وناسب هذا، لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو من قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوّبه ابن جرير ﵀.
قال: وقرأ آخرون ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربَّه أن من كفر فأمْتِعْه قليلًا.
وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر، فأرزقه قليلًا أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم ﵇ الدعوة عمن أبي الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم [] [١] ظالم [لا يناله] [٢] عهده، بخبر الله له بذلك- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإني أرزق البر والفاجر، وأمتعه قليلًا.
وقال حاتم بن إسماعيل، عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهني [٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟
أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير.
ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ رواه ابن مردويه.
وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا.
وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير.
ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وفي الصحيحين (٨٠٠): " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"، وفي الصحيح (٨٠١) أيضًا: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
[وقرأ بعضهم: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، الآية.
جعله من تمام دعاء إبراهيم.
وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة.
وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم؛ فإن الضمير في قال راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدًا على إبراهيم.
وهذا خلاف نظم الكلام، واللَّه سبحانه هو العلام] [١].
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت، ورفْعَهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وحكى القرطبي وغيره عن أبيّ، وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
(قلت): ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية، [٢]، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس المكي، عن وُهَيب بن الوَرْد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مُشْفِق ألا يتقبل [١] منك.
وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أُعطوا من الصدقات، والنفقات، والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: خائفة ألا يتقبل منهم.
كما جاء في [٢] الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.
وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان،: يقولان كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده، ثم نُتِبْعه بآثار متعلقة بذلك.
قال البخاري (٨٠٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل ﵉ اتخذت منطقًا، ليعفِّي أثرها علي سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل ﵉ وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: ياإبراهيم!
أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس [٣] ولا شيء؟
فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت [٤]: آلله أمرك بهذا؟
- قال نعم.
قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال [٥]: ﴿رَبَّنَا [٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ [٧] ماء السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها [١]، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟
فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت [٢] هل ترى أحدًا؟، فلم ترى أحدًا.
ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ: "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: "صه" -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، [وهو يفور] [٣] بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أوقال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا".
قال [٤]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، ﷿، يبنيه [٥] هذا الغلام وأبوه، وإن الله-﷿ لا يضبع أهله.
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور [٦] على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيّا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.
قال: وأم إسماعيل عند الماء.
فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟
قالت: نعم.
ولكن لا حق لكم في الماء عندنا [٧]، قالوا: نعم.
قال [عبد الله] [٨] بن عباس: فقال النبي، ﷺ: "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس".
فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل ﵉، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل ليطالع تَرْكَتَه فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا.
ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدّة.
وشكت إليه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟
قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟
فأخبرته أننا [١] في جهد وشدّة.
قال: فهل أوصاك بشيء؟
قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّر عتبة بابك.
قال: ذاك أبي.
وقد [٢] أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوّج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا.
قال: كيف أنتم؟
وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟.
فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ﷿، قال: ما طعامكم؟
قالت: اللحم.
قال: فما شرابكم؟
قالت: الماء، قال "اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء- قال النبي ﷺ: "ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ قال: هل أتاكم من أحد؟
قالت: نعم [أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟
فأخبرته أنا بخير.
قال: فأوصاك بشيء؟
قالت: نعم] [٣]، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله ﷿، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يَبْري نَبْلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه [٤] فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل!
إنّ الله ﷿ أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك ﷿، قال: وتعينني؟
قال: وأعينك.
قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت.
فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
[ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، به مطولًا] [٥].
ورواه ابن أبي حاتم (٨٠٣)، عن أبي عبد الله محمد بن حماد [الطهراني].
وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا.
وقال أبو بكر بن مردويه (٨٠٤): حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل ألا تروني.
فسألوه عن المقام.
فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.
ثم قال البخاري (٨٠٥): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل، تشرب من الشنة، فيَدِرُّ لبنُها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم [إلى أهله] [١] فاتبعته أم إسماعيل، حتى لما [٢] بلغوا كَدَاء نادته من وراءه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟
قال: إلى الله ﷿.
قالت: رضيت بالله.
قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها [٣] حتى لما فَني الماء، قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا.
[قال فذَهَبَت فصعدت الصفا، فنظرت، ونظرت، هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا] [٤].
فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا [حتى أتمت سبعًا] [٥]، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت؛ ما فعل -تعني [٦] الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ [٧] للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلى أحس أحدًا قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض.
قال: فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ [٨] أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "لو تركته لكان ظاهرًا".
قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها.
قال فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هو بالماء.
فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك -أو نسكن معك؟
- فبلغ ابنُها ونكح منهم امرأة.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ، فقال لأهله: إني مطلع تركتي.
قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟
قالت امرأته: ذهب يصيد.
قال: قولي له إذا جاء: غير عتبة بابك، فلما أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال فجاء فقال: أين إسماعيل؟
فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب، فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟
قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "بَرَكة بدعوة إبراهيم".
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي.
فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلًا له.
فقال: يا إسماعيل، إن ربَّك، ﷿، أمرني أن أبني له بيتًا.
ففال: أطِعْ ربك ﷿.
قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل -أو كما قال- قال: فقاما، فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفع البناء، وضَعُف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حَجَر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء.
والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه "المستدرك" (٨٠٦) عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان الَقزَّاز [١]، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به.
وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
كذا قال.
وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، وكأن فيه اختصارًا، فإنه لم يذكر فيه شأن [٢] الذبح، وقد جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم ﵇ كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا، ثم.
يعود إلى أهله بالبلاد المقدسة، والله أعلم، والحديث -والله أعلم- إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس، عن النبي، ﷺ.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير (٨٠٧): حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجَرُ.
قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس.
فكلمه، قال: يا إبراهيم ابن علي ظلي، أو قال [١]: على قدري، ولا تَزِد ولا تنقص.
فلما بنى خرج، وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟
قال: إلى الله، قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا.
قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة فلم تر شيئًا] [٢]، ثم رجعت إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة لم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا] [٣]، حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت: يا إسماعيل!
مت [٤] حيث لا أراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش.
فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟
قالت: أنا هاجر أمّ ولد إبراهيم.
قال: فإلى من وكلكما؟.
قالت: وكلنا إلى الله.
قال: وكلكما إلى كافٍ.
قال: ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم.
فجعلت تحبس الماء فقال: دعيه فإنه [٥] رواء.
ففي هذا السياق [أنه بنى] [٦] البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل أنه كان محفوظًا: أن يكون أوّلًا وضع له محوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله [٧] تعالى.
ثم قال ابن جرير (٨٠٨): حدثنا هناد بن السَّريّ، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قام إلى علي، ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أوّل بيت وضع في الأرض؟
فقال: لا.
ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم: أنِ ابنِ لي بيتًا في الأرض، قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج (٨٠٩)، ولها رأسان فأتبع أحدهما صاحبه، حتى انتهت إلى مكة، فتطوّت (٨١٠) على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم، وبقي الحجر، فذهب الغلام [يبغى] [١] شيئًا.
فقال إبراهيم: ابغني حجرًا كما آمرك.
قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه.
فقال: يا أبت!
من آتاك بهذا الحجر؟
فقال: آتاني به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇ من السماء، فأتماه.
وقال ابن أبي حاتم (٨١١): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد القري، حدثنا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.
قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية، ومعه السكينة تدله على تبوُّء البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجرَ إلا ثلاثون رجلًا.
قلت: يا أبا محمد، فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قال: كان ذلك بعد.
وقال السُّدي: إن الله ﷿ أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتيَ للطائفين والعاكفين، والركع السجود، فانطلق إبراهيم [﵇] حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأوّل، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾] [٢]، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾، فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن.
قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجزا حسنًا أضعه هاهنا.
قال: يا أبت، إني كسلانُ لَغِب.
قال: علي بذلك، [فانطلق يطلب له حجرًا، فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتنى بحجر أحسن من هذا] [٣] فانطق يطلب له حجرًا، فأتاه [٤] جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه!
من جاءك بهذا؟
قال: جاء به من هو أنشط منك، فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه، فقال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هُديَ إبراهيم إليها وبُوِيء لها.
وقد ذهب إلى هذا [١] ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق (٨١٢): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.
وقال عبد الرزاق أيضًا (٨١٣)، أخبرنا هشام بن حسان، عن سوّار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع [٢] كلام أهل السماء، ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وصلاتها.
فخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه، وفي صلاته، فوَجَّه إلى مكة، فكان موضع قَدَمه قرية، وخَطْوُه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن.
فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه.
وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾.
وقال عبد الرزاق (٨١٤): أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم؛ يارب [٣] إني لا أسمع أصوات الملائكة، قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا، ثم أحفُفْ به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سيناء، [وجبل لبنان] [٤]، والجودي.
وكان رَبَضَهُ من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم ﵇ بعد.
وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق أيضًا (٨١٥): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيتَ مع آدم [حين] [١] أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدم [٢] إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، ﷿، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يُصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومُدّ له في خَطْوه، فكان بين كل خطوتين مفازة؛ فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء.
وقال ابن جرير (٨١٦): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي [٣]، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله [٤] البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني [عبد الله] [٥] بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم، إن الله لما بوّأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام -وخرج معه بإسماعيل، وبأمّه هاجر، وإسماعيل طفل صغير- يرضع، وحملوا فيما حدّثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت، ومعالم الحرم، وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟
فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة،: هي إذ ذاك عضاه سَلَم وَسَمُر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟
قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَا [٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وقال عبد الرزاق (٨١٧): أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد؛ قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة وكذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.
وقال ابن أبي حاتم (٨١٨): حدَّثنا أبي، أخبرنا [٧] عَمرو بن رافع، أخبرنا [٨] عبد الوهاب ابن معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علباء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم، وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل.
فقال: ما لكما ولأرضي؟
فقالا: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة.
قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان.
فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد: إن إبراهيم، وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة.
فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى.
وذكر الأزْرَقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇ بالبيت، وهذا يدل على تقدّم زمانه، والله أعلم.
وقال البخاري (٨١٩) ﵀ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية: القواعد أساسه، واحدها قاعدة.
والقواعد من النساء واحدتها قاعدُ [١].
حدثنا إسماعيل، حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، أخبن عبد الله بن عمر، عن عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: "ألم ترَي أن قومك حين بنوا [البيت اقتصروا] [٢] عن قواعد إبراهيم"؟
فقلت: يا رسول الله، ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟
قال: "لولا حِدْثان قومك بالكفر".
فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشةُ سمعت هذا من رسول الله، ﷺ، ما أرى رسول اللْه ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم ﵇.
وقد رواه في الحج عن القعنبي [٣]، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف.
ومسلم عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب.
والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك، به (٨٢٠).
ورواه مسلم أيضًا (٨٢١) من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن [محمد بن] [٤] أبي بكر بن أبي قُحَافة يحدث عن عبد الله بن عُمَر، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية -أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر".
وقال البخاري (٨٢٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثًا كثيرًا فما حدثثك في الكعبة؟
قال: قلت: قالت لي: قال النبي ﷺ: "يا عائشة!
لولا قومُك حديثٌ عهدهم -فقال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس وبابا يخرجون منه" ففعله ابن الزبير.
انفرد بإخراجه البخاري فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه.
وقال مسلم في صحيحه (٨٢٣): حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خَلْفًا".
قال: وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كُرَيب، قالا: حدثنا ابن نُمَير، عن هشام بهذا الإسناد انفرد به مسلم قال (٨٢٤): وحدّثني محمد بن حاتم، حدّثني محمد [١] بن مهدي، أخبرنا [٢] سَلِيم بن حيان، عن سعيد -يعني ابن ميناء- قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدّثتني خالتي -يعني عائشة ﵂ قالت: قال النبي، ﷺ: "يا عائشة!
لولا قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" انفرد به أيضًا.
[ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇ بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين] وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (٨٢٥): ولما بلغ رسول الله، ﷺ، خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك، ليسقَّفوها [١] ويهابون هدمها، وإنما كانت رَضْمًا فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده، ويزعم الناس: أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدّة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يُهْدَى لها كل يوم فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزَألِّتْ وكَشَّتْ وفتحت فاها، فكانوا يهابونها.
فبينا هي يومًا تَتَشرَّق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيَّة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عَبْد بنِ عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام للوليد [٢] بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم.
قال: ثم إن قريش تحزّأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزُهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسَهْم.
وكان شق الحِجْر لبني عبد الدار بن قُصَيّ، ولبني أسد بن عبد العزَّى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لُؤَيّ، وهو الحَطم.
ثم إن الناس هابوا هدمها، وفَرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول اللهم لم تُرَعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالا: ننظر؛ فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كفي كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا.
قال: فحدّثني بعض من وروي الحديث، أن رجلًا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضًا أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقَّضَتْ مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بَنَوْها، حتى بلغ البنيان موضع الركن -يعني الحجر الأسود- فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدّوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لُؤَيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا "لَعَقَةَ الدم" فمكثت قريش على ذلك أربع ليال، أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاورا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من دخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا [١]، فكان أوّلَ داخل رسولُ الله ﷺ؛ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ: "هَلُمّ إلَيّ ثوبًا".
فأُتي به، فأخذ الركن -يعني الحجر الأسود- فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا.
ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بُني عليه.
وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: (الأمين).
فلما فرغوا من البنيان، وبنوها على ما أرادوا: قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحيّة التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: عجبت لما تصوبت العُقَاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت يكون لها كشيشٌ … وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت … تُهَيِّبُنا البناءَ وقد تُهَابُ فلما أن خشينا الزَّجْرَ جاءت … عُقابٌ تتلئب لها انصباب فضمتها إليها ثم خَلَّتْ … لنا البنيان لبس لها حجاب فَقُمْنَا حاشدين إلى بناء … لنا منه [١] القواعِدُ والتراب غداة نُرَفِّع التأسيس منه … وليس على مُسَموّينا [٢] ثياب أعزّ به المليك بني لُؤَي … فليس لأصله منهم ذَهاب وقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدَّمها كلاب فبوّأنا المليكُ بذاك عِزّا … وعند الله يُلْتَمَسُ الثواب قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي، ﷺ، ثمانية عشرَ ذراعًا، وكانت تُكسى القباطي، ثم كسيت بَعْدُ البرود، وأول من كساها الديباجَ الحجاجُ بن يوسف.
(قلت): ولم تزل علي بناء قريش حتى احترقت [٣] في أول امارة عبد الله بن الزبير، بعد سنة ستين.
وفي آخر [٤] ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل لها الحجر وجعل فيها بابا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين [﵂] [٥]، [عن رسول الله ﷺ] [٦]، ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن حجاج في صحيحه (٨٢٦): حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يُجَزئَهم [٧] أو يحزبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس؛ أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهِيَ منها؟
قال ابن عباس: فإني قد فُرِق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وَهِيَ منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها - النبي، ﷺ.
فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم ﷿ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري، فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء، تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة ﵂ تقول: إنّ النبي، ﷺ قال: "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني علي بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه" قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس.
قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له [١] أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه.
فلما قتل ابن الزبير؛ كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء [على أسّ] [٢] نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره.
وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه فنقضه، وأعاده إلى بنائه.
وقد رواه النسائي في سننه (٨٢٧)، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه، ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵄ [٣]، لأنه هو الذي ودّه رسول الله، ﷺ، ولكن خشي أن تنكره [٤] قلوب بعض الناس؛ لحداثة عهدهم بالإِسلام، وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلكَ عن عائشة؛ أنها روت ذلك عن رسول الله، ﷺ، قال: وددنا أنا تركناه وما تولى.
كما قال مسلم (٨٢٨): حدّثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا محمَّد بن بكر، أخبرنا ابن جريج [٥]، سمعت عبد الله بن عُبَيد بن عمير، والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وَفَدَ الحارث بن [عبد الله] [٦] على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خُبَيب -يعني: ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها.
قال: سمعتها تقول ماذا؟
قال: قالت: قال رسول الله، ﷺ: "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منة، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فَهَلُمِّي لأرِيكِ ما تركوا منه"، فأراها قريبًا من سبعة أذرع.
هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير.
وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي - صلى الله عليه.
وسلم -: "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض: شرقيًّا وغربيًّا.
وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟
" قالت: قلت: لا.
قال: "تعزْزا ألا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه حتى يرتقي، حتى إذا كان أن يدخل دفعوه فسقط".
قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟
قال: نعم.
قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم.
قال: وَدِدْت أني تركته وما تحَمَّل.
قال مسلم (٨٢٩): وحدّثناه محمَّد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم (ح) [١] وحدّثنا عَبدُ بن حُمَيد، أخبرنا عبد الرزاق -كلاهما عن ابن جريج- بهذا الإسناد، مثل حديث ابن بكر.
قال (٨٣٠): وحدثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قَزَعَةَ، أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل اللهُ ابنَ الزبير؛ حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ: "يا عائشة، لولا حِدْثَانُ قومك بالكفر، لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحِجْرِ، فإن قومك قصروا في البنيان".
فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فإني [٢] سمعت أم المؤمنين تحدث هذا.
قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركنه على ما بنى ابن الزبير.
فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين؛ لأنه [٣] قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة، عن الأسود بن يزيد، والحارث ابن عبد الله بنع أبي ربيعة، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر الصدّيق، وعروة بن الزبير فدّل هذا على صواب ما فعل [٤]، ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدًا.
ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد، أو أبيه المهدي، أنه سأل الإِمام مالكا عن هدم الكعبة، وردها إلى [٥]، ما فعله ابن الزبير، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةَ للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها.
فترك ذلك الرشيد.
نقله عياض والنووي.
ولا تزال -والله أعلم- هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين (٨٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "يخرّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" أخرجاه.
وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "كأني به أسود أفحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا" رواه البخاري (٨٣٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٨٣٣)، أخبرنا [١] أحمد بن عبد الملك الحراني، أخبرنا [٢] محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها [٣] من كسوتها.
ولكأني أنظر إليه أصَيلع أفَيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله".
الفدع: زيغ بين القدم [٤] وعظم الساق.
وهذا والله أعلم إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، لما جاء في صحيح البخاري (٨٣٤) عن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليُحجَّنَّ [٥] البيتُ وليعتَمَرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج".
وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.
قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.
وقال ابن أبي حاتم (٨٣٥): حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾، قال: مخلصين لك ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصة.
وقال أيضًا (٨٣٦): حدثنا علي بن الحسين، أخبرنا [١] المُقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ﴾، قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.
وقال عكرمة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت.
وقال السدي: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان: العرب.
و [٢] قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
(قلت): وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي، فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية.
والمراد بذلك محمَّد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المؤمنين المتقين، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى، أن يُحب أن يكون من صُلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وهو قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وقد ثبت في صحيح مسلم (٨٣٧)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال ابن جريج: عن عطاء: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لنا، وعلمناها.
وقال مجاهد: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا.
وروي عن عطاءٍ أيضًا، وقتادة نحو ذلك.
وقال سعيد بن منصور (٨٣٨): حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصَيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، نرفع القواعد وأتم البنيان.
ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله.
[ثم انطلق به إلى المروة، فقال: هذا من شعائر الله] [١].
ثم انطلق به نحو مني، فلما كان من العقبة، إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كَبر وارمه، فكبر ورماه.
ثم انطق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم، قال [٢] له: كبر وارمه، فكبر ورماه.
فذهب الخبيث إبلبس، وكان الخبيث أراد أن يُدْخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام.
فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟
قالها ثلاث مرات.
قال: نعم.
وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك.
وقال أبو داود الطيالسي (٨٣٩): حدثنا حماد بن سلمة عن [أبي عاصم] [٣] الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما أرِيَ أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به مني فقال: "هذا مُنَاخ الناس] [٤].
فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب [ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب] [٥].
ثم أتى به الجمرة [٦] القصوى [فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات] [٧]، حتى ذهب، فأتى به جَمعًا، فقال: هذا المشعر.
ثم أتى به عرفة.
فقال: هذه عرفة.
فقال له جبريل: أعرفت؟.
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمَّد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين، إليهم وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن، كما قال الإِمام أحمد (٨٤٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، حدثنا [١] سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلي بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية: قال: قال رسول الله، صدى الله عليه وسلم: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي، التي رأت، وكذلك أمهمات النبيين يَرَينَ".
وكذلك [٢] رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سُوَيد، له.
وقال الإِمام أحمد (٨٤١) أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟
قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي [٣]، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
والمراد: أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇ - ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح به خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى بن مريم ﵇، حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: ﴿إني رسول الله إليكم [مصدقًا لما بين يدي من التوراة] [١] ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾.
ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم.
وقوله: "ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام!
".
قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة، وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون [٢] الشام في آخر الزمان.
معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك" (٨٤٢)، وفي صحيح البخاري: "وهم بالشام" (٨٤٣).
و [٣] قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني أمة محمَّد ﷺ.
فقيل له: قد أستجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان.
وكذا قال السدي وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، يعني القرآن: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم.
وقيل: الفهم في الدين.
ولا منافاة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، يعني: طاعة الله، والإخلاص.
وقال محمَّد بن إسحاق: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: يعلمهم الخير فيفعلوه، والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوا [١]؛ ليستكثروا [٢] من طاعته، ويجتنبوا [٣] ما يسخطه [٤] من معصيته.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيمُ في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياءَ في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ يقول ﵎ ردًّا [على الكفار] [٥] فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، [أو قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾] [٦] وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنها ﴿إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه، إلى أن اتخذه الله خليلًا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، [فمن ترك] [٧] طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟
أم أي ظلم أكبر من هذا كله [٨]؟؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وقال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له، والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا.
وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي: وصى بهذه الملة -وهي الإِسلام- لله [أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [١] لحرصهم [٢] عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها، إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم.
[كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، وقد قرأ بعض السلف: ويعقوبَ بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابنَ ابنه يعقوبَ بن إسحاق، وكان حاضرًا ذلك.
وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي عنه: أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر -والله أعلم- أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، وقد قرئ بنصب يعقوب ها هنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما؛ لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب (١) المتقدمة، وثبت في الصحيحين (٨٤٤) من حديث أبي ذر، قلت: يا رسول الله!
أيُّ مسجد وضع أولُ؟
قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي.
قال: "بيت المقدس".
قلت: كم بينهما؟
قال: "أربعون سنة" الحديث.
فزعم ابن حبان أن بين سليمان -الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه- وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين، والله أعلم، وأيضًا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه ها هنا من جملة الموصين، وقوله:] [١] ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه.
فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثبت عليه؛ وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح [٢]: "إن [٣] الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها.
وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، [فيدخلها" (٨٤٥).
لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس" (٨٤٦)] [٤] وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى [٥] (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول تعالى محتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل- وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم [٦] السلام - بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.
[قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبًا، وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين.
وبه يقول الحسن البصري وطاووس، وعطاء؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وغير واحد من السلف والخلف.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة.
وحُكي ذلك عن عمر، وعثمان وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف.
واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
ولتقريرها موضع آخر.
وقوله] [١] ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: مطيعون خاضعون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [٢]﴾ والإِسلام: هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمنها قوله [ﷺ] [٤]: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلَّات ديننا واحد ....
" (٨٤٧).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا [٥] لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم؛ فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال أبو العالية والربيع وقتادة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: يعني: إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.
[ولهذا جاء في الأثر: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (٨٤٨).] [١] ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ قال محمد بن إسحاق (٨٤٩): حدثني محمَّد بن أبي محمَّد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﵌: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمَّد تهتد.
وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
وقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي لا نريد ما دعوتمونا [٢] إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا.
قاله محمَّد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية [٣].
وقال خصيف، [عن مجاهد] [٤] مخلصًا.
وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: حاجًّا (٨٥٠).
وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي.
وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.
وقال مجاهد، والربيع بن أنس: حنيفًا، أي [٥] متبعًا، وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم.
وقال قتادة: الحنيفية شهادة ألَّا إله إلا الله؛ يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وما حرّم الله ﷿، والختان.
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمَّد ﷺ مفصلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وألَّا [١] يفرّقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية.
وقال البخاري (٨٥١): حدّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أي هريرة؛ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله ﵌: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و [٢] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ " الآية.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس (٨٥٢)؛ قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا الأسباط.
[وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في بني إسماعيل.
وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط حفدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثنى عشر.
وقد نقله الرازي عنه وقرّره ولم يعارضه.
وقال البخاري: الأسباط قبائل في بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ها هنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم.
كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ قال القرطبي: وسموا الأسباط: من السبط وهو التتابع، فهم جماعة، وقيل: أصله: من السبط بالتحريك وهو الشجر، أي: في الكثرة بمنزلة الشجرة الواحدة سبطة.
وقال الزجاج: ويبين لك هذا، ما حدّثنا محمَّد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
قال القرطبي: السبط: الجماعة والقبيلة، والراجعون إلى أصل واحد] [١].
وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.
وقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٣): حدثنا محمَّد بن محمَّد بن مصعب الصوري، أخبرنا مؤمَّل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: "آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن".
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ يقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا [بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ] [٢]﴾، [يعني: الكفار من أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به، يا] [٣] أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم، ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٤): قرئ على يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدّثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إلى بعض الخلفاء مصحف عثمان [بن عفان] [١] ليصلحه، قال زياد: فقلت له: إن الناس ليقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.
وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله.
وكذا روي عن مجاهد وأبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
[وانتصاب صبغة الله: إما على الإغراء؛ كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي الزموا ذلك عليكموه.
وقال بعضهم: بدلًا مني قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾] [٢].
وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم (٨٥٥)، وابن مردويه من رواية أشعث بن إسحاق، [عن جعفر بن أبي المغيرة] [٣] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن نبي الله ﷺ، قال: "إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟
فقال: اتقوا الله.
فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟
فقل: نعم: أنا أصبغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي.
وأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ".
كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه إن صح إسناده، والله أعلم.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ يقول الله [١] تعالى مرشدًا نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾.
أي: أتناظروننا في توحيد الله، والإخلاص له، والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره، ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾.
أي: نحن برآء منكم [ومما تعبدون] [٢]، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ إلى آخر الآية.
وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾.
إلى آخر الآية.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
الآية.
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿[وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] [٣] وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن براء منكم، كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون؛ أي: في العبادة والتوجه.
ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم: إما اليهودية، وإما [٤] النصرانية، فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
الآية والتي بعدها.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال الحسن البصري: كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم؛ إن الدين الإِسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم في [٥] ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد، ووعيد شديد، أي إن [١] علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾.
أي: قد مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
أي: لهم أعمالهم، ولكم أعمالكم، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغترّوا بمجرّد النسبة إليهم، حتى تكونوا [منقادين مثلهم] [٢] لأوامر الله، واتباع رسله الذين [٣] بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [قيل: المراد بالسفهاء ها هنا مشركو العرب، قاله الزجاج.
وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد.
وقيل: المنافقون، قاله السدي.
والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم] [٤].
قال البخاري (٨٥٦): حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل [٥] البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرَّ [٦] على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله؛ لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت؛ وكان الذي قد [١] مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالًا قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
انفرد به البخاري من هذ الوجه.
ورواه مسلم من وجه آخر (٨٥٧).
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت [٢] المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
فقال رجال [٣] من المسلمين: وددنا لو علمنا عِلْم من مات منا قبل أن نصرف [٤] إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس -وهم أهل الكتاب-: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟
فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ … ﴾.
إلى آخر الآية.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: فوجه نحو الكعبة.
وقال السفهاء في الناس-[وهم] [٥] اليهود-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٨٥٩): إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة؛ أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
أي نحوه فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟
فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر: أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون [١] بين يديه الكعبة، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس، والجمهور.
ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟
على قولين: وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: أنّ التوجه إلى بيت المقدس، كان باجتهاده ﵇.
والمقصود: أنّ التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] [٢]، واستمرّ [٣] الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم ﵇ فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناسَ فأعلمهم [٤] بذلك، وكان أوّل صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين، من رواية البراء.
ووقع عند النسائي (٨٦٠) من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر.
وقال: [كنت أنا وصاحبي أوّل من صلى إلى الكعبة.
وذكر غير واحد من المفسرين، وغيرهم، أن تحويل القبلة نزل على رسول الله، وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم، أنهم جاءهم الخبر بذلك في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل الرجالُ مكان النساءِ، والنساءُ مكانَ الرجالِ.
ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] [٥].
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين، عن ابن عمر (٨٦١) ﵄ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ [قد أنزل عليه الليلة قرآن] [١]، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها.
وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا دليل على أنّ الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب، والكفرة من اليهود ارتياب وزيغٌ عن الهدى، وتخبيطٌ وشكٌّ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا [٢]: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟!
فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله: ﴿فَأَيْنَمَا [٣] تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ و ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾.
أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده، وفي تصرفه [٤]، وخدّامه، فحيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمَّد صلوات الله وسلامه عليه وأمّته عنايةٌ عطمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية [٥] على اسمه تعالى، وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في [٦] الأرض؛ إذ هي بناء [٧] إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد (٨٦٢) عن علي بن عاصم، عن حصين [٨] بن عبد الرحمن، عن عُمَر [٩] بن قيس، عن محمَّد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ، يعني: في أهل الكتاب: "إنهم لا يحسدوننا [١٠] على شيء، كما يحسدوننا [١١] على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود، كما يقال [قريش] [١]: أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها.
وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة البرسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمّه وسطًا، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح [٢] المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
وقال الإمام أحمد (٨٦٣): حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟
فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟
فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟
فيقول: محمد وأمّته.
قال: فلذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
قال: " [الوسط] [٣] العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم".
رواه البخاري (٨٦٤)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طرق عن الأعمش.
وقال الإمام أحمد أيضًا (٨٦٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟
فيقولون: لا.
فيقال له: هل بلغت قومك؟
فيقول: نعم.
فيقال: من يشهد لك؟
فيقول: محمد وأمّته؛ فيدعى بمحمد وأمّته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟
فيقولون: نعم.
فيقال: وما علمكم؟
فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ، فأخبرنا أنّ الرسل قد بلغوا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ ".
وقال الإمام [١] أحمد أيضًا (٨٦٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: "عدلًا".
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (٨٦٧)، وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة عن [٢] نهاس [٣]، حدثني مكاتب [٤] لنا، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "أنا وأمّتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد: أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿".
وروى الحاكم في مستدركه (٨٦٨)، وابن مردويه أيضًا -واللفظ له- من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله، قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: والله [٥] يا رسول الله؛ [لنعم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان … وأثنوا عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ: "أنت بما [١] تقول؟
" فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ: "وجبت"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسول الله] [٢]؛ بئس [٣] المرءُ كان، إن كان لفظًّا غليظا، فأثنوا عليه شرًّا.
فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي [٤] تقول"؟
فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك.
فقال رسول الله ﷺ: "وجبت".
قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد (٨٦٩): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود، أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيرٌ، فقال: وجبت، وجبت.
ثم مر بأخرى فأُثني عليها شرٌّ، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟
قال: قلت كما قال رسول الله ﵌: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال: فقلنا: وثلاثة؟
قال: فقال [٥]: "وثلاثة"، قال: ففلنا: واثنان؟
قال: "واثنان".
ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به.
وقال [٦] ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه [٧]، قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنّباوة يقول: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟
قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض" ورواه ابن ماجه (٨٧٠)، عن [أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون.
ورواه الإمام أحمد (٨٧١)، عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمرو وسريج، عن نافع بن عمر، به] [١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول تعالى: إنما شرعنا [٢] لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، أي مرتدًّا عن دينه ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة -وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة- أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأنّ كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامّة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض؟
فإنه [٣] كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾.
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾.
ولهذا كان بن ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة.
وقد ذهب لعضهم إلى أن السابقين [٤] الأوَّلين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.
وقال البخاري (٨٧٢) في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء؛ إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها.
فتوجهوا إلى الكعبة.
وقد رواه سلم (٨٧٣) من وجه آخر، عن ابن عمر.
ورواه الترمذي (٨٧٤) من [١] حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعًا، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع.
وكذا رواه [٢] مسلم (٨٧٥) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله.
وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله، وانقيادهم لأوامر الله ﷿، ﵃ أجمعين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك، لا [٣] [] [٤] يضيع ثوابها عند الله.
وفي الصحيح (٨٧٦)، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
[ورواه الترمذي (٨٧٧)، عن ابن عباس، وصححه] [٥].
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ، وانصرافكم معه حيث انصرف، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي الصحيح (٨٧٨) أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًّا من السبي، أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها.
فقال رسول الله ﷺ: "أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟
" قالوا: لا يا رسول الله.
قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها".
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨٧٩): كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
فارتابت [١] من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾.
وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء.
فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب [٢] يؤم به جبرائيل ﵇.
وروى الحاكم (٨٨٠) في "مستدركه" من حديث شعبة، عن يعلى بن [٣] عطاء، عن [٤] يحيى ابن قمطة [١]، قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام، بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه ابن أبي حاتم (٨٨١)، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم [٢]، عن يعلى بن عطاء، به.
وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي ﵁: إن الغرض إصابة عين الكعبة [٣].
والقول الآخر -وعليه الأكثرون- أن المراد المواجهة [٤] كما رواه الحاكم (٨٨٢)، من حديث [أبي إسحاق] [٥]، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي [بن أبي طالب] [٦] ﵁؛ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره: قِبَلَهُ.
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وهذا قول أبي العالية ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وكما تقدم في الحددث الآخر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
[وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي" (٨٨٣)] [٧].
و [٨] قال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدَّثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمرَّ على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت (٨٨٤).
وقال عبد الرزاق (٨٨٥): أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال [١]: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت القدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة.
وروى النسائي (٨٨٦)، عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ؛ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ فصلى للناس الظهر يومئذٍ.
وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن [٢] أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر؛ ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن [٣] محمد السقطي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدّثني أبي، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر، أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدّثنا: أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين؛ ونحن مستقبلون البيت الحرام؛ فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" (٨٨٧).
[وقال ابن مردويه أيضًا] [١]: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدَّثنا أحمد بن حازم، حدَّثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدَّثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس، قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ نادى [٢] مناد بالباب: إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة.
قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان، وهم ركوع نحو الكعبة (٨٨٨).
وقوله: ﴿وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض: شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبها، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
[مسألة وقد استدل المالكية بهذه الآية على أنّ المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع [سجوده، كما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة.
قال المالكية: بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده، لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام.
وقال بعضهم: ينظر الصلي في قيامه إلى صدره.
وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، كما قال جمهور الجماعة؛ لأنه أبلغ في الخضوع، وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأمّا في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره [٣].
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمّته، وما خصه [٤] الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا تهدَّدهم [١] تعالى بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم، ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار [٢] عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم متمسكون [٣] بآرائهم وأهوائهم [٤]؛ فهو أيضًا متمسك [٥] بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس؛ لكونها [٦] قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى من مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبا للرسول، والمراد به [٧] الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغيرٌ: "ابنكَ هذا؟
" قال: نعم يا رسول الله، أشهد به.
قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (٨٨٩).
[قال القرطبي: ويروى عن عمر، أنَّه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟
قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أُمِّه.
قلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمترى في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم] [١].
ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان [٢] العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
ثم ثَبَّت تعالى نبيه ﷺ، والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ قال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل [] [٣] قبلة - رضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.
وقال أَبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها [٤] الأمة إلى [٥] القبلة التي هي القبلة.
وروي عن مجاهد وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.
وقال مجاهد في الرراية الأخرى [] [١]: ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عبَّاس وأبو جعفر الباقر وابن عامر ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾] [٢] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾.
وقال هاهنا: ﴿أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرّقت أجسادكم وأبدانكم.
﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.
[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عبَّاس وغيره.
وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبًا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان.
هكذا وجهه فخر الدين الرازي.
وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار ورجح هذا الجواب القرطبي.
وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله، أو بعده من السياق، فقال أوّلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فذكر أنَّه الحق من الله، وارتقاءه المقام الأوَّل؛ حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ، فبين أنَّه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه.
وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما كتبهم أنَّه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها.
وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار.
وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم] [١].
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب، فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، أو [٢] لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه الي بيت المقدس.
وهذا أظهر.
قال أَبو العالية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
وكان حجتهم على النبي ﷺ انصرافه [٣] إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
قال ابن أَبي حاتم (٨٩٠): وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أَنس، وقَتَادة، والسدّي نحو هذا.
وقال هؤلاء في قوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني مشركي قريش.
ووجه بعضهم حجة الظَّلَمةِ - وهي داحضة - أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلِمَ رجع عنه؟
والجواب: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أوّلًا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو - صلوات الله وسلامه عليه - مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة معين، وأمَّته تبع له.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه.
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي [١]: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت [٢] لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلت عنه الأم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأم وأفضلها.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ يذّكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب: وهو [٣] القرآن، والحكمة: وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.
فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفَرى [٤]، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرَّهم قلوبًا، وأقلهم [٥] تكلفًا، وأصدقهم [٦] لهجة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [مِنْ أَنْفُسِهِمْ] [٧] يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية.
وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
قال ابن عبَّاس: يعني [بنعمة الله] [٨] محمدًا ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره.
فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ [رَسُولًا مِنْكُمْ] [١]﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني.
قال عبد الله بن وَهْب: عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن موسى ﵇ قال: يا رب؛ كيف أشكرك؟
قال له ربه: "تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني، فقد كفرتني".
وقال الحسن البصري، وأَبو العالية، والسدي، والربيع بن أَنس: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره.
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال ابن أبي حاتم (٨٩١): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، حدَّثنا مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس، وشارب الخمر، والسارق، والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟!
قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته، حتَّى يسكت.
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما أوجبت [٢] عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي.
وعن سعيد بن جبير، اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي.
وعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر [٣] من ذكركم إياه.
وفي الحديث الصحيح (٨٩٢) " يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه".
قال الإمام أحمد (٨٩٣): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قَتَادة، عن أَنس قال [١]: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: يا بن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملإ من الملائكة -أو قال في [٢] ملإ خير منه [٣]- وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعًا دنوت منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول".
صحيح الإسناد.
أخرجه البخاري من حديث قَتَادة.
وعنده قال قَتَادة: الله أقرب بالرحمة.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.
وقال الإمام أحمد (٨٩٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة، رجل من قيس - حدَّثنا أَبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين [٤]، وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه"، وقال روح مرة: "على عبده".
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى [١] الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها؛ كما جاء في الحديث: "عجبًا للمؤمن!
لا يقضي الله له قضاء إلَّا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرًا له، وإن أصابته فراء فصبر، كان خيرًا له".
وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل اللمصائب الصبر والصلاة، كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
وفي الحديث أن [٢] رسول الله ﷺ كان [٣] إذا حزبه [٤] أمر صلى (٨٩٥).
والصبر صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابًا، لأنه المقصود، [] [٥].
كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر [٦] لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله.
وقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ: أين الصابرون ليدخلوا الجنَّة قبل الحساب؟
قال: فيقوم عنق من الناس، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟
فيقولون: إلى الجنَّة.
فيقولون: قبل [٧] الحساب؟
قالوا: نعم.
قالوا: ومن أنتم؟
قالوا: نحن [٨] الصابرون.
قالوا: وما كان صبركم؟
قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتَّى توفانا الله.
قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنَّة، فنعم أجر العاملين.
(قلت): ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا هي منه إلَّا الصبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم (٨٩٦): " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطِّلاعَةً، فقال: ماذا تبغون؟
فقالوا: يا ربنا!
وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟
ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردّنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتَّى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب ﷻ: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون".
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٨٩٧)، عن الإمام الشَّافعي، عن الإمام مالك، عن الزُّهْريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتَّى ورجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه".
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم، وتكريمًا، وتعظيمًا.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ أخبر تعالى أنَّه يبتلي عباده: أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: (﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف.
وقال هاهنا: ﴿بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي بقليل من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب، والأقارب، والأحباب ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة.
وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا خوف الله، وبالجوع صيام رمضان، وبنقص [١] الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض.
والثمرات: الأولاد.
وفي هذا نظر، والله أعلم.
ثم بين تعالى مَن الصابرون الذين شكرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنَّه لا يضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [٢]﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة [٣].
قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ﴾ فهذان العدلان ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول الله [٤]: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة.
فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد (٨٩٨) [حديث قال] [٥]: حدَّثنا يونس [بن محمد] [١]، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد [٢]- عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب [٣]، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ؛ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به.
قال: "لا يصيب أحدًا من المسلملين مصيبةٌ فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أَبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم؛ أجرْني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه [٤]، ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير [٥] من أبي سلمة؟
فلما انقضت عدّتي استأذن عليَّ رسول الله ﷺ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألّا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيّ غيرةٌ شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: "أمَّا ما ذكرت من الغيرة، فسوف يذهبها الله ﷿ عنك، وأما ما ذكرت من السن.
فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي".
قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها رسول الله ﷺ، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه - رسولَ الله ﷺ.
وفي صحيح مسلم (٨٩٩)، عنها أنَّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم؛ أجرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، [إلَّا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها"] [٦].
قالت فلما توفي أَبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الذ عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه - رسول الله ﷺ.
وقال الإمام أحمد (٩٠٠): حدَّثنا يزيد وعباد بن عباد، قالا: حدَّثنا هشام بن أَبي هشام، [حدثنا] [١] عباد بن زياد، عن أمه عن فاطمة بنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ؛ قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها -وقال عباد: قدم عهدها- فيحدث لذلك استرجاعًا، إلَّا جدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب".
ورواه ابن ماجة (٩٠١) في "سننه"، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن [٢]، زياد، عن أمه عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها.
وقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن [٣] زياد، عن أبيه (كذا) [٤]، عن فاطمة، عن أبيها.
وقال الإمام أحمد (٩٠٢): حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان؛ قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولاني- فأخرجني، وقال لي [٥]: ألا أبشرك.
قلت: بلى.
قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن ابن [٦] عرزب، عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: يا ملك الموت؛ قبضت ولد عدي؛ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده.
قال: [نعم.
قال] [٧]: فماذا [٨]، قال: قال: حمدك واسترجع.
قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، فذكره.
وهكذا رواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وقال: حسن غريب.
واسم أبي سنان عيسى بن سنان.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة؛ قالت: قلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
قلت: فوالله ما على أحد جناح ألّا [١] يتطوّف بهما.
فقالت عائشة: بئسما قلت يا بن أختي؛ [إنها لو كانت] [٢] على ما أوّلتها [٣] عليه، كانت فلا جناح عليه ألّا [٤] يطوّف بهما، ولكنها إنما أنزلت؛ أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا [] [٥] يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل [٦]، وكان من أهل لها يتحرَّج أن يطوّف بالصفا رالمررة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا كنا نتحرج أن نطوّف بالصفا والمروة في الجاهلية.
فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ] [١] فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما.
فليس لأحد أن يدع الطواف بهما، أخرجاه في الصحيحين (٩٠٣).
وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال لي [٢]: [إن هذا]] [٣] العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية.
وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
ورواه البخاري (٩٠٤) من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم.
ثم قال البخاري (٩٠٥): حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة ..
قال: كنا نرى أنهما [٤] من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
[وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
(قلت) ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا] [٥] [يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة: وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفْضَي السيول من إساف ونائل] [١] وفي "صحيح مسلم (٩٠٦) " من [٢] حديث جابر الطويل، وفيه: أنَّ رسول الله على الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" وفي رواية النسائي "ابدءوا بما بدأ الله به".
وقال الإمام أحمد (٩٠٧): حدَّثنا مريج، حدَّثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعَوا فإن الله كتب عليكم السعي".
ثم رواه الإمام أحمد (٩٠٨)، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عُبَيدة، عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعَوا".
وقد استدل بهذا الحديث على مذهب [١] من يرى أن [٢] السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه، [ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك] [٣].
وقيل: إنّه واجب وليس بركن.
[فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة] [٤].
وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية.
قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾] [٥].
والقول الأول أرجح، لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فكل ما فعله في حجمه تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.
[وقد تقدم قوله ﵇ "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] [٦]، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف [٧] هاجر وتَرْدادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نَفَد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس [٨] عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ﷿ فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأتبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طُعم، وشفاء سُقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ﷿ ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط [٩] المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر، ﵍.
[وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب؛ ثامنة وتاسعة ونحو ذلك.
وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع.
وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات.
حكى ذلك الرازي وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.
وقوله: ﴿فإن الله شاكر عليم﴾ أي: يثيب على القليل بالكثير، ﴿عليم﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله.
قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ.
ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
وقد ورد في الحديث المسند (٩٠٩) من طرائق [٢] يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره؛ أن رسول الله على الله عليه وسلم، قال: "من سئل عن علم، فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار".
والذي في الصحيح (٩١٠) عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحدًا شيئًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا [٣] مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾.
الآية.
وقال ابن أبي حاتم (٩١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي سليم، عن المنهال به.
عمرو، عن راذان- أبي [١] عُمَر- عن البراء بن عازب؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: "إنّ الكافر يضرب ضربة بين عينيه فيسمع صوته كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: دواب الأرض.
[ورواه ابن ماجة (٩١٢)، عن محمد بن الصباح، عن [عمار] [٢] بن محمد به] [٣].
وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجنّ والإنس.
وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت [٤] البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾: [] [٥] يعني تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.
[وقد جاء في الحديث: "أنّ العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر" (٩١٣).
وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا وهم كل فصيح وأعجمي؛ إمّا بلسان المقال أو الحال] أو كل من كان له عقل يوم القيامة، [والله أعلم] [٦].
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم [وأحوالهم] [٧]، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه [٨] ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وفي هذا دلالة على أنّ الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
وقد ورد أنّ الأمم السابقة [٩] لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة في التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى مماته بأن ﴿عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة التابعة [١]، لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ فيها، أي: لا [٢] ينقص عما هم فيه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف ورم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه [٣] الناس أجمعون.
[فصل لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأمّا الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين.
واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي.
ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره لقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران، فيحدّه، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به!
فقال رسول الله ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (٩١٤)، فدل على أنّ من لا حب الله ورسوله يلعن، والله أعلم] [٤].
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ يخبر تعالى عن تفرّده بالإلهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم.
وقد تقدّم تفسير هذين الاسمين في أوّل الفاتحة [٥]، وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله صلى الله عليه وسدم أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [الْحَيُّ الْقَيُّوم] [١]﴾ (٩١٥).
ثم ذكر الدليل على تفرّده بالإلهية [بتفرده] [٢] بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من الخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها [٣] واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وههذه الأرض في كثافتها [٤] وانخفاضها وجبالها، وبحارها وقفارها، وَوِهَادها وعُمرانها، وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، ههذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان [٥]، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل فهذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ومما لا يعلمون﴾.
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه [شيء من ذلك] [١]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة [٢] تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، و [٣] تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب - وهي الشامية - وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة وتارة دبورًا وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة.
وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، و الله أعلم] [٤].
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: سائر بين السماء والأرض مسخر] [٥] إلى ما يشاء [٦] الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه الله [٧] تعالي ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي [٨] في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٩١٦): أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الأشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أتت قريش محمدًا ﷺ؛ فقالوا: يا محمد؛ إنا [١] نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك.
قال: "أوثقوا [٢] لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا لتؤمنن بي".
فأوثقوا له، فدعا ربه فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين.
قال محمد ﷺ: "رب لا، بل دعني وقومي فَلأَدْعُهم يومًا بيوم"، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية.
ورواه ابن أبي حاتم (٩١٧) من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة به.
وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٩١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن [٣] أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت [٤] على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟
فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.
وقال وكيع (٩١٩) [بن الجراح] [٥]: حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية.
فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾.
ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي- عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له [١] أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه.
وفي "الصحيحين (٩٢٠) عن عبد الله بن مسعود قال [٢]: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟
قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك".
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم، وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا؛ بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه.
ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا] [٣]، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ يقول: لو علموا ما يعاينونه [٤] هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم- لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرئ المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار [١] الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
والجن أيضًا تتبرأ منهم و [يتنصلون] [٢] من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.
وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل، وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة.
وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح.
وقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه [وإنهم لكاذبون] [٣].
كما أخبر الله [٤] تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية؛ ولهذا قال تعالى] [١]: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق [٢] لجميع خلقه، فذكر في [٣] مقام الامتنان؛ أنه أباح لهم أن يأكلوا مما [في الأرض] [٤] في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار [٥] الذي في "صحيح مسلم (٩٢١) " عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحه عبادي فهو لهم حلال -وفيه- وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم [٦] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت [٧] لهم".
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٩٢٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بنٍ شيبة المصري، حدثنا الحسن [٨] بن عبد الرحمن [الاحتياطي، حدثنا] [٩] أبو عبد الله الجوزجاني -رفيق إبراهيم بن أدهم- حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده [إن الرجل لَيقِذف] [١] اللقمةَ الحرامَ في جَوْفه ما [٢] يُتَقَبَّل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به".
وقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
وقال قتادة، والسدي في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.
وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان.
وقال مجاهد: خطاه، أو قال: خطاياه.
وقال أبو مِجْلَز: هي النذور في المعاصي.
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش.
وقال: هذا من خطوات الشيطان.
وقال أبو الضحى، عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم.
فقال: لا أريده.
فقال: أصائم أنت؟
قال: لا.
قال: فما شأنك؟
قال حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا.
فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطْعَم وكَفِّر عن يمينك.
رواه [٣] ابن أبي حاتم (٩٢٣).
وقال أيضًا (٩٢٤): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري [٤]، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت يومًا [٥] على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك.
فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان.
وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة.
وأتيت عاصمًا [١] وابن عمر فقالا مثل ذلك.
وقال [عبد بن حميد] [٢]: حدثنا [٣] أبو نعيم، عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ يقول تعالى: (وإذا) قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه [٤] من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا، أي: وجدنا عليه آباءنا أي من عبادة الأصنام والأنداد.
قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية.
وروى ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأنزل الله هذه الآية.
ثم ضرب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ فقال: ﴿وَ [١] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي: الضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه [ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه] [٢] ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
هكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، نحو هذا.
[وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا، اختاره ابن جرير.
والأوّل أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] [٣].
وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوّهون به، عُمي عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه.
[كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] [٤].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة [٥]، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٩٢٥) حدَّثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟!
".
ورواه مسلم في "صحيحه"، والترمذي من حديث فضيل [١] بن مرزوق.
ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحزم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة، أو موقوذة، أو متردية، أو نطيحة، أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله.
وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٩٢٦).
وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعًا: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال" (٩٢٧) وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة.
[مسألة] ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره، لأنه جزء منها.
وقال مالك في رواية: هو طاهر، إلا أنه ينجس بالمجاورة.
وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة.
وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس فقال القرطبي في التفسير هاهنا: يخالط اللبن منها يسير ويُعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع.
وقد روى ابن ماجة (٩٢٨) من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ممَّا عفا عنه"] [١].
وكذلك حرّم عليهم لحم الخنزير، سواء ذكي، أو مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه، إما تغليبًا، أو أن اللحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي، وكذلك [٢] حرّم عليهم ما أهل به لغير الله وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.
[وذكر القرطبي، عن ابن عطية، أنه نقل عن الحسن البصري، أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم.
وأورد القرطبي، عن عائشة ﵂ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه المسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه وكلوا من أشجارهم] [٣].
ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل، أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في معصيه الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا، أو عاديًا، أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطرّ إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير.
وقال سعيد في رواية عنه، ومقاتل بن حيان: غير باغ: يعني غير مستحله.
وقال السدي: غير باغ يبتغي فيه شهوته.
وقال [آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة، عن عثمان بن] [١] عطاء -وهو [٢] الخراساني-[في قوله: غير باغ] [٣] عن أبيه قال] [٤]: لا يشوى من الميتة ليشتهيَه، ولا يطبخه ولا يأكل إلا العُلْقَة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه.
[وهو قوله: ﴿ولا عاد﴾ ويقول: لا يعدو به الحلال] [٥].
وعن ابن عباس: لا يشبع منها.
وفسره السدي بالعدوان.
وعن ابن عباس ﴿غير باغ ولا عاد﴾ قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله.
وقال قتادة: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [قال: غير باغ في الميتة أي] [٦] في أكله أن يتعدَّى حلالًا إلى حرام.
وهو يجد عنه مندوحة.
[وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فمن اضطر﴾ أي: أكره على ذلك بغير اختياره.
[مسألة] ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف -كذا قال- ثم قال: وإذا أكله والحالة هذه [هل يضمن أم لا؟
فيه قولان هما روايتان عن مالك.
ثم أورد من سنن ابن ماجة (٩٢٩) من حديث شعبة، عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية، سمعت عباد بن شرحبيل العنزي قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال للرجل: "مما أطعمته إذ كان جائعًا -[أو ساغبًا] [١]- ولا علمته إذ كان جاهلًا"، فأمره فردّ إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد.
وله شواهد كثيرة، من ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة يفيه غير متخذ خُبنة فلا شيء عليه" الحديث (٩٣٠)] [٢].
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فلا إثم عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾ فيما أكل من اضطرار، وبلغنا -واللَّه أعلم- أنه لا يزاد على ثلاث لقم.
وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام.
رحيم؛ إذ أحل له الحرام في الاضطرار.
وقال وكيع: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار.
[وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري- المعروف بالكيا الهراسي- رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك] [٣].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ يقول تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم، مما يشهد [١] له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا -لعنهم اللَّه!
- إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر [٢] يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى، واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن اللَّه لذلك النزر [٣] اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن اللَّه أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل [٤] القاطعات، فصدَّقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمّهم اللَّه في كتابه في غير [] [٥] موضع.
فمن [٦] ذلك هذه الآية الكريمة ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾، وفي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إن [٧] الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجَرُ في بطنه نار جهنم" (٩٣١).
وقوله: ﴿ولا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.
وقد ذكر ابن أبي حاتم (٩٣٢): وابن مردويه هاهنا حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ولهم عذاب] [٨] أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر".
ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به [١] من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به، وكتمان صفاته في كتبهم ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.
وقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب [٢] من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع [٣] شدّة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا باللَّه من ذلك.
[وقيل معنى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] [٤].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛ لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات اللَّه هزوا، فكتابهم يأمرهم لإظهار العلم ونشره، فخالفوه وكذبوه.
وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى اللَّه تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزءوا بآيات اللَّه المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال؛ وهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.
لَيسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعدَ عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم (٩٣٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدَّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شُفَي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول اللَّه ﷺ ما الإيمان؟
فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: "إذا عملت حسنة أحبها [١] قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها [٢] قلبك".
وهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذر فإنه مات قديمًا.
وقال المسعودي: حدَّثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟
فقرأ عليه هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها.
فقال الرجل: ليس عن البر سألتك.
فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فسأله عما سألتني عنه [٣]، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول اللَّه، ﷺ، وأشار بيده: "المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها" (٩٣٤).
رواه ابن مردويه وهذا أيضًا منقطع، واللَّه أعلم.
وأئا الكلام على تفسير هذه الآية، فإن اللَّه تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب، وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة اللَّه ﷿ وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق، أو [٤] المغرب برٌّ ولا طاعةٌ إن لم يكن عن أمر اللَّه وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
الآية كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لن ينال اللَّه لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾.
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، والحدود، فأمر اللَّه بالفرائض والعمل بها.
وروي عن الضحاك، ومقاتل نحو ذلك.
وقال أبو العالية: كانت اليهود تُقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل.
وروي عن الحسن، والربيع بن أنس مثله.
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة اللَّه ﷿.
وقال الضحاك: ولكن البر و [١] التقوى: أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.
وقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية.
قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان باللَّه، و [٢] أنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين اللَّه ورسله.
﴿والكتاب﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء [٣] اللَّه كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين!
وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له، راغب فيه.
نص على ذلك ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرُهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين (٩٣٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى، وتخشى الفقر".
وقد روى الحاكم في مستدركه (٩٣٦) من حديث شعبة، والثوري، عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشي الفقر".
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(قلت): وقد رواه وكيع، عن الأعمش.
وسفيان، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا، وهو أصح، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾.
[وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [١].
وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله: ﴿ذوي القربى﴾ وهم قرابات الرجل، و [٢] هم أولى من أعطى من الصدقة، كما ثبت في الحديث: "الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك، وببرك، وإعطائك" (٩٣٧)، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز.
﴿واليتامى﴾ هم: الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم، وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا [٣] معمر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال [٤] ابن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُتْمَ بعد حُلُمٍ" (٩٣٨).
﴿والمساكين﴾ وهم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسدّ به حاجتهم، وخلتهم، وفي الصحيحين (٩٣٩) عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ قال: "ليس المسكين [بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين] [١] الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه".
﴿وابن السبيل﴾ وهو: المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى [٢] بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة، فيعطى مما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين.
وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن، وقتادة، والضحاك، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
﴿والسائلين﴾ وهم: الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات [٣]، والصدقات كما قال الإمام أحمد (٩٤٠): حدَّثنا وكيع، وعبد الرحمن قالا: حدَّثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين [٤] عن أبيها -قال عبد الرحمن: حسين بن علي- قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "للسائل حق، وإن جاء على فرس".
رواه أبو داود.
﴿وفي الرقاب﴾ وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم.
وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس: أنها سألت رسول اللَّه ﷺ أفي المال حق سوى الزكاة؟
قالت: فتلا عليَّ ﴿وآتى المال على حبه﴾.
ورواه ابن مَرْدُوَيه من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد كلاهما، عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول اللَّه، ﷺ: "في المال حق سوى الزكاة"، ثم قرأ [١] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله: ﴿وفي الرقاب﴾.
[وأخرجه ابن ماجة، والترمذي (٩٤١)، وضعف أبا حمزة ميمونًا الأعور، وقد رواه بيان [٢]، وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] [٣].
وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
وقوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها [٤] من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾.
وقول موسى لفرعون: ﴿هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ وقوله تعالى: ﴿وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة﴾.
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال، كما قاله سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات، والأصناف المذكورين إنما هو التطوع، والبر، والصلة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقًّا سوى الزكاة، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في [١]، الحديث: "آية المنافق ثلاث [٢]: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (٩٤٢)، وفي الحديث الآخر "إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٩٤٣).
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ [٣] الْبَأْسِ﴾ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام وهو الضراء.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم.
وإنما نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ [٤]﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال؛ لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الأيمان القلبي بالأقوال، والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ لأنهم اتقوا المحارم، وفعلوا الطاعات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ يقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ﴾ العدل في القصاص أيها المؤمنون، [فاقتلوا] [١] حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا، وتعتدرا كما اعتدى من قبلكم، وغيروا حكم اللَّه فيهم، وسبب ذلك قريظة، والنضير؛ كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل به، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية القرظي، فأمر اللَّه بالعدل في القصاص، ولا يُتبَع سبيل المفسدين المحرّفين المخالفين لأحكام الله فيهم، كفرًا وبغيًا، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
وذكر في سبب [٢] نزولها ما رواه الإمام أبو [٣] محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه [بن بُكيرٍ، حدثني عبد اللَّه] [٤] [بن لهيعة] [٥]، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يعني إذا كان عمدًا، الحرّ بالحرّ.
وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى [٦] قتلوا العبيد، والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة [٧] منا الرجل منهم، فنزلت فيهم.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة نسخها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل اللَّه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَينَ بِالْعَينِ﴾ فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس، وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
[مسألة: ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد لعموم آية المائدة.
وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة والحكم.
وقال البخاري وعلي بن المديني و إبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده لعموم حديث الحسن، عن سمرة: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه" (٩٤٤).
وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحرّ بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قُتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته؛ ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى.
وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر؛ لما ثبت في البخار (٩٤٥)، عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يقتل مسلم بكافر"، ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا.
وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يُقتل به لعموم آية المائدة.
[مسألة] قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٩٤٦)، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.
[مسألة] ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد.
قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم.
ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع.
وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة.
وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت.
ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة.
وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر] [١].
[وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال مجاهد: عن ابن عباس] [٢] ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وكذا رُوي عن أبي العالية، وأبي الشعثاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان.
وقال [٣] الضحاك: عن ابن عباس ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ يعني [٤]: فمن تُرِكَ [٥] له من أخيه ﴿شَيءٌ [٦]﴾، يعني [٧]: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني: من القاتل من غير ضرر، ولا مَعْك يعني: المدافعة.
وروى الحاكم من حديث سفيان، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدّي المطلوب بإحسان.
وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو [٨]، الشعثاء جابر بن زيد والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان.
[[مسألة] قال مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.
[مسألة] وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون] [٩].
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا [١٠]، من اللَّه عليكم، ورحمة بكم، مما [١١]، كان محتومًا على الأمم قبلكم من القتل، أو العفو، كما قال [١٢] سعيد بن منصور: حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس قال: كُتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال اللَّه لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ فالعفو: أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٩٤٧).
وقد رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان (٩٤٨) في "صحيحه"، عن عمرو بن دينار، به، ورواه جماعة عن مجاهد، عن ابن عباس، بنحوه.
وقال قتادة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: رحم اللَّه هذه الأمة، وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أَرُشَ، وكان أهل الإنجيل إِنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرْشَ.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس نحو هذا.
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله أليم موجع شديد.
وهكذا [١] روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان: أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية، كما قال محمد بن إسحاق: عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي: أن النبي، ﷺ، قال: "من أصيب بقتل، أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه.
ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها" (٩٤٩) رواه أحمد.
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية" (٩٥٠) يعني لا أقبل منه الدية بل أقتله.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس [١]، وفي الكتب المتقدّمة: القتل أنفى للقتل.
فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال أبو العالية: جعل اللَّه القصاص حياة لكم [٢]، [فكم من] [٣] رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل.
وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل ابن حيان.
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول، والأفهام، والنُّهى لعلكم تنزجرون [٤]، وتتركون [٥] محارم اللَّه، ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات، وترك المنكرات.
﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَينَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدّرة فريضة من اللَّه، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية، ولا تحمل منة [١] الموصي؛ ولهذا جاء في [٢] الحديث الذي [٣] في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ، يخطب وهو يقول: "إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (٩٥١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين قال: جلس ابن عباس فقرًا سورة البقرة حتى أتى هذه الآية ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية.
وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس، به.
ورواه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح على شرطهما (٩٥٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٩٥٣) في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل اللَّه آية الميراث، فبين ميراث الوالدين، وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت.
وقال ابن أبي حاتم (٩٥٤): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، [عن عطاء] [١]، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
ثم قال ابن أبي حاتم (٩٥٥): وروي عن ابن عمر، وأبي موسى، وسعيد بن المسيب [٢]، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وشريح، والضحاك، والزهري: أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث.
والعجب من أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الرازي ﵀ كيف حكى في "تفسيره الكبير" عن أبي مسلم الأصفهاني: أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى اللَّه به من توريث الوالدين والأقربين.
من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قال: وهو قول أكثر المفسرين، والمعتبرين من الفقهاء.
قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد.
(قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان.
ولكن على قول هؤلاء [٣] لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية [المواريث إنما] [٤] رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لايرث، فرفع [٥] حكم من يرث [٦]، بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت.
فأمّا من يقول: إنها كانت واجبة - وهو الظاهر من سياق الآية - فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث.
كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين [١] من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين [٢] منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: "إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث".
فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند اللَّه لأهل الفروض وللعصبات رفع بها حكم هذه بالكلية.
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في "الصحيحين (٩٥٦) "، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ببيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، قال ابن عمر: ما مرّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.
والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم، كثيرة جدًّا.
وقال عبد بن حميد في "مسنده" (٩٥٧): أخبرنا عبيد اللَّه، عن مبارك بن حسان، عن نافع قال قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه ﷺ: "يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم؛ ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك".
وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ أي: مالًا.
قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وقتادة، وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال، أو كثر كالوراثة، ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم (٩٥٨): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقري [٣]، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال : قيل لعلي ﵁: إن رجلًا من قريش قد مات، وترك ثلثمائة دينار، أو أربعمائة [دينار] [١] ولم يوصِ.
قال: ليس بشيء، إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾.
[وقال أيضًا (٩٥٩) [٢]: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان- عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عليًّا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي [٣]؟
فقال له علي: إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾، إنما تركت شيئًا يسيرًا، فاتركه لولدك.
وقال الحكم بن أبان (٩٦٠): حدثني عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا.
قال الحكم [٤]: قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا.
وقال قتادة: كان يقال ألفًا فما فوقها.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم (٩٦١).
حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن يسار، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نَعَم، الوصية حق، على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر.
والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه [٥] وصية لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير [٦]، كما ثبت في "الصحيحين" (٩٦٢) أن سعدًا قال: يا رسول اللَّه؛ إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثُلُثي مالي؟
قال: "لا"، قال: فبالشطر؟
قال: "لا"، قال: فالثلث؟
قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
وفي "صحيح البخاري" (٩٦٣): أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير".
وروى الإمام أحمد (٩٦٤): عن أبي سعيد مولى بني [١] هاشم، عن [ذيال بن عبيد] [٢] بن حنظلة، سمعت حنظة بن جذيم [٣] بن حنيفة: أن جدّه حنيفة: أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ.
فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، [كنا نسميها] [٤] المطية، فقال النبي [٥] ﷺ: "لا، لا، لا.
الصدقة خمس وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت [٦] فأربعون".
وذكر الحديث بطوله.
وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [٧]﴾ يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرّفها، فغير حكمها: زاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
قال ابن عباس وغير واحد: وقد [٨] وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدله الموصى إليهم.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجَنَف: الخطأ.
وهذا يشمل أنواع الخطإ كلها، بأن زادوا وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إِذا أوصى ببيعه الشيء الفلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إِمّا مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوّة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي -والحالة هذه- أن يصلح القضية، ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي.
وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النَّهي عن [١] ذلك [٢]، ليعلم أن هذا ليس من ذلك [٣] بسبيل، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم (٩٦٥): حدَّثنا العباس بن الوليد بن مزيد [٤] قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدّثني [] [٥] عروة، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ: أنَّه قال: "يُرَدُّ من صَدَقة الجانف [٦] في حياته ما يُرَدُّ من وصية المجنف عند موته".
وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه: من حديث العباس بن الوليد به [٧].
قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مؤيد [٨]، وهذا الكلام: إنَّما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يجاوز به عروة.
وقال ابن مردويه أيضًا (٩٦٦): حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا إبراهيم بن يوسف، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الجنف [٩] في الوصيَّة من الكبائر".
وهذا في رفعه أيضًا نظر.
وأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق (٩٦٧): حدَّثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل [١٠] الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله، فيدخل النَّار.
وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة".
قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
الآية [١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمّة، وآمرًا لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطَّعام والشَّراب والوقاع بنيَّة خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس [٢] وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط [الرديئة، والأخلاق] [٣] الرذيلة.
وذكر [أنَّه كما] [٤] أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة حسنة [٥]، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ الآية؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ لأنَّ الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت [٦] في "الصحيحين" (٩٦٨): " يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء"، ثم بين مقدار الصوم، وأنَّه ليس في كل يوم لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيَّام معدودات.
وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيَّام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه.
وقد روي أن الصيام كان [١] أوَّلًا كما [٢] كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيَّام، عن معاذ وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضَّحَّاك بن مزاحم.
وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
وقال عباد بن منصور (٩٦٩): عن الحسن البصري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أُمَّة قد [٣] خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات: عددًا معلومًا.
وروي عن السدي نحوه.
وروى ابن أبي حاتم (٩٧٠): من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدَّثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الرَّبيع -رجل من أهل المدينة- عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم" في حديث طويل اختصر منه ذلك.
وقال أبو جعفر الرَّازي (٩٧١): عن الرَّبيع بن أنس، عمن حديثه، عن ابن عمر قال: أنزلت: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صَلَّى أحدهم [٤] العتمة ونام حرم عليه الطعام والشَّراب والنساء إلى مثلها.
قال ابن أبي حاتم (٩٧٢): وروي عن ابن عباس وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني نحو ذلك.
وقال عطاء الخراساني (٩٧٣): عن ابن عباس: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني بذلك أهل الكتاب.
وروي عن الشعبي والسدي، وعطاء الخراساني، مثله.
ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من الشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيَّام آخر.
وأمَّا الصَّحيح المقيم الذي يطلق الصيام، فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، أن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الأطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس، ومجاهد [وطاوس، ومقاتل بن حيان] [١] وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
و [٢] قال الإمام أحمد (٩٧٤): حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا المسعودي، حدَّثنا عمرو بن مرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أحيلت الصَّلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصَّلاة: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهو يصلِّي سبعة عشر شهرًا إلي بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
الآية.
فوجهه الله إلى مكّة.
هذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون.
ثم إن رجلًا من الأنصار، يقال له عبد الله بن زيد [بن ثعلبة بن عبد ربه] [٣] أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنِّي رأيت فيما يرى النائم ولو قلت: أني لم أكن نائمًا لصدقت، أني بينا أنا بين النائم واليقظان، إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلَّا الله -مثنى- حتَّى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنَّه يزيد [٤] في ذلك: قد قامت الصَّلاة- مرتين [٥]- قال رسول الله ﷺ: "علمها بلالًا فليؤذن بها"، فكان بلال أول من أذن بها.
قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله؛ [إنه] [٦] قد طاف لي مثل الذي طاف به غير أنَّه سبقني، فهذان حالان [٧].
قال: وكانوا يأتون الصَّلاة وقد [١] سبقهم النَّبيُّ ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل أن [٢] كم صلى؟
فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حاد أبدًا إلَّا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني.
قال: فجاء وقد سبقه النَّبيُّ ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ، قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: "إنَّه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا".
فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيَّام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه.
ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
فأثبت الله صيامه على المقيم الصَّحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان [٣].
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له صرمة، كان يعمل صائمًا حتَّى أمسى فجاء إلي أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتَّى أصبح، فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا [فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا] [٤]؟
قال: يا رسول الله؛ إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا.
قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النَّبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾.
وأخرجه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث المسعودي، به (٩٧٥).
وقد أخرج البُخاريّ ومسلم (٩٧٦): من حديث الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض [١] رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.
وروى البُخاريّ (٩٧٧) عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
وقوله تعالى [٢]: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى البُخاريّ عن سلمة بن الأكوع، أنَّه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (٩٧٨).
وروى أيضًا (٩٧٩): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: هي منسوخة.
وقال السدي: عن مرَّة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه.
قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا.
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾ وأن تصوموا خير لكم فكانوا [٣] كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقال البُخاريّ أيضًا (٩٨٠): أخبرنا [٤] إسحاق، أخبرنا روح، حدَّثنا زكريا بن إسحاق، حدَّثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشَّيخ [٥] الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.
وهكذا روى غير واحد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٩٨١): حدَّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال [١]: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٩٨٢): حدَّثنا محمَّد بن أحمد، حدَّثنا الحسين [٢] بن محمَّد بن بِهرام المحرمي، حدَّثنا وهب بن بقية، حدَّثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلَّا الكبير الثَّاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر.
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصَّحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأمَّا الشَّيخ الفاني الهرم [٣] الذي لا يستطيع الصيام فله [٤] أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنَّه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] [٥] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إِذا كان ذا جِدة؟
فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنَّه ضعيف عنه لسنه فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأنّ الله لا يكلف نفسًا إلَّا وسعها، وهو أحد قولي الشَّافعي، والثَّاني: وهو الصَّحيح وعليه أكثر العلماء: أنَّه يجب عليه فدية عن كل يوم كما فسره ابن عباس، وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البُخاريّ فإنَّه قال: وأمَّا الشَّيخ الكبير إذا لم يطلق الصيام، فقد أطعم أنس بعد ما كبر عامًا أو عامين عن [٦] كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر (٩٨٣).
وهذا الذي علقه البُخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلى في "مسنده"، فقال (٩٨٤): حدَّثنا عُبَيد الله بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من تريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم.
ورواه عبد بن حميد: عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حُدَير [١]- عن أيوب، به.
ورواه عبد -أيضًا-: من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] [٢] بمعناه.
ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين [٣] العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان، ويقضيان.
وقيل: يفديان فقط ولا قضاء.
وقيل: يجب القضاء بلا فدية.
وقيل: يفطران ولا فدية، ولا قضاء.
وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه.
ولله الحمد والمنة.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن [٤] لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٩٨٥) -: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة -يعني ابن الأسقع- أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة في [٥] رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان] [٦] والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان".
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أنَّ الزبور أنزل [١] لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإِنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه.
وأمَّا الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النَّبيِّ الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأمَّا القرآن فإنَّما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدُّنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ثم نزل بعدُ مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ.
هكذا روى من غير وجه، عن ابن عباس، كما قال إسرإئيل: عن السدي، عن محمَّد بن أبي المجالد، عن مقسم عن ابن عباس: أنَّه سأل [٢] عطية بن الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك من [٣] قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقد أنزل في شوّال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرّم، وصفر، وشهر ربيع.
فقال ابن عباس: إنَّه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام.
رواه ابن أبي حاتم (٩٨٦) وابن مردويه، وهذا لفظه.
وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدُّنيا فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة؛ لجواب كلام النَّاس.
وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدُّنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلَّا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ [٤] عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وبينات﴾ أي: ودلائل وحجج بينة، واضحة، جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي [١] للضلال، والرشد المخالف للغي [٢]، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا: "شهر رمضان" ولا يقال: "رمضان".
قال ابن أبي حاتم (٩٨٧): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القُرَظي وسعيد -هو المقبري- عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى [٣]، ولكن قولوا: شهر رمضان.
قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس، وزيد بن ثابت، (قلت): أبو معشر: هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي [٤] وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: "باب يقال رمضان" (٩٨٨)، وساق أحاديث [في ذلك] [٥] منها: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٩٨٩) ونحو ذلك.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حَتْمٍ على من شهد استهلال الشهر -أي: كان مقيمًا في البلد حين [٦] دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة [٧] المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر، ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه.
ولما حتَّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض والمسافر [١] في الإِفطار، بشرط القضاء فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أوكان على سفر أي: في حال السفر [٢]، فله أن يفطر فإذا أفطر فعليه عدة [٣] ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا [٤] عليكم ورحمة بكم.
وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية: (إحداها [٥]: أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر.
وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى، عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم.
فإنه قد ثبتت [٦] السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فصام [٧] حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح (٩٩٠).
(الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والصحيح قول الجمهور؛ أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٩٩١).
فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة [٨] صائمًا لما ثبت في الصحيحين (٩٩٢) عن أبي الدرداء قال [٩]: خرجنا مع رسول الله ﷺ [في شهر رمضان] [١] في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [من شدّة الحر] [٢]، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
(الثالثة) قالت [٣] طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار [لفعل النبي ﷺ كما تقدم، وقالت [٤] طائفة: بل الإفطار أفضلَ] [٥] أخذًا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر؛ فقال: "من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه" (٩٩٣)، وقال في حديث آخر: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (٩٩٤)، وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة؛ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله؛ إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟
قال [٦] "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٩٩٥).
وهم في الصحيحين، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: "ما هذا"؟
قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، أخرجاه (٩٩٦)، فأمّا إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة (٩٩٧).
(الرابعه) القضاء هل يجب متتابعًا، أو يجوز فيه التفريق؟
فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء (والثاني) لا يجب التتابع بل إن شاء فرّق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر، لضرورة أدائه في الشهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا أبو [١] هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره" (٩٩٨).
وقال أحمد أيضًا (٩٩٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا [٢] عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة [٣] بن عروة الفقيمي، حدثني [٤] أبي عروة قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج [] [٥] يقطر رأسه من وضوء أو غسلٍ فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج [٦] في كذا؟
فقال رسول الله ﷺ: "إن دين الله في يسر" -ثلاثًا يقولها- ورواه الإِمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال، به.
وقال الإمام أحمد (١٠٠٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: [] [٧] حدثنا أبو التياح، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا"، أخرجاه في الصحيحين.
وفي الصحيحين (١٠٠١) أيضًا [١]: أن رسول الله، ﷺ، قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: "بشرا، ولا تنفرا، ويسرا، ولا تعسرا، وتطاوعا، ولا تختلفا".
وفي السنن، والمسانيد: أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (١٠٠٢).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري [٢]، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن [٣] بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي [فترآه ببصره] [٤] ساعة فقال: "أتراه يصلي صادقًا؟
"، قال: قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تسمعه فتهلكه"، وقال: "إن الله إنما [٥] أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر" (١٠٠٣).
ومعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر، ونحوهما من الأعذار؛ لأرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.
وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾، وقال: ﴿وَسَبِّحْ [٦] بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ* ومن اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد، والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.
وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولتكبروا الله [على ما هداكم] [١]﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته [٢] بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ قال ابن أبي حاتم (١٠٠٤): حدثنا أبي [حدثنا] [٣] يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني [٤]، عن الصُلْب [٥] بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد [فنناديه؟
فسكت النبي ﷺ] [٦] فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت".
ورواه ابن جرير: عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به] [٧].
ورواه ابن مردويه، وأبو الشيخ الأصبهاني: من حديث محمد بن أبي حميد، عن جرير به.
وقال ابن الرزاق (١٠٠٥) أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ [النبي ﷺ] [٨]: أين ربنا؟
فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية.
وقال ابن جريج: عن عطاء أنه بلغه لما نزلت: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ قال الناس [لو نعلم] [١]: أي ساعة ندعو؟
فنزلت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وقال الإمام أحمد (١٠٠٦): حدَّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدَّثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة [٢]، فجعلنا لا نصعد شرفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا فقال: "يا أيها الناس اربعوا [٣] على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟
لا حول ولا قوة إلا بالله".
أخرجاه في الصحيحين، وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن ابن [مل عنه] [٤] بنحوه.
وقال الإمام أحمد (١٠٠٧): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا [٥] شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عن أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني".
وقال الإمام أحمد (١٠٠٨) أيضًا [٦]: حدَّثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدَّثنا إسماعيل بن عبيد [١] الله، عن كريمة بنت [] [٢] حسحاس [٣] المزنية [٤] قالت: حدَّثنا أبو هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه رسلم يقول: "قال الله تعالى [٥]: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه".
(قلت): وهذا كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، كقوله [٦] لموسى وهارون ﵉: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داعٍ، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه [٧] ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال [٨] الإمام أحمد (١٠٠٩): حدَّثنا يزيد، حدثنا رجل، أنه سمع أبا عثمان- وهو [٩] النهدي- يحدّث عن سلمان- يعني الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى ليستحي [١٠] أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" - قال يزيد: سموا لي هذا الرجل فقالوا: جعفر بن ميمون.
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه.
و [١] قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي [٢] ﵀ في أطرافه (١٠١٠): وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي به.
وقال الإمام [٣] أحمد أيضًا (١٠١١): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا علي عن [٤] أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصاله: إمّا أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذًا نكثر [٥]، قال: "الله أكثر".
وقال عبد الله بن الإمام أحمد (١٠١٢): حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدَّثنا ابن [٦] ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم: أن النبي ﷺ قال: "ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم".
ورواه الترمذي: عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان -وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان- به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقال الإمام مالك (١٠١٣): عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وهذا لفظ البخاري ﵀، وأثابه الجنة.
وقال مسلم [في صحيحه] [١] (١٠١٤): حدثني أبو الطاهر، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ، أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل"، قيل: يا رسول الله و [٢] ما الاستعجال؟
قال: "يقول قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر [٣] عند ذلك، ويترك الدعاء".
وقال الإمام أحمد (١٠١٥): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو [٤] هلال، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا يزال العبد بخير [٥] ما لم يستعجل"، قالوا: وكيف يستعجل؟
قال: "يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي".
وقال الإمام [٦] أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، حدَّثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة، فتذهب حتى تعجل [١] له في الدنيا، أو تؤخر [٢] له في الآخرة، إذا [هو] [٣] لم يعجل، أو يقنط، قال عروة: قلت: يا أمّاه كيف عجلته وقنوطه؟
قالا: يقول: سألت فلم أعْطَ [٤]، ودعوت فلم أُجَبْ.
قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب قوله يقول عائشة سواء.
وقال الإمام أحمد (١٠١٦): حدثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي [٥]، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه، وأنتم موقنون [٦] بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل".
وقال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن [٧] أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أُتي بن [٨] نافع بن [معد يكرب] [٩] ببغداد، حدثني [ابن أبي] [١٠] نافع [حدثني أبي نافع] [١١] بن [معد يكرب] [١٢] قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية [١٣] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: "يا رب مسألة عائشة"، فهبط جبريل فقال: "الله يقرئك [١٤] السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه نقي، يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته" (١٠١٧).
وهذا [١] حديث غريب من هذا الوجه.
وروى ابن مردويه: من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس [٢]، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإِجابة؛ لبيك اللهم لبيك لبيك [٣] لا شريك لك لبيك، إن الحب والنعمة لك، والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفوًا أحد، وأشهد أن وعدك حقّ ولقاءك [٤] حق، والجنة حق، والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" (١٠١٨).
وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٠١٩): وحدثنا [٥] الحسن بن يحيى الأرزي [٦]، ومحمد بن يحيى القُطَعي [٧] قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس: أن [٨] النبي، ﷺ، قال: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني، لا [٩] تشرك بي شيئًا، وأمّا التي لك فما عملت من شيء، [أو من عمل] [١٠] وفقوله، وأمّا التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة".
وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام-: إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة، بل وعند كل فطر.
كما رواه الإِمام أبو داود الطيالسي في مسنده (١٠٢٠): حدثنا أبو محمَّد المليكي، عن عمرو [-هو ابن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو- عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو] [١] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة"، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا.
وقال أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه في سننه (١٠٢١): حدَّثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن عبيد الله المدني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ: "إن للصائم عند فطره لدعوة [٢] ما ترد"، قال عبد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي.
وفي مسند الإمام أحمد (١٠٢٢)، وسنن [الترمذي، والنسائي] [٣] وابن ماجه عن أخبرنا هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح [٤] لها أبواب السماء، ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين".
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ هذة رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل، والشرب، والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام، أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو الجماع؛ قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسالم بن عبد الله، وعمرو بن دينار، والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدّي، ومقاتل بن حيان: يعني [١] هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
وقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم، وأنتم لحاف لهنّ، وحاصله أنّ الرجل والمرأة كل منهما.
يخالط الآخر، ويماسه، ويضاجعه، فنايسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا، قال الشاعر: إذا ما الضجيع [ثنى جيدها] [٢] … تداعت فكانت عليه لباسا وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدّم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق: عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، وكان [٣] يومه ذاك [٤] يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟
قالت: لا ولكن [٥] أنطق فأُطلب لك، فغلبته عينه فَنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائمًا قال: خيبة لك!
أنمت؟
فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ففرحوا بها فرحًا شديدًا (١٠٢٣).
ولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله [عليهم] [١]: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١٠٢٤).
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء، والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم أن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء، والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله، عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وكذا روى العوفي عن ابن عباس.
وقال موسى بن عقبة: عن كريب، عن ابن عباس قال: أن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون، ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذ نام أحدهم لم يطعم، ولم يشرب، ولم [٢] يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام وجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت قال: "وما [٣] صنعت؟
" قال: إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: "ما كنتَ خليقًا أن تفعل"، فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، رإن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه [٤] بعد صلاه المغرب فنام، ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني بالرفث: مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني [١] تجامعون النساء، وتأكلون، وتشربون بعد العشاء ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: جامعوهن ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة.
وقال هشيم: عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل من [٢] أهله، فقالت: إنها قد نامت فظنتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
وهكذا رواه شعبة: عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى به (١٠٢٥).
وقال أبو جعفر بن جرير (١٠٢٦): حدّثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث، عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية.
وهكذا روي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة والسدي [٣] وقتادة، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والمام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا.
وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وشريح القاضي، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والربيع بن أنس، والسدي، وزيد بن أسلم، والحكم بن عتيبة، ومقاتل بن حيان، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة وغيرهم: يعني: الولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الجماع.
وقال عمرو بن مالك البكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: قال قتادة: ابتغوا [١] الرخصة التي كتب الله لكم [وقال سعيد عن قتادة ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾] [٢] يقول ما أحل الله لكم.
وقال عبد الرزاق أيضًا أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو ﴿اتبعوا﴾؟
قال: أيتهما شئت عليك بالقراءة الأولى.
واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله.
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدّم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أبو عبد الله البخاري (١٠٢٧): حدّثني [٣] ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمَّد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ [ولم ينزل] [٤]: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل والنهار.
قال الإِمام أحمد (١٠٢٨): حدثنا هشيم [٥]، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت [١] أنظر إليهما فلا [٢] يتبين [٣] لي الأبيض من الأسود [] [٤]، فلما أصبحت غدوت إلى [٥] رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك [٦] بياض النهار و [٧] سواد الليل".
أخرجاه في الصحيحين (١٠٢٩) من غير وجه عن عدي، ومعنى قوله إن وسادك إذًا لعريض، أي: إن كان [ليسع لوضع] [٨] الخيط الأبيض والأسود المرادين من هذه الآية [تحتها، فإنهما] [٩] بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.
وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي قال: أخذ عدي عقالًا [أبيض و] [١٠] عقالًا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا [١١]، فلما أصبح قال: يا رسول الله؛ جعلت تحت وسادتي، قال: " [إن وسادك إذا لعريض] [١٢] إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" (١٠٣٠).
وجاء في بعض الألفاظ: "إنك لعريض القفا"، ففسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف؛ باب يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم.
ويفسره رواية البخاري أيضًا [١٣]: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما [١٤] الخيطان؟
قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار" (١٠٣١).
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "تسحروا فإن في السحور بركة" (١٠٣٢) وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن فصل [١] ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور [٢] " (١٠٣٣).
وقال الإِمام أحمد (١٠٣٤): حدثنا إسحاق بن عيسى -هو ابن الطباع- حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرّع [٣] جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".
وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى قريب انفجار الفجر كما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟
قال: قدر خمسين آية (١٠٣٥).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان [٤]، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإِفطار، وأخروا السحور" (١٠٣٦).
وقد ورد في [١] أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه الغداء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة [بن اليمان] [٢] قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ وكان النهار إلا أن الشمس لم [٣] تطع (١٠٣٧).
وهو حديث تفرّد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي قاربن انقضاء العدة، فإما إمساك بمعروف [٤] أو ترك للفراق [٥]، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه، أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر حتى أن بعضهم ظن طلوعه، وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كبيرة [٦] من السلف أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هروة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كبيرة [٧] من التابعين منهم: محمَّد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل، وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر [٨] بن راشد، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.
وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإِمساك من طلوع الشمس، كما يجوز الإِفطار بغروبها.
(قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (١٠٣٨): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعنكم [١] أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، لفظ البخاري.
وقال الإمام أحمد (١٠٣٩): حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر".
ورواه أبو داود، والترمذي ولفظهما (١٠٤٠): " كلوا واشربوا ولا يهيدنكم [٢] الساطعُ المصعِد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر".
وقال [٣] ابن جرير [٤]: حدثنا محمد بن المثني، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يغرنكم نداء بلال، وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر" (١٠٤١).
ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنطة، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنعنكم [١] من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق" (١٠٤٢).
قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض -[لعمود الصبح- حتى] [٢] يستطير" (١٠٤٣).
ورواه مسلم في صحيحه (١٠٤٤)، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم -هو [٣] ابن علية- مثله [٤] سواء.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان [٥] التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره -أو قال: نداء [٦] بلال- فإن بلالًا يؤذن بليل -أو قال [٧]: ينادي لينبه نائمكم، وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا أو هكذا حتى يقول [١]، هكذا"، ورواه من وجه آخر عن التيمي به (١٠٤٥).
وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "الفجر فجران: فالذي كأنه ذَنب السِّرحان [٢] لا يحرم شيئًا، وأما [٣] [] [٤] المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام [٥] " (١٠٤٦)، وهذا مرسل جيد.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال [٦]: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران: فأما الذي يسطع في السماء، فليس يحل: لا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير [٧] علي رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب.
و [٨] قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء -وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا- فإنه لا يحرم به شراب للصائم [٩]، ولا صلاة، ولا يفوت به الحج [١٠]، ولكن إذا انتشر علي رءوس الجبال حرم الشراب للصيام وفات الحج.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏.
(مسألة) ومِن جَعلِهِ تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام، والشراب لمن أراد الصيام، يستدل علي أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة، وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم (١٠٤٧).
وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي.
وفي صحيح مسلم في عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟
فقال رسول الله ﷺ: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" (١٠٤٨).
فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم وأعلمكم بما أتقي".
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٠٤٩): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ" فإنه حديث جيد الإِسناد علي شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين (١٠٥٠) عن أبي هريرة عن الفضل بن عباس [١] [عن النبي ﷺ.
وفي سنن النسائي عنه، عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس] [٢] ولم يرفعه (١٠٥١).
فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكي هذا عن أبي هريرة، وسالم، وعطاء، وهشام بن عروة، والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا، فلا حرج [٣] عليه؛ لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا، فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يُحكي هذا عن عروة، وطاوس، والحسن، ومنهم من فرق بين الفرض فيتمه ويقضيه [٤]، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري: عن منصور، عن إبراهيم النخعي، وهو رواية عن الحسن البصري أيضًا، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديث [١] عائشة، وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه.
وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة [٢] وهو بعيد أيضًا وأبعد [٣] إذ لا تاريخ، بل الظاهر من التاريخ خلافه، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة علي نفي الكمال، فلا صوم له؛ لحديث عائشة وأم سلمة الدالين علي الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال [٤] وأجمعها، والله أعلم.
وقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا، كما جاء في الصحيحين (١٠٥٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قا: قال رسول الله- ﷺ: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم".
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجاه أيضًا (١٠٥٣).
وقال الإمام أحمد (١٠٥٤): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قرة بن عبد الرحمن، عَن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "يقول الله ﷿ إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا"، ورواه الترمذي من غير وجه، عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وقال أحمد أيضًا (١٠٥٥): حدثنا عفان، حدثنا عبيد [٥] الله بن إياد [٦]، سمعت إياد بن لقيط، [قال:] [٧] سمعت ليلي، امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ﴿ثُمَّ [١] أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا كان الليل فأفطروا".
ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل [صوم يوم] [٢] بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تواصلوا"، قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: "فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني [٣] "، قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل بهم [٤].
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (١٠٥٦).
وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (١٠٥٧).
وعن عائشة، ﵂، قالت: نهى رسول الله، ﷺ، عن الوصال رحمة لهم، فقالوا [٥]: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني [٦] " (١٠٥٨).
فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي، ﷺ، وأنه كان يقوى علي ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي ولكن كما قال الشاعر: لها أحاديث من [١] ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلي وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعم يطعمني وساقٍ يسقيني [٢] "، أخرجاه في الصحيحين أيضًا (١٠٥٩).
وقال ابن جرير (١٠٦٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبس [٣]، عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرت برسول الله ﷺ، وهو يتسحر، فدعاها إلي الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: "وكيف تصومين"؟
فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر".
وقال الإمام أحمد (١٠٦١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر.
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (١٠٦٢)، وغيره من السلف؛ أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم علي أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم.
ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشادي من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: "رحمة لهم" فكان ابن الزبير، وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه؛ لأنهم كانوا يجدون قوّة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون علي السمن والصبر؛ لئلا تتخرق [١] الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم.
وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل [٢] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال [٣] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو [٤] نهارًا حتى يقضي اعتكافه.
وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره، وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية.
قال ابن أبي حاتم (١٠٦٣): وروي [٥] عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف.
وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يتلبث [٦] فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل [٧]، وليس له أن يقبل امرأته ولا أن [٨] يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود [٩] المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه.
وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه [١٠]: منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة [١١].
ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه علي ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد، وتنبيه علي الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما [ثبت] [١] السنة عن رسول الله، ﷺ، أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿ ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه (١٠٦٤) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.
وفي الصحيحين (١٠٦٥) أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا -وفي رواية تواريا- أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما [النبي] [٢] ﷺ: "علي رسلكما إنها صفية بنت حيي" أي: [لا تسرعا، واعلما أنها صفية بنت حيي] [٣] أي زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال [ﷺ]: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال شرّا".
قال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلم أمّته التبري من التهمة في محلها؛ لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى من [٤] أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم، ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع، ودواعيه من تقبيل ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء، ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين (١٠٦٦) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله، ﷺ، يدني إليّ رأسه، فأرجله، وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه، وما حرمنا، وذكرنا [١] غاياته، ورخصه، وعزائمه حدود الله أي: شرعها الله، وبينها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها [٢]، وكان الضحاك، ومقاتل يقولان في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: المباشرة في الاعتكاف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ حتى يبلغ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا، ويتلونه علينا: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بين الصيام وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده، ورسوله محمد، ﷺ، ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم: أنه آثم أكل حرام.
وكذا روي، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم.
وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة (١٠٦٧): أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن [٣] بحجته من بعض [فأقضي له] [٤]، فمن قضيت له، بحق مسلم، فإنما هي [٥] قطعة من نار، فليحملها، أو ليذرها".
فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو ملزم [١] في الظاهر، فإن طابق [ما] [٢] في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه [٣] في كلامكم.
قال قتادة: اعلم يا بن آدم: [أن قضاء] [٤] القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى، وتشهد [٥] به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضِيَ له بباطل: أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ قال العوفي: عن ابن عباس سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يعلمون بها حل دَيْنهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.
و [٦] قال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟
فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾.
يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دَيْنهم.
وكذا روي عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق: عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: "جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا".
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن أبي رواد، به (١٠٦٨).
وقال: [كان ثقة] [١] عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه [٢] محمد بن جابر: عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ: "جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (١٠٦٩).
وكذا روي من حديث أبي هريرة (١٠٧٠)، ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁.
وقوله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
قال البخاري (١٠٧١): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
وكذا رواه أبو داود الطالسي (١٠٧٢): عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم [٣] لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذة الآية.
وقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطة [٤] بن عامر [من الأنصار] [١] فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة [٢] بن عامر رجل فاجر [٣]، وإنه خرج معك من الباب، فقال [٤] له: "ما حملك على ما صنعت؟
" قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت.
فقال: إني أحمس.
قال له: فإن ديني دينك.
فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
رواه ابن أبي حاتم، ورواه العوفي، عن ابن عباس بنحوه، وكذا روي عن مجاهد، والزهري، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، و [٥] خرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه: أن يقيم، ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.
الآية.
وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية.
وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم [دخلوا منازلهم] [٦] من ظهورها، ويرون [٧] أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾] [٨].
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم بأعمالكم [٩] على التمام والكمال.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نرلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله، ﷺ، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم [١] أنتم كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن [٢] همتكم منبعثة على قتالهم كما أن [٣] همتهم منبعثة [٤] على [٥] قتالكم وعلى [٦] إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله [٧] الحسن البصري- من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة (١٠٧٣): أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا [٨] من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا [٩] [ولا أصحاب الصوامع"، رواه الإمام أحمد] [١٠].
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا [١]، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" (١٠٧٤)، رواه الإِمام أحمد.
ولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (١٠٧٥)، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (١٠٧٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [٢] قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا [واحد، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر] [٣] وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف، ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة [٤]، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا [٥] إلى عدوّهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة [٦] " (١٠٧٧).
هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم [١] فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا.
ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكافر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله أبلغ وأشدّ، وأعظم، وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل.
وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يقول: الشرك أشد من القتل.
وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم [القيامة، ولم يحل [لي] [٢] إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [٣]، لا يُعْضَد [٤] شجره، ولا يختلى [٥] خلاه [٦]، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (١٠٧٨).
يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله [٧] يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم [٨] عند الخندمة [٩]، وقيل: صلحًا لقوله: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا [١] تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم، وقتلهم دفعًا للصيال [٢]، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف، والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام، والتوبة فإن الله يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.
ثم أمر الله [٣] تعالى بقتال الكفار ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١٠٧٩)، وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (١٠٨٠).
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره: فإن انتهوا، فقد تخلصوا من الظلم -وهو الشرك- فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة، والمقاتلة كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، ولهذا قال [١]، عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
وقال البخاري (١٠٨١): قوله [٢]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ … ﴾ الآية: حدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضُيَّعُوا [٣]، وأنت ابنُ عمر، وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟
فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟
فقال [٤]: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى [٥] يكون الدين لغير الله.
وزاد عثمان بن صالح: عن ابن وهب، [قال] [٦] أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر [٧] عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟
فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوت الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحَج البيت، قال [٨]: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ، وكان الإِسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة.
قال: فما قولك في علي وعثمان؟
قال: أمّا عثمان فكان [بالله عفا عنه] [٩]، وأمّا أنتم فكرهتم أن يعفو [١٠] عنه، وأمّا علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث [١١] ترون.
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ قال عكرمة: عن ابن عباس، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقسم، والربيع بن أنس، وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله ﷺ معتمرًا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان [١] معه من المسلمين، وأقصَّه [٢] الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى ويغزو [٣]، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (١٠٨٢).
هذا إسناد صحيح، ولهذا لما بلغ النبي ﷺ وهو مُخَيَّم بالحديبية أن عثمان قد [٤] قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة، تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان.
وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين، وتحصن فَلُّهم [٥] بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق، واستمر عليها إلى كمال أربعين يومًا كما ثبت في الصحيحين عن أنس (١٠٨٣)، فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعًا إلى مكة، واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضًا عام ثمان.
صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين كما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال [١] بالمدينة، وقد رد هذا القول ابن جرير وقال: بل هذه [٢] الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، عن سليمان، قال [٣]: سمعت أبا وائل، عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (١٠٨٤).
ورواه ابن أبي حاتم (١٠٨٥)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مثله، قال: وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسططينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة!
فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله، ﷺ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيّا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا، وأولادنا فنقيم فيهما، فنزلت فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإِقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد.
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به (١٠٨٦).
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل -[يريد] [١] فضالة بن عبيد-، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله!
ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية.
وقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟
قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، [وإنما هذه] [٢] في النفقة.
رواه ابن مردويه، وأخرجه [٣] الحاكم في مستدركه (١٠٨٧) من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ورواه الثوري وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء فذكره، وقال بعد قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٨٨): حدَّثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث [١]، [حدّثني الليث] [٢]، حدَّثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل [٣]، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال اللَّه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال [٤]: ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة.
وقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وقال الحسن البصري ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل.
وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي!
فأنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السَّلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني نحو قول النعمان بن بشير، إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك، ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا (١٠٨٩): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي [محمد بن كعب] [١] أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، [أنفق البائس من زاده] [٢] حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وبه قال ابن وهب أيضًا (١٠٩٠): أخبرني عبد الله بن عياش [٣]، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أن رجالًا كانوا بخرجون في بعوث بعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فإمّا أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالًا [٤]، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي.
وقيل لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل [٥] ذلك بأنه هلاك ودمار لمن [٦] لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أَعلى مقامات الطاعة فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما؛ ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتاب [١] الأحكام مستقصى، ولله الحمد والمنة.
وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة [٢]، عن علي أنه قال في هذه الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ قال: [أن تحرم] [٣] من دويرة أهلك.
وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.
وعن سفيان الثوري أنه قال [في هذه الآية: إتمامهما] [٤] أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
وقال عبد الرزاق (١٠٩١): أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾: من تمامهما [٥] أن تفرد [كل واحد] [٦] منهما من الآخر، وأن تعتمر [٧] في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وقال هشيم، عن ابن عون، قال [٨]: سمعت القاسم بن محمد يقول: أن العمرة في أشهر الحج ليست بتامّة، فقيل له [فالعمرة في المحرّم] [٩] قال: كانوا يرونها تامّة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: [عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة] [١٠] سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في في القعدة سنة عشر، وما [١] اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأمّ هانئ [٢].
"عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (١٠٩٢).
وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه ﵇ فاعتاقت عن ذلك بسبب الظهر [٣]، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها؛ والله أعلم.
وقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ أي: أقيموا الحج والعمرة.
وقال علي بن أبي [٤] طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ يقول من أحرم [بحج أو بعمرة] [٥] فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة [وطاف بالبيت] [٦] وبالصفا والمروة فقد حل.
وقال قتادة: عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف.
وكذا روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ قال: هي قراءة عبد الله: (وأقيموا [٧] الحج والعمرة [٨] إلى البيت) لا تجاوز بالعمرة البيت.
قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.
وقال سفيان: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت.
[وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم: أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] [١].
وقرأ الشعبي: (وأتموا الحج والعمرةُ لله) برفع العمرة وقال: ليست بواجبة، وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعدّدة، عن أنس وجماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة" (١٠٩٣).
وقال في الصحيح أيضًا: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
وقد روى الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، متضمخ [١] بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟
قال: فأنزل الله (﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "أين السائل عن العمرة؟
" فقال: ها أنا ذا.
فقال له: "ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] في حجتك فاصنعه في عمرتك" (١٠٩٤).
هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق، فسكت رسول الله ﷺ ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟
" فقال: ها أنا ذا، فقال: "أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" (١٠٩٥).
ولم يذكر فيه الغسل، والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه [٢] الآية، وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست -أي عام الحديبية- حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رءوسهم] [٣]، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم، ﵇، بأن يحلقوا رءوسهم، وأن [٤] يتحللوا، فلم يفعلوا؛ انتظارًا للنسخ حتى [خرج، فحلق] [٥] رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال رسول الله ﷺ: "رحم الله المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، فقال في الثالثة: "والمقصرين" (١٠٩٦)، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره، على قولين: فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان، عن [١] عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [فليس الأمن حصرًا] [٢].
قال: وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم نحو ذلك.
والقول الثاني: أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق، أو نحو ذلك، قال [٣] الإِمام أحمد: حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا حجاج [] [٤] الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من كسر، أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى"، قال: فذكرت ذلك لابن عباس، وأبي هريرة فقالا: صدق.
وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به (١٠٩٧)، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: "من عرج، أو كسر، أو مرض" فذكر معناه.
ورواه ابن أبي حاتم: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر.
وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه.
وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ، دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله؛ إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" (١٠٩٨).
ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله (١٠٩٩)، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علق الإِمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد [١] صح، ولله الحمد.
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قال الإِمام مالك: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة، وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن.
وقال الثوري: عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة.
وكذا قال عطاء، ومجاهد وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، وابن عمر أنهما كان لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل، والبقر.
قال: وروي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير نحو ذلك.
(قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية الحديبية، فإنه [٢] لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك [٣] شاة، وإنما ذبحوا الإبل، والبقر، [ففي الصحيحين (١١٠٠) عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل، والبقر] [٤] كل سبعة منا في بقرة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته.
وقال العوفي: عن ابن عباس إن [١] كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم.
وقال هشام بن عروة: عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء.
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن، وابن عم رسول الله، ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت (١١٠١): أهدى النبي، ﷺ، مرة غنمًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير رحمه الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريق عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما أن كان مفردًا، أو متمتعًا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟
فقال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (١١٠٢).
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام فقال [٢]: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا!
أما تجد شاة؟
"، قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك"، فنزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة (١١٠٣).
وقال الإمام أحمد (١١٠٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي ﷺ وأنا أوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي أو قال حاجبي، فقال: "يؤذيك هوام رأسك؟
"، قلت: نعم.
قال: "فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة" قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.
وقال أحمد أيضًا (١١٠٥): حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، على مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة [١] فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرّ بي رسول الله ﷺ فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟
"، فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
وكذا رواه عفان [٢] عن شعبة عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - به (١١٠٦)، وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، وعن شعبة، عن داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه.
ورواه الإِمام مالك (١١٠٧): عن [حميد بن] [٣] قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكر نحوه.
وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، أنَّه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، رواه [٤] ابن مردويه، وروى أيضًا من حديث عمر بن قيس، سندل [٥]-وهو ضعيف- عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة" (١١٠٨)، وكذا روي عن علي، ومحمد بن كعب، وعلقمة [١]، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال ابن أبي حاتم (١١٠٩): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة أنَّه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مُدّين مدّين لكل إنسان، أو انسك شاة، أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك".
وهكذا روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان [أو، أو] [٢] فأية أخذت أجزأ عنك.
قال ابن أبي حاتم، ورُوي عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضحاك نحو ذلك.
(قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء، أنَّه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدّق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، وهو مدّان، وإن شاء ذبح شاة، وتصدّق بها على الفقراء، أيَّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
ولما أمر النبي، ﷺ، كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال: "انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام" فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة.
وقال ابن جرير (١١١٠): حدثنا أبو كريب: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه يقول: يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم، وجُعل مكانها طعام، فتصدّق، وإلا صام لكل [٣] نصف صاع يومًا، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر قال: لما [قام] [١] قال لي سعيد بن جبير: من هذا؟
ما أظرفه [٢]!
قال: قلت: هذا إبراهيم.
فقال ما أظرفه [٣]!
كان يجالسنا، قال: فذكرت ذلك لإِبراهيم.
قال: فلما قلت يجالسنا انتفض منها.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد [٤] الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين مكوكين [٥]، مكوكًا من تمر، ومكوكًا من بر، والنسك شاة.
وقال قتادة: عن الحسن، وعكرمة في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين.
وهذان القولان من سعيد بن جبير، وعلقمة، والحسن، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السّنة في حديث كعب بن عجرة بصيام [٦] ثلاثة أيام لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب، فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن، وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا والله أعلم.
وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنَّه كان يقول: ما كان من دم، أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن.
وقال هشيم، أخبرنا حجاج، وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنَّه كان قوله: ما كان من دم فبمكة؛ وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى [٧] ابن جعفر قال: حج عثمان بن عفان، ومعه علي والحسين بن علي، فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر، فإذا نحن برجل نائم، وناقته عند رأسه، قال: فقلت أيها النائم [٨]!
فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي، قال فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليَّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرّضناه [٩] نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين ما الذي تجد؟
قال: فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثمَّ دعا ببدنة فنحرها، فإن كانت هذه الناقة عن الحلق ففيه أنَّه نحرها دون مكة.
وإن كانت عن التحلل [١] فواضح.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا [٢] تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو التمتع] [٣] الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء.
والتمتع [٤] العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله، ﷺ.
وآخر يقول قرن.
ولا خلاف أنَّه ساق هديًا.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي.
وأقله شاة وله أن يذبح البقر؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر.
وقال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي مسلم، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، ذبح بقرة عن نسائه، وكن متمتعات.
رواه أبو بكر بن مردويه (١١١١).
وفي هذا دليل على مشروعية [٥] التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين (١١١٢) قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله، ﷺ.
ثمَّ لم ينزل قرآن يحرمها [٦]، ولم ينه عنها، حتى مات.
قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به: أن عمر ﵁ كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إنْ نأخذ [٧] بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر [٨] قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به، ﵁.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك.
قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء.
أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره، لقوله ﴿فِي الْحَجِّ﴾، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوّال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد.
وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان.
وقال العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا [١] كان يوم عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة [٢]، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل يوم [٣] التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة.
وكذا روي عن [٤] جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أيضًا.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟
فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنَّه يجوز له صيامها لقول عائشة، وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي (١١١٣).
هكذا رواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وعن سالم، عن ابن عمر، وقد روي من غير وجه عنهما (١١١٤).
ورواه سفيان، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أنَّه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق.
وبهذا يقول عبيد بن عمير [٥] الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
والجديد من القولين: أنَّه لا يجوز صيامها أيام التشريق، لما رواه مسلم (١١١٥): عن نُبَيشَةَ الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ﷿".
وقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم [إلى رحالكم] في الطريق؛ ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق.
وكذا قال عطاء بن أبي رباح.
والقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم.
قال عبد الرزاق (١١١٦): أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله.
وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس.
وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإِجماع.
وقد قال البخاري (١١١٧): حدثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه [١] الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله، ﷺ، فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ، بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد.
فلما قدم النبي، ﷺ، مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم [٢] أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله".
وذكر تمام الحديث.
قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة، بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين (١١١٨) من حديث الزهري به.
وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا [٣] مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾.
وقيل [١]: [معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ الأمر بإكمالها وإتمامها اختاره ابن جرير] [٢]، وقيل [٣]: معنى [٤] ﴿كَامِلَةٌ﴾ أي: مجزئة [٥] عن الهدي.
قال [٦] هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم.
حدَّثنا ابن بشار، حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان -هو الثوري- قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم، وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه.
وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة؛ لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا أو قال يجعل بينه وبين الحرم واديًا ثمَّ [٧] يهل بعمرة.
وقال عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم.
وذلك [٨] قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.
وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت كما قال عبد الرزاق (١١١٩): أخبرنا [معمر، عن] [٩] عطاء قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع.
وقال عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن [١٠] جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات.
وقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ [١] وعُرنة [٢] وضَجْنان والرجيع.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، سمعت الزهري، يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ومن كان منه على مسافة [لا يقصر] [٣] فيها الصلاة، لأنَّ من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم و [ما نهاكم] [٤] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ اختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإِحرام بالحج فيها أكمل من الإِحرام [به] [٥] فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإِحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحْتُجَّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وبأنه أحد النسكين فصحَّ الإِحرام به في جميع السنة كالعمرة.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عمرة؟
فيه قولان عنه، والقول بأنّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد، ﵏، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات] [٦]، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدلّ على أنَّه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.
وقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي [١]، عن حجاج بن محمَّد الأعور، عن ابن جريج به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين، عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة [٢]، عن مقسم، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: من السنة أن [٣] لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وقال ابن خزيمة في صحيحه (١١٢٠): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا [٤] أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج] [٥]، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه.
وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع [٦]، حدَّثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي ﷺ؛ أنَّه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج".
وإسناده لا بأس به، ولكن [٧] رواه الشافعي والبيهقيُّ (١١٢١): من طرق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير؛ أنَّه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟
فقال: لا.
وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال البخاري (١١٢٢): قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا الذي علقه البخاري عنه [٨] بصيغة الجزم رواه ابن جرير (١١٢٣) موصولا [١]: حدَّثنا [٢] أحمد بن حازم بن أبي غرزة [٣]، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من [٤] ذي الحجة.
إسناده [٥] صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه (١١٢٤)؛ عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد [٦] الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره وقال: هو [٧] على شرط الشيخين.
(قلت): وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وأبي ثور، ﵏.
واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: رأيته [٨] العام، ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم [قال الله تعالى] [٩]: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ وإنما تعجل في يوم ونصف يوم [١٠].
وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعيُّ في القديم] [١١]: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضًا، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن أبي [١٢] مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (١١٢٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج؛ قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟
قال: نعم، كان عبد الله يسمي [شوّالًا وذا القعدة وذا الحجة] [١]، قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكي هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد، وعروة بن الزبير، والربيع بن أنس وقتادة، وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه، من طريق حصين بن مخارق -وهو متهم بالوضع- عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "الحج أشهر معلومات شوّال وذو القعدة وذو الحجة".
وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.
وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس ابن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة.
وهذا إسناد صحيح.
قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج.
وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج ..
فقال: كانوا لا يرونها تامّة.
(قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حباب فيه دلالة على لزوم إلا حرام بالحج والمضي فيه.
قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام [٢].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة، وقال عطاء: الفرض: الإِحرام، وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم.
وقال ابن جريج: أخبرني [١] عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وابن الزبير ومجاهد، وعطاء وإبراهيم النخعي، وعكرمة والضحاك، وقتادة وسفيان الثوري، والزهري ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية.
وقوله: ﴿فلا رفث﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كذلك يحرم تعاطي دراعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال [٢] والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم.
قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب مثله.
قال ابن جرير (١١٢٦): وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس؛ أنه كان يحدو وهو محرم وهو يقول: وَهُنَّ يمشِينَ بنا همِيسا … إِنْ يصدُقِ الطيرُ نَنَكْ لميسا قال أبو العالية: فقلت تكلم بالرفث وأنت محرم؟
قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.
ورواه الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن جرير أيضًا (١١٢٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، حدثني زياد بن حصين، حدثني أبي حصين بن قيس؛ قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاجّ [٣] وكنت خليلًا له، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه [رهو يرتجز] [٤] ويقول: وهنّ يمشين بنا هميسا … إن تصدق [١] الطير ننك لميسا قال: فقلت أترفث وأنت محرم؟
فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء.
وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه، سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العَرَابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث.
وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار، وقال عطاء: كانوا يكرهون العَرَابة وهو التعريض [بذكر الجماع] [٢] وهو محرم.
وقال طاوس: هو أن يقول [٣] للمرأة: إذا حللت أصبتك، وكذا قال أبو العالية.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة [٤] والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك.
وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث غشيان النساء، وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، وإبراهيم وأبو العالية، وعطاء ومكحول [وعطاء الخراساني] [٥] وعطاء بن يسار، وعطة وإبراهيم النخعي، والربيع والزهري، والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك، والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقوله: ﴿ولا فسوق﴾، قال مقسم وغير واحد عن ابن عباس: هي المعاصي، وكذا قال عطاء ومجاهد، وطاوس وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن وقتادة، وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس، وعطاء بن يسار، وعطء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: الفسوق [ما أصيب من معاصي الله صيدًا] [٦] أو غيره، وكذا روى ابن وهب: عن يونس، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال آخرون: الفسوق هاهنا السباب قاله ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير ومجاهد، والسدي وإبراهيم النخعي [١] والحسن، وقد يتمسك لهولاءِ بما ثبت في الصحيح (١١٢٨): " سباب المسلم فسوق وقتاله [٢] كفر".
[ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه (١١٢٩)، ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه (١١٣٠)] [٣].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق هاهنا الذبح للأصنام، قال الله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب.
والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو [٤] جميع المعاصي [معهم الصواب]، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد- ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ - وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
واختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإِحرام من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظفار، ونحو ذلك كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى [٥]، والله أعلم.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه" (١١٣١).
وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان: أحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج، وفي مناسكه، وقد بينّه الله أتم كان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس.
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج] [١] قد تبين، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمّهم الله به.
وقال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع [٢]، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج فلا جدال فيه، وكذا قال السدي.
وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج، وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج والله أعلم أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاءِ: نحن أصوب، وهول هؤلاءِ: نحن أصوب، فهذا فيما نرى والله أعلم.
وقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، [فقطعه الله حين] [٣] أعلم نبيه بالمناسك.
وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم.
وقال حماد بن سلمة [٤]: عن جبر [٥] بن حبيب عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم الحج غدًا، ويقول بعضهم: الحج [٦] اليوم.
وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج [والله أعلم] [٧].
(والقول الثاني): أن المراد بالجدال هاهنا الخاصمة.
قال ابن جرير: حدَّثنا عبد الحميد بيان، حدَّثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن [٨] مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
وبهذا الإِسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي: سألت ابن عباس عن الجدال قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه.
وكذا [١] روى مقسم، والضحاك عن ابن عباس، وكذا قال أبو العالية، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، ومكحول، والسدي، ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: الجدال] [٢] المراء والملاحاة حتى تُغْضب [٣] أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك.
وقال إبراهيم النخعي ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال، وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر قال: الجدال [في الحج] [٤]: السباب والمنازعة، وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج: السباب والمراء والخصومات، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن [٥] الزبير، والحسن، وإبراهيم، وطاوس، ومحمد بن كعب قالوا: الجدال المراء.
وقال عبد الله بن المبارك: عن يحيى بن بشير، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تُغْضب [٦] عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب [٧] مملوكًا، فتغضبه من غير أن تضربه فلا بأس عليك إن شاء الله.
(قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (١١٣٢): حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ﵌ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله، ﷺ، وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة [٨] أبي بكر، وزمالة رسول الله، ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو [٩] بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فأطلع وليس معه بعيره فقال: أين بعيرك؟
فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟
فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع!
".
وهكذا أخرجه أبو داود، وابن ماجة من حديث ابن إسحاق، ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي، ﷺ، عن أبي بكر ﵁: "انظروا إلى هذا امحرم ما يصنع!
" كهيئة الإِنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده (١١٣٣): حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: "من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه".
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان الفبيح قولًا وفعلًا [١]، حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال العوفي: عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا؟
فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري [٢]، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وكذا رواه ابن جرير: عن عمرو -وهو الفلاس [٣]- عن ابن عيينة [به] [٤].
قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.
(قلت): قد رواه النسائي (١١٣٤): عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وأمّا حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن [١] يحيى بن بشر [٢]، عن [٣]، شبابة، وأخرجه] [٤] أبو داود: عن أبي [٥] مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المُخرَّمي [٦]، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون؛ فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١١٣٥).
ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به.
وروى ابن جرير (١١٣٦)، وابن مردويه: من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الدقيق، والسويق، والكعك، وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
وقال سعيد بن جبير: فتزودوا [٧] الدقيق والسويق والكعك.
وقال وكيع [بن الجراح] [٨] في تفسيره حدَّثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وتزودوا﴾ قال: الخشكنانج والسويق، وقال وكيع أيضًا: حدَّثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة: عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة [٩].
وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾، لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة، والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.
قال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: يعني زاد الآخرة.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١١٣٧): حدَّثنا عبدان، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس عن [١] جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة".
وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال [٢]: يا رسول الله ما نجد زادًا نتزوده، فقال رسول الله ﷺ: "تزوذ مما تكفّ به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى"، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.
﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ قال البخاري (١١٣٨): حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو [١]، عن ابن عباس قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّة [٢]، وذر المجاز أسواقًا [٣] في الجاهلية، فتأثموا [٤] أن يتَّجررا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج.
وهكذا رواه عبد الرزاق (١١٣٩)، وسعيد بن منصور، وغير واحد: عن سفيان بن عيينة، به [٥].
ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله، ﷺ، عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا [٦] رواه ابن جريج: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان متَّجر الناس في الجاهلية عكاظ، ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية.
وروى أبو داود رغيره (١١٤٠): من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وقال ابن جرير (١١٤١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).
وقال علي بن أبي طلحة (١١٤٢): عن ابن عبَّاس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء، والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عبَّاس.
وقال وكيع (١١٤٣): حدَّثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يقرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).
ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمعت ابن الزُّبَير يقرأ [﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] [١] وهكذا فسرها مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومنصور بن المعتمر، وقَتَادة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقال ابن جرير (١١٤٤): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا شبابة بن سوار، حدَّثنا شعبة، عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل بحج ومعه تجارة فقرأ ابن عمر ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وهذا موقوف وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعًا.
قال أحمد (١١٤٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الحسن بن عمرو الفقيمي [١]، عن [أَبى] [٢] أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا نكري فهل لنا من حج؟
قال: أليس تطوفون [٣] بالبيت، وتأتون المعروف [٤]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟
قال: قلنا: بلى.
فقال ابن عمر: جاء رجل إلى [٥] النبي، صلى الله عليه رسلم، فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتَّى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقال: "أنتم حجاج".
وقال عبد الرزاق (١١٤٦): أخبرنا الثَّوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن!
إنا قوم نكري، ويزعمون أنَّه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قال: بلى.
قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عما سألت عنه فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ورواه عبد [بن حميد في تفسيره] [٦]: عن عبد الرزاق، به.
وهكذا روى هذا الحديث ابن حذيفة: عن الثَّوري مرفوعًا، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا (١١٤٧).
فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا عباد بن العوام] [٧]، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسًا [١] يزعمون: أنَّه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟
قال: ألستم تحرمون، وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟
قال: قلت: بلى [٢].
قال: فأنتم حجاج، ثم قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه [٣]، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتَّى نزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدعا الرجل فتلاها عليه وقال: "أنتم حجاج".
وكذا رواه مسعود [٤] بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي: عن العلاءِ بن المسيب به مرفوعًا.
وقال ابن جرير (١١٤٨): حدثني طليق [٥] بن محمد الواسطي، حدَّثنا أسباط -هو ابن محمد- أخبرنا الحسن بن عمرو - وهو الفقيمي - عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فهل لنا من حج؟
فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعروف [٦]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟
قلنا: بلى.
قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتَّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
وقال النبي ﷺ: أنتم حجاج".
وقال ابن جرير (١١٤٩): حدثني أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أَبو [٧] أحمد، [حدَّثنا مندل] [٨]، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين!
كنتم تتجرون في الحج؟
قال: وهل كانت معايشهم إلَّا في الحج؟
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
إنما صرف عرفات -وإن كان علمًا على مؤنث- لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سُمِّيَ به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير.
وعرفة: موضع الوقوف [٩] في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإِمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح (١١٥٠): عن الثَّوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "الحج عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأن النبي، ﷺ، وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس وقال لنا [١]: "لتأخذوا [٢] عني مناسككم (١١٥١).
وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك"، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشَّافعي ﵏، وذهب الإِمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتج [٣] بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله، ﷺ، بالمزدلفة حين خرح إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من [جبلي طيئ] [٤] أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (*) إلا وقفت عليه فهل لي [٥] من حج؟
فقال رسول الله، ﷺ: "من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتَّى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه".
رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي (١١٥٢).
ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق (١١٥٣): أخبرني ابن جريج قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم [ﷺ] [١] فحج به، حتَّى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة.
وقال ابن المبارك (١١٥٤): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة، لأن [٢] جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت، فسميت [٣] عرفات.
وروي نحوه عن ابن عبَّاس (١١٥٥)، [وابن عمر] [٤] وأبي مجلز فالله أعلم.
وتسمى عرفات: المشعر الحرام [٥]، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أَبو طالب في قصيدته المشهورة: وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له … إلَّال إلى تلك [الشراج القوابل] [٦] وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا حمَّاد بن الحسن بن عنبسة، حدَّثنا أبو عامر، عن زمعة -هو ابن صالح - عن سلمة -هو ابن وَهْرام [١]- عن عكرمة على أبي عبَّاس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتَّى إذا كانت الشمس على رءوس الجبال كأنها العمائم على رءوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله، ﷺ، الدفعة من عرفة حتَّى غربت الشمس.
ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة، وصلى الفجر بغلس حتَّى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن [٢] الإِسناد.
وقال ابن جريج: عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله، ﷺ، وهو بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد" - وكان إذا خطب خطبة قال: "أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الاكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، [وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها] [٣] وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك".
هكذا رواه ابن مردويه وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه (١١٥٦)، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي [٤]، عن عبد الوارث [٥] بن سعيد، عن ابن جريج به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال: وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله، ﷺ، لا كما يتوهمه بعض [٦] أصحابنا أنَّه ممن له رؤية بلا سماع.
وقال وكيع: عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي [٧]، عن المعرور بن سويد قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه، رجلًا [٨] أصلع على بعير له يُوضِع (٥) وهو يقول: إنا وجدنا الإِفاضة هي الإِيضاع.
وفي حديث جابر بن عبد الله (الطويل) الذي في صحيح مسلم (١١٥٧) قال فيه: (فلم يزل واقفًا -يعني بعرفة- حتَّى غربت [١] الشمس وذهبت [٢] الصفرة قليلًا حتَّى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله، ﷺ، وقد شنق [٣] للقصواء الزمام، حتَّى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس!
السكينة السكينة" كلما أتى جبلًا من الجبال آرخى لها قليلًا حتَّى تصعد، حتَّى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع، حتَّى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا الله وكبَّره وهلَّله ووحده فلم يزل واقفا حتَّى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس).
وفي الصحيحين [٤] (١١٥٨) عن أسامة بن زيد أنَّه سئل: كيف كان يسير [٥] رسول الله ﷺ حين دفع؟
قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والعنق هو انبساط السير، والنص [٦] فوقه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أَبو محمد بن بنت الشَّافعي فيما كتب إليَّ، عن أبيه أو عمه [٧]، عن سفيان بن عيينة.
قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا.
وقال أَبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام فسكت، حتَّى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟
هذا المشعر الحرام.
وقال عبد الرزاق (١١٥٩): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم؛ قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها.
وقال هُشَيم: عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله.
وقال عبد الرزاق (١١٦٠): أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم؛ قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء؟
كل ما هاهنا مشعر.
وروي عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس والحسن، وقَتَادة؛ أنَّهم قالوا: هو ما بين الجبلين.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟
قال: إذا أفضت [١] من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزمي [٢] عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس.
(قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنَّما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلَّا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشَّافعي، منهم: القفال وابن خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس؟
أو واجب كما هو أحد قولي الشَّافعي يجبر بدم؟
أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟
في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك: عن سفيان الثَّوري، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله، ﷺ، قال: "عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرنة [٣]، وجمع كلها موقف إلَّا محسرًا".
هذا حديث مرسل.
وقد قال الإِمام أحمد (١١٦١): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان ابن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبي، ﷺ، قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرفة [١]، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة مَنْحَر، وكل أيام التشريق ذبح".
وهذا أيضًا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا - وهو الأشدق - لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد -[ابن لجبير] [٢]- ابن مطعم، عن أبيه، [وقال سويد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه] [٣]، عن النبي، ﷺ، فذكره، والله أعلم.
وقوله: " ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله [٤] به عليهم، من الهداية والبيان، والإِرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه من الهداية لإِبراهيم الخليل، ﵇؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدي، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول والكل متقارب ومتلازم وصحيح.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطان بيته.
وقال البخاري (١١٦٢): حدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا محمد بن حازم، حدَّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كانت [٥] قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحُمْس وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر الله نبيه، ﷺ، أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
وكذا قال ابن عبَّاس ومجاهد وعطاء قَتَادة والسدي وغيرهم.
واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإِجماع [﵏] [١].
وقال الإمام أحمد (١١٦٣): حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي، ﷺ واقف، قلت: إنَّ هذا من الحُمْس ما شأنه هاهنا؟.
أخرجاه في الصحيحين ثم رواه [٢] البخاري (١١٦٤)، من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبَّاس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم.
وحكاه ابن جرير عَن الضحاك بن مزَاحم فقط.
قال: والمراد بالناس: إبراهيم ﵇.
وفي رواية عنه: الإِمام [٣].
قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله، ﷺ، كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله [٤] ثلاثًا (١١٦٥).
وفي الصحيحين أنَّه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين (١١٦٦).
وقد روى ابن جرير (١١٦٧) ها هنا حديث [العباس] [٥] بن مرداس السلمي في استغفاره ﷺ، لأمّته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة.
وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم؛ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة" (١١٦٨).
وفي الصحيحين (١١٦٩) - عن عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟
لقال [١]: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".
والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ يأمر تعالى بذكره والإِكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبيه أمّه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمّه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك.
وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس.
وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس نحوه.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم.
فأنزل الله على محمد ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال ابن أبي حاتم: [وروي السدي، عن] [١] أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى روايتيه، ومجاهد والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا [٢] عن جماعة، والله أعلم.
والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله، ﷿؛ ولهذا كان انتصاب قوله أو أشدّ ذكرًا على التمييز: تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و "أو"هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ [٣] إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، فليست هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه.
ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإِجابة، وذمّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك.
قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: [﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾] [٤] مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] [٥] فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة [٦] فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن [٧] الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأمّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من [٨] الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.
وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.
وقال القاسم أبو عبد الرحمن: من أُعْطِي قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال [١] البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي، ﷺ، يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (١١٧٠).
وقال الإمام أحمد (١١٧١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب [] [٢] [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ؟
قال: يقول] [٣]: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه، و] [٤] رواه مسلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السهلام بن شداد -يعني أبا طالوت- قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: "اللهم ربنا [٥]؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وتحدّثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال: يا أبا حمزة، إنّ إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم، فقال: أتريدون [٦] أن أشقق لكم [] [٧] الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله.
وقال أحمد أيضًا (١١٧٢): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد [عبد الله بن بكر السهمي حدثنا حميد] [١] عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله، ﷺ: "هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟
" قال: نعم كنت أقول: اللهم، ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه [٢] فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " قال: فدعا الله فشفاه.
انفرد بإخراجه مسلم فرواه من حديث ابن أبي عدي، به.
وقال الإِمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القدّاح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله [بن السائب] [٣]؛ أنه سمع النبي، ﷺ، يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: " ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١١٧٣).
ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك.
وروى ابن ماجة (١١٧٤)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، نحو ذلك، [وفي سنده ضعف، والله أعلم] [٤].
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقال الحاكم في مستدركه (١١٧٥): أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم [١] البطين، عن سعيد بن جبير؛ قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟
فقال [٢]: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر.
وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير في [٣] أيام التشريق بعد الصلوات المكتوباب: الله أكبر الله أكبر.
وقال الإمام أحمد (١١٧٦): حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: "يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي [٤] أيام أكل وشرب [] [٥].
وقال الإمام [٦] أحمد أيضًا (١١٧٧): حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله".
ورواه [٧] مسلم أيضًا، وتقدّم حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح".
وتقدم أيضًا [١] حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: "وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
وقال ابن جرير (١١٧٨): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وخلاد بن أسلم؛ قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو [٢] بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الذ عليه رسلم، [قال: "أيام التشريق أيام طعم وذكر الله".
وحدثنا خلّاد بن أسلم (١١٧٩)، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم،] [٣] بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: "لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ﷿".
وحدثنا يعقوب (١١٨٠)، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري؛ قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه رسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق، فقال: "إن هذه الأيام [٤] أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي".
زيادة حسنة ولكن مرسلة.
وبه قال هشيم (١١٨١): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار، أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم، بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام [٥] أكل وشرب وذكر الله".
وقال هشيم (١١٨٢)، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة؛ قالت: نهى رسول الله، ﷺ، عن صوم أيام التشريق، قال: "هي [١] أيام أكل وشرب وذكر الله".
وقال محمد بن إسحاق (١١٨٣)، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني [٢] أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله، ﷺ، البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار، وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله [٣].
وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام [٤] بعده.
وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، وإبراهيم النخعي، [ويحيى بن أبي كثير] [٥] والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، مقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم مثل ذلك.
وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها.
والقول الأوّل هو المشهور، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، فدل على ثلاثة بعد النحر.
ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي، وقد تقدم أن [١] الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات والمطلق في سائر الأحوال، وفي وقته أقوال للعلماء؛ أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني (١١٨٤) ولكن لا يصح مرفوعًا، والله أعلم.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرًا.
ويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره (١١٨٥): " إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمى الجمار، لإِقامة ذكر الله ﷿".
[ولما ذكر الله تعالى النفر الأوّل والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾] [٢].
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله، ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه- الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في [٣] ذم المنافقين ومدح خبيب [٤] وأصحابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
[وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير (١١٨٦): حدّثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف -وهو البكالي- وكان ممن يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون ولي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية.
وحدّثني محمد بن أبي معشر (١١٨٧)، أخبرني أبو معشر نجيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟
وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله، قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (ويَشهد الله) بفتح الياء وضم الجلالة، ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أن هذا لان أظهر لكم الحيل، لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ] [١] مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق (١١٨٨)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف، وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألد في اللغة: الأعوج.
﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي عوجا، وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر كما ثبت في الصحيح (١١٨٩) عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وقال البخاري (١١٩٠): حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا سفيان، عن ابنِ جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم".
قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدَّثنا سفيان، حدَّثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (١١٩١).
وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم" (١١٩٢).
وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب] [١] [واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي ها هنا هو القصد كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلي الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار".
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار،] [١] والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا [٢] منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق- امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ [٣] عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
قال [٤] ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فعل، فتخلص [٥] منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا له: ربح البيع!
فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟
فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية، ويروى أنّ رسول الله، ﷺ، قال له: "ربح البيع صهيب!
ربح البيع صهيب!
".
قال ابن مردويه (١١٩٣): حدَّثنا محمد بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن عبد الله [بن رسته،] [١] حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدَّثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلي النبي، ﷺ، قالت لي قريش: يا صهيب، قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟!
والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي، تخلون عني؟
قالو!: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي، ﷺ، فقال: "ربح صهيب!
ربح صهيب!
" مرتين.
وقال حماد بن سلمة (١١٩٤)، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي، ﷺ، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل (*) [٢] ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش؛ قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إليّ حتى أرمي كل [٣] سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي [٤] بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي، ﷺ، قال: "ربح البيع!
ربح البيع!
"، قال: ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
وأمّا الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ يقول الله [١] تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
قال العوفي: عن ابن عباس ومجاه د، وطاوس والضحاك، وعكرمة وقتادة، والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإِسلام.
وقال الضحاك -عن ابن عباس- وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْم﴾ يعني: الطاعة، وقال قتادة أيضًا: الموادعة [٢].
وقوله: (كافة) قال ابن عباس ومجاهد، وأبو العالية وعكرمة، والربيع [بن أنس] [٣]، والسدي ومقاتل بن حيان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: اي: اعملوا بجميع الأعمال، ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر [٤] ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله، ﷺ، في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإِسلام، والاشتغال بها عما عداها، وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، [إذ يبعد] [٥] أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه بتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإِسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح: الأول؛ وهو أنهم أمروا كلهم [٦] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإِسلام، وهي كثيرة جدًّا، ما استطاعوا منها، كما قال [٧] ابن أبي حاتم (١١٩٥): أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل ابن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين [١] ببعض أمور [٢] التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد، صلي الله عليه رسلم، ولا تدعوا منها شيئًا، وحسبكم الإِيمان [٣] بالتوراة وما فيها.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، و ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قال مطرف: أغش [٤] عباد الله لعبيد الله الشيطان.
وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز [] [٥] في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني يوم القيام؛ لفصل القضاء بين الأوّلين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية.
وقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير -ها هنا- حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة عن رسول الله، صلي الله عليه رسلم، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا [١] لموقفهم في العرصات، تشفعوا [٢] إلي ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعد [٣]، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ فإذا جاءوا إليه قال: "أنا لها، أنا لها"، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل [٤] القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشقّ السماء الدنيا، وينزل من فيها من [٥] الملائكة، ثم الثانية ثم الثالثة إلي السابعة، وينزل حملة [٦] العرش والكروبيون.
قال: وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من [٧] تسبيحهم يقولون: سبحان [ذي الملك والملكوت!] [٨] سبحان رب العرش والجبروت سبحان الحى الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه، أبدًا أبدًا (١١٩٦).
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه -هاهنا- أحاديث فيها غرابة، والله أعلم، فمنها ما رواه: من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة [٩]، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: "يجمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا، شاخصة أبصارهم إلي السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (١١٩٧).
وقال [١٠] ابن أبي حاتم (١١٩٨): حدثنا أبو زرعة، حدَّثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدّث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب.
قال (١١٩٩): وحدّثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام: منظوم [من الياقوت] [١] مكلل بالجوهر والزبرجد.
وقال ابن أبي نجيح (١٢٠٠): عن مجاهد ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا.
وقال أبو جعفر الرازي (١٢٠١): عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات [٢]: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام)، وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَينَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم [٣] شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي: حجة قاطعة بصدقه [٤] فيما جاءهم به، كـ: يده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربة الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحر، ومن إنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرًا [١] أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها [٢] والإِعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تَعالي إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال، ومنعوها عن [٣] مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه [٤] ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد، والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم، ومنشرهم، ومسيرهم ومأواهم، فاستقرّوا في الدرجات في أعلي عليين، وخلد اُولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاءً كثيرًا جزيلًا بلا حصر، ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: "ابن آدم أنفق، أنفق عليك" (١٢٠٢)، وقال النبي ﷺ: "أنفق بلال [٥] ولا تخش من ذي العرش إقلالًا [٦] " (١٢٠٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وفي الصحيح: "أن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] [٧]، كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا [٨] خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا [٩]، تلفًا"، وفي الصحيح (١٢٠٤): " يقول ابن آدم: مالي مالي، [وهل لك من مالك] [١] إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس".
وفي مسند الإِمام أحمد عن النبي، ﷺ، أنه قال: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (١٢٠٥).
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ قال ابن جرير (١٢٠٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم علي شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا).
ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث بندار، [] [٢] محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإِسناد [٣] ولم يخرجاه.
وكذا روى أبو جعفر الرازي (١٢٠٧): عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).
وقال عبد الرزاق (١٢٠٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ فكان أوّل نبي بُعِثَ نوحًا، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولًا.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، والقول الأوّل عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم ﵇ حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم [١] على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقال عبد الرزاق (١٢٠٩): حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة [في قوله]: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ الآية، قال: قال النبي، ﷺ: "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [٢]، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى".
ثم رواه عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقال ابن وهب (١٢١٠): عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾: فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ، ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا [١]، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ، للحق من ذلك.
وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأوّل الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.
وفي قراءة أبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم [وبما هداهم] [٢] له؛ قاله [٣] ابن جرير ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة [٤] والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم [٥] عن عائشة (١٢١١): أن رسول الله، ﷺ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا".
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا، وتختبروا، وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض، والأسقام، والآلام، والمصائب، والنوائب.
قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومرّة الهَمداني [١]، والحسن [٢] وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، ومقاتل بن حيان: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الففر [] [٣] ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: السقم.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيما، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت (١٢١٢) قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟
ألا تدعو الله لنا فقال: "إن من كان قبلكم [كان أحدهم] [٤]، يوضع المنشار [٥] علي مفرق رأسه، فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، [ويمشط بأمشاط] [٦]، الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه"، ثم قال [٧]: "والله، ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم [١] تستعجلون".
وقال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقد حصل من هذا جانب عطيم للصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في يوم الأحزاب كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ الآيات.
ولما سأل هرقل أبا سفيان (١٢١٣): هل قاتلتموه؟
قال: نعم، قال: فكيف كانت [٢] الحرب بينكم؟
قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة [٣].
وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج، والمخرج عند ضيق الحال والشدّة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، [وفي حديث أبي رزين: "عجب ربك من قنوط عباده وقُرب غيثه، فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم قريب" (١٢١٤) - الحديث] [٤].
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوّع، وقال السدي: نسختها الزكاة وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟
قاله ابن عباس، ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: اصرفوها في هذه الوجوه، كما جاء في [١] الحديث: "أمّك، وأباك، [وأختك، وأخاك] [٢] ثم أدناك أدناك" (١٢١٥) وتلا ميمون بن مهران هذه الآية ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي مهما صدر منكم من فعل معروف فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدًا [٣] مثقال ذرة.
﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإِسلام.
وقال الزهري: الجهاد واجب [٤] علي كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.
(قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو - مات ميتة جاهلية" (١٢١٦)، وقال ﵇ يوم الفتح: "لا هجرة [بعد الفتح] [٥]، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (١٢١٧).
وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك؛ فإنه إما أن يقتل، أو يجرح، مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء.
ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم وذراريهم، وأولادهم.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاءُ العدو علي البلاد والحكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ قال ابن أبي حاتم (١٢١٨): حدَّثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله، ﷺ، بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [١]، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله، ﷺ، فجلس [فحبسه] [٢]، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحدًا على السير معك من أصحابك"، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب، أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام!
فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.
وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.
وذلك أن رسول الله، ﷺ، بعث سرية وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي [٣] حليف لبني [٤] نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل [٥]، فلما نزل بطن ملل [٦] فتح الكتاب، فإذا فيه: "أن سر، حتى تنزل بطن نخله (*) "، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلي الله عليه رسلم، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا بحران [٧] يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان [وعمرو بن الحضرمي] [٨] وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب [النبي] ﷺ.
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين [٩] وما أصابوا من المال أراد [١٠] أهل مكة أن يفادرا الأسيرين [فقال النبي ﷺ: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر] [١١] عليه المشركون.
وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: [١] في أول [ليلة من] [٢] رجب وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، فأنزل [٣] الله يعير اُهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد، ﷺ، وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا، ﷺ، وأصحابه [٤] أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي: عن ابن عباس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدّوا رسول الله، ﷺ، وردوه عن المسجد في شهر حرإم، قال [٥]: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون علي رسول الله، ﷺ القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا، ﷺ وبعث سرية، فلقوا عمرو [٦] بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد، ﷺ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾: إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد، ﷺ، والشرك أشد منه.
وهكذا روى أبو سعيد البقال [٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلي آخر الآية.
وقال عبد الملك بن هشام -راوي السيرة- عن زياد بن عبد الله البكائي [٨]، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀ في كتاب السيرة له أنه قال: وبعث [٩] رسول الله، صلي الله عليه وسلم، عبد الله بين جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية [١] رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد الله بن جحش [] [٢] من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرْثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم، ومن بني [٣] زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص، ومن بني [كعب بن عدي بن] [٤]، عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز [٥] ابن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين [٦] بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه [٧] فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع!
فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش، وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي [-واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصَّدِف-] [٨]، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ منكم به [١]، ولئن قتلتموهم لتقتلُنَّهُمْ في الشهر الحرام، فتردّد القوم وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على [٢] قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان [وأفلت القوم نوفل بن عبد الله] فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش، وأصحابه بالعير، والأسيرين حتى قدموا على رسول الله، ﷺ، المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله، ﷺ، مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله [٣] الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله، ﷺ، خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.
قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله، ﷺ، قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله، ﷺ، أسْقِط في أيدي القوم، وظنوا [٤] أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت اليهود [٥]- تفاءلوا بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، [عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله] [٦] وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله علي رسول [٧] الله ﷺ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن [٨] دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدّة [١]، قبض رسول الله، ﷺ، [وآله وسلم] العير والأسيرين، وبعثت [٢] إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله، ﷺ: "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا" -يعني: سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان- "فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم"، فقدم سعد وعتبة، ففداهما [٣] رسول الله، ﷺ، منهم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله، ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا.
قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش، وأصحابه ما كانوا [٤] [فيه حين] [٥] نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أنّ تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فوضعهم [٦] الله من ذلك على أعظم الرجاء، قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة.
وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه نحو ذلك.
وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوًا من هذا أيضًا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله، ﷺ، بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟
فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة (١٢١٩).
ثم قال ابن هشام: عن زياد، عن ابن [٧] إسحاق، وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن الله قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماسه [١] لمن أفاءه وخُمسًا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير (١٢٢٠).
قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون (١٢٢١).
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال، قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.
تعدون [٢] قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غُلٌّ من القِدِّ [٣] عاند [٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ قال الإِمام أحمد (١٢٢٢): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَي﴾، فكان منادي رسول الله، ﷺ، إذا أقام الصلاة نادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا.
وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن [] [١]، قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم.
وقال علي بن المديني: هذا إسناد [٢] صالح صحيح [٣].
وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: (انتهينا): إنها تذهب المال وتذهب العقل.
وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الآيات.
فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل؛ كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم المام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: ونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا ينهنهها [٤] اللقاء وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كانُ يقمِّشُه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه، أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين؛ ولهذا قال [الله تعال] [١]: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وسيأتي الكلام علي ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال ابن عمر والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن [٢] هذه أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم [نزلت الآية] [٣] التي في [سورة] [٤] المائدة فحرمت الخمر.
وقوله: ﴿[] [٥] يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب.
قال ابن أبي حاتم (١٢٢٣): حدثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبان، حدَّثنا يحيي: أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله، ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾.
وقال الحكم [٦] عن مقسم، عن ابن عباس ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ما يفضل عن أهلك.
وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد أنهم قالوا في قوله: ﴿قل العفو﴾: يعني الفضل، وعن طاوس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك وأطيبه.
والكل يرجع إلى الفضل.
وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدَّثنا هوذة بن خلمِفة، عن عوف، عن الحسن، [في الآية] [١] ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ذلك ألا تجهد [٢] مالك ثم تقعد تسأل الناس.
ويدل علي ذلك ما رواه ابن جرير (١٢٢٤): حدَّثنا علي بن مسلم، حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: "أنفقه علي نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه علي أهلك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه علي ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "فأنت أبصر".
وقد رواه مسلم في صحيحه.
وأخرج [٣] مسلم أيضًا عن جابر (١٢٢٥): أنّ رسول الله، ﷺ، قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا".
وعنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، واليد العليا خير من اليد [٤] السفلي، وابدأ بمن تعول" (١٢٢٦).
وفي الحديث أيضًا: "ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف" (١٢٢٧).
ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني، والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: كما فصل لكم هذه الأحكام، وبينها، وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده ووعيده لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يعني: في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها.
وقال ابن أبي حاتم (١٢٢٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن محمد الطنافسي، حدَّثنا أبو أسامة، عن الصعق التميمي قال: شهدت الحسن، وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها؛ ليعلم أن الدنيا دار بلاءٍ ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء.
وهكذا قال قتادة، وابن جريج وغيرهما.
وقال عبد الرزاق (١٢٢٩)، عن معمر، عن قتادة: لتعلموا [١] فضل الآخرة علي الدنيا.
وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية.
قال ابن جرير (١٢٣٠): حدَّثنا سفيان بن وكيع، حدَّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.
وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب، به.
وكذا رواه علي بين أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود بمثله، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية؛ كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
قال وكيع [بن الجراح] [١] (١٢٣١): حدَّثنا هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عُرَّة (*) [٢] حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.
فقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: علي حدة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإِفساد أو الإِصلاح.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله [٣] لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطهم بالتي هي أحسن، [كما] [٤] قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف؛ إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله وبه الثقة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ هذا تحريم من الله ﷿ علي المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن [١] كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ] [٢]﴾.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: استثني الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال [٣] مجاهد، وعكرمة، وسعيد ابن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقيل: بل المراد بذلك المشركون [٤] من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.
فأمّا ما رواه ابن جرير (١٢٣٢): حدّثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدَّثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله، ﷺ، عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات والمهاجرات، وحرّم كل ذات دين غير الإِسلام.
قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا حتى هم أن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، لكني أنتزعهن منكم صَغَرة قَمَأة.
فهو حديث غريب جدًّا، وهذا الأثر [غريب عن عمر] [١] أيضًا.
قال أبو جعفر بن جرير (١٢٣٣) ﵀ بعد حكايته الإِجماع علي إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في السلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، حدَّثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، [فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟] [٢] فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات [٣] منهن.
وهذا إسناد صحيح، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت نحوه.
وقال ابن جرير (١٢٣٤): حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [٤]، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان [٥] بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب [٦] قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.
قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول.
ثم قال (١٢٣٥): وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرقي [٧]، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: "نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا".
ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة [علي صحة القول] [٨] به، كذا قال ابن جرير ﵀.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر ابن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر: أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
[وقال البخاري (١٢٣٦): وقال ابن عمر: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: ربها عيسى] [١].
وقال [أبو بكر] [٢] الخلال الحنبلي: حدَّثنا محمد بن [أبي] [٣] هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ح.
وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد: أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام [٤].
وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله، ﷺ، فأخبره خبرها [٥]، فقال له: "ما هي؟
"، قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: "يا [] [٦]، عبد الله، هذه مؤمنة"، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا نكح أمته [٧]، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.
وقال عبد بن حميد (١٢٣٧): حدَّثنا جعفر بن عون، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، عن [عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو] [٨]، عن النبي ﷺ قال: "لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن ولا تنكحوهن على أموالهن؛ فعسي أموالهن أن تطغيهن [١]، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل"، والإِفريقي ضعيف.
وقد ثبت في الصحيحين (١٢٣٨)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، [ولحسبها، ولجمالها] [٢]، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" ولمسلم عن جابر مثله (١٢٣٩)، وله عن [٣] ابن عمر: أنّ رسول الله، ﷺ، قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (١٢٤٠).
وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: ولرجل مؤمن -ولو كان عبدًا حبشيًّا- خير من مشرك [٤]، وإن كان رئيسًا سريًّا، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطهم تبعث عل حب الدنيا، واقتنائها، وإيثارها علي الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشوعه، وما أمر به، وما نهي عنه ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّي شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ قال الإِمام أحمد (١٢٤١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا [١] إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي، ﷺ، النبي، ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله، ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟
فتغير وجه رسول الله، ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما [٢] هدية من لبن إلى رسول الله، ﷺ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم بجد عليهما.
رواه مسلم من حديث حماد [] [٣] بن سلمة.
فقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: يعني الفرج؛ لقوله: "اصنعوا [٤] كل شيء إلا الجماع [٥] "، ولهذا ذهب كثير من العلماء -أو أكثرهم- إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.
قال أبو داود (١٢٤٢) [] [٦]: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ: أن النبي، ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا، ألقي علي فرجها ثوبًا.
وقال أبو داود (١٢٤٣) أيضًا [٧]: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله -يعني ابن عمر بن غانم [١]- عن عبد الرحمن -يعني: ابن زياد- عن عمارة بن غُرَاب، أن [عمة له] [٢] حدّثته: أنها سألت عاشة فقالت [٣]: إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ: دخل فمضى إلى مسجده -قال أبو داود: تعني مسجد بيتها- فما انصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد فقال: "ادني مني"، فقلت: إني حائض، فقال: "اكشفي عن فخذيك"، فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه [حتى دفئ] [٤] ونام، ﷺ وقال أبو جعفر بن جرير (١٢٤٤): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أن مسروقًا ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهله.
فقالت عائشة: [مرحبًا مرحبًا] [٥].
فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك، وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟
فقالت: له كل شيء إلا فرجها.
ورواه أيضًا (١٢٤٥): عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن [٦]، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟
قالت: كل شيء إلا الجماع.
وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعكرمة.
وروى ابن جرير أيضًا (١٢٤٦): عن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: له ما فوق الإزار.
(قلت) [٧]: ويحل [٨] مضاجعتها، ومؤاكلتها بلا خلاف.
قالت عائشة (١٢٤٧): كان رسول الله، ﷺ، يأمرني فأغسل رأسه، وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن.
وفي الصحيح (١٢٤٨) عنها قالت: كنت أتعرق (٥) العِرْقَ، وأنا حائض، فأعطيه النبي، ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب، فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه [١].
وقال أبو داود (١٢٤٩): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، [] [٢] سمعت خلاسًا [٣] الهَجَري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار (**) الواحد، وأنا [٤] حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه [٥]-يعني ثوبه- شيء [٦] غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه.
فأما ما رواه أبو داود (١٢٥٠): حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن أبي اليمان، عن أم ذرة [٧]، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال [٨] على الحصير، فلم نَقْرُبْ [٩] رسول الله، ﷺ، ولم نَدْنُ [١٠] منه حتى نطهر [١١]- فهو محمول على التنزه والاحتياط.
وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين، عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي، ﷺ، إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (١٢٥١).
وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة نحوه (١٢٥٢).
وروى الإِمام أحمد (١٢٥٣)، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري: أنه سأل رسول الله، ﷺ: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
قال: " [] [١] ما فوق الإِزار".
ولأبي داود أيضًا (١٢٥٤) عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله، ﷺ، عما يحل لي من امرأتي وهي حائض.
قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل"، وهو رواية عن عائشة كما تقدم، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وشريح.
فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل [] [٢] ما فوق الإِزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم.
ومأخذهم [٣]: أنه حريم الفرج، فهو حرام، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ﷿ الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر [٤] الله ويتوب إليه.
وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟
فيه قولان: (أحدهما): نعم، لما رواه الإِمام أحمد (١٢٥٥)، وأهل السنن: عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار، أو نصف دينار.
وفي لفظ الترمذي: "إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا [٥] كان دمًا أصفر فنصف دينار".
وللإمام أحمد أيضًا عنه: أن رسول الله، ﷺ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن [أصابها وقد] [٦] أدبر الدم [٧] عنها ولم تغتسل فنصف دينار.
(والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ﷿؛ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث؛ فإنه قد روي مرفوعًا، كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: تفسير لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع.
[] [١].
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب، وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر.
وفيه أقوال لعلماء الأصول: منهم من يقول: إنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاءِ يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإِباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر.
والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، [فإذا كان] [٢] واجبًا فواجب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أو مباحًا فمباح كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده-: إنها تحل بمجرّد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.
وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء.
وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، ومقاتل بن حيان، والليث بن سعد، وغيرهم.
وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج، ولا تعدوه [١] إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك هذا [٢] فقد اعتدى.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: أن تعتزلوهن.
وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا [إن شاء الله تعالى] [٣].
وقال أبو رَزين، وعكرمة، والضحاك، وغير واحد.
﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: طاهرات غير حيض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنب، وإن تكرر غشيانه، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى.
وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي [٤]: [كيف شئتم] [٥] مقبلة، ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث.
قال البخاري (١٢٥٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر [٦] قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ورواه مسلم، وأبو داود من حديث سفيان الثوري به [٧].
وقال ابن أبي حاتم (١٢٥٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك ابن أنس، وابن جريج، وسفيان بن سعيد الثوري: أنّ محمد بن المنكدر [٨] حدثهم: أن [٩] جابر بن عبد الله أخبره: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ: "مقبلة، ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج".
وفي [١] حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟
قال: "حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير ألا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في المبيت"، الحديث (١٢٥٨) رواه أحمد وأهل السنن.
حديث آخر: قال ابن أبي حاتم (١٢٥٩): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش [٢] بن عبد لله، عن عبد الله بن عباس قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله، ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجب (*) النساء، فكيف ترى [في ذلك] [٣]؟
فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ] [٤] [أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
ورواه الإِمام أحمد (١٢٦٠): حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا، رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ، فسألوه، فقال النبي ﷺ: "ائتها على كل حال إذا كان في الفرج"] [٥].
(حديث آخر): قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رجلًا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل الله [١]: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، ورواه ابن جرير، عن [يونس و] [٢] عن يعقوب به (١٢٦١).
[ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (١٢٦٢) عن الحارث بن سريح، عن عبد الله بن نافع، به] [٣].
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة بنت [٤] عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت: إني سائلك عن أمر، وإني أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستح يا ابن أخي.
قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟
قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبَّى امرأته كان الولد أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله، ﷺ، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله، ﷺ، فلما جاء رسول الله، ﷺ، استحيت الأنصارية أن [تسأل رسول ﷺ] [٥]، فخرجت فحدثت أمّ سلمة رسول لله، ﷺ، فقال: "ادعي الأنصارية"، فدعتها [٦]، فتلا عليها هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا".
ورواه الترمذي: عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن ابن خثيم، به (١٢٦٣)، وقال: حسن.
(قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن ابن [٧] خثيم [٨]، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة أم المؤمنين: أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة، فكرهته.
فبلغ ذلك [رسول الله] [١] ﷺ فقال: "لا بأس إذا كان في صمام واحد" (١٢٦٤).
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب -يعني القُمِّي- عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: "ما الذي أهلكك؟
" قال: حوّلت رحلي البارحة، قال [٢] فلم يردّ عليه شيئًا، [] [٣] فأوحى الله إلى رسول الله، ﷺ، هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، "أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة".
و [٤] رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب، به (١٢٦٥).
وقال: حسن غريب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن، عن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافرى، عن حنش [٥]، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ، فسألوه، فقال النبي ﷺ: "ائتها [٦] على كل حال إذا كان في الفرج" (١٢٦٦).
وقال الحافظ أبو يعلى (١٢٦٧): حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: أثفر رجل امرأته على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا: أثفر [١] فلان امرأته، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وقال أبو داود (١٢٦٨): حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد -يعني: ابن سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، إنما كان أهل [٢] هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرًا [٣] من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهنّ [٤] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك [٥] [رسول الله] [٦]، ﷺ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني: بذلك موضع الولد.
تفرّد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم [] [٧] من الأحاديث، ولا سيما رواية أمّ سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.
وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٢٦٩) من طريق [٨] محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه [] [١] عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهنّ … فذكر القصة بتمام سياقها.
وقول [٢] ابن عباس: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، كأنه [٣] يشير إلى ما رواه البخاري (١٢٧٠): حدثنا إسحاق، حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه [٤]، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟
قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى.
وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن [٥] يأتيها في.
[.
… ] [٦].
هكذا رواه البخاري (١٢٧١)، وقد تفرّد به من [هذا الوجه] [٧].
وقال ابن جرير (١٢٧٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟
قلت: لا.
قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهنّ.
وحدثني أبو قلابة (١٢٧٣)، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر.
روي من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ولا يصح (١٢٧٤).
وروى النسائي (١٢٧٥): عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي بكر بن أبي أويس [١]، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال أبو حاتم الرازي (١٢٧٦): لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع.
وهذا تعليل منه لهذا الحديث.
وقد رواه عبد الله بن نافع، [الصائغ] [٢] عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر فذكره.
وهذا الحديث [٣] محمول على ما تقدّم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي أيضًا، عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر: أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول: إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تؤتى [٤] النساء في أدبارهنّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فقال: يا نافع، هل تعلم [٥] من أمر هذه الآية؟
قلت: لا.
قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهنّ مثلما كنا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١٢٧٧).
وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه: عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب [١] العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة، فذكره.
وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإِمام مالك في كتاب السر [٢]، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ﵀.
وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة (١٢٧٨): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل [٣] بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "استحيوا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا يحل [أن تأتوا] [٤] النساء في حشوشهن".
قال الإِمام أحمد (١٢٧٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شدّاد [٥]، عن خزيمة بن ثابت أنّ رسول الله، ﷺ، نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها.
(طريق أخرى): قال أحمد (١٢٨٠): حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه، أن هرمي بن عبد الله الواقفي [٦] حدثه، أن خزيمة بن ثابت الخطمي حدثه، أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا يستحى الله من الحق، لا يستحيى الله من الحق -ثلاثًا- لا تأتوا النساء في أعجازهن"، ورواه النسائي، وابن ماجة من طرق عن خزيمة بن ثابت، وفي إسناده اختلاف كثير.
(حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي والنسائي (١٢٨١): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى.
الله عليه وسلم: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر"، ثم قال الترمذي [١]: هذا حديث حسن غريب.
وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه ابن حزم أيضًا.
ولكن رواه النسائي (١٢٨٢) أيضًا [٢]، عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفًا.
وقال [] [٣]: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن رجلًا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، فقال [٤]: تسألني عن الكفر؟!
[إسناده صحيح] [٥]، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك، عن عكرمة به [٦] نحوه.
[وقال عبد أيضًا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها وسمعت قول الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لُكَع، إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن، لا تعدوا ذلك إلى غيره] [٧].
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٢٨٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام [١]، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي، ﷺ، قال: "الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى".
وقال عبد الله بن أحمد (١٢٨٤): حدثني هدبة، حدثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي أمرأته في دبرها، فقال قتادة: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "هي اللوطية الصغرى".
قال قتادة: وحدثني عقبة بن وَسَّاج، عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر؟.
وقد روى هذا الحديث (١٢٨٥): يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي [٢] أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص من [٣] قوله.
وهذا أصح، والله أعلم.
وكذلك رواه عبد بن حميد (١٢٨٦)، عن [٤] يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا من قوله.
(طريق أخرى): قال جعفر الفريابي [٥] (١٢٨٧): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي [١] جاره حتى يلعنه".
ابن لهيعة وشيخه ضعيفان.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٢٨٨): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن حطان [٢]، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله، ﷺ، أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحيي من الحق.
وأخرجه أحمد أيضًا (١٢٨٩)، عن أبي معاوية.
وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضًا، عن عاصم الأحول، به.
وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن.
ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإِمام أحمد بن حنبل (١٢٩٠)، والصحيح أنه علي بن طلق.
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٢٩١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سهيل [٣] بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ] [٤]: "إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه".
[وقال أحمد أيضًا] [١] (١٢٩٢): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن الحارث ابن [٢] مخلد، عن أبي هريرة ورفعه [٣] قال: قال رسول الله ﷺ "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها".
[وكذا رواه ابن ماجة من طريق سهيل] [٤].
[وقال أحمد أيضًا (١٢٩٣)] [٥]: حدثنا وكيع، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ملعون من أتى امرأته [٦] في دبرها"] [٧].
و [٨] هكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع، به.
"طريق أخرى": قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني [٩]: أخبرنا أحمد [بن القاسم] [١٠] بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سهيل [١١] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ملعون من أتى امرأة في دبرها".
ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه [عن سهيل] [١٢]، عن الحارث بن مخلد، كما تقدم.
قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه، وقد ضعفوه.
(طريق أخرى): رواها [١] مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "ملعون من أتى النساء في أدبارهن".
ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم.
(طريق أخرى) رواها الإمام أحمد وأهل السنن (١٢٩٤): من حديث حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا لصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد".
وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث.
والذي قاله البخاري في حديث [٢] الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع [٣] في حديثه (١٢٩٥).
(طريق أخرى): قال النسائي (١٢٩٦): حدثنا عثمان بن عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن أبي سلمة ﵁ عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ".
تفرَّد به النسائي من هذا الوجه.
قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري، ومن حديث أبي سلمة، ومن حديث سعيد، فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاط، وقد رواه الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، فلا، انتهى كلامه (١٢٩٧).
وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك [بن محمد] [١] الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دحيم، وأبو حاتم، وابن حبان وقال: لا يجوز الاحتجاج به، والله [٢] أعلم.
وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد، عن سعيد بن عبد العزيز.
وروي من طريقين آخرين، عن أبي سلمة، ولا يصح منهما شيء.
(طريق أخرى): قال النسائي (١٢٩٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهنّ كفر.
ثم رواه عن بندار، عن عبد الرحمن، به، قال: من أتى امرأة [٣] في دبرها ملك كفره (١٢٩٩).
هكذا رواه النسائي (١٣٠٠): من طريق الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا.
وكذا رواه من طريق علي بن بَذِيمة، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا.
ورواه بكر بن خنيس، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "من أتى شيئًا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر" (١٣٠١).
والموقوف أصح، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون.
(حديث آخر): قال محمد بن أبان البلخي (١٣٠٢): حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه وعن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن".
وقد رواه النسائي (١٣٠٣): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال: لا تأتوا النساء في أدبارهنّ.
وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم (١٣٠٤)، حدَّثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن.
و [١] الموقوف أصح.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٣٠٥): حدثنا غندر، ومعاذ بن معاذ قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد، -أو: يزيد بن طلق-، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههنّ".
وكذا رواه غير واحد، عن شعبة.
ورواه عبد الرزاق: عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم.
(حديث آخر): قال أبو بكر الأثرم في سننه (١٣٠٦): حدثنا أبو مسلم الحَرَمي، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "محاش النساء حرام".
وقد رواه إسماعيل بن علية (١٣٠٧)، وسفيان الثوري، وشعبة وغيرهم: عن أبي عبد الله الشقري -واسمه: سلمة بن تمام، ثقة- عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح.
(طريق أخرى): قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدَّثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن يزيد [١] بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تأتوا [٢] النساء في أعجازهن" (١٣٠٨).
محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال: وقد روي من حديث أبي بن كعب (١٣٠٩)، والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (١٣١٠)، وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم.
وقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليًّا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت سفل الله بك!
ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾.
وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما [٣]، أنه يحرمه.
قال أبو محمد (١٣١١) [عبد الله بن عبد الرحمن] [٤] [الدارمي] [٥] في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أنحمص [١] لهنّ؟
قال: وما التحميض [٢]؟
فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!.
وكذا رواه ابن وهب وقتيبة [٣]، عن الليث به، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه [٤] مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم [٥].
وقال ابن جرير (١٣١٢): حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد [أحمد ابن] [٦] عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر [٧]، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي [عبد الله] [٨]، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع.
فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب [٩] سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نشتري الجواري أفنحمض [١٠] لهنّ؟
فقال: وما التحميض [١١]؟
فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف!
أف!
[وهل يفعل] [١٢] ذلك مؤمن -أو قال: مسلم-؟
فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني، عن أبي الحباب [١٣]، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع.
وروى النسائي (١٣١٣): عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال [١٤]: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدّث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فَنُحمِّض [١] لهن، قال: وما التحميض [٢]؟
قلت: نأتيهن في أدبارهن، فقال: أف!
أف!
أو يعمل هذا مسلم؟
فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني [٣] عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: لا بأس به وروى النسائي أيضًا (١٣١٤) من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عمر] [٤]: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها.
وروى معمر بن عيسى عن مالك: أن ذلك حرام.
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدّثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسماعيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟
قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟!
لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي.
فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم قاطبة.
وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء أهل المدينة حتى حكوه عن الإِمام مالك، وفي صحته عنه نظر.
قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك [في] [٥] أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟
هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإِمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك.
ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.
وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي، ﷺ، في تحليله ولا تحريمه شيء.
والقياس أنه حلال، وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول، فذكره.
قال أبو نصر بن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشافعي في ذلك؟
لأن [١] الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم [٢] عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها [٣].
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.
وقال ابن جرير (١٣١٥): حدَّثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد [٤]، عن عطاء قال: أراه عن ابن عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول [٥] باسم الله، التسمية عند الجماع.
وقد ثبت في صحيح البخاري (١٣١٦)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن أحدكم [٦] إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا".
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فالاستمرار على اليمين آثمُ لصاحبها من الخررج منها بالتكفير.
كما قال البخاري: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ، قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة".
وقال رسول الله ﷺ: "والله، لأن يَلِجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه".
وهكذا رواه مسلم (١٣١٧)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به، ورراه أحمد عنه، به.
ثم قال البخاري (١٣١٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية -هو ابن سلام-، عن يحيى -وهو ابن أبي كثير- عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه رسلم: "من استلج في أهلة بيمين فهو أعظم إثما، ليس تغني [١] الكفارة".
وقال علي بن [أبي] [٢] طلحة، عن ابن عباس [٣] في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير.
ولكن كفر عن يمينك واصنع [٤] الخير.
وكذا [٥] قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي [﵏] ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين (١٣١٩)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله وصلى الله عليه وسلم: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها"، وثبت فيهما أيضًا (١٣٢٠): أن رسول الله، ﷺ، قال لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة، فإنك إن أعطيتها عن [١] غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأتِ الذي هو خير، وكفر عن يمينك".
وروى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمنه، وليفعل الذي هو خير" (١٣٢١).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله، ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فَتَرْكُها كفارتها" (١٣٢٢).
ورواه أبو داود بن طريق عبيد [٢] الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها" (١٣٢٣).
ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي، ﷺ، كلها: "فليكفر عن يمينه"، وهي الصحاح.
وقال ابن جرير (١٣٢٤): حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "من حلف على يمين قَطِيعَة رحم أو معصية، فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن [١] يمينه".
وهذا حديث ضعيف؛ لأن حارثة هذا [٢] هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، متروك الحديث، ضعيف عند الجميع، ثم روى ابن جرير عن ابن جبير، وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي: أنهم قالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها.
وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم، ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين (١٣٢٥) من حديث الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله".
فهذا قاله لقوم حديثي عهد [٣] بجاهلية، قد أسلموا، وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإِخلاص، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد، لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الآية، وفي [٤] الآية الأخرى [في المائدة] [٥] ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾.
قال أبو داود (١٣٢٦): (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان - يعني ابن إبراهيم -حدثنا إبراهيم -يعني الصائغ - عن عطاء: في [١] اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إنّ رسول الله، ﷺ، قال: " [] [٢] هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى [٣] والله".
ثم قال أبو داود: رواه داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري، وعبد الملك، ومالك بن مغول كلهم، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، أيضًا (قلت): وكذا رواه ابن جريج، وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير (١٣٢٧): عن هناد [٤]، عن وكيع، وعبدة، وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [٥]: لا والله، وبلى [٦] والله.
ثم رواه: عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها.
وبه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم، عنها.
وبه عن سلمة [٧]، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عنها.
وقال عبد الرزاق (١٣٢٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [٨]: هم القوم يتدارءون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، وبلى والله وكلا والله.
يتدارءون في الأمر: لا تعقد عليه قلوبهم.
وقد قال ابن أبي حاتم (١٣٢٩): حدَّثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدَّثنا عبدة -يعني ابن سليمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله.
وحدَّثنا أبي (١٣٣٠)، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله.
فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله.
ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وابن عباس -في أحد أقواله- والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعطاء، والقاسم بن محمد، ومجاهد في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، نحو ذلك.
(الوجه الثاني): قُرئ على يونس بن عبد الأعلى (١٣٣١)، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثفة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ وتقول: هو [١] الشيء يحلف عليه أحدكم، لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه.
ثم قال: وروي عن أبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس.
ويحيى بن سعيد، وربيعة، نحو ذلك.
وقال ابن جرير (١٣٣٢): حدثنا محمد بن موسى الحرَشي [٢]، حدثنا عبيد [٣] الله بن ميمون المرادي [٤]، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون [٥]-يعني يرمون- ومع النبي ﷺ رجل من أصحابه، فرمى [٦] رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله!
فقال الذي مع النبي، ﷺ، للنبي، ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله.
قال: "كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة".
هذا مرسل حسن عن الحسن.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا.
حدثنا عصام بن رواد (١٣٣٣)، أخبرنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله: بلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك.
(أقوال أخر): قال عبد الرزاق (١٣٣٤): عن هُشَيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل: يحلف على [١] الشيء ثم ينساه.
وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله [٢] بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي [٣] إن لم آتك غدًا؛ فهو هذا.
قال ابن أبي حاتم (١٣٣٥): وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد [] [٤]، حدثنا خالد، أخبرنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.
وأخبرني أبي (١٣٣٦)، أخبرنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة.
وكذا روي عن سعيد بن جبير.
وقال أبو داود (١٣٣٧): (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال [١]: إن عدت تسألني عن [٢] القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال [له عمر] [٣]: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ﷿ ولا في قطيعة الرحم، وفيما لا تملك".
وقوده: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء ومحو يعلم أنه كاذب.
قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ الآية.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي غفوو لعباده حليم عليهم [٤].
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ الإِيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدّة، فلا يخلو: إما أن تكون [٥] أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين (١٣٣٨) عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ وآلي من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: "الشهر [يكون] [٦] تسع وعشرون"، ولهما (١٣٣٩) عن عمر بن الخطاب نحوه.
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر.
إما أن يفيء -أي: يجامع-، وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا، أو هذا، لئلا يضر بها.
ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم.
فيه دلالة على أن الإِيلاءَ يختص بالزوجات دون الإِماء، كما هو مذهب الجمهور.
﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر [١] الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة [٢] أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق، والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.
وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء -وهو القديم عن الشافعي- أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في [الحديث عند] [٣] الآية التي قبلها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها".
كما رواه أحمد (١٣٤٠)، وأبو داود، [] [٤] والذي عليه الجمهور وهو الجدبد من مذهب الشافعي-: أن عليه الكفارة؛ لعموم وجوب التكفير على كل حافط، كما تقدّم أيضًا في الأحاديث الصحاح.
والله أعلم.
[وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فيه دلالة على [أن الطلاق لا يقع] [٥] بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور [من المتأخرين] [٦]، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي الأربعة [٧] أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين، ومسروق [٨]، والقاسم، وسالم، والحسن، وأبو سلمة، وقتادة،: شريح القاضي، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن طرخان التيمي، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسدي.
ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومكحول، وربيعة، والزهري، ومروان [٩] بن الحكم.
وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول عطاء، وجابر [١٠] بن زيد، ومسروق، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم، وقبيصة ابن ذؤيب، وأبو حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح، فكل [١] من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدّة، إلا ما روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء: إنها أن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدّة عليها وهو قول الشافعي.
و [٢] الذي عليه الجمهور من [٣] المتأخرين [٤]: أنه يوقف فيطالب إمّا بهذا، وإمّا بهذا، ولا يقع عليها [٥] بمجرد مضيها طلاق.
و [٦] روى مالك (١٣٤١)، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليها [٧] طلاق، وإن مضت أربعة أشهر، حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإمّا أن يفيء.
وأخرجه البخاري.
وقال الشافعي ﵀ (١٣٤٢): أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار [٨] قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ، كلهم يوقف المولي.
قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر.
ورواه الشافعي عن علي ﵁ (١٣٤٣): أنه يوقف المولي، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وعثمان، وزيد بن ثابت، وبضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ.
هكذا قال الشافعي، ﵀.
قال ابن جرير: حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق.
ورواه الدارقطني (١٣٤٤) من طريق سهيل [٩].
(قلت): وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، زألي الدرداء، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس، ومحمد بي كعب والقاسم، وهو مذهب مالك، والشافي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم ﵏.
وهو اختيار ابن جرير أيضًا.
وهو قول الليث، وإسحق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالصلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطقة تكون رجعية، له رجعتها في العدة.
[وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة] [١]، وهذا غريب جدًّا] [٢].
وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه الإمام مالك ابن أنس ﵀ في الموطأ، عن عمرو بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول.
تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني ألا خليل ألاعبه فو اللَّه، لولا الله أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر (١٣٤٥) ابنته حفصة ﵂: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟
فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر.
فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك.
وقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير -مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب النبي، صلى اللَّه عليه وصلم، قال: ما زلت أسمع حديث عمر: أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ [٣] مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها [وهي] [٤] تقول: تطاول هذا الليل وازورّ جانبُهْ … وأرَّقَنِي ألُّا ضجيعَ أُلاعِبُهْ أُلاعِبُه طورًا وطورًا كأنَّما … بدا [قمرًا في] [٥] ظلمة الليل حاجبُهْ يسز به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربُهْ فواللَّه لولا اللَّه لا شيء غيره … لنتض من هذا السرير جوانبُهْ ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا … بأنفاسنا لا يَفْتُر الدهرَ كاتبُهْ [مخافةَ رَبِّي والحياءُ يصدُّني … وإكرام بعلي أن تُنَال مراكبُهْ] [١] ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم أو نحوه (١٣٤٦).
وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات [٢].
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) هذا أمر من اللَّه ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت.
وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقرءين؛ لأنها على النصف من الحرة، والقرء لا يتبعض، فكمل [٣] لها قرءان، ولما رواه ابن جرير، عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة: أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها [٤] حيضتان".
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة (١٣٤٧)، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية.
وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح [٥] أنه من قول القاسم بن محمد نفسه.
ورواه ابن ماجة من طريق عطية العوفي، عن ابن عمر مرفوعًا (١٣٤٨).
قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع، عن ابن عمر قوله.
وهكذا روي عن عمر بن الخطاب.
قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف.
وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء [والله أعلم] [١].
حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين، وبعض أهل الظاهر، وضعفه.
وقد قال ابن أبي حاتم (١٣٤٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش- عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه: أن أسماء بنت نريد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول اللَّه، ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل اللَّه ﷿، حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق، يعني: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقد اختلف السلف والحلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو؟
على قولين:.
(أحدهما): أن المراد بها [٢] الأطهار، وقال مالك في الموطأ: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة.
وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن اللَّه تعالى يقول في كتاب: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟
إنما الأقراء الأطهار (١٣٥٠).
وقال مالك: عن ابن شهاب، سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك- يريد قول عائشة.
وقال مالك: عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها.
و [١] قال مالك: وهو الأمر عندنا.
وروي مثله عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسالم والقاسم، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، وعطاء بن أبي رباح وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك والشافعي [وغير واحد وداود وأبي ثور وهو رواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي في الأطهار.
ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاءِ: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأتل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] [٢].
واستشهد أبو عبيدة وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى: ففي كل عام أنت جاشِمُ غزوة … تشد لأقصاها عَزِيمَ عزائكا مُوَرِّثة عدًّا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا يمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها.
(والقول الثاني): أن المراد بالأقراء: الحيض فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: تغتسل منها.
وأقل وقت تصدق [٣] فيه المرأة [٤] في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة.
قال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين، فجاءني [وقد وضعت مائي] [٥] وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي.
فقال عمر لعبد اللَّه يعني [٦]: بن مسعود-: [ما ترى؟
قال:] [٧] أراها امرأته، ما دون أن تحل لها الصلاة، قال عمر [٨]: وأنا أرى ذلك (١٣٥١).
وهكذا روي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، والشعبي، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، ومكحول والضحاك، وعطاء الخراساني، أنهم قالوا: الأقراء: الحيض.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ، يقولون: الأقراء: الحيض.
وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن صالح بن حَيّ [١] وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه.
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي (١٣٥٢): من طريق المنذر بن المغيرة [٢]، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال لها: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
فهذا لو صح لكان صريحًا، في أن القرء هو الحيض، [ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور.
وذكره ابن حبان في الثقات].
وقال ابن جرير (١٣٥٣): أصل القرء في كلام العرب: الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم.
وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، والله أعلم.
وهذا قول الأصمعي: إن القرء هو الوقت.
وقال أبو عمرو بن العلاءِ: العرب تسمى الحيض: قرءًا، وتسمي الطهر: قرءًا، وتسمي الطهر والحيض جميعًا قرءًا.
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب، والفقهاء أن القرء يراد به: الحيض، ويراد به: الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو؟
على قولين.
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل، أو حيض.
قاله ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، والحكم بن عُتَيبَة، والربيع بن أنس، والضحاك وغير واحد.
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على قول خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر [١] إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تخبر [٢] بغير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: و [٣] زوجها الذي طلقها أحق بردتها [٤] ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها [٥] الإِصلاح والخير.
وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطقة بائن، وإنما صار ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات [٦]، صار للناس مطلقة بائن وغير بائن.
وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف [٧] ما سلكه بعض الأصوليين، من استشهادهم على مسألة عود الضمير هل يكون مخصصًا [٨] لما تقدمه من لفظ العموم أم لا؟
-: بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق [٩] لما ذكروه، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم (١٣٥٤)، عن جابر، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع: "فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان [١٠] اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، ولكم عليهنّ ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مرح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف".
وفي حديث بهز بن حكيم، بن [١] معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا؟
قال: "أن [٢] تطعهما إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (١٣٥٥).
وقال وكيع: عن بشير بن سليمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١٣٥٦).
وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: فما الفضيلة، وفي الخَلْق والخُلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) هذه الآية الكريمة [٣] رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجال كان أحق برجعة امرأته، وإن حلقها [مائة مرّة] [٤] ما دامت في العدّة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم اللَّه ﷿ إلى ثلاث طلقات [١]، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة: فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال أبو داود ﵀ في سننه (١٣٥٧): (باب: [] [٢] نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث) حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية.
وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية.
ورواه النسائي: عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين- به.
وقال ابن أبي حاتم (١٣٥٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عمدة -يعني: ابن سليمان-، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا، ولا أؤويك [٣] أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟
قال: أُطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول اللَّه، ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره: من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس.
ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء، ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار تغضب [٤] على امرأته فقال: واللَّه لا أؤويك [٥] ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟
قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك.
فذكرت ذلك لرسول اللَّه، ﷺ، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، [ ....
] [٦] عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير- عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- فذكره بنحو ما تقدم.
ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب - به.
ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه - مرسلًا.
وقال: هذا أصح.
ورواه الحاكم في مستدركه (١٣٥٩): من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب [١]، عن يعلى بن شبيب به وقال: صحيح الإِسناد.
ثم قال ابن مردويه: [حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله] [٢]، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض [٣] ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت [٤] العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقَّت الطلاق ثلاثًا، لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره.
وهكذا روي عن قتادة مرسلًا.
وذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية [٥].
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإِصلاح بها والإِحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضارَّ بها.
و [٦] قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله [في ذلك أي] [٧] في الثالثة، فإمّا أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان، فلا يظلمها من حقها شيئًا.
وقال ابن أبي حاتم (١٣٦٠): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع قال: سمعت أبا رَزين يقول: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أين الثالثة؟
قال: "التسريح بإحسان".
ورواه عبد بن حميد في تفسيره (١٣٦١)، ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، أن [١] أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت قول الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فأين الثالثة؟
قال: "التسريح بإحسان الثالثة".
ورواه الإمام أحمد أيضًا (١٣٦٢)، وهكذا رواه سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، و [٢] [إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية [٣] عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين - به.
وهكذا [٤] رواه [ابن مردويه أيضًا: من طريق] [٥] قيس بن الربيع، عن إسماعيل ابن سميع، عن أبي رزين - به مرسلًا.
ورواه ابن مردويه أيضًا [٦] (١٣٦٣): من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ، فذكره.
ثم قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن [٧] عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟
قال: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (١٣٦٤).
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته [١]، ولم تقدر على معاشرته - فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له [٢]، [ولا حرج] [٣] عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية.
فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير (١٣٦٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب ح [٤].
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، [عمن حدثه] [٥]، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها [في غير ما بأس] [٦]، فحرام عليها رائحة الجنة".
وهكذا رواه الترمذي (١٣٦٦): عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - به.
وقال: حسن.
قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.
ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإِسناد، ولم يرفعه.
وقال الإِمام أحمد (١٣٦٧): [حدثنا عبد الرحمن] [١] حدثنا حماد بن زيد، عن أبوب، عن أبي قلابة قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير [ما] [٢] بأس، فحرام عليها رائحة الجنة".
وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن جرير من حديث حماد بن زيد - به.
(طريق أخرى): قال ابن جرير (١٣٦٨): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ، عن النبي، ﷺ، أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، حرم الله عليها رائحة الجنة".
وقال: "المختلعات هنّ المنافقات".
ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا (١٣٦٩): عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذَوّاد [٣] بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث -[هو ابن أبي سليم] [٤]- عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "المختلعات هنّ المنافقات".
ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.
(حديث آخر): قال ابن جرير (١٣٧٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات".
غريب من هذا الوجه ضعيف.
[(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٣٧١): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال [١]: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات"] [٢].
(حديث آخر): قال ابن ماجة (١٣٧٢): حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه [٣] فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا".
ثم قد [٤] قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، قالوا: فلم يشرع الخلع [٥] إلا في هذه الحالة [٦]، فلا [يجوز في غيرها] [٧] إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن [٨] والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب رده إليها، وكان الطلاق رجعيًّا.
قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه.
وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة.
وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستذكار" له، في بكر بن عبد الله المزني أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾.
ورواه ابن جرير عنه (١٣٧٣).
وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله.
وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس [١] وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها [٢] واختلاف ألفاظه.
قال الإِمام مالك في موطئه (١٣٧٤): عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس [٣]، وأنّ رسول الله، ﷺ، خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال رسول الله ﷺ: "من هذه؟
"، قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: "ما شأنك؟
" فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس (*) - لزوجها - فلما جاء زوجها [٤] ثابت بنن قيس قال له رسول الله ﷺ: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر"، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ: "خذ منها"، فأخذ منها، وجلست في أهلها.
وهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بإسناده مثله.
ورواه أبو داود (١٣٧٥)، عن القعنبي، [عن مالك.
والنسائي] [٥] عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك - به.
(حديث آخر): عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير (١٣٧٦).
حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا أبو عمرو السدوسي، عن [عبد الله] [١] يعني: ابن أبي بكر - عن عمرة، عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نُغْضَها (*) [٢]، فأتت [رسول الله] [٣] ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله، ﷺ، ثابتًا فقال: "خذ بعض مالها وفارقها".
قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟
قال: "نعم"، قال: فإني [٤] أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ: "خذهما وفارقها"، ففعل.
وهذا لفظ ابن جرير.
وأبو عمرو السدوسي -هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام-.
(حديث آخر) فيه، عن ابن عباس ﵁.
قال البخاري (١٣٧٧): حدثنا أزهر بن جميل [٥]، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أعْتِبُ [٦] عليه في خلق ولا دين، ولكني [٧] أكره الكفر في الإِسلام.
فقال [٨] رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟
" قالت: نعم.
قال رسول الله ﷺ: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة".
وكذا رواه النسائي (١٣٧٨) عن أزهر بن جميل [٩] سناده مثله.
ورواه البخاري (١٣٧٩) أيضًا به [١٠] عن إسحاق الواسطي، عن خالد -هو ابن عبد الله الطحان - عن خالد -هو ابن مهران الحذاء - عن عكرمة، [عن ابن عباس] [١] به نحوه.
وهكذا رواه البخاري أيضًا (١٣٨٠) من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به، وفي بعضها أنها قالت: (لا أطيقه) تعني: بغضًا.
وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه.
ثم قال (١٣٨١): حدثنا سليمان بن [٢] حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن جميلة ﵂ كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس: أن جميلة بنت سلول [٣] أتت النبي، ﷺ، فقالت: والله، ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق، ولكنني [٤] أكره الكفر بعد الإسلام، ولا أطيقه بغضًا.
فقال النبي ﷺ: "تردين [٥] عليه حديقته؟
" قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ، أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد.
وهكذا رواه ابن ماجة (١٣٨٢) عن أزهر بن مروان بإسناده - مثله سواء، وهذا إسناد جيد مستقيم، ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي، عن عبيد الله القواريري عن عبد الأعلى - مثله.
لكن قال ابن جرير (١٣٨٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت [عبد الله بن] [٦] أبي ابن سلول: أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي، ﷺ فقال: "يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟
"، قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: "أتردين عليه [٧] الحديقة؟
"، قالت: نعم، فردت الحديقة، وفرق بينهما.
و [١] قال ابن جرير أيضًا (١٣٨٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال قرأت على فضيل، عن أبي جرير: أنه سأل عكرمة: هل [٢] كان للخلع أصل؟
قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإِسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد [٣] أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامه، وأقبحهم وجهًا.
فقال [٤] زوجها: يا رسول الله، إني قد [٥] أعطيتها أفضل مالي؛ حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي، قال: "ما تقولين؟
" قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما.
(حديث آخر): قال ابن ماجة (١٣٨٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بصقت [٦] في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟
"، قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق رسول الله، ﷺ، بينهما.
وقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟
فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وقال [٧] ابن جرير (١٣٨٦): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كَثِير مولى سَمُرَةَ، أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزِّبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟
فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي [١] التي كنت [٢] حبستني.
فقال لزوجها: اخلعها ولو من قُرْطِها.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن كثير [مولى سمرة] [٣] فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه [٤] ثلاثة أيام.
وقال [٥] سعيد بن أبي عروبة (١٣٨٧)، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: إن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف [٦] وجدت مكانك؟
قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة، فقال: خذ ولو عِقَاصها.
وقال البخاري (١٣٨٨): وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.
وقال [٧] عبد الرزاق (١٣٨٩): أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء حدّثته قالت: كان لي زوج يُقلّ [٨] [علي الخير] [٩] إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة [١٠] يومًا، فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه؟
قال: نعم.
قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان [بن عفان] [١١]، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.
ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها.
وبه يقول ابن عمر وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتّيّ، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير.
وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز فى القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها [١] أكثر مما أعطاها.
وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري وطاوس، والحسن والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها.
وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدّم من رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله، ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد (١٣٩٠) حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي، ﷺ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها -يعني: المختلعة- وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك.
وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (١٣٩١)، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فى رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه بعد، يتزوّجها إن شاء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾.
قال الشافعي، وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق.
وروى غير الشافعي (١٣٩٢): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أيتزوّجها؟
قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ [١] من [٢] أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وابن عمر، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة.
والقول الثاني في الخلع أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك.
قال مالك (١٣٩٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان [٣] مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان فى ذلك فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا، فهو ما سميت.
قال الشافعي: ولا أعرف جُمْهان [٤].
وكذا ضعف أحمد [ابن حنبل] [٥] هذا الأثر، والله أعلم.
وقد روي نحوه [٦] عن عمر وعلي، وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن، وعطاء وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعي، وعثمان البتي [٧]، والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق -فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث.
وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية- فليس هو بشيء بالكلية.
[مسألة] وذهب [مالك] [١] وأبو حنيفة، والشافعي وأحمد، وإسحاق [بن راهويه] [٢] في رواية عنهما، وهي المشهورة إلى أن المختلعة عدّتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك.
عن عمر وعلي وابن عمر.
وبه يقول سعد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخِلَاس بن عمرو [٣]، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتدّ كسائر المطلقات.
والقول الثاني أنها تعتدّ بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها.
قال ابن أبي شيبة (١٣٩٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع؛ أن الرُّبَيِّع اختلعت من زوجها، فأتى عمُّها عثمانَ، ﵁؛ فقال: تعتد بحيضة [٤]، قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا.
وحدثنا عبدة (١٣٩٥)، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: عدّة المختلعة حيضة.
وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [٥] (١٣٩٦)، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: عدّتها حيضة.
وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان، وكل من تقدم ذكره ممن يقول: "إن الخلع فسخ" يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي (١٣٩٧)؛ حيث قال كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي، ﷺ، فأمرها النبي، ﷺ، أن تعتد بحيضة.
ثم قال الترمذي [١]: حسن غريب.
وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا.
(حديث آخر): قال الترمذي (١٣٩٨): حدّثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن -وهو مولى آل طلحة- عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء؛ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي، ﷺ أو أمرت- أن تعتد بحيضة.
قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.
(طريق أخرى): قال ابن ماجة (١٣٩٩): حدّثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن [] [٢]، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك.
قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت فسألت [] [٣]: ماذا علي من العدة؟
فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون [٤] حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي [٥] حيضة.
قالت: وإنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله، ﷺ، في مريم المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيسٍ، فاختلعت منه.
وقد روى ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن أبى سلمة.
وعن [١] محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الربيع [٢] بنت معوذ [٣]؛ قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة.
[مسألة] وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء.
وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب والزهري؛ أنهم قالوا: إن ردّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها.
وهو اختيار أبي [٤] ثور، ﵀.
وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمَّى [٥] طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة.
وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوّجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فِرْقَةٍ أنه لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.
[مسالة] وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟
فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها [٦] ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه.
وبه يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور.
(والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقًا [٧] من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما لم يقع.
قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان، ﵁.
(والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعى، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء، قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها.
كما ثبت في الحديث الصحيح (١٤٠٠): " إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ﷺ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!
" حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟
فيه انقطاع.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب ﵀ أنه [٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني.
وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.
وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀ (١٤٠٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل يتزوّج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوّجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأوّل؟
قال: "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها".
هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد (١٤٠٣)؛ فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد؛ قال [١]: سمعت سالم بن رزين يحدث، عن سالم بن عبد الله -يعني: ابن عمر- عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها [٢]، ثم يتزوّجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله ﷺ: "حتى تذوق [٣] العسيلة".
وهكذا رواه النسائى (١٤٠٤) عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجة عن محمد بن بشار بندار [٤]، كلاهما عن محمد [بن] [٥] جعفر غُنْدَر، عن شعبة، به كذلك.
فهذا من رواية سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم.
وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير [٦] هذا الحديث (١٤٠٥) من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي، ﷺ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأوّل؟
قال: "لا، حتى تذوق [١] العسيلة".
وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٠٦): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي [٢]، عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً فتزوجت بعده رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟
فقال رسول الله ﷺ: "لا، حتى يكون [٣] الآخر قد [٤] ذاق [من] [٥] عسيلتها وذاقت من عسيلته".
وهكذا [٦] رواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدّثنا محمد بن دينار، فذكره.
(قلت): ومحمد بن دينار "بن صندل" أبو بكر الأزدي ثم الطاحي [٧] البصري، ويقال له ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له.
وذكر [٨] أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم.
(حديث آخر): قال ابن جرير (١٤٠٧): حدّثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج زوجًا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: "لا حتى يذوق [] [٩] عسيلتها".
ثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به.
وأبو الحارث غير معروف.
(حديث آخر): قال ابن جرير: [حدثنا ابن مثنى] [١] حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن عائشة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله، ﷺ: أتحل للأول؟
فقال: "لا حتى يذوق من عسيلتها، كما ذاق الأول".
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١٤٠٨) من طرق عن عبيد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة، به.
(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله [٢] بن إسماعيل الهَبَّاري، وسفيان ابن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل النبي، ﷺ، عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلًا غيره، فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟
فقال رسول الله ﷺ: "لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته".
وكذا رواه أبو داود، عن مسدد، والنسائي (١٤٠٩)، عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير- به.
(طريق أخرى): قال مسلم في صحيحه (١٤١٠): حدثنا محمد بن العلاءِ الهمداني، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلًا آخر [٣] فيطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟
قال: "لا حتى يذوق عسيلتها".
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن [١] فضيل (ح [٢].
وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، جميعًا عن هشام بهذا الإِسناد.
وقد رواه البخاري (١٤١١) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن هشام، به.
وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين.
وهكذا رواه ابن جرير (١٤١٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا بنحوه، -أو مثله- وهذا إسناد جيد.
وكذا رواه ابن جرير أيضًا، من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن امرأة أبيه أمينة أم محمد، عن عائشة، عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بمثله (١٤١٣).
وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدّثنا يحيى، عن هشام [بن عروة] [٣]، حدثني أبي، عن عائشة [] [٤] عن النبي، ﷺ.
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن [عروة] [٥]، عن أبيه، عن عائشة: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، [فتزوجت آخر] [٦] فأتت النبي، ﷺ، فذكرت له [٧] أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (١٤١٤).
تفرد به من هذين الوجهين [] [٨].
(طريق أخرى): قال الإمام أحمد (١٤١٥): حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي، وأنا وأبو بكر عند النبي، ﷺ، فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، كان عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهُدبَة، وأخَذَتْ هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تحهر به بين يدي [رسول الله ﷺ؟] [١]، فما زاد رسول الله، ﷺ، على التبسم، وقال [٢] رسول الله ﷺ: "كأنك تريدين أن ترجعي إلى، رفاعة؟
لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
وهكذا رواه البخاري (١٤١٦) من حديث عبد الله بن المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن مَعْمَر، به.
وفي حديث عبد الرزاق عند [٣] مسلم: أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطيقات.
وقد رواه الجماعة (١٤١٧) إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق ورنس بن يزيد [وعنده: آخر ثلاث تطيقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] [٤] كلهم [٥]، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، به.
وقال مالك (١٤١٨): عن المسِوَر بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله، ﷺ، ثلاثا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض [١] عنها، فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة [ابن سموال] [٢] أنْ ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله، ﷺ، فنهاه عن تزويجها وقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة".
هكذا [٣] رواه أصحاب الموطأ [٤]، عن مالك، وفيه انقطاع.
وقد رواه إبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن وهب، عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير، ابن عبد الرحمن [بن الزبير] [٥]، عن أبيه فوصله.
[فصل] والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط [٦] الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئًا مباحًا، فلو وطئها وهي مُحْرمة أو صائمة، أو معتكَفة، أو حائض، أو نُفَساء، أو والزوج صائم، أو محرم، أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء.
وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًّا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري -فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر- أن يُنتزِلَ الزوجُ الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة [٧] والسلام: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، ويلزم على هذا أن تنزل [٨] المرأة أيضًا.
وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ، قال [٩]: "ألا إن العسيلة الجماع" (١٤١٩).
فأما إذا كان الثاني إنما قَصدُه أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك (الحديث الأول) عن ابن مسعود ﵁، قال الإمام أحمد (١٤٢٠): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل [١]، عن عبد الله قال: لعن رسول الله، ﷺ، الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة [٢]، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله.
ثم رواه أحمد والترمذي، والنسائي من غير وجه (١٤٢١)، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي قيس-واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي [٣]- عن هزيل بن شرحبيل الأودى [٤]، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ به [٥].
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: عمر، وعثمان، وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس.
(طريق أخرى): عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد (١٤٢٢): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ، قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
(طريق أخرى): روى الإمام أحمد (١٤٢٣)، والنسائي من حديث الأعمش، عن عبد الله ابن مرة، عن الحارت الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: أكل الربا وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي (٥) الصدقة والمتعدي [١] فيها، والمرتد على [٢] عقبيه إعراضًا [٣] بعد هجرته، والمحلل والمحلل له ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة.
(الحديث الثاني) عن علي ﵁ قال الإمام أحمد (١٤٢٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ، آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحُسن، ومانع الصدقة، والمحلل [٤] والمحلل له، وكان ينهى عن النوح.
وكذا رواه عن غُنْدَر، عن شعبة، عن جابر -وهو ابن يزيد الجعفي-، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي، به.
وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد، وابن عون، عن عامر الشعبي به.
وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة من حديث الشعبي، به (١٤٢٥).
ثم قال أحمد (١٤٢٦): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا [٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ، صاحب الربا، وآكله، وكاتبه، وشاهده، والمحلل، والمحلل له.
(الحديث الثالث) عن جابر ﵁، قال الترمذي (١٤٢٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زُبَيد اليَامِي [١]، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله، ﷺ، لعن المحلل والمحلل له.
ثم قال: وليس إسناده بالقائم.
ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل.
قال: ورواه ابن نمير، عن مجالد [٢]، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح.
(الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر ﵁، قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (١٤٢٨): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشْرَح [٣]-هو ابن هاعان-: قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟
"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلل [٤]، لعن الله المحلل [٥] والمحلل له".
تفرد به ابن ماجة، وكذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث- به.
ثم قال: كانوا ينكرون [٦] على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا.
(قلت): عثمان هذا أحد الثقات روى عنه البخاري في صحيحه، ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريالي: عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث [به، فبرئ من عهدته،] [٧] والله أعلم.
(الحديث الخامس) عن ابن عباس ﵄، قال ابن ماجة (١٤٢٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة به.
صالح، عن سلمة بن وَهْرَام [٨]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله، ﷺ، المحلل والمحلل له.
(طريق أخرى): قال الإمام الحافظ خطب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني [١] السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل [بن أبي حبيبة] [٢]، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله، ﷺ، [عن نكاح المحلل] [٣]، قال: "لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دُلْسَة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها" (١٤٣٠).
ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة (١٤٣١): عن حميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي، ﷺ، بنحو من هذا.
فيتقوى كل من هذا المرسل، والذي قبله بالآخر، والله أعلم.
(الحديث السادس) عن أبي هريرة ﵁، قال الإِمام أحمد (١٤٣٢): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عبد الله -هو ابن جعفر- عن عثمان بن محمد عن المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله، ﷺ، المحلل [٤] والمحلل له.
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي (١٤٣٣) من طريق عبد الله بن جعفر القرشيّ وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري، وهو متفق عليه.
(الحديث السابع) عن ابن عمر ﵄، قال الحاكم في مستدركه (١٤٣٤): حدَّثنا أبو العباس الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا أبو غسان [١] محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟
فقال: لا، إلا نكاح رغبة.
كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله، ﷺ.
ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقد رواه الثوري: عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر- به.
وهذه الصيغة مشعرة بالرفع، وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني، وحرب الكرماني، وأبو بكر الأثرم، من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل [٢] ولا محلل له إلا رجمتهما (١٤٣٥).
وروى البيهقي من حديث ابن لَهِيعة، عن بُكَير بن الأشج، عن سليمان بن [٣] يسار [٤]: أن عثمان بن عفان رُفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما.
وكذا روي عن علي وابن عباس، وغير واحد من الصحابة، ﵃.
وقوله: ﴿فإن طلقها﴾ أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ أي: المرأة والزوج الأول ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ أي: يتعاشرا بالمعروف.
[قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] [٥].
﴿وتلك حدود الله﴾ أي شرائعه وأحكامه ﴿يبينها﴾ أي: يوضحها ﴿لقوم يعلمون﴾.
وقد اختلف الأئمة، ﵏، فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر فدخل بها، ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃؟
أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏؟
وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ هذا أمر من الله ﷿ للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يسرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن من غير شقاق [١]، ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ أي: بمخالفته أمر الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ قال ابن جرير عند هذه الآية (١٤٣٦): أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي [٢]، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى أنّ رسول الله، ﷺ، غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟
فقال: "يقول أحدكم (قد طلقت قد راجعت) ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبُل (*) عدتها".
ثم رواه من وجه آخر، عن أبي خالد الدالاني [٣]- وهو-يزيد بن عبد الرحمن- وفيه كلام.
وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كُنْهِه، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها، لتطول عليها العدة.
وقال الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع، ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبا، أو يعتق، أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا.
فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فألزم الله بذلك.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدَّثنا أبو أحمد الصيرفي، حدّثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب، لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
فألزمه رسول الله، ﷺ الطلاق.
وقال ابن أبي حاتم (١٤٣٧): حدَّثنا عصام بن رَوّاد، حدَّثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، هو البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، ويعتق ويقول: كنت لاعبًا.
وينكح ويقول: كنت لاعبًا.
فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: "من طلق، أو أعتق، أو نكح أو أكح، جادا أو لاعبًا، فقد جاز عليه".
وكذا رواه ابن جرير: من طريق الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن- مثله.
وهذا مرسل.
وقد رواه ابن مردويه، من طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء- موقوفًا عليه.
وقال أيضًا (١٤٣٨): حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سلمة، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ، يقول للرجل: زوّجتك بنتي، ثم يقول: كنت لاعبًا.
ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا.
فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: "ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح".
والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (١٤٣٩): من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أَرْدك [١]، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هروة قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: "ثلاث [٢]، جدّهن جد، وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة".
وقال الترمذي: حسن غريب.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم ﴿واتقوا الله﴾: فيما تأتون وفيما تذرون ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (١٤٤٠): نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له [أن يتزوجها] [٣] وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.
وكذا روى العوفي، عنه (١٤٤١)، [أيضًا] [٤].
وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري، والضحاك: إنها نزلت في ذلك (١٤٤٢).
وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك [أن تزوّج] [١] نفسها، وأنه لا بد في تزويجها من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: "لا تزوّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (١٤٤٣).
وفي الأثر الآخر (١٤٤٤) " لا نكاح إلَّا بولي مرشد وشاهدي عدل".
وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء محرَّر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب "الأحكام"، ولله الحمد والمنة.
وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني [٢] وأخته، فقال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح عند [٣] تفسير هذه الآية (١٤٤٥): حدَّثنا عبيد [٤] الله بن سعيد، حدَّثنا أَبو عامر العَقَدي [٥]، حدَّثنا عبَّاد بن راشد، حدَّثنا الحسن قال [٦]: حدثني مَعْقل بن يسار قال: كانت لي [٧] أخت تخطب إليَّ.
قال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، حدثني [٨] معقل بن يسار (ح) [٩].
وحدثنا أَبو معمر، حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتَّى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
وهكذا رواه أَبو داود، والتِّرمِذي، [وابن ماجة] وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه من طرق متعددة، عن الحسن، عن معقل بن يسار - به.
وصححه التِّرمِذي أيضًا، ولفظه عن معقل بن يسار: أنَّه زوَّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتَّى انقضت العدة [١]، فهويها وهَوِيته ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقال له: يا لُكَع [بن لكع] [٢]، أكرمتك بها، وزوَّجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوِّجك وأُكرمك.
زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني.
وروى ابن جرير (١٤٤٦)، عن ابن جريج قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت [٣] تحت [٤] أبي البَدّاح.
وقال سفيان الثَّوري (١٤٤٧): عن أبي إسحاق السبيعي قال: هي فاطمة بنت يسار.
وهكذا ذكر غير واحد من السلف: أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته.
وقال السدي (١٤٤٨): نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له.
والصحيح الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي نهيناكم عنه مِن منْع الولايا أن يتزوّجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أي الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾] [٥] أي: يؤمن بشرع الله ويخاف وعِيد الله وعذابه في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: اتباعكم شرع الله في ردّ الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى [١] أنَّه لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما [٢] لم يحرم.
قال التِّرمِذي (١٤٤٩): (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلَّا في الصغر دون الحولين) حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا أَبو عوانة، عن هشام بن عروة [٣]، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاع إلَّا مما [٤] فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام".
وقال [٥] هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ، وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلَّا ما [٦] كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا.
وفاطمة بنت المنذر [بن الزُّبَير] [٧] بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.
(قلت): تفرَّد التِّرمِذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: "إلَّا مما كان في الثدى" أي: في محل [٨] الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد (١٤٥٠)، عن وكيع وغُنْدَر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إن له مرضعًا في الجنَّة".
وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة.
وإنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم [﵇] [١] مات وله [٢] سنة و [٣] عشرة أشهر، فقال: "إن له مرضعًا في الجنَّة" يعني [٤]: تكمل رضاعه.
ويؤيده ما رواه الدارقطني (١٤٥١) من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يُحرّم من الرضاع إلَّا ما كان في الحولين"، ثم قال: و [٥] لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ.
(قلت): وقد رواه الإِمام مالك في الموطأ (١٤٥٢)، عن ثور بن يزيد [٦]، عن ابن عبَّاس - مرفوعًا.
ورواه الدراوردي، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن [٧] عبَّاس [٨] و [٩] زاد: "وما كان بعد الحولين فليس بشيء"، وهذا أصح.
وقال أَبو دواد الطالسي (١٤٥٣)، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا رضاع بعد فصال، ولا يُتْمَ بعد احتلام [١٠] "، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.
والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مروى [١١] عن علي وابن عبَّاس، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة [وابن عمر] [١٢] وأُمّ سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والجمهور، وهو مذهب الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك في رواية، و [١] عنه أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر.
وقال أَبو حنيفة: سنتان وستة أشهر.
وقال زُفَر بن الهُذَيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي.
قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين فأرضعته امرأة بعد فصاله لم يحرم، لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور، سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما أرادا الفعل، كقول مالك، والله أعلم.
وقد روي في الصحيح [٢] عن عائشة (١٤٥٤) ﵂: أنَّها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة، حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبي ذلك سائر أزواج النبي ﷺ، ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور.
وحجة الجمهور - منهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج [٣] رسول الله ﷺ سوى عائشة - ما ثبت في الصحيحين (١٤٥٥)، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "انظْرنَ من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة".
وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير عند قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف، ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قال الضحاك: إذا طلَّق زَوْجَته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا [١] ولدته حثى تسقيه اللَّبَأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا [٢] شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ بولده أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها، قاله مجاهد وقَتَادة والضحاك، والزهري، والسدي، والثوري، وابن زيد، وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه [٣] قاله مجاهد والشعبي، والضحاك.
وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإِنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإِضرار بها، وهو قول الجمهور.
وقد استقصى [٤] ذلك ابن جرير في تفسيره.
وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويُرَشَّح ذلك [٥] بحديث الحسن عن سَمُرة مرفوعًا: "من ملك ذا رَحِم مَحْرَمٍ عتق عليه" (١٤٥٦).
وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد؛ إما في بدنه، أو عقله.
و [٦] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنَّه رأى امرأة ترضع بعد الحولين فقال: لا ترضعيه.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا [١] الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك واجتمعا [٢] عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثَّوري وغيره.
وهذا فيه احتياط للطفل، والزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه [٣]، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد؛ إما لعذر [٤] منها أو عذر [٥] له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف.
قاله غير واحد.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم واقوالكم.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن: يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإِجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وصححه التِّرمِذي (١٤٥٧): أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم يفرض لها؛ فترددوا إليه مرارًا [١] في ذلك، فقال: أقول فيها برأي، فإن يك [٢] صوابًا فمن الله، وإن يك [٣] خطأ فمني ومن الشيطان، [والله ورسوله بريئان منه] [٤]: لها الصداق كاملًا.
وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَطَ (*)، وعليها العدّة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَعَ بنت وَاشِق؛ ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا.
وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَع بنت وَاشِق.
ولا يخرج من ذلك إلا المتوفَّى عنها زوجها وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة العموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وكان ابن عبَّاس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سُبَيعة الأسلمية المخرَّج في الصحيحين من غير وجه (١٤٥٨): أنَّها [٥] توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب (**) أن وضعت حملها بعد وفاته.
وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تَعَلَّتْ (* * *) من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أَبو السنابل بن بَعْكَك فقال لها: ما لي أراك متجملة؟
لعلك ترجين النكاح؟!
والله ما أنت بناكح حتَّى يمر عليك أربعة أشهر وعشر.
قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابِي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعتُ حملي [١]، وأمرني بالتزويج إن بدا لي.
قال أَبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عبَّاس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني: لما احْتُجَّ عليه به.
قال: ويصحح ذلك عنه أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة.
وكذلك يُستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أَمَةً، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، [شهران وخمس ليال، على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة] [٢] في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها [٣] في العدّة.
ومن العلماء - كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية - من يسوي بين الزوجات الحرائر والإِماء في هذا المقام؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجِبِلِّيَّة التي تستوي فيها الخليقة.
وقد ذكر سعيد بن المسيب وأَبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما (١٤٥٩): " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا [٤]، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملكُ فينفخ فيه الروح"، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟
قال: فيه ينفخ الروح.
وقال الربيع بن أَنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟
قال: لأنه ينفخ فيه الروح.
رواهما ابن جرير، ومن هاهنا ذهب الإِمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا؛ لأي صارت فِراشا كالحرائر [١]، وللحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٤٦٠)، عن زيد في هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنَّه قال: لا تَلبِّسُوا (٥) علينا سنة نبيِّنا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر.
ورواه أَبو داود عن قتيبة [٢]، عن غندر، وعن ابن المثنى [٣]، عن عبد الأعلى، وابن ماجة عن عليِّ بن محمد، عن الربيع [٤]، ثلاثتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص فذكره.
وقد روي عن الإِمام أحمد أنَّه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عمرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأَبو عياض، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقال طاوس وقَتَادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة، شهران وخمس ليال.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حِيَض، وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي، ومكحول والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور.
قال الليث: ولو مات وهي حائض أجزأتها.
وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر.
وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثةٌ أحبُّ إلي.
والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه (١٤٦١) أعن أم حبيبة، وزينب بنت جحش، أمي المؤمنين] [١]، من رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا".
وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة (١٤٦٢)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟
فقال: "لا"، كل ذلك يقول: "لا"، مرتين أو ثلاثا - ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية يمكث سنة"، قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا (*)، ولبست شر [٢] ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض له، فقلما تفتض بشيء إلا مات.
ومن هاهنا ذهب كثيرون [٣] من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.
والغرض أن الإِحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج، من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة [١] الوفاة، قولًا واحدًا، ولا يجب [٢] في عدة الرجعية قولا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن؟
فيه قولان: ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة، والحرة، والأمَة، والمسلمة، والكافرة، لعموم الآية [٣].
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد [٤] على الكافرة.
وبه يقول أشهب، وابن [٥] نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا".
قالوا: فجعله تعبدًا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه و [٦] الثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمَةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.
[وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ قال الزهري: أي على أوليائها ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني: النساء التي انقضت عدتهن، قال العوفي، عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزوبج، فذلك المعروف.
وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: هو النكاح الحلال الطيب.
وروي عن الحسن والزهري والسدى نحو ذلك] [٧].
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح.
قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: التعريض أن يقول [١]: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة، من أمرها، ومن [٢] أمرها، يعرض لها بالقول بالمعروف.
[وفي رواية: وددت إن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا] [٣] ينصب [٤] للخطبة [٥].
وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك أن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب [٦] لها ما دامت في عدتها.
ورواه البخاري تعليقًا (١٤٦٣) فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لَمِنْ حاجتي، ولوددت أن [٧] يُيَسَّرَ لي امرأة صالحة.
وهكذا قال مجاهد وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي والحسن، وقتادة، والزهري، ويزيد بن قسيط، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها [٨] بالخطبة، وهكذا حُكْمُ المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس - حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها -: "فإذا حللت فآذنيني"، فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه فزوجها إياه (١٤٦٤).
فأمّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا [٩] التعريض لها، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من [١٠] خطبتهن، وهذا كقوله [١١]، تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا [١٢] أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مجلز وأبو الشعثاء -جابر بن زيد- والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنى، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير [١].
وقال [٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٤٦٥): ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: لا تقل [٣] لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا.
وهكذا رُوي عن سعيد بن جبير والشعبي، وعكرمة وأبي الضحى، والضحاك والزهري، ومجاهد والثوري: هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره، وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك.
وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة والقول بالمعروف.
وقال ابن زيد: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أن يتزوجها في العدة سرًّا [٤]، فإذا حلت أظهر ذلك.
وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، ولهذا قال ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدى والثوري، وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض، كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.
وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تُزَوِّجْها حتى تُعْلِمَنِي.
رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة.
قال ابن عباس ومجاهد، والشعبي وقتادة، والربيع بن أنس، وأبو مالك، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان، والزهري وعطاء الخراساني، والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: [ولا تعقدوا العقد بالنكاح] [٥] حتى تنقضي العدة.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم [١] عليه أبدًا؟
على قولين: الجمهور [على] [٢] أنها لا تحرم عليه؛ بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه علي التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار (١٤٦٦): أن عمر ﵁ قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان [٣] زوجها الذي [تزوج بها] [٤] لم يدخل بها فرق [٥] بينهما، [ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدّت بقية عدتها من زوجها الأول] [٦]، ثم اعتدّت من الآخر ثم لم ينكحها أبدًا.
وقالوا [٧]: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أَجَّلَ الله عُوقب بنقيض قصده فحرمت عليه على التأبيد، كالقاتل يحرم الميراث، وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك.
قال البيهقي: وذهب إليه في القديم، ورجع عنه في الجديد؛ لقول علي: إنها تحل له.
(قلت): [] [٨]: ثم هو منقطع عن عمر.
وقد روى الثوري، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق؛ أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ توعدهم على مما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم [٩] من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ أباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها.
قال ابن عباس وطاوس، وإبراهيم والحسن البصري: المس: النكاح، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها أن كانت مفوضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى لإمتاعها، وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره.
وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس (١٤٦٧)؛ قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١٤٦٨): إن كان موسرًا متعها بخادم أو شبه [١] ذلك، وإن كان معسرًا متَّعها [٢] بثلاثة أثواب.
[وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب،] [٣] قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة (١٤٦٩).
وقال عبد الرزاق (١٤٧٠): أخبرنا معمر، [عن أيوب، عن ابن سيرين] [٤]؛ قال: كان يمتع بالخادم، أو بالنفقة، أو بالكسوة.
قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويُروى أن المرأة قالت: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارقٍ.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها.
وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على [٥] أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وَأحَبُّ ذلك إلى أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة، وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرًا [٦] إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄ [٧].
وقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنما تجب المتعة [٨] لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟
على أقوال: أحدها: أنها تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن] [١]، وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله ﷾ أعلم.
(القول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسخت هذه الآيةُ التي في الأحزاب الآية التي في البقرة.
وقد روى البخاري في صحيحه (١٤٧١)، عن سهل بن سعد وأبي أسيد أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل [٢]، فلما أدْخِلَتْ عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (*).
(والقول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها [٣] عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، وهذا قول ابن عمر ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [٤]﴾ ومن العلماء من يقول: أنها مستحبة مطلقًا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو -يعني: ابن أبي قيس- عن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة: أيحبس [٥] فيها؟
فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ وهذة الآية الكريمة [١]، مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض، إذا [٢] طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثَمَّ واجب آخر من متعة لَبَيَّنَها، لا سيما وقد قرنها بما قبلها من إختصاص المتعة بتلك الآية [٣]، والله أعلم.
وتشطير الصداق [٤]- والحالة هذه - أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمَّى لها صداقًا، ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمّى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة: أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون.
لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج [٥]، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس، أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس [لها] [٦] إلا نصف الصداق، لأن [٧] الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ قال الشافعي: هذا أقوى، وهو ظاهر الكتاب.
قال البيهقي: وليث بن أبي سليم وإن كان غير محتج به فقد رويناه [٨] من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ فهو يقوله.
وقوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.
قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها.
قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: وروي عن شريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة ومجاهد، والشعبي والحسن، ونافع وقتادة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، والضحاك والزهري، ومقاتل بن حيان، وابن سيرين، والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي، فقال: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الرجال، وهو قول شاذ، لم يتابع عليه.
انتهى كلامه.
وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال [١]: "ولي عقدة النكاح الزوج".
وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة، به (١٤٧٢).
[وقد أسنده ابن جرير (١٤٧٣)، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب] [٢]؛ أن رسول الله ﷺ فذكره، ولم يقل: عن أبيه عن جده، فالله أعلم.
ثم قال ابن أبي حاتم ﵀ (١٤٧٤): وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جرير [٣]-يعني: ابن أبي [٤] حازم- عن عيسى -يعني: ابن عاصم- قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح.
فقلت له: هو ولي المرأة.
فقال علي: لا؛ بل هو الزوج.
ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والشعبي، وعكرمة ونافع، ومحمد بن سيرين، والضحاك ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبي مجلز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول ومقاتل بن حيان أنه الزوج.
(قلت): وهذا هو الجديد من قول الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً الزوجُ، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق.
قال: والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح- قال: ذلك أبوها، أو أخوها، أو من لا تُنكح إلا بإذنه.
وروي عن علقمة والحسن، وعطاء وطاوس، والزهري وربيعة، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي، وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها اياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها.
وقال ابن جرير (١٤٧٥): حدَّثنا سعيد بن الرببع الرازي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأيُّ امرأةٍ عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّتْ وضنَّت عفا وليها، وجاز عفوه.
وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك، وصار إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن جرير؛ قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء.
حدثني يونس (١٤٧٦)، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدّث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو.
وكذا روي عن الشعبي وغيره، وقال مجاهد والنخعي، والضحاك ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والثوري: الفضل هاهنا أن تعفو المرأة عن شَطْرِها، أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد.
وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل: المعروف: يعني: لا تهملوه [بل استعملوه] [١] بينكم.
وقد قال أبو بكر بن مودويه (١٤٧٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة [٢] بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي، عن عبد اللَّه بن عبيد، عن علي بن أبي طالب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن [١] على ما في يده وينسى الفضل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾، شرار يبايعون كل مضطر" وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغَرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه؛ فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه.
وقال سفيان عن أبي هارون؛ قال: رأيت عون بن عبد اللَّه في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا - ولحيته ترش من البكاء - ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكرهم هَمًّا حين رأيتهم أحسن [٢] ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا [٣]، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا [٤] تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له.
رواه ابن أبي حاتم.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله] [٥].
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ يأمر اللَّه [٦] تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود (١٤٧٨) قال: سألت رسول اللَّه ﷺ: أي العمل أفضل؟
قال: "الصلاة على وقتها".
قلت: ثم أي؟
قال: "الجهاد في سبيل اللَّه".
قلت: ثم أي؟
قال: "بر الوالدين".
قال: حدثني بهنَّ رسول اللَّه ﷺ وسلم، ولو استزدته لزادني.
وقال الإِمام أحمد (١٤٧٩): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدَّته أم أبيه الدنيا [١]، عن جدّته أمّ فروة - وكانت [٢] ممن بايع رسول الله ﷺ -[أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ] [٣] وذَكرَ الأعمال فقال: "إن أحب الاعمال إلى اللَّه تعجيل الصلاة لأوّل وقتها".
وهكذا رواه أبو داود والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث.
وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاةَ الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها: أي صلاة هي؟
فقيل: إنها الصبح.
حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم، عن [٤] عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر فقنت فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين.
رواه ابن جرير (١٤٨٠).
ورواه أيضًا (١٤٨١) من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء.
وقال ابن جرير (١٤٨٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها اللَّه في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
وقال أيضًا (١٤٨٣): حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة [٥] صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب وسول اللَّه ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟
قال: هذه الصلاة.
وروى (١٤٨٤) من طريق أخرى [١]، عن الربيع، عن أبي العالية أنه صلى مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قال [٢] قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسط؟
قالوا: التي صليتَها قبل.
وقال أيضًا (١٤٨٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.
وحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس، [.
… ] [٣] ورواه ابن جرير (١٤٨٦) عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀ محتجًّا بقوله [تعالى]: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح.
ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي [٤] بين صلاتين رباعيتين مقصورتين وترد [٥] المغرب.
وقيل: لأنها بين صلاتي ليل [٦] جهريتين وصلاتي نهار سريتين.
وقيل: إنها صلاة الظهر قال أبو داود الطيالسي في مسنده (١٤٨٧): حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان -يعني: ابن عمرو- عن زهرة -يعني: ابن معبد- قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول اللَّه ﷺ يصليها بالهجير.
وقال أحمد (١٤٨٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاةً أشد على أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - منها فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به.
وقال أحمد أيضًا (١٤٨٩): حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب [١] عن الزبرقان: أن رهطًا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي [] [٢] العصر، فقام إليه رجلان منهم فسألاه فقال: هي الظهر.
ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم؛ فأنزل اللَّه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: فقال رسول اللَّه ﷺ: "لَينتهيَّن رجال أو لأحرِّقن بيوتهم".
و [٣] الزبرقان: هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدًا من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير.
وقال شعبة وهمام: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر.
وقال أبو داود الطيالسي وغيره: عن شعبة، أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطى هي الظهر".
ورواه ابن جرير عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان به عن زيد بن ثابت في حديث رفعه قال: "الصلاه الوسطى صلاة الظهر".
وممن رُوي عنه أنها الظهر: ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.
وقيل: إنها صلاة العصر، قال الترمذي والبغوي -رحمهما اللَّه-: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وغيرهم، وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر.
وقال أبو محمد بن عطية [في تفسيره] [١]: وهو قول جمهور الناس.
وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ "كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى": وقد نص فيه أنها العصر، وحكاه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد اللَّه بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأمّ حبيبة، وأمّ سلمة، وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، وزر بن حبيش وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن أبي [٢] مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل، قال القاضي الماوردي: والشافعي.
قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن [أبي حنيفة، و] [٣] أبي يوسف، ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي ﵏.
(ذكر الدليل على ذلك) قال الإِمام أحمد (١٤٩٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش [عن مسلم، عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ اللَّه قلوبهم وبيوتهم نارًا"، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء.
وكذا رواه مسلم (١٤٩١) من حديث أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما، عن الأعمش] [٤]، [عن مسلم] [٥] بن صبيح، [] [٦] أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله.
وقد رواه مسلم أيضًا (١٤٩٢) من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة [١]، عن يحيى بن الجزار، عن علي [بن أبي طالب] [٢]، به.
وأخرجه الشيخان (١٤٩٣) وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق [٣] يطول ذكرها عن عبيدة السلماني عن علي به.
ورواه الترمذي والنسائي (١٤٩٤) من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن [زر قال] [٤]: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى.
فسأله فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة [٥] الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللَّه قبورهم وأجوافهم و [٦] بيوتهم نارًا".
ورواه ابن جرير (١٤٩٥)، عن بندار، عن ابن مهدي به.
وحديث يوم الأحزاب وشغلُ المشركين رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه عن أداء صلاة العصر يومئذ مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
وقد رواه مسلم أيضًا (١٤٩٦) من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄.
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٤٩٧): حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة [١] الوسطى صلاة العصر".
وحدثنا بهز وعفان (١٤٩٨) قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا: أنها هي صلاة العصر.
وحدثنا محمد بن جعفر وروح (١٤٩٩) قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "هي العصر".
قال ابن جعفر: سُئل عن صلاة الوسطى.
ورواه الترمذي (١٥٠٠) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
وقال: حسن صحيح.
وقد سمع منه.
[حديث آخر] [٢] وقال ابن جرير (١٥٠١): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ وسلم: "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
(طريق أخرى بل حديث آخر): و [٣] قال ابن جرير (١٥٠٢): حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الحَرَشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها؛ ونحن بفناء بيت رسول اللَّه ﷺ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول اللَّه ﷺ فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر.
غريب من هذا الوجه جدًّا.
(حديث آخر): قال ابن جرير (١٥٠٣): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن سالم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان، اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول اللَّه ﷺ في الصلاة الوسطى؟
فقال رجل جالس [١]: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ إصبعي الصغير فقال: "هذه [] [٢]، الفجر"، وقبض التي تليها فقال: "هذه الظهر"، ثم قبض الإبهام فقال: "هذه المغرب"، ثم قبض التي تليها فقال: "هذه العشاء"، ثم قال: "أَيُّ أصابعك بقيتْ؟
" فقلت: الوسطى فقال: "أيَّ الصلاة بقيتْ؟
" فقلت: العصر.
[فقال: "هي العصر"] [٣].
غريب أيضًا جدًّا [٤].
(حديث آخر): قال ابن جرير (١٥٠٤): حدَّثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" إسناده [٥] لا بأس به.
(حديث آخر): قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه (١٥٠٥): حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر".
وقد روى الترمذي (١٥٠٦) من حديث محمد بن طلحة بن مصرف، [عن زبيد اليامي] [٦]، عن مرة الهمْداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر"، ثم قال: حسن صحيح.
وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥٠٧) من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" الحديث.
فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح، من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من فاتته [١] صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (١٥٠٨).
وفي الصحيح أيضًا (١٥٠٩)، من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ قال: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله".
وقال الإِمام أحمد (١٥١٠): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نضرة الغفاري قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في واد من أوديتهم يقال له المخمص- صلاة العصر فقال: "إن هذه الصلاة [صلاة العصر] [٢] عُرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضُعِّفَ له أجره مرتين، أَلا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد".
ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن خير [٣] بن نعيم، عن عبد اللَّه بن هبيرة به.
وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث.
ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يريد بن أبي حبيب كلاهما، عن خير [١] بن نعيم الحضرمي، عن عبد اللَّه ابن هبيرة السبائي به.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضًا (١٥١١): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا قالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذنِّي، فلما بلغتها آذنتُها فَأَمْلَتْ عليَّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين) قالت: سمعتها من رسول اللَّه ﷺ، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به.
وقال ابن جرير (١٥١٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري: أن رسول اللَّه ﷺ قرأها كذلك.
وقد روى الإمام مالك أيضًا (١٥١٣)، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين).
وهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار (١٥١٤) فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي، ونافع مولى ابن عمر، أن عمرو [٢] بن رافع قال … فذكر مثله، وزاد: كما حفطها من النبي ﷺ.
(طريق أخرى عن حفصة): قال ابن جرير (١٥١٥): حدثنا محمد بن بشار [٣]، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله: أن حفصة أمرت [١] إنسانا أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذَنها فقالت: اكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر).
(طريق أخرى): قال ابن جرير (١٥١٦): حدثني ابن المثني [٢]، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا [عبيد الله] [٣]، عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أُمْلِيَها عليك، كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين).
قال نافع: فقرأتُ ذلك المصحف فرأيت فيه الواو.
وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس، [وعبيد بن عمير] [٤] أنهما قرآ كذلك.
وقال ابن جرير (١٥١٧): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عبدة، حدَّثنا محمد بن عمرو، [] [٥] حدّثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر قال: كان في مصحف حفصة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين).
وتقرير المعارضة: أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي [٦] تقتضي [٧] المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها، وأجيب علي [٨] ذلك بوجوه؛ (أحدها): أن هذا إنْ روي علي أنه خبر؛ فحديث عليٍّ أصح وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ [٩] الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات كقوله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَي (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّي (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَي (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَي﴾، وأشباه ذلك كثيرة.
وقال الشاعر: إلى الملك القَرْم وابن الهُمام … ولَيثُ الكتيبة في المزدحم وقال أبو دؤاد [١] الإيادي: سُلط الموتُ والمنونُ عليهم … فلهم في صَدى المقابر هام (١٥١٨) والموت هو المنون، و [٢] قال [عدي بن زيد العبادي] [٣]: فَقَدّمت الأديمَ لراهشَيْهِ … فألفى [٤] قولها كذبًا ومَيْنا (*) (١٥١٩) والكذب هو المين، وقد نص سيبويه شيخ النحاة علي جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم.
وأمّا إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر، فلا [٥] يثبت بمثل خبر الواحد قرآن؛ ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، الإمام ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من [٦] غيرهم.
ثم قد روي ما يدل علي نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث.
قال مسلم (١٥٢٠): أخبرنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿ فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر -رجل كان مع شقيق-: أفهي العصر؟
قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ﷿؟
قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق.
(قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم.
فعلي هذا تكون هذه التلاوة -وهي تلاوة الجادة- ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة، ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة، وإلا فللفظها فقط، والله أعلم.
وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم (١٥٢١) عن ابن عباس، وفي إسناده نظر؛ فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهر [١]، عن سعيد بن بشير [٢]، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى المغرب.
وحكي هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب، وحكي أيضًا عن قتادة على اختلاف عنه، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطي في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضيلة، والله أعلم.
وقيل: إنها العشاء الأخيرة، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن كما أبهمت ليلة القدر في الحول، أو الشهر أو العشر، ويحكي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضًا عن زيد بن ثابت، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.
وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس.
رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (١٥٢٢)، وفي صحته أيضًا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإِحدي الكبر؛ إذ اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا أثر.
وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر.
وقيل: بل هي صلاة الجماعة.
وقيل: صلاة الجمعة.
وقيل: صلاة الخوف.
وقيل: بل صلاة عيد الفطر.
ليقيل: بل صلاة عيد [٣] الأضحي.
وقيل: الوتر.
وقيل: الضحي.
وتوقف فيها آخرون لَمَّا تعارضت عندهم الأدلة ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإِجماع علي قول واحد؛ بل لم يزل التنازع فيها موجودًا من زمان [٤] الصحابة وإلى الآن.
قال ابن جرير (١٥٢٣): حدّثني محمد بن بشار [١] وابن المثنى [٢]، قالا: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ، مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.
وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها.
وقد روى الإِمام [] [٣] أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب فضائل الشافعي ﵀ حدَّثنا أبي، حدثنا حرملة بن يحيى التُجيبي [٤] يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ خلاف [٥] قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ، أولى ولا تقلدوني.
وكذا روى الربيع، والزعفراني، وأحمد بن حنبل، عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود، عن الشافعي: إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي، وقائل بذلك.
فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة، ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي ﵀: أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نص في الجديد وغيره: أنها الصبح؛ لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة.
ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر [مذهبًا للشافعي] [٦]، وصمموا علي أنها الصبح قولا واحدا.
قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين، ولتقرير [٧] المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين [٨] بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من [٩] الرد على ابن مسعود حين سلم عليه، وهو في الصلاة اعتذر إليه بذلك، وقال: "إن في الصلاة لشغلا".
وفي صحيح مسلم (١٥٢٤): أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي [١] حين تكلم في الصلاة: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله".
وقال الإِمام أحمد [بن حنبل] [٢] (١٥٢٥): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدّثني الحارث بن شُبيل [٣]، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ، في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت.
رواه الجماعة سوى ابن ماجة به من طرق عن إسماعيل به.
وقد أشكل هذا الحديث علي جماعة من العلماء، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلي المدينة وبعد الهجرة إلي أرض الحبشة، كما دل علي ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح قال: كنا نسلم علي النبي ﷺ قبل أن [٤] نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا، قال: فلما قَدِمْنَا سلمت عليه فلم يرد عليَّ فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فلما سلَّم قال: "إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة" (١٥٢٦).
وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلي الحبشة، ثم قدم منها إلي مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم- بقوله [١]: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة- الإِخبار عن [جنس الناس] [٢]، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه [٣] منها، والله أعلم.
وقال [٤] آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى (١٥٢٧): حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا إسحاق [بن يحيى] [٥]، عن المسيب، عن ابن مسعود قال: كنا نسلم [٦] بعضنا علي بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيَّ شيء، فلما قضي النبي ﷺ صلاته قال: "وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من [٧] أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا".
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ لما أمر تعالى عباده بالمحافظة علي الصلوات، والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتاكيدها ذكر الحال التي [٨] يشتغل الشخص فيها عن أدائها علي الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا علي أي حال كان رجالا أو ركبانا، يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبلهما، كما قال مالك (١٥٢٨): عن نافع: أن [٩] ابن عمر كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وَصَفَهَا، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا علي أقدامهم، أو ركبانا؛ مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.
قال نافع: لا أري ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ.
ورواه البخاري، وهذا لفظه ومسلم.
ورواه البخاري أيضًا [١٠] من وجه آخر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ نحوه، أو قريبًا منه.
ولمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فَصَلِّ راكبًا، أو قائمًا تومئ إيماء.
وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلي خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرنة [١] و [٢] عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر قال: فخشيت أن تفوتني، فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء … الحديث بطوله، رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد (١٥٢٩)، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده، ووضعه الآصار (*) والأغلال عنهم.
وقد روى ابن أبي حاتم (١٥٣٠) من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في هذه الآية: يصلي الراكب على دابته، والراجل علي رجليه.
قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول، والسدي، والحكم، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح نحو ذلك، وزاد: ويوميء برأسه أينما توجه.
ثم قال (١٥٣١): حدَّثنا أبي، حدثنا [٣] [أبو غسان] [٤]، حدثنا [ذَوَّاد -يعني: ابن عُلية-] [٥] عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فرجالا أو ركبانا﴾.
وروي عن الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعطية، والحكم، وحماد، وقتادة نحو ذلك.
وقد ذهب الإِمام أحمد -فيما نص عليه- إلى أن صلاة الخوف تُفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلي ذلك يُنَزَّلُ الحديث الذي رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح [٦] بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ، كلاهما، عن بكير بن الأخنس الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس (١٥٣٢) قال: فرض الله الصلاة علي لسان نبيكم ﷺ في الحَضَر أربعًا، وفي [١] السفر ركعتين، وفي [٢] الخوف ركعة، وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.
[وقال ابن جرير (١٥٣٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن صلاة المسايفة فقالوا: ركعة.
وهكذا روي الثوري عنهم سواء] [٣].
وقال ابن جرير أيضًا (١٥٣٤): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة.
واختار هذا القول ابن جرير.
وقال البخاري (١٥٣٥): باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرئ لنفس، فإن لم يقدروا علي الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، و [٤] يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم [٥] التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا.
وبه قال مكحول وقال أنس مالك: حضرت مناهضة حصن تسْتر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا.
قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.
هذا لفظ البخاري.
ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق؛ لعذر [٦] المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (١٥٣٦).
فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِدْ منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصلِّ إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم [١] يعنف واحدًا من الفريقين، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي [٢] جواز ذلك؛ لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا؛ بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تسْتر، وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أُمِرْتُم فأتموا [٣] ركوعها وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها، وهجودها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم عليكم، وهداكم للإيمان، وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
قال البخاري (١٥٣٧): حدثنا أمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى فَلِمَ تكتبها أو تَدَعُها؟
قال: يا بن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه.
ومعني هذا الإِشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر [١] فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟
فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها؛ فأثبتها حيث وجدتها.
قالي ابن أبي حاتم (١٥٣٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير، ومجاهد وإبراهيم وعطاء [٢] والحسن وعكرمة، وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم والسدي، ومقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس-: أنها منسوخة.
وروي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال (١٥٣٩): كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملًا؛ فعدتها أن تضع ما في بطها وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة.
قال: وروي عن مجاهد والحسن، وعكرمة وقتادة، والضحاك والربيع، ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
قال: وروي عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسختها التي في الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، (قلت): وروي عن مقاتل [٣] و [٤] قتادة أنها منسوخة بآية الميراث.
وقال البُخاريّ (١٥٤٠): حدَّثنا إسحاق بن منصور [١]، حدَّثنا روح، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله [لها] [٢] تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀، وقال عطاء: قال ابن عباس: [نسخت هذه الآية] [٣] عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها، ثم أسند البُخاريّ عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا [٤] القول الذي عَوَّل عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة -كما زعمه الجمهور- حتَّى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنَّما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا أن اخترن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وقوله [٥]: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا [٦] بهن وصية، وقرأ آخرون بالرَّفع: ﴿وَصِيَّةً﴾ (*)، على معنى: كتب عليكم وصية، واختارها ابن جرير، ولا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأمَّا إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر [٧] أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك؛ لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية، ورده آخرون منهم: الشَّيخ أبو عمر بن عبد البر.
وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، أن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فَمُسَلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر والعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي، ﵀.
وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه (١٥٤١)، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة؛ عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُرَيعَة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ أخبرتها أنَّها جاءت إليَّ رسول الله ﷺ تسأله [١] أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أبقوا (*)، حتَّى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة؛ فإن زوجي لم يتركني في منزل [٢] يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: "نعم".
قالت: فانصرفت حتَّى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ -أو أمر بي- فنوديت له فقال: "كيف قلت؟
" فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: "اسكني [٣] في بيتك حتَّى يبلغ الكتاب أجله".
قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفَّان أرسل إليَّ فسألنِي عن ذلك فأخبرته فأتبعه وقضى به.
وكذا رواه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ من حديث مالك به.
ورواه النَّسائيّ أيضًا وابن ماجة من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.
وقوله: ﴿[وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ] [٤] بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: [﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن شئتُ أحسنتُ ففعلتُ، وإن شئتُ لم أفعل؛ فأنزل الله هذه الآية] [١]: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [٢]﴾، [] [٣] وقد أستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة [٤] قبل المسيّس، أو مدخولًا بها، وهو قول عن الشَّافعي رحمة الله، وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقًا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وأجاب الأولون: بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصور [٥]، والله أعلم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: في احلاله وتحريمه، وفروضه وحدوده، فيما أمركم به [٦]، ونهاكم عنه، وبينه [٧] ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملًا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه: كانوا ثمانية آلاف، وقال أبو صالح: تسعة آلاف، وعن ابن عباس: أربعون ألفًا.
وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان.
وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَلِ واسط، وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مَثَل، وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل ذاوردان [١]؛ قرية على فرسخ من قبل [٢] واسط.
وقال وكيع بن الجرَّاح في تفسيره: حدَّثنا سفيان، عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، حتَّى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية.
وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاءِ القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم، وأصابهم بها [٣] وباء شديد، فخرجوا فرارا من الموت هاربين [٤] إلى البرية، فنزلوا وأديا أفيح، فملئوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين؛ أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة؛ فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبُني عليهم جدران وفنوا [٥] وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر مرَّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها [٦] العظام البالية، إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها [٧] العظام، أن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، أن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله [٨] بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلَّا أنت.
وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [٩]: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة [١٠]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنَّه لن يغني حَذَرٌ من قَدر، وأنَّه لا ملجأ من الله إلَّا إليه، فإنّ هؤلاءِ خرجوا [١] فرارًا من الوباء طلبًا [٢] لطول الحياة، فَعُوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آنٍ واحدٍ.
ومن هذا القبيل الحديث الصَّحيح الذي رواه الإمام أحمد (١٥٤٢): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك.
وعبد الرَّزاق، أخبرنا معمر، كلاهما عن الزُّهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، [عن عبد الله بن الحارث بن نوفل] [٣]، عن عبد الله بن عباس؛ أنّ عمر بن الخطاب خرج إليَّ الشَّام، حتَّى إذا كان بسرغ [٤] (*) لقيه أمراء الأجناد؛ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا لبعض حاجته، فقال: أن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كان بأرض وأنتم بها [٥] فلا تخوجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" فَحَمِدَ الله عمر ثم انصرف.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزُّهريّ، به.
طريق أخرى لبعضه: قال أحمد (١٥٤٣): حدَّثنا حجاج ويزيد العمي [٦]؛ قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشَّام، عن النَّبيِّ ﷺ: "أن هذا السقم عُذبَ به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها [٧] فلا تخرجوا فرارًا منه [٨] ".
قال: فرجع عمر من الشَّام، وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزُّهريّ بنحوه [٩].
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده [١]؛ بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدّر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَينَا الْقِتَال لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ إنَّه قال وهو في سياق الموت (١٥٤٤): لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وهأنذا [٢] أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين [٣] الجبناء.
يعني: أنَّه يتألم لكونه [٤] ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزولَ [٥]: " [من يقرض] [٦] غير عديم ولا ظلوم؟
".
وقد قال ابن أبي حاتم (١٥٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قال [٧] أبوالدحداح الأنصاري: يا رسول الله؛ وإن الله ﷿ ليريد منا القرض؟
قال: "نعم، يا أبا الدحداح".
قال: أرني يدك يا رسول الله.
قال: فناوله يده.
قال: فإنّي قد اقرضت ربي ﷿ حائطي.
قال [٨]: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأمّ الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أمَّ الدحداح، قالت: لبيك.
قال: اخرجى، فقد أقرضته ربي ﷿.
وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعًا بنحوه.
وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله.
وقيل: هو النفقة على العيال.
وقيل: هو التسبيح والتقديس.
وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وسيأتي الكلام عليها.
وقال الإمام أحمد (١٥٤٦): حدَّثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي؛ قال: أتيت أبا هريرة ﵁ فقلت له: إنَّه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة.
فقال: وما أعجبك من ذلك؟
لقد سمعته من النَّبيِّ ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة".
هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدَّثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدّب، حدَّثنا يونس بن محمَّد المؤدب، حدَّثنا محمَّد بن عقبة الرباعي [١]، عن زِياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فَقَدِمَ قبلي حاجًّا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة"، فقلت: ويحكم!
والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أُريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًّا، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟
قال: ما هو؟
قلت: زعموا أنك تقول: أن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة.
قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا؟
والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ويقوله: ﴿فَمَا [١] مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة".
وفي معنى هذا الحديث ما رواه التِّرمذيُّ وغيره (١٥٤٧) من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير- كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة" الحديث.
وقال ابن أبي حاتم (١٥٤٨): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدَّثنا أبو إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ: "رَبِّ زِد أُمَّتي"، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال: "رَبِّ زِد أُمَّتي"؛ فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وروى ابن أبي حاتم أيضًا [١]، عن كعب الأحبار، أنَّه جاء رجل فقال: إني سمعت رجلًا يقول: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرَّة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في الجنَّة، أفأصدّق بذلك؟
قال: نعم، أوَعجبتَ من ذلك؟
قال: نعم (*).
وعشرين ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، وما لا [٢] يحصي ذلك إلَّا الله، ثم قرأ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرَّزاق يضيق على من يشاء [من عباده] [٣] في الرزق، ويوسعه على آخرين، و [٤] له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَال هَلْ عَسَيتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ قال عبد الرَّزاق: عن معمر، عن قتادة: هذا النَّبيُّ هو يوشع بن نون.
قال ابن جرير: يعني: ابن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وهنا القول بعيد؛ لأنَّ هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم.
وقال السدي: هو شمعون.
وقال مجاهد: هو شمويل ﵇، وكذا قال محمَّد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام [٥]، ابن إليهو [٦] بن تهو [١] بن [٢] صوف [٣]، بن [٤] علقمة بن ماحث [٥]، بن عموصا [٦] بن عزريا بن صفينيه [٧] بن علقمة من أبي يوسف [٨] بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇.
وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدّة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعدائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلفًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة ولم يكن أحد يقاتلهم إلَّا غلبوه؛ وذلك أنهم كان عندهم حكم [٩] التوراة والتابوت الذي كان في قديم [١٠] الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم ابن موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتَّى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم، ولم يبق من حفظها فيهم إلَّا القليل، وانقطعت النبوّة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلَّا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها، لعل الله يرزقها غلامًا كون نبيًّا لهم، ولم تنزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلامًا؛ فسمع الله لها ووهبها غلامًا فسمته شمويل [أي: سمع الله] [١١] دعائي [١٢]، ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه، وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النَّبيُّ: فهل عسيتم أن أقام الله لكم ملكًا ألا [تقاتلوا و] [١٣] تفوا بما التزمتم من القتال معه؟!
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: و [١٤] قد أخذت [١٥] منا البلاد، وسبيت الأولاد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا؛ بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم.
﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من آحادهم [١]، ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك [فيهم] [٢] كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا﴾ [أي: كيف يكون ملكًا علينا] [٣] ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم كالملك.
وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء.
وقيل: دباغًا.
وهذا اعتراض منهم علي نبيهم، وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم.
يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشدّ قوةً وصبرًا في الحرب، ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه.
[ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل.
ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، ورأفته بخلقه ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه].
﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.
قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار.
وقال الربيع: رحمة.
وكذا روى عن العوفي، عن ابن عباس.
وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ما تعرفون من آيات الله، فتسكنون إليه.
[وكذا قال الحسن البصري] [١].
وقيل: السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى ﵇ فوضع فيها الألواح، [] [٢] رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس.
وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي ريح [٣] هفافة.
وقال ابن جرير (١٥٤٩): حدثني [ابن] [٤] المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج (*)، ولها رأسان.
وقال مجاهد: لها جناحان، وذَنَب.
وقال محمد بن إسحاق: عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرّة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم [٥] ببيان [٦] ما يريدون.
وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال ابن جرير (١٥٥٠): أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عصاه ورضاض الألواح.
وكذا قال قتادة، والسدي، والربيع أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة.
وقال أبو صالح: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين [١] [من التوراة، والمن.
وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون] [٢] وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح.
وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ فقال: منهم من يقول قفيز من منٍّ، ورضاض الألواح.
ومنهم من يقول: العصا والنعلان.
وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون.
وقال السدى: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على [٣] عجلة على بقرة.
وقيل: على بقرتين.
وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسر القوائم، ملقى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قِبَلَ لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى [٤] فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل، حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين، ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلمه داود ﵇، وأنه لما قام إليهما حَجَل (*) من فرحه بذلك.
وقيل: شابان منهم.
فالله أعلم.
وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين [يقال لها] [٥]: أزدرد.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُم﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل، حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملإ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ -فيما ذكره السدي- ثمانين ألفًا.
فالله أعلم.
أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مختبركم بنهر.
قال ابن عباس، وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين.
يعني: نهر الشريعة المشهور.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَويَ، ومن شرب منه لم هو وكذا رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس.
وكذا قال قتادة، وابن شوذب.
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه [١] ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف.
كذا قال: وقد روى ابن جرير (١٥٥١) من طريق إسرائيل، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثماثة وبضعة عشر، علي عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جاز [٢] معه إلا مؤمن.
ورواه البخاري (١٥٥٢) عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس بن [٣] أبي إسحاق، [عن جده]، عن البراء قال: كنا - أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة".
ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير عن أبي إسحاق [] [١] عن البراء بنحوه (١٥٥٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوّهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم العالمون [٢]؛ بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد.
ولهذا قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ أي [٣]: [أنزل علينا صبرًا] [٤] من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم.
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده أن قتل جالوت أن يزوّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له، ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: [لولا الله] [١] يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
الآية.
وقال ابن جرير (١٥٥٤) ﵀ حدثني أبو [٢] حميد الحمصي -أحمد بن المغيرة- حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء".
ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
وهذا إسناد ضعيف؛ فإن يحيى بن سعيد هذا [٣] هو أبو زكريا [٤] العطار الحمصي، وهو ضعيف جدًّا [٥].
ثم قال ابن جرير (١٥٥٥): حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿ ما دام فيهم".
وهذا أيضًا غريب ضعيف؛ لما تقدم أيضًا.
وقال أبو بكر بن مردويه (١٥٥٦): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب [٦]، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان -رفع الحديث- قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، حتى يأتي أمر الله".
[وقال ابن مردويه أيضًا (١٥٥٧) [١] ": وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ -[نهار بن] [٢] عثمان الليثي- أخبرنا زيد بن الحباب [٣]، أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخوّاص، عن قتادة، عن أي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون [٤]، وبهم تنصرون [٥] " قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ أي: مَنٍّ عليهم، ورحمةٍ بهم؛ يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم.
﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالواقع الذي كان [الأمر عليه]، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل.
﴿وَإِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: موسى، ومحمدًا صلي الله عليهما وسلم، وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان، عن أبي ذر ﵁.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿.
(فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين (١٥٥٨) عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفي موسى علي العالمين.
فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي: خبيث!
وعلى محمد ﷺ.
فجاء اليهودي إلي النبي ﷺ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ: "لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"؟
فقال [١]: "فلا [٢] تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء".
فالجواب من وجوه: (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل.
وفي هذا نظر.
(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه [٣] الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
(الرابع) [٤]: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلي الله ﷿ وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.
وقوله: ﴿وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات علي صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره.
ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ يأمر تعالى [عباد] [١] بالإنفاق مما رزقهم في سبيله -سبيل الخير- ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد -يعني صداقته- بل ولا نسابته، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.
وقوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي: [ولا ظالم] [٢] أظلم ممن وافى اللهَ يومئذ كافرًا.
وقد روى ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار، أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.
هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، قد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله.
[] [١] قال الإِمام أحمد (١٥٥٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أبي -هو ابن كعب- أن النبي، ﷺ سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم؟
".
قال: الله ورسوله أعلم.
فرددها مرارًا، ثم قال أبي: آية الكرسي.
قال: "ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين، تقدّس الملك عند ساق العرش".
وقد رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن الجريري، به.
وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده … " إلخ.
(حديث آخر عن أُبي أيضًا، في فضل آية الكرسي).
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي، حدَّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدَّثنا مبشر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة [٢] بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أنّ أباه أخبره، أنه كان له جرن فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، قال: فسلمت عليه [٣]، فردّ السلام.
قال [٤]: فقلت: ما أنت؟
جني أم إنسي؟
قال: جني.
قال: قلت: ناولني يدك.
قال: فناولني يده [٥]، فإذا يد كلب، وشعر كلب.
فقلت: هكذا خلق الجنّ؟
قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشدّ مني، قلت: فما حملك على ما صنعت؟
قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك.
قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟
قال: هذه الآية آية الكرسي.
ثم غدا إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: "صدق الخبيث".
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه (١٥٦٠)، من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمَّد بن عمرو بن أبي بن كعب، عن جدّه به.
وقال الحاكم [١]: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (١٥٦١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث الناس حتى يكثر [٢] عليه، فيصعد على سطح بيت فيحدث الناس، قال: قال رسول الله ﷺ: "أي آية في القرآن أعظم؟، فقال رجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت يردها بين ثديي -أو قال: فوضع يده بين ثديي، فوجدت بردها بين كتفي- وقال: "ليهنك العلم يا أبا المنذر".
(حديث آخر) عن الأسقع البكري، قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٥٦٢): حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى الشيخ الأسقع -رجل صدق- أخبره عن الأسقع البكري: أنه سمعه يقول: أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجر كان فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟
فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ حتى انقضت الآية.
(حديث آخر) عن أنس، قال الإمام أحمد (١٥٦٣): حدثنا عبد الله بن الحارث [٣]، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك حدثه، أن رسول الله ﷺ سأل رجلًا من صحابته فقال: "أي فلان، هل تزوجت؟
" قال: لا وليس عندي ما أتزوّج به.
قال: "أو ليس معك " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]؟
".
قال: بلى.
قال: "ربع القرآن".
قال [٤]: "أليس معك الله " ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]؟
" قال: بلى.
قال: "ربع القرآن".
قال: "أليس معك " ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ "؟
" قال: بلى.
قال: "ربع القرآن".
قال [٥]: "أليس معك " ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ "؟
".
قال: بلى.
قال: (ربع القرآن).
قال [٦]: "أليس معك "آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾؟
" قال: بلى.
قال: "ربع القرآن".
(حديث آخر) عن أبي ذر -جندب بن جنادة- قال الإمام أحمد (١٥٦٤): حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش [١]، بن أبي ذر، ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟
" قلت: لا.
قال: "قم فصل".
قال: فقمت فصليت، ثم جلست.
فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن".
قال: قلت: يا رسول الله؛ أو [٢] للإنس شياطين؟!
قال: "نعم".
قال: قلت: يا رسول الله؛ الصلاة؟
قال: "خير موضوع [٣] من شاء أقل ومن شاء أكثر".
قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟
قال: "فرض مجزئ وعند الله مزيد".
قلت: يا رسول الله؛ فالصدقة؟
قال: "أضعاف مضاعفة".
قلت: يا رسول الله؛ فأيها أفضل؟
قال: "جهد من مقل أو سِر إلى فقير".
قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أوّل؟
قال: "آدم".
قلت: يا رسول الله؛ ونبي كان؟
قال: "نعم، نبي مكلم".
قال [٤] قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟
قال: ثلثمائة وبضعة عشر، جمًّا غفيرًا" وقال مرة: "وخمسة عشر".
قال [٥]: قلت: يا رسول الله؛ أيما أنزل عليك أعظم؟
قال: "آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " [ورواه النسائي] [٦] [] [٧].
(حديث آخر) عن أبي أيوب -خالد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه، قال الإِمام أحمد (١٥٦٥): [حدثنا أبو أحمد] [٨] حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه [عن] (*) عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي [٩] أيوب، أنه كان في سَهْوَة [١٠] (*) له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي ﷺ فقال: "إذا [١١] رأيتَها فقل باسم الله أجيبي رسول الله" قال: فجاءت فقال لها، [.
..
] [١٢] فأخذها فقالت: إني لا أعود.
فأرسلها.
فجاء، فقال له النبي ﷺ: "ما فعل أسيرك؟
" قال: أخذتها فقالت: إني لا أعود.
فأرسلتها.
فقال: "إنها عائدة" فأخذتها مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك تقول [١]: لا أعود.
وأجيء [٢] إلى النبي ﷺ فيقول: "ما فعل أسيرك؟
".
فأقول [٣]: أخذتها فتقول: لا أعود.
فيقول: "إنها عائدة".
فأخذتها [٤]، فقالت: أرسلني وأعلمك شيئًا تقوله، فلا يقربك شيء: آية الكرسي.
فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "صدقت وهي كذوب".
ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري، به.
وقال: حسن غريب.
[والغول في لغة العرب الجان إذا تبدى في الليل] [٥].
وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة (١٥٦٦)، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه: قال عثمان بن الهيثم -أبو عمرو-: حدثنا عوف، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ.
قال: دعني [٦] فإني [٧] محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة.
قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة، مما فعل أسيرك البارحة؟
" قال: قلت يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا [٨] فرحمته وخليت سبيله.
قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود".
فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ: "إنه سيعود"، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعليَّ عيال، لا أعود.
فرحمته، وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارح؟
".
قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالًا فرحمته، فخليت سبيله.
قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود".
فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود.
فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.
قلت: [وما هُنَّ] [١]؟
قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
فخليت سبيله.
فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: "ما فعل أسيرك البارحة؟
" قلت: يا رسول الله؛ زعم أنّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله.
قال: "ما هي؟
" قال: قال لي: إذا أويت ابن فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
وكانوا أحرص شيء على الخير.
فقال النبي، ﷺ: "أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال بها أبا هريرة؟
".
قلت [٢]: لا.
قال: "ذاك شيطان".
كذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.
وقد رواه النسائي في اليوم والليلة (١٥٦٧)، عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم … فذكره.
وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يومًا ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف، ودخل يومًا آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف، ثم دخل يومًا آخر ثالثًا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك، فشكى ذلك أبو هريرة ابن النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: "تحب أن تأخذ صاحبك هذا".
قال: نعم.
قال: "فإذا فتحت الباب فقل: سبحان من سخرك محمَّد!
".
فذهب ففتح الباب، فقال: سبحان من سخرك محمَّد.
فإذا هو قائم بين يديه.
قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا؟
قال: نعم، دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذا [٣] إلا لأهل بيت من الجن فقراء.
فخلى عنه، ثم عاد الثانية، ثم عاد الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟
لا أدعك اليوم حتى أذهب بك ابن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات، إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى.
قال له: لتفعلن؟
قال: نعم.
قال: ما هن؟
قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه، فذهب، [فلم يعد] [١].
فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "أما علمت أن ذلك كذلك؟
".
وقد رواه النسائي (١٥٦٨)، عن أحمد بن محمَّد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، به.
وقد تقدّم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه [٢] أيضًا.
فهذه ثلاث وقائع.
(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب (١٥٦٩): حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإِنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني، فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان؟
فصارعه، فصرعه.
فقال: إني أراك ضئيلًا شِخّيتًا كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنت من بينهم؟
فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني، فصارعه، فصرعه الإنسي.
فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خَبَجٌ كخبج الحمار.
فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟
فقال: من عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو عبيد: الشخّيت [٣] الضئيل النحيف الجسم، والخبج [٤] بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء [٥] المهملة [٦]: الضراط.
(حديث آخر) عن أبي هريرة؛ قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه (١٥٧٠): حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثني حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "سورة البقرة فيها آية سيد آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي".
وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة (١٥٧١)، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
كذا قال: وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظ: "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي".
ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة، وضعفه.
(قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي.
(حديث آخر): قال ابن مردويه (١٥٧٢): حدثنا عبد الباقي بن قانع [١]، أخبرنا عيسى بن محمَّد المروزي، أخبرنا عمر بن محمَّد البخاري، أخبرنا أبي، أخبرنا عيسى بن موسى -غنجار- عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى، أخبرنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات (*) فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن.
فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أعظم آية في القرآن ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
(حديث آخر): في اشتمالها على اسم الله الأعظم.
قال الإمام أحمد (١٥٧٣): حدثنا محمَّد بن بكر [٢]، أنبأنا عبيد الله بن أبي زداد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: "إن فيهما اسم الله الأعظم".
وكذا رواه أبو داود عن مسدد، والترمذي عن علي بن خشرم، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، له.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر) في معنى هذا عن أبي أمامة ﵁.
قال ابن مردويه (١٥٧٤): أخبرنا عبد الرحمن بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زبر [١]، أنه سمع القاسم ابن [٢] عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه".
و [٣] قال هشام -وهو ابن عمار خطب دمشق-: أما البقرة، فـ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
(حديث آخر) عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة.
قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمَّد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمَّد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن بشر -بطرسوس- أخبرنا محمَّد بن حمير، أخبرنا محمَّد بن زياد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة (١٥٧٥)، عن الحسين بن بشر، به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمَّد بن حمير -وهو الحمصي- من رجال البخاري أيضًا.
فهو إسناد على شرط البخاري.
وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي: أنه حديث موضوع (١٥٧٦)، والله أعلم.
وقد روى ابن مردويه من حديث علي (١٥٧٧)، والمغيرة بن شعبة (١٥٧٨)، وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث.
ولكن في إسناد كل منهما ضعف.
وقال ابن مردويه أيضًا (١٥٧٩): حدثنا محمَّد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇: أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكوبة، فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين [١] وأعمال الصدّيقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي، أو صديق، أو عبد امتحنت قنبه للإِيمان، أو أريد قتله في سبيل الله".
وهذا حديث منكر جدًّا.
(حديث آخر) في [٢] أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل.
قال أبو عيسى الترمذي (١٥٨٠): حدثنا يحيى بن المغيرة -أبو سلمة المخزومي المديني- أخبرنا ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن المُليكي، عن زُرارة بن مُصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ: حم، المؤمن إلى ﴿إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾، وآية الكرسي حين يصبح - حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح".
ثم قال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُليكة المُليكي من قِبَلِ حفظه.
وقد ورد في فضلها أحاديث أخر تركناها اختصارًا، لعدم صحتها وضعف أسانيدها: كحديث علي في قراءتها عند الحجامة أنها تقوم مقام حجامتين، وحديث أبي هريرة في [٣] كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردوية وغير ذلك.
وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالإِلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيم [١] لغيره.
وكان عمر يقرأ: القيام.
فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾.
وقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم.
فقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة؛ وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السِّنة.
وفي الصحيح (١٥٨١)، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
وقال عبد الرزّاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أن موسى ﵇ - سأل الملائكة: هل ينام الله ﷿؟
فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده؛ في كل يد واحدة.
قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى، فكسرهما.
قال معمر: إنما هو مثل ضَرَبَهُ الله ﷿.
يقول: فكذلك السموات والأرض في يديه [٢].
وهكذا رواه ابن جرير (١٥٨٢)، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، فذكره.
وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿ وأنه منزه عنه.
وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير (١٥٨٣): حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي عكرمة عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟
فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وكادت [١] يداه تلقيان [٢] فيستيقظ [٣] فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، قال: "ضرب الله ﷿ له [٤] مثلًا، إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض".
وهذا حديث غريب جدًّا، والأظهر أنه إسرائيلي، لا مرفوع، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، [عن سعيد بن جبير] [٥]، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟
قال: اتقوا الله.
فناداه ربه ﷿: يا موسى؛ سألوك: هل ينام ربك؟، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع [٦] لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت [٧] الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى؛ لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن [٨] كما هلكت الزجاجتان في يديك.
فأنزل [٩] الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي.
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده، وفي [١٠] ملكه وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].
وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد [١١] عنده إلا [أن يأذن] [١٢] له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة (١٥٨٤): " آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن [١] يدعي، ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع [٢]، واشفع تشفع.
(قال): فيحدَّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة".
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم اللَّه على شيء إلا بما أعلمه اللَّه ﷿ وأطلعه عليه.
ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفائه إلا بما أطلعهم اللَّه عليه، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: علمه.
وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد اللَّه بن إدريس، وهشيم؛ كلاهما عن مطرف بن طريف به.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله.
ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين.
ثم رواه عن أبي موسى، والسدي، والضحاك، ومسلم البطين.
وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي، ﵌، عن قول اللَّه ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: "كرسيه: موضع قدميه، والعرش: لا يقدر قدره إلا اللَّه ﷿".
كذا أورد هذا الحديث الحافظ ألو بكر بن مردويه (١٥٨٥) من طريق شجاع بن مخلد الفلاس فذكره؛ وهو غلط.
وقد رواه وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [] [١] الكرسي: موضع القدمين، والعرش: لا يقدر أحد قدره.
وقد رواه [٢] الحاكم في مستدركه (١٥٨٦)، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان -وهو الثوري- بإسناده عن ابن عباس، موقوفًا مثله.
وقال: صحيح عن شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقد رواه ابن مردويه، من طريق الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي -وهو متروك- عن السدي، [عن أبيه] [٣] عن أبي هريرة، مرفوعًا.
ولا يصح أيضًا.
وقال السدي: عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش.
وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.
وقال الضحاك: عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.
ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (١٥٨٧): حدثني يونس، أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني [٤] فلاة من الأرض".
وقال أبو بكر بن مردويه (١٥٨٨): أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب الغزَّى، أخبرنا محمد بن أبي السَّرِيِّ العسقلانى، أخبرنا محمد بن [عبد اللَّه] [١] التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي.
فقال رسول اللَّه ﷺ: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (١٥٨٩): حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر ﵁ قال: أتت امرأة إلى رسول اللَّه ﵌ فقالت: ادع اللَّه أن يدخلني الجنة.
قال: فعظم الرب ﵎ وقال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد [٢] من ثقله".
وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور (١٥٩٠)، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيريهما والطبراني، وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد اللَّه بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر.
ثم منهم من هويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من هويه [عن عمر] [٣] مرسلًا (١٥٩١)، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها.
وأغرب [٤] من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش.
كما رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه (١٥٩٢)، واللَّه أعلم.
وقد روى ابن مردويه وخيره أحاديث عن بريدة، وجابر، وغيرهما، في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء.
والظاهر [أن ذلك] [٥] غير المذكور في هذه الآية.
وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإِسلاميين: أن الكرسي عندهم: هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت، الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير.
ويقال له: الأطلس.
وقد رد ذلك عليهم آخرون.
وروى ابن جرير، من طريق جويبر، عن الحسن البصري، أنه كان يقول: الكرسي: هو العرش.
والصحيح: أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه؛ كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.
وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء؛ فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه.
فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿وَهُوَ الْكَبيرُ الْمُتَعَال﴾.
وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح: الأجود فيها طريقة السلف الصالح؛ إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإِسلام فإنه [١] بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا حتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإِسلام وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا [٢]، وقد ذكروا أن [٣] سبب نزول هنه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.
فقال [١] ابن جرير: حدثنا ابن [٢] بشار [٣] حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا (*) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
وقد رواه أبو داود، والنسائي، جميعًا عن بندار به (١٥٩٣).
ومن وجوه أخر عن شعبة، به نحوه.
وقد رواه ابن أبي حاتم (١٥٩٤)، وابن حبان في صحيحه، من حديث شعبة به.
وهكذا ذكر مجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري، رغيرهم: أنها نزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي [٤] مولى (*) زيد بن ثابت، عن عكرمة -أو عن سعيد- عن ابن عباس، قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار -من بني سالم بن عوف يقال له الحصين- كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: إلا أستكرههما؛ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟
فأنزل اللَّه فيه ذلك.
رواه ابن جرير.
وروى [٥] السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على أيدي [٦] تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا [٧]، فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول اللَّه ﷺ أن يبعث في آثارهما.
فنزلت هنه الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال، عن أُسَقِ، قال: كنت [] [٨] مملوكًا نصرانيًّا لعمر في الخطاب، فكان يعرض على الإسلام، فآبى فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
ويقول: يا أُسَقُ؛ لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.
وقد ذهب طائفة كبيرة [١] من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قل النسخ والتبديل؛ إذا بذلوا الجزية.
وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، فإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف -دين الإِسلام- فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له، أو [٢] يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل.
وهنا معنى الإكراه.
قال اللَّه تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وفي الصحيح (١٥٩٥): " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل".
يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإِسلام في الوثاق، والأغلال، والقيود، والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٥٩٦): حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ، قال لرجل: "أسلِم".
قال: إني أجدني كارهًا.
قال: "وإن كنت كارهًا".
فإنه [٣] ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هنا القبيل فإنه لم يكرهه النبي، ﷺ، على الإِسلام، بل دعاه إليه فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له [٤]: "أسلم.
وإن كنت كارهًا" فإن اللَّه سيرزقك حسن النية والإِخلاص.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان، من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه، ووحد اللَّه، فعبده وحده، وشهد أنه [٥] لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم.
قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص -سلام بن سليم- عن أبي إسحاق، عن حسان هو -ابن فائد العبسي- قال: قال عمر ﵁: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان.
وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمَّن لا يعرف، ويفر الجبان عن [١] أمه، وإن كرم الرجلِ دينه، وحَسَبه خلقه، وإن كان فارسيًّا أو نَبَطيًّا.
وهكذا رواه ابن جرير (١٥٩٧)، وابن أبي حاتم، من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر، فذكره.
ومعنى قوله في الطاغوت (إنه الشيطان).
قوي جدًّا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها.
وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم [٢] فهي [٣] في نفسها، محكمة مبرمة قوية، ربطها قوي شديد؛ ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
الآية.
قال مجاهد: العروة [٤] الوثقى: يعني الإيمان.
وقال السدّي: هو الإِسلام.
وقال سعيد بن جبير، والضحاك: يعني لا إله إلا اللَّه.
وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن.
وعن سالم بن أبي الجعد، قال: هو الحب في اللَّه، والبغض في اللَّه.
وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها.
وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: [أي] [٥] لا انقطاع لها دون دخول الجنة.
وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.
ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وقال الإمام أحمد (١٥٩٨): أنبأنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون، عن محمد عن قيس بن عُبَاد قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل [١] فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة.
فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه، فحدثته، فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا.
قال: سبحان اللَّه!
ما ينبغي لأحد أن [٢] يقول ما لا يعلم، وسأحدّثك لِمَ: إني رأيت رؤيا على عهد رسول اللَّه ﷺ فقصصتها عليه؛ رأيت كأنني [٣] في روضة خضراء -قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها- وفي [٤] وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل لي: اصعد عليه.
فقلت: لا أستطع.
فجاءني منصف -قال ابن عون هو الوصيف- فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد.
فصعدت حتى أخذت بالعرلية، فقال: استمسك بالعروة.
فاستيقظت، وإنها لفي يدي، فأتيت رسول اللَّه، ﷺ، فقصصتها عليه، فقال: "أمّا الروضة لروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأمّا العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإِسلام حتى تموت".
قال: وهو عبد اللَّه بن سلام، أخرجاه في الصحيحين (١٥٩٩)، من حديث عبد اللَّه بن عون، وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به (١٦٠٠).
(طريق أخرى وسياق آخر) قال الإِمام أحمد (١٦٠١): حدثنا حسن بن موسى، وعفان [٥]، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحز، قال: قدمت المدينة، فجلست إلى مشيخة [٦] في مسجد النبي ﷺ، فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
فقام خلف سارية فصلى ركعتين، فقمت إليه، فقلت له [٧]: قال بعض القوم كذا وكذا.
فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رؤيا؛ رأيت كأنّ رجلًا أتاني فقال: انطلق.
فذهبت معه، فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريق [١] عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق (*)، فأخذ بيدي، فزجل [٢] بي، فإذا أنا على ذروته فلم أتقار (*)، ولم أتماسك، فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فَزَجل (*) [٣] بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك.
فقلت: نعم.
فضرب العمود برجله.
فاستمسكت بالعروة.
فقصصتها على رسول اللَّه ﷺ فقال: "رأيت خيرًا أمّا المنهج العظيم: فالمحشر، وأمّا الطريق التي عرضت عن يسارك: فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأمّا الطريق التي عرضت عن يمينك: فطريق أهل الجنة، وأمّا الجبل الزلق: فمنزل الشهداء، وأمّا العروة التي استمسكت بها: فعروة الإِسلام، فاستمسك بها حتى تموت".
قال: فأنا أرجو أن أكون من أهل الجنة.
قال: وإذا هو عبد اللَّه بن سلام.
وهكذا رواه النسائي (١٦٠٢)، عن أحمد بن سليمان، عن عفان، وابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به، نحوه.
وأخرجه مسلم في صحيحه (١٦٠٣) من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ الفزاري، به.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر، والشك، والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما أولياؤهم [١] الشياطين، تُزَيّنُ لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طرين الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمَع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، كما [٢] قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.
وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرّد الحق، وانتشار الباطل، وتفرّده [٣]، وتشعبه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث [٤] أهل الأهواء -أو [٥] قال: يبعث أهل الفتن- فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة.
ثم قرأ هذه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) هذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل: نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح.
ويقال: نمروذ بن فالخ بن عابد بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
والأوّل قول مجاهد وغيره.
قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها، ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين.
والكافران: نمروذ وبختنصر، والله أعلم.
ومعنى قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه.
وذلك أنه أنكر أن يكون ثَمَّ إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبرُهُ، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وكأنه طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما [١] الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له.
فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ-: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.
قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر [٢] بالعفو عن الآخر فلا يقتل.
فذلك معنى الإِحياء والإِماتة.
والظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير [٣] مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام، عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ولهذا قال له إبراهيم، لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته، وتسخير كواكبه وحركاته- فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما تدعي [٤] فأت بها من المغرب؟
فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت، أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.
وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأوّل إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة رديَّة وليس كما قالوه، بل المقام الأوّل يكون كالمقدمة للثاني.
ويبين [١] بطلان ما ادعاه نمروذ في الأوّل والثاني، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر السدي، أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أن النمروذ كان عنده طعام، وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت إليهم [٢]، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا، فعملت [منه] [٣] طعامًا، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه.
فقال: أنى لكم هذا؟
قالت: من الذي جئت به.
فعلم [٤] أنه رزق رزقهموه الله ﷿.
قال [٥] زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار مَلكًا يأمره بالإِيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم الثالثة فأبى.
وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي.
فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في [منخريه] [٦] أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة كلها [٧] حتى أهلكه الله بها.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ تقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهو في قوة [١] قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه.
ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ اختلفوا في هذا المار، من هو؟
فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن روَّاد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: هو عزيز.
ورواه ابن جرير، عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وسليمان بن بريدة.
وهذا القول هو المشهور.
وقال وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير هو إرميا بن حلفيا.
قال محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، أنه قال: وهو اسم الخضر ﵇.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: سمعت سليمان بن محمد اليسارى [٢] الجاري -من أهل الجار [٣] ابن عم مطرف- قال: سمعت رجلًا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بورا.
وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل.
وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها، وقتل أهلها ﴿وَهِيَ خَاويَةٌ﴾ أي: ليس فيها أحد؛ من قولهم: خوت الدار تخوى خَواء وخُويًا.
وقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة سقوفها، وجدرانها على عرصاتها.
فوقف متفكرًا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع [٤] بنو إسرائيل إليها.
فلما بعثه الله ﷿ بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه، كيف يحيي بدنه، فلما استقل سويًّا، قال الله له -أي: بواسطة الملك- ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالوا؛ وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في [آخر النهار] [١]، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب، وتين، وعصير، فوجده كما فقده، لم يتغير منه شيء لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعفن ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ أي: كيف يحييه الله ﷿ وأنت تنظر.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دليلًا على المعاد ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي: نرفعها، فتركب [٢] بعضها على بعض.
وقد روى الحاكم في "مستدركه" (١٦٠٤)، من حديث نافع بن أبي نعيم، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه رسلم قرأ ﴿كَيفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي.
ثم قال: صحيح [الإِسناد ولم يخرجاه] [٣].
وقرأ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ أي: نحييها.
قاله مجاهد.
﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
وقال [٤] السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه، حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله [٥] ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق إذن الله ﷿ وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ﴿قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أنا عالم بهذا، وقد رأيته [٦] عيانًا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك.
وقرأ آخرون: "قال اعلم" (* * *) على أنه أمر له بالعلم.
﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ذكروا لسؤال إبراهيم ﵇ أسبابًا، منها أنه لما قال لنمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أحب أن يترقَّى من علم [١] اليقين [في ذلك] [٢] إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
فأما الحديث الذي رواه البخاري (١٦٠٥) عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب، به.
فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف.
وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة، أحدها: [ … ...
… ...
… ] [٣].
وقوله: ﴿قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة، ما هي؟
وإن كان لا طائل تحت تعيينها؛ إذ لو كان في ذلك مهم [٤] لنص عليه القرآن.
فروي عن ابن عباس، أنه قال: هي الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة، وعنه أيضًا، أنه أخذ وزًّا ورألا -وهو فرخ النعام- وديكًا، وطاوسًا.
وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكًا، وطاوسًا، وغرابًا.
وقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ أي: و [٥] قطعهنّ.
قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الديلي، ووهب بن منبه، والحسن، والسدي، وغيرهم.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهنّ، ونتف ريشهنّ، ومزقهنّ، وخلط بعضهنّ في بعض [١]، ثم جزأهنّ أجزاء، وجعل على كل جبل منهنّ جزءًا، قيل: أربعة أجبل.
وقيل: سبعة.
قال ابن عباس: وأخذ رءوسهنّ بيده، ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهنّ، فدعاهن كما أمره الله ﷿ فجعل ينظر إلى الريش، يطير إلى الريش، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇ فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدّم له رأسه تركب مع بقية جثته [٢] بحول الله وقوته؛ ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز، لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا مانع، لأنه [العظيم] [٣] القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.
وقال ابن جرير (١٦٠٦): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: اتَّعد [٤] عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو [بن العاص] [٥] أن يجتمعا قال: ونحن شَبَبَة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى [] [٦] لهذه الأمة؟
فقال عبد الله بن عمرو: [قول الله تعالى: ﴿قُلْ] [٧] يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
الآية.
فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول [إنها] [٨]: وإن أرجى منها لهذه الآمة قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح -كاتب الليث- حدثني ابن [٩] أبي سلمة عن محمد [١٠] بن المنكدر، أنه قال: التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟
قال عبد الله بن عمرو: قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
الآية.
فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله: ﴿بَلَى﴾.
قال: فهذا لما يعترض في النفوس، ويوسوس به الشيطان.
وهكذا رواه الحاكم في المستدرك (١٦٠٧)، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، بإسناده مثله.
ثم قال: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.
هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله، وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله.
وقال مكحول: يعني به الإِنفاق في الجهاد، من رباط الخيل، وإعداد السلاح، وغير ذلك.
وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد، والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.
وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ﷿ لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة.
وقد وردت السنة لتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.
قال الإِمام أحمد (١٦٠٨): حدثنا زياد بن الربيع أبو خَداش، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غُطَيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة [بن الجراح] [١] نعوده من شكوى أصابه [٢] [] [٣] وامرأته تُحَيْفَةُ قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟
قالت: والله لقد بات بأجر.
قال أبو عبيدة: ما بت بأجر.
وكان مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟
قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ [١] أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ﷿ ببلاء في جسده فهو له حِطَّةٌ".
وقد روى النسائي في الصوم بعضه (١٦٠٩) من حديث واصل به، ومن [٢] وجه آخر موقوفًا.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني، عن أبي [٣] مسعود، أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: "لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة".
ورواه مسلم، والنسائي (١٦١٠)، من حديث سليمان بن مهران، عن الأعمش، به.
ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله.
فقال: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة".
(حديث آخر) قال أحمد (١٦١١): حدثنا عمرو بن مُجَمَّع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري [٤]، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن الله ﷿ جعل حسنة ابن آدم بعشر [٥] أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاوه، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
(حديث آخر) قال أحمد (١٦١٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء [٦] الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه الصائم [١] أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة".
وكذا رواه مسلم (١٦١٣)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن وكيع به.
(حديث آخر) قال أحمد (١٦١٤): حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين عن يُسَيرِ [٢] بن عميلة، عن خُريم بن فاتك [٣] قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق نفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة [٤] ضعف".
(حديث آخر) قال أبو داود (١٦١٥): حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان [٥] بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الصلاة والصيام والذكر، يضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة [٦] ضعف".
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم (١٦١٦): حدثنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله، صلى الله علية وآله وسلم، قال: "من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكل درهم [سبعمائة درهم يوم القيامة] [٧]، [ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم] [٨] [سبعمائة ألف درهم] [٩].
ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وهذا حديث غريب.
وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [١].
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ قال [النبي ﷺ] [٢]: "رب زد أمّتي".
قال: فأنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال: "رب زد أمّتي".
قال: فأنزل الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وقد رواه أبو حاتم (١٦١٧) بن [٣] حبان في "صحيحه"، عن حاجب بن أركين، عن أبي [٤] عمر، حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري عن أبي إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وقوله هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: فضله واسع كثير، أكثر من خلقه، علهم بمن يستحق، ومن لا يستحق، [سبحانه وحمده] [٥].
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.
يمدح الله [تبارك و] [١] تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله [٢] ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًّا على من أعطوه، فلا يمنون به على أحد، ولا يمنون به، لا بقول، ولا فعل [٣].
وقوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾ أي: ولا [٤] يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به [٥] ما سلف من الإحسان.
ثم وعدهم الله [٦] تعالى الجزاء الجزيل على ذلك فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله.
لا على أحد سواه.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم [٧] القيامة.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما خلفوه من الأولاد، و [٨] ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: [عفو، و] [٩] غفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، قال: قرأت على معقل بن عبيد [١٠] الله، عن [١١] عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف [١٢] ألم تسمع إلى قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [أي] [١٣] عن خلقه ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم، ويغفر، ويصفح، ويتجاوز عنهم.
وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة؛ ففي "صحيح مسلم"، من حديث شعبة، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" (١٦١٨).
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر".
وروى أحمد وابن ماجة من حديث يونس بن ميسرة، نحوه (١٦١٩).
ثم روى ابن مردويه وابن حبان والحاكم في "مستدركه" والنسائي، من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن [١] عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله، ﷺ: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى" (١٦٢٠).
وقد روى النسائي (١٦٢١)، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة عن عتاب ابن بشير، عن خصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان".
وقد رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس [قوله].
ورواه النسائي (١٦٢٢)، من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري [٢]، عن مجاهد، قوله.
وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه (١٦٢٣).
ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فأخبر أنّ الصدقة تبطل بما يتبعها من المنّ والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المنّ والأذى.
ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدحة [١] الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه -قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منًّا أو أذى- فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم [٢] من يقول: الصفوان يستعمل مفردًا أيضًا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس ﴿عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو [٣]: المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: فترك الوابلُ [٤] ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس، كالتراب؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات [٥] الله عنهم في ذلك ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون ومتثبتون [٦] أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء.
ونظير هذا في المعنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح [٧] المتفق على صحته: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا … " أي: يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه.
قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقًا ويقينًا [٨].
وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد، واختاره ابن جرير.
وقال مجاهد، والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.
وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أي: كمثل بستان بربوة.
وهو عند الجمهور: المكان المرتفع المستوي من الأرض.
وزاد ابن عباس، والضحاك: وتجري فيه الأنهار.
قال ابن جرير ﵀: وفي الربوة ثلاث لغات، هنّ ثلاث قراءات؛ بضم الراء وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس.
وقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد.
كما تقدم.
﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي [١]: ثمرتها [٢] ﴿ضِعْفَينِ﴾ [٣] أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان.
﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ، وهو اللين من المطر.
أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيامًا كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله، ويكثره، وينميه، كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيءٌ.
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) قال البخاري عند تفسير هذه الآية (١٦٢٤): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام -هو ابن يوسف- عن ابن جريج، سمعت عبد [٤] الله بن أبي مليكة يحدّث عن ابن عباس -وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير [٥]- قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي ﷺ: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلم.
فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم.
فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: يا بن أخي؛ قل ولا تحقر نفسك.
فقال [٦] ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا لعمل [٧] قال عمر.
أي عمل؟
قال ابن عباس [: لعمل] [١].
[قال عمر] [٢]: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله.
ثم رواه البخاري (١٦٢٥) عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره وهو من أفراد البخاري ﵀.
وفي [هذا] [٣] الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا، ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًا بالله من ذلك، فأَبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدّم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرق ثمارها، وأباد أشجارها.
فأي حال يكون حاله؟.
وقد روى [٤] ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس [٥]، قال: ضرب الله [له] [٦] مثلًا حسنًا، وكل أمثاله حسن قال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقول: ضيعه في شبيبته [٧] ﴿وَأَصَابَهُ [٨] الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ فأحرق [٩] بستانه، فلم يكن عنده قوّة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون [١٠] يوم القيامة إذا رد إلى الله ﷿ ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرًا يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنة الله، عند [ما كان] [١١] أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.
وهكذا روى الحاكم في "مستدركه" (١٦٢٦)، أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم؛ اجعل أوسع رزقك علي عند [كبر سني] [١] وانقضاء عمري".
ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تعتبرون، وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها.
كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق -والمراد به الصدقة هاهنا.
قاله ابن عباس- من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها -قال مجاهد: يعني التجارة- بتيسيره إياها لهم.
وقال علي والسدي: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني: الذهب والفضة ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض.
قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه؛ وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ أي: تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون.
وقيل معناه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٦٢٧): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطى الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطى الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه".
قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟
قال: "غَشَمُه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إنّ الله لا يمحو السيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث".
والصحيح القول الأول.
قال ابن جرير (١٦٢٨) ﵀: حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَّزِي [١]، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ في قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
الآية.
قال: نزلت في الأنصار؛ كانت [٢] الأنصار إذا كان [٣] أيام جذاذ (*) النخل أخرجت من حيطانها أقناء (**) البُسر (* * *)، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحَشَف (* * **) فيدخله مع أقناء البسر، بظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
ثم رواه ابن جرير، وابن ماجة، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه.
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري [٤]، ومسلم ولم يخرجاه.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إِسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء ﵁: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال [١]: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي [من نخله بقدر] [٢] كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة [٣] ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه، [فيسقط منه] [٤] البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو فيه [٥] الحشف والشيص، ويأتي [٦] بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا [٧] بصالح ما عنده.
وكذا رواه الترمذي (١٦٢٩) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله -هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي- وهو إسماعيل بن عبد الرحمن- عن أبي مالك الغفاري-واسمه غزوان- عن البراء، فذكر نحوه.
ثم قال: وهذا حديث حسن غريب.
وقال ابن أبي حاتم (١٦٣٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهي عن لونين من التمر: الجُعْرُور (*)، ولون الحبيق [٨]، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
ورواه أبو داود (١٦٣١)، من حديث سفيان بن حسين، عن الزهري.
ثم قال: أسنده أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهري.
ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور، ولون الحبيق، أن يؤخذا في الصدقة.
وقد روى النسائي هذا الحديث (١٦٣٢)، من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أمامة.
ولم يقل: عن أبيه.
فذكر نحوه.
وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن مَعْقِل في هذه الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدق كالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه.
وقال الإمام أحمد (١٦٣٣): حدثنا أبو سعيد، حدَّثنا حماد بن سلمة عن حماد -هو ابن سليمان- عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتي رسول الله، ﷺ، بضب، فلم يأكله، ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله؛ نطعمه المساكين.
قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون".
ثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة، به.
فقلت: يا رسول الله؛ ألا أطعمه المساكين؟
قال: "لا تطعموهم مما [١] لا تأكلون".
وقال الثوري: عن السدى، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه.
رواه ابن جرير.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه.
قال: فذلك قوله: ﴿إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وزاد: وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ثم روى من طريق العوفي وغيره عن ابن عباس، نحو ذلك، وكذا ذكر غير واحد.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإن أمركم بالصدقات، وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير.
كقوله: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد [٢] ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، [] [١] سيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافًا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وقوله: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله [بن مسعود] [٢] قال: قال رسول الله ﷺ: "إن للشيطان لَلَمَّة بابن آدم وللملك لمة، فأمّا لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان".
ثم قرأ ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
الآية.
وهكذا رواه الترمذي، والنسائي في كتابي التفسير من "سُنَنَيهِما" (١٦٣٤) جميعًا عن هناد بن السري.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد، به (١٦٣٥).
وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص -يعني سلام بن سليم- لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه.
كذا قال.
وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رسته عن هارون الفروي [٣]، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود، مرفوعًا نحوه.
ولكن رواه مسعر، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص -عوف بن مالك بن نضلة- عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر؛ لتمسكوا ما بأيديكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله.
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: مع نهيه إياكم عن الإِنفاق خشية الإِملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ﴿وَفَضْلًا﴾ أي [١]: في مقابلة ما خوّفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: يعني المعرفة بالقرآن؛ ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله.
وروى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، مرفوعًا: "الحكمة القرآن" (١٦٣٦).
يعني: تفسيره.
قال ابن عبَّاس فإنه قد [٢] قرأه البر والفاجر.
رواه ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإِصابة في القول.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ليست بالنبوَّة، ولكنه العلم، والفقة، والقرآن.
وقال أَبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة.
وقد رواه [٣] ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود، مرفوعًا: "رأس الحكمة مخافه الله" (١٦٣٧).
وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم.
وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم.
وقال أبو مالك: الحكمة السنة.
وقال ابن وَهْب عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل.
قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقة في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا ذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به و [٤] يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقة في دين الله.
وقال السدي: الحكمة النبوة.
والصحيح أن الحكمة -كما قاله الجمهور- لا تختص بالنبوّة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث: "من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنَّه لا يوحى إليه" (١٦٣٨).
رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمرو [١].
قوله.
وقال الإِمام أحمد (١٦٣٩): حدَّثنا وكيع ويزيد قالا: حدَّثنا إسماعيل -يعني ابن أبي خالد عن قيس- وهو ابن أبي حازم - عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله، ﵌، يقول -: "لا حسد إلَّا في اثتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها".
وهكذا رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به (١٦٤٠).
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلَّا من له لب وعقل، يعي [٢] به الخطاب ومعنى الكلام.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة ينقذونهم [٣] من عذاب الله ونقمته.
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلَّا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.
وقال رسول الله ﷺ: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة" (١٦٤١).
والأصل أن الإِسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتَّى يرجع إليه، [ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه] [١] ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١٦٤٢).
وقال الإِمام أحمد (١٦٤٣): حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العرام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أَنس بن مالك، عن النبي ﵌، قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يارب؛ هل [٢] في خلقك شيء أشد من الجبال؟
قالا: نعم الحديد.
قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال: نعم النار.
قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال: نعم الماء.
قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟
قال: نعم، الريح.
قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟
قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله".
وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ [أي الصدقة أفضل؟] [١] قال: "سر إلى فقير أو جهد من مقل" (١٦٤٤).
رواه أحمد.
ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: ثم نَزَع [٢] بهذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ الآية.
وفي الحديث المروي: "صدقة السر تطفيء غضب الرب ﷿" (١٦٤٥).
وقال ابن أبي حاتم (١٦٤٦): حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن زياد المحاربي مؤدّن محارب أخبرنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي، في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر ﵄ أمّا عمر فجاء بنصف ماله حتَّى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟
".
قال: خلفت لهم نصف مالي.
وأمّا أَبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتَّى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "ما خلفت وواءك لأهلك يا أبا بكر؟
".
فقال: عدة الله وعدة رسوله.
فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمّي [٣]، يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقًا (١٦٤٧).
وهذا الحديث مروي [٤] من وجه آخر عن عمر (١٦٤٨) ﵁ وإنَّما أوردناه ها هنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك.
ثم إن الآية عامَّة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة.
لكن روى ابن جرير، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس، في تفسير هذه الآية قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال [١]: بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال [٢]: بخمسة وعشرين ضعفًا.
وقوله ﴿وَيُكَفِّرُ [٣] عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرًّا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات، ويكفر عنكم السيئات.
وقد قرئ: (ويكفر عنكم) بالضم، وقرئ: [(ونكفر)] [٤] بالجزم، عطفًا على جواب الشرط (*)، وهو قوله: (فنعما هي) كقوله: (فأصدّق وأكون)، (وأكن).
وقوله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.
﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ قال أَبو عبد الرحمن النسائي (١٦٤٩): أخبرنا محمد بن [عبد الله] [١] بن عبد الرحيم، أخبرنا الفريابي، حدَّثنا سفيان، عن الأعمَش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (*) لأنسبائهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
وكذا رواه أَبو حذيفة، وابن المبارك، وأَبو أحمد الزبيري، وأَبو داود الحفري [٢] عن سفيان - وهو الثَّوري - به.
وقال ابن أبي حاتم (١٦٥٠): أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن -يعني الدشتكي- حدثني أبي، عن أبيه، حدَّثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، عن النبي، ﷺ، أنَّه كان يأمر بأن لا يتصدق إلَّا على أهل الإِسلام، حتَّى نزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.
وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلَّا ابتغاء وجه الله.
وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.
وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده.
ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ والحديث المخرّج في الصحيحين (١٦٥١) من طريق أَبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "قال رجل: لأتصدقن الليلة [١] بصدقة.
فخرج بصدقه، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ على زانية!
فقال: اللَّهم، لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة [فخرج بصدقته].
فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على غني.
فقال [٢]: اللَّهم، لك الحمد على غني، لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته [٣] فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدّق الليلة على سارق، فقال: اللَّهم، لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق.
فأُتي، فقيل له: أمّا صدقتك فقد قُبِلَتْ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن [٤] يستعف بها عن سرقته".
وقوله: (﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم [٥] سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش.
والضرب في الأرض هو السفر.
[قال الله تعالى] [٦]: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ و] [٧] قال [٨] [] [٩] تعالى [١٠]: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم.
وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة (١٦٥٢) قال: قال رسول الله ﵌: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، [واللقمة واللقمتان] [١١] والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا".
وقد رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضًا (١٦٥٣).
وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وفي الحديث الذي في السنن (١٦٥٤): " اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر نور الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: لا يلحون في المسألة [١]، ويكلفون الناس ما لا بحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال [٢] فقد ألحف في المسألة.
قال البخاري (١٦٥٥): حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة بقول: قال رسول الله ﷺ: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم -يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وقد رواه مسلم (١٦٥٦)، من حديث إسماعيل بن جعفر المديني [٣] عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار - وحده - عن أبي هريرة به.
وقال أَبو عبد الرحمن النَّسائي (١٦٥٧): أخبرنا علي بن حُجر، حدَّثنا إسماعيل، أخبرنا شريك - وهو ابن أبي نمر - عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما [٤] المسكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وروى البخاري (١٦٥٨) من حديث شعبة، عن محمد بن [] [٥] زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن [١] عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافًا".
وقال ابن جرير: حدثني معتمر، عن الحسن بن مالك [٢] عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة قال: ليس المسكين بالطواف [٣] الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته، لا يسأل الناس شيئًا، تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [٤]﴾.
وقال الإِمام أحمد أيضًا [٥] (١٦٥٩): حدَّثنا أَبو بكر الحنفي، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة، أنَّه قالت له أمّه: ألا تنطقُ فتسألَ رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟
فانطلقت أسأله، فوجدته قائمًا يخطب وهو يقول: "من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سأل [٦] الناس وله عدل خمس أواقٍ فقد سأل الناس إلحافًا".
فقلت بيني وبين نفسي: - لناقة [له] (*) لهي [٧] خير من خمس أواقٍ، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواقٍ، فرجعت ولم أسأل.
وقال الإِمام أحمد (١٦٦٠): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غَزِيَّة [٨]، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: سرحتني أمي [إلى رسول الله] [٩] ﷺ، أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: "من استغنى أغناه الله، [ومن استعف أعفه الله] [١٠]، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف".
قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية.
فرجعت.
ولم أسأله.
وهكذا رواه أَبو داود والنَّسائي، كلاهما عن قتيبة - زاد أَبو داود: وهشام بن عمار - كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا أَبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزِيَّة [١]، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: [قال أَبو سعيد الخدري] [٢]: قال رسول الله، ﷺ: "من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف".
والوقية أربعون درهمًا.
وقال أحمد (١٦٦١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا".
وقال الإِمام أحمد (١٦٦٢) أيضًا [١]: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، ﷺ: "من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا، أو كدوحًا في وجهه".
قالوا: يا رسول الله؛ وما غناه؟
قال: "خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب".
وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي.
وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء [٢] هذا الحديث.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٦٦٣): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قال: بلغ الحارث -رجلًا كان بالشام من قريش- أن أبا ذر كان به عَوز، فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبدًا لله [] [٣] هو أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سأل وله أربعون فقد ألحف".
ولآل أبي ذر أربعون درهمًا، وأربعون شاة، وماهنان.
قال أبو بكر [بن عياش] [٤]: يعني خادمين.
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "من سأل وله أربعون درهمًا فهو ملحف، وهو مثل سف الملة".
يعني: الرمل.
ورواه النسائي (١٦٦٤)، عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بإسناده نحوه.
و [١] قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفي عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سرٍّ أو [٢] جهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في "الصحيحين" (١٦٦٥) أَنَّ رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضًا عام الفتح -وفي رواية عام حجة الوداع-: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها [٣] درجة ورفعة، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك".
وقال الإِمام أحمد (١٦٦٦): حدَّثنا محمد بن جعفر، وبهز، قالا: حدَّثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، يحدث عن أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة".
أخرجاه من [٤] حديث شعبة به.
وقال ابن أبي حاتم (١٦٦٧): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل".
وقال حنش [١] الصنعاني، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله.
رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر [٢]، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلًا، ودرهمًا نهارًا، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا علانية.
فنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف، لكن رواه ابن مردويه من وجه آخر، عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب.
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، علي ما فعلوا من الإِنفاق في الطاعات ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ لما ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات [٣] لذوي الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والأنات [٤]، شرع في ذكر أكلة الربا، وأموال الناس بالباطل، وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم، ونشورهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا، قال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق.
رواه ابن أبي حاتم.
قال: وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة [١]، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وحكي عن عبد الله بن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: لا يقومون يوم القيامة.
وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك، وابن زيد.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حنيف عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يوم القيامة.
وقال ابن جرير: حدّثني المثنى، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا ربيعة بن كلثوم، حدَّثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال [٢]: وذلك حين يقوم من قبره.
وفي حديث أبي سعيد في الإِسراء، كما هو مذكور في سورة "سبحان" أنه، ﵇، مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم فقيل: هؤلاء أكلة الربا.
رواه البيهقي مطولًا.
وقال ابن ماجة (١٦٦٨): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتيت ليلة أسري بي علي قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة الربا".
ورواه الإِمام أحمد، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة له، و [١] في إسناده ضعف.
وقد روي البخاري عن سمرة بن جندب (١٦٦٩) - في حديث المنام الطويل-: "فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم- وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح [ما يسبح] [٢] ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده، فيغفر له فاه، فليقمه [٣] حجرًا.
وذكر في تفسيره أنه آكل الربا.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم علي أحكام الله في شرعه.
وليس [٤] هذا قياسًا [٥] منهم للربا على البيع، لأن المشركين [٦] لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع.
وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلمَ حُرّم هذا وأبيح هذا؟
وهذا اعتراض منهم علي الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا.
و [قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾] [٧] يحتمل أن يكون من [تمام الكلام] [٨] ردا عليهم، أي: على ما قالوه [٩] من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حُكمًا، وهو العليم الحكيم، الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم محنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من بلغه نهي الله عن الربا، فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة؛ لقوله: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ﴾ وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: "وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" (١٦٧٠).
ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَي اللَّهِ﴾.
قال سعيد بن جبير والسدّي: (فله ما سلف) أي [١]: ما كان أكل من الربا قبل التحريم.
وقال ابن أبي حاتم: قُرئ على محمد بن عبد الله بن عبد المحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس -يعني امرأته العالية بنت أيفع: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أم محبة -أم ولد لزيد بن أرقم-: يا أم المؤمنين، أتعرفين زيد بن أرقم؟
قالت: نعم.
قالت: فإني بعته عبدًا إلي العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة.
فقالت: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب.
قالت: فقلت: أرأيتِ إن تركتُ المائتين وأخذت الستمائة؟
قالت: نعم ﴿فَمَنْ [٢] جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَي فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
وهذا الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم مسألة العِينة؛ مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة [٣] المقرّرة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى الربا، ففعله بعد بلوغه نهي الله له [٤] عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة؛ ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقد قال أبو داود (١٦٧١): حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم [٥]، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال رسول الله ﷺ: "من لم يذر [٦] المخابرة، فليؤذن بحرب من الله ورسوله".
ورواه الحاكم في "مستدركه" (١٦٧٢) من حديث ابن [٧] خُثَيم [٨]، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه [٩].
وإنما حرمت المخابرة: وهي المزارعة ببعض [١] ما يخرج من الأرض، والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رءوس النخل بالتمر علي وجه الأرض؛ والمحاقلة: وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل، بالحب علي وجه الأرض- إنما حرمت هذه [٢] الأشياء وما شاكلها [حسمًا لمادة الربا] [٣]، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف؛ ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرّموا أشياء بما فهموه [٤] من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم.
وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم.
وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله، ﷺ، عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد [٥]، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (١٦٧٣) - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا.
والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله؛ لأن ما أفضي إِلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد ثبت في "الصحيحين" (١٦٧٤) عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يفول: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه".
وفي "السنن" (١٦٧٥)، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وفي الحديث الآخر: "الإِثم ما حاك في القلب، وتردّدت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس" (١٦٧٦).
وفي رواية: "استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك".
وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: آخر ما نزل على رسول الله، ﷺ آية الربا.
رواه البخاري [١]، عن قبيصة، عنه (١٦٧٧).
وقال أحمد (١٦٧٨): حدثنا [٢] يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله، ﷺ، قُبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة.
رواه [٣] ابن ماجة، وابن مردويه.
وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من [٤] آخر القرآن نزولًا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.
وقد قال ابن ماجه (١٦٧٩): حدَّثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدَّثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد [٥]، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- عن النبي، ﷺ، قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا".
ورواه الحاكم في مستدركه (١٦٨٠)، من حديث عمرو بن علي الفلاس، بإسناد مثله.
وزاد: "أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم".
وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال ابن ماجة (١٦٨١): حدثنا عبد الله بن سعيد، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "الربا سبعون حُوبًا [١]، أيسرها أن ينكح الرجل أمه".
وقال الإِمام أحمد (١٦٨٢): حدَّثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن -منذ نحوٍ من أربعين أو خمسين سنة- عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، قال: "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا".
قال: قيل له: الناس كلهم؟
قال: "من لم يأكله منهم ناله من غباره [٢] ".
وكدا رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به.
ومن هذا القبيل: [وهو] [٣] تحريم [٤] الوسائل المفضية إلى المحرمات- الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٦٨٣)، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة [٥] البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهنّ، فحرم التجارة في الخمر.
وقد أخرجه الجماعة -سوى الترمذي- من طرق، عن الأعمش به.
[وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية: فحرم التجارة] [٦].
وفي لفظ له عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله، ﷺ، علي الناس، ثم حرم التجارة في الخمر.
قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله؛ حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه (١٦٨٤): " لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها [١] (*) فباعوها وأكلوا أثمانها".
وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما [٢]، عند لعن المحلل في تفسير قوله [٣] ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ - قوله ﷺ: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه".
قالوا: وما يشهد [٤] عليه ويكتب؛ إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدًا [٥]، فالاعتبار بمعناه لا بصورته؛ لأن الأعمال بالنيات.
وفي الصحيح (١٦٨٥): " إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
وقد صنف الإِمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتابًا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك وشفي، [فرحمه الله ورضي عنه] [٦].
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأن يذهبه [٧] بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾.
وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [١].
وقال ابن جرير: في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وهذا نظير الخبر الذي روي عن [٢] عبد اللَّه بن مسعود، [عن النبي ﷺ] [٣] أنه قال: "الربا وإن كثر فإلى [٤] قل".
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده (١٦٨٦) فقال: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير [٥] إلى قل".
وقد [٦] رواه ابن ماجة (١٦٨٧)، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبه أمره إلى قل".
وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإِمام أحمد (١٦٨٨): حدثنا أبو سعيد -مولى بني [٧] هاشم- حدثنا الهيثم بن نافع [٨] الطاطري، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة- عن فروخ مولى عثمان، أن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين- خرج إلى [٩] المسجد فرأى طعامًا منثورًا فقال: ما هذا الطعام؟
فقالوا: طعام جلب إلينا قال: بارك اللَّه فيه، وفيمن جلبه.
قيل: يا أمير المؤمنين؛ إنه قد احتكر.
قال: ومن [١٠] احتكره؟
قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما فدعاهما [١١] فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟
قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع.
فقال عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالإفلاس أو بجذام" فقال فروخ عند ذلك: أعاهد اللَّه، وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا.
وَأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع.
قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا.
ورواه ابن ماجة، من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه اللَّه بالإِفلاس والجذام".
وقوله ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قرىُ بضم الياء والتخفيف (*)، من ربا الشيء يربو وأربا [١] يربيه، أي: كثره ونماه ينميه.
وقريء (يُرَبِّي) بالضم والتشديد من التربية".
كما قال البخاري (١٦٨٩): حدَّثنا عبد اللَّه بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح، عن أبي هرهة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يعقبلها [٢] بيمينه ثم يربيها لصاحبه [٣] كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون [٤] مثل الجبل".
كذا رواه في كتاب الزكاة، وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار، فذكر بإسناده نحوه.
وقد رواه مسلم في كتاب [٥] الزكاة (١٦٩٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره.
قال البخاري: ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هرهة، عن النبي، ﷺ.
قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن [١] وهب، عن هشام بن سعد [٢]، عن زيد بن أسلم به (١٦٩١).
وأما حديث سهيل فرواه مسلم (١٦٩٢)، عن قتيبة [٣]، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل به، واللَّه أعلم.
قال البخاري (١٦٩٣): وقال ورقاء، عن ابن دينار، عن سعيد [٤] بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ.
وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر [٥]- هاشم بن القاسم- عن ورقاء- وهو ابن عمر اليشكري- عن عبد اللَّه بن دكار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال النبي [٦]، ﷺ: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى اللَّه إلا الطيب- فإن اللَّه يقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها [٧] كما يربي أحدكم فلوه (*)، حتى تكون [٨] مثل أحد" (١٦٩٤).
وهكذا روى هذا الحديث مسلم (١٦٩٥) والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة [٩]، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري.
وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره.
وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد اللَّه الأودي [١]، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه، ﷺ: "إن اللَّه ﷿ يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد".
وتصديق ذلك في كتاب اللَّه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
وكذا رواه أحمد (١٦٩٦) عن وكيع -[وهو في تفسير وكيع] [٢]- ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح.
وكذا رواه الثوري، عن عباد بن منصور به.
ورواه أحمد (١٦٩٧) أيضًا [٣]، عن خلف بن الوليد، عن المبارك [٤]، عن عبد الواحد بن ضمرة، وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة [عن القاسم به] [٥].
وقد رواه ابن جرس (١٦٩٨)، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق [٦]، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هروة، قال: قال رسول اللَّه، ﵌: "إن العبد إذا تصدق من طيب، يقبلها اللَّه منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد اللَّه -أو قال في كف اللَّه- حتى تكون مثل أحد، فتصدّقوا".
وهكذا رواه أحمد (١٦٩٩)، عن عبد الرزاق.
وهذا طريق غريب صحيح الإِسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم.
وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإِمام أحمد (١٧٠٠): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "إنّ اللَّه ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد".
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال البزار (١٧٠١): حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، فيتلقاها [١] الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه -أو قال: فصيله-".
ثم قال: لا نعلم أحدًا [٢] رواه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة إلا أبا [٣] أويس.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل.
ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم اللَّه له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب [٤] المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.
ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدّين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي: اتركوا مالكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإِنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع اللَّه لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك.
وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن حيان، والسدي؛ أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير بن [١] ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا [٢]، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإِسلام.
فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول اللَّه ﷺ، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول اللَّه، ﷺ إليه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى اللَّه ونذر ما بقي من الربا.
فتركوه كلهم.
وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي البربا بعد الإنذار.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فأذنوا بحرب﴾ أي: استيقنوا بحرب من اللَّه ورسوله.
وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: يقال [٣] يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، [كان حقًّا] [٤] على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار [٥]، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن، وابن سيرين، أنهما قالا: والله أن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من اللَّه ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح.
وقال قتادة: أوعدهم اللَّه بالقتل كما تسمعون [١]، وجعلهم بهرجًا أينما أتوا، فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا، فإن اللَّه قد أوسع الحلال وأطابه، فلا تلجعنكم [٢] إلى معصيته فاقة.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال الربيع بن أنس: أوعد [٣] اللَّه آكل الربا بالفتل.
رواه ابن جرير.
وقال السهيلي: ولهذا [٤] قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل [٥] إلا أن يتوب.
فخصت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره كثير.
قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.
ثم قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بوضع رءوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه، ولا نقص منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب، حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن الأحوص، عن أبيه قال: خطب رسول اللَّه، ﷺ في حجة الوداع، فقال: "ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأوّل ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله".
كذا وجدته: سليمان بن الأحوص.
وقد قال ابن مردويه (١٧٠٢): حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ يقول: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون".
وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمرو -هو ابن خارجة- فذكره.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي [١]: لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي.
ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وإن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين.
وقد وردت الأحاديث من طرق متعدّدة عن النبي ﷺ بذلك.
(فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال الطبراني (١٧٠٣): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شعيب الرّجاني [٢]، حدثنا يحيى بن حكيم المقوّم [٣]، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد اللَّه، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة - قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "من سره أن يظله اللَّه يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه".
(حديث آخر) عن بريدة، قال الإمام أحمد (١٧٠٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة".
قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة".
قلت: سمعتك يا رسول اللَّه، تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله [٤] صدقة".
ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة".
قال: "له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة".
(حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد (١٧٠٥): [حدثنا عفان] [١]، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال: نعم هو في البيت جمل خزهة.
فناداه فقال [٢]: يا فلان؛ اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا.
فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟
فقال: إني معسر وليس عندي شيء [٣].
قال: آللَّه إنك معسر؟
قال: نعم.
فبكى أبو قتادة ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من نفس عن غريمه -أو محا عنه- كان في ظل العرش يوم القيامة".
ورواه [٤] مسلم في صحيحه.
(حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان.
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس -أحمد بن عمران- حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "أتي اللَّه بعبد من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟
فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرّة في الدنيا أرجوك بها -قالها ثلاث مرات- قال العبد عند آخرها: يا رب؛ إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز؛ فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول اللَّه ﷿: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة!
".
وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة من طرق (١٧٠٦)، عن ربعي [بن حراشي] [٥]، عن حذيفة.
زاد مسلم: وعقبة بن عامر، وأبي مسعود البدري، عن النبي ﷺ بنحوه.
ولفظ البخاري: [حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزهري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه أنه سمع أبا هريرة ﵁، عن النبي، ﷺ، قال "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل اللَّه أن يتجاوز عنا فتجاوز اللَّه عنه"] [٦].
(حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه (١٧٠٧): حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بين يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن عبد اللَّه بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه؛ أن رسول اللَّه، ﷺ قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل اللَّه أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته، أظله اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(حديث آخر) عن عبد اللَّه بن عمر [١]، قال الإمام أحمد (١٧٠٨): حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر".
انفرد به أحمد.
(حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة [٢] بن عمرو، قال الإمام أحمد (١٧٠٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش [٣]، عن حذيفة: أن رجلًا أتي به اللَّه ﷿ فقال: "ماذا عملت في الدنيا؟
فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرّة من خير [أرجوك بها] [٤].
فقال له ثلاثًا، وقال في الثالثة: [أي رب] [٥]؛ كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر [٦] على الموسر وأنظر المعسر.
فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فغفر له".
قال أبو [٧] مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ.
وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به.
(حديث آخر) عن عمران بن حصين، قال الإمام أحمد (١٧١٠): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "من كان له على رجل حق فأخره [٨] كان له بكل يوم صدقة".
غريب من هذا الوجه.
وقد تقدّم عن بريدة نحوه.
(حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو، قال الإِمام أحمد (١٧١١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثني أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
وقد أخرجه مسلم في صحيحه (١٧١٢) من وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت؛ قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ، ومعه غلام له معه ضمامة (*) من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري [١] (**) وعلى غلامه بردة ومعافري، فقال له أبي: يا عم؟
إني أرى في وجهك سفعة من غضب.
قال: أجل، كان لي على فلان بن فلان الحرامي [٢] مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت: أثم هو؟
قالوا: لا.
فخرج عليَّ ابنٌ له جفر (* * *).
فقلت: أين أبوك؟
فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي.
فقلت: اخرج إليَّ فقد علمت أين أنت.
فخرج، فقلت: ما حملك علي أن اختبأت مني؟
قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو [٣] أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ، وكنت والله معسرًا.
قال: قلت: الله؟
قال: الله.
قلت: الله؟
قال: الله.
قلت: الله؟
قال: الله.
ثم [١] قال: فأتى بصحيفته [٢] فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قصاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع أصبعيه على عينيه- وسمع أذُنَيَّ هاتين ووعاه قلبي-وأشار إلي مناط قلبه- رسول الله ﷺ وهو يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله … ".
وذكر تمام الحديث.
(حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإِمام أحمد (١٧١٣): حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم، حدثنا الحسن بن بشر بن سلم [٣] الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله من [٤] أنظر معسرًا أو ترك لغارم".
(حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد (١٧١٤): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني [٥]، عن مقَاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: خرج رسول الله، ﷺ، إلي المسجد وهو يقول بيده هكذا.
وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلي الأرض: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -ثلاثًا- ألا إن عمل النار سهل بسَهْوة [٦]، والسعيد من وُقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا".
تفرّد به أحمد.
(طريق آخر) قال الطبراني (١٧١٥): حدَّثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحَدِيثَة من ديار ربيعة، حدَّثنا الحسين [٧] بن علي الصدائي، حدَّثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد، خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته".
ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه علي ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم.
فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
رواه ابن أبي حاتم.
وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
وقد رواه النسائي (١٧١٦) من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وكذا رواه الضحاك، والعوفي عن ابن عباس [وروى الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس] [١]، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يومًا.
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
الآية.
قال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، ومات يوم الإثنين.
رواه ابن جرير، ورواه عطية [٢]، عن أبي سعيد، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ هذه الآية الكريمة [أطول آية في القرآن العظيم] [١] وقد قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (١٧١٧): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.
وقال الإمام أحمد (١٧١٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ: "إن أول من جحد آدم ﵇ أن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ [٢] إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر [٣] (*)، فقال: أي رب، من هذا؟
قال: هو ابنك داود.
قال: أي رب، كم عمره؟
قال: ستون عامًا.
قال: رب، زد في عمره.
قال: لا إلا أن أزيده من عمرك.
وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا.
فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت.
فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة".
وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: "فأتمها الله لداود مائة وأتمها [١] لآدم ألف سنة".
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن [أبي حبيب] [٢]، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة.
هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه (١٧١٩)، بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب [٣]، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة.
ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ومن حديث هشام [٤] بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه.
فقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها.
وقد نبه [على هذا في آخر الآية] حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلي أجل معلوم.
وقال قتادة، عن أبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
رواه البخاري.
وثبت في الصحيحين (١٧٢٠) من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار [السنة و] [١] السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّا أمة أمة لا نكتب ولا نحسب" (١٧٢١).
فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟
فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظَهُ علي الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم.
قال ابن جريج: من ادان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهِد.
وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صَحِبَ كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟
فقالوا: وكيف يكون ذلك؟
قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد [٢] عصى ربه.
وقال أبو سعيد والشعبي، والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا، ولم ينكر عدم الكتابة والإِشهاد.
قال الإِمام أحمد (١٧٢٢): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم.
قال: كفى بالله شهيدًا.
قال: ائتني بكفيل.
قال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت!
فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر ثم قال: اللَّهم، إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا.
فرضي بذلك.
وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا.
فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني أستودعكها [١]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه.
قال هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟
قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه؟
قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا.
وهذا إسناد صحيح، وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (١٧٢٣)، فقال: وقال الليث بن سعد … فذكره.
ويقال: إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق" (١٧٢٤).
وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (١٧٢٥).
وقال مجاهد، وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب.
وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك.
﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا﴾ أي: لا يكتم منه شيئًا.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي، أو جهل بموضع صواب ذلك [من خطئه] [١] ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمرٌ بالإِشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه (١٧٢٦): حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: "يا معشر النساء؛ تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار".
فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟
قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن".
قالت [٢]: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟
قال: "أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين".
وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة علي اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط.
وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة [٣] علي أن يكون الشاهد عدَلًا مرضيًّا.
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر [٤] بما وقع به من [٥] الإِشهاد.
ولهذا [٦] قرأ آخرون (فتذّكر) بالتشديد من التذكار.
ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر.
فقد أبعد و الصحيح الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإِجابة.
وهو قول قتادة والربيع بن أنس.
وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن هاهنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية وقيل -وهو مذهب الجمهور-: المراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة [١] قوله الشهداء والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.
وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب.
وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧٢٧)، والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟
الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها".
فأما الحديث الآخر في الصحيحين (١٧٢٨): " ألا أخبركم بشر الشهداء؟
الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا [٢] ".
وكذا قوله: "ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم".
وفي رواية: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون".
فهؤلاء شهود الزور.
وقد روي عن ابن عباس والحسن البصىري أنها تعم الحالين: التحمل، والأداء.
وقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإِرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا.
أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق علي أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله أي: أعدل.
وأقوم للشهادة، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وأقرب إلي عدم الريبة، بل ترجعون [١] عند التنازع إلي الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.
وقوله: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها.
فأما الإِشهاد على البيع فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل، أو لم يكن [فيه أجل] [٢]، فأشهدوا على حقكم على كل حال.
قال: وروي عن جابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، والضحاك نحو ذلك.
وقال الشعبي، والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
وهذا الأمر محمول عند الجمهور علي الإِرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل علي ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد (١٧٢٩): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب عن الزهري، حدّثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي- ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته.
فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: "أو ليس قد ابعته منك؟
" قال الأعرابي: لا والله ما بعتك.
فقال النبي ﷺ: "بل قد ابتعته منك".
فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك.
فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك!
إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا.
حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك.
قال خزيمة: أنا أشهد أنك [١] قد بايعته.
فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بمَ تشهد؟
" فقال: بتصديقك يا رسول الله.
فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب، والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، كلاهما عن الزهري به نحوه.
ولكن الاحتياط هو الإِشهاد، لما رواه الإِمامان: الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه (١٧٣٠)، من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﵌، قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشْهِدْ".
ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط الشيخين.
قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإِسناد: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملى، ويشهد هذا بخلاف مما سمع أو يكتمها بالكلية.
وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما.
وقيل: معناه لا يضر بهما، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن حفص- حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة.
فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا.
فليس له أن يضارهما.
ثم قال: وروي عن عكرمة، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطية، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه [٢].
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور، ومصالحها، وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.
* ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ يكتب لكم.
قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا [١] قرطاسًا، أو دواة، أو قلمًا ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة، أي [٢]: في يد صاحب الحق.
وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي، والجمهور.
واستدل بها آخرون على أنه لابدّ أن [٣] يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وذهب إليه طائفة.
واستدل آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعًا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس (١٧٣١)، أن رسول الله ﷺ تُوفِّي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله.
وفي رواية: من يهود المدينة (١٧٣٢).
وفي رواية الشافعي: عند أبي الشحم اليهودي (١٧٣٣).
وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: هذه نَسَخَتْ ما قبلها.
وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا.
وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٧٣٤) وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه".
وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها.
قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك.
ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال السدي: يعني فاجر قلبه.
وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض؛ وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر، ولا السرائر، والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ والآيات في هذا [١] كثيرة جدًّا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃ وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال الإِمام أحمد (١٧٣٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن -يعني العلاء- عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله، ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله، ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله؛ كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت [١] عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله ﷺ: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟
بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما [أقرّ بها] [٢] القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾.
فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله [٣]: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره [٤].
ورواه مسلم [] [٥] متفردًا [٦] به (١٧٣٦) من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله، ولفظه: فلما [٧] فعلوا ذلك [٨] نسخها الله فأنزل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم.
(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإِمام أحمد (١٧٣٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء قال: فقال رسول الله ﷺ: "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا" فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع به وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت.
(طريق أخرى) عن ابن عباس قال الإِمام أحمد (١٧٣٨): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد؛ قال: دخلت على ابن عباس، ففلت: يا أبا عباس؛ كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أيَّة آية؟
قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين [١] أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني وقالوا: يا رسول الله هلكنا!
إنا كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: "قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا [٢]: سمعنا وأطعنا، قال فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.
(طريق أخرى) عنه قال ابن جرير (١٧٣٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله ابن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ] [١]﴾.
الآية.
فقال والله لئن واخذنا [٢] الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع [٣] نشيجه.
قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن؛ لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله ابن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة.
قال ابن عباس: فكانت هذه للوسوسة [٤] مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
(طريق أخرى) قال ابن جرير (١٧٤٠): حدّثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ: ﴿وَإِنْ [٥] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾.
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس (*).
وقد ثبت عن ابن عمر، كما ثبت عن ابن عباس.
قال البخاري (١٧٤١): حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ [٦] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها.
وهكذا روي عن علي وابن مسعود، وكعب الأحبار والشعبي، والنخعي ومحمد بن كعب القرظي، وعكرمة [٧] وسعيد بن جبير وقتادة: أنها منسوخة بالتي بعدها.
وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة (١٧٤٢) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: ["إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل".
وفي الصحيحين (١٧٤٣) من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ] [١]: "قال الله: إذا هم عبدي [٢] بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا".
لفظ مسلم.
وهو في أفراده (١٧٤٤) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له [٣] عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة".
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه [٤]، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال [] [٥]: "قال الله: إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا [٦] عملها فأنا أكتبها له بمثلها".
وقال رسول الله ﷺ: "قالت الملائكة: رب، ذاك [٧] عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما [٨] تركها من جراي".
وقال رسول الله ﷺ (١٧٤٥): " إذا أحسن [٩] أحدكم إسلامه [١٠] فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له [١] بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿".
تفرّد به مسلم (١٧٤٦)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، بهذا السياق واللفظ.
وبعضه في صحيح البخاري.
وقال مسلم أيضًا (١٧٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنةٍ فعملها كتبت له عشرًا [٢] إلى سبعمائة ضعف، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت".
تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب.
و [قال مسلم أيضًا (١٧٤٨)] [٣]: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد -أبي [٤] عثمان- حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له [٥] عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها [كتبها الله عنده حسنة كاملة] [٦]، فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده [٧] سيئة واحدة".
ثم رواه مسلم (١٧٤٩)، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان، في هذا الإِسناد بمعنى حديث عبد الوارث [٨]، وزاد: "ومحاهما الله، ولا يهلك على الله إلا هالك".
وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١٧٥٠)؛ قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوه، فقالوا [١]: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به.
قال: "وقد وجدتموه؟
" قالوا: نعم.
قال: "ذاك صريح الإِيمان".
لفظ مسلم.
وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ به.
وروى مسلم (١٧٥١) أيضًا [٢] من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة.
قال: "تلك صريح الإِيمان".
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأمّا [٣] المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول يخبركم، وأمّا أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: من الشك والنفاق.
وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبًا من هذا.
وروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك نحوه.
وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة [٤] لم تنسخ.
واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلًا [٥] (١٧٥٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام [٦]، (خ) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن [٧] علية، حدثنا [] [٨] هشام، قالا جميعًا في حديثهما [٩]؛ عن قتادة، عن صفوان بن محرز [١٠]، قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ عرض له رجل، فقال: يا بن عمر؛ ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟
قال [١]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدنو المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له [٢]: هل تعرف كذا؟
فيقول: رب أعرف (*) -مرتين- حتى إذا بلغ به [٣] ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا [٤] أغفرها لك اليوم.
قال: فيعطى صحيفة حسناته -أو كتابه- بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما (١٧٥٣) من طرق متعددة عن قتادة به.
وقال ابن أبي حاتم (١٧٥٤): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمَّى والنكبة والبضاعة يضعها في يد كمه فيفتقدها [٥] فيفزع لها ثم يجدها في ضِبْنِه (**) [٦]، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر [من الكبِر] [٧].
وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة، به (١٧٥٥).
وقال الترمذي: غريب [٨] لا نعرفه إلا من حديثه.
(قلت): وشيخه علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه، أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما!] (الحديث الأوّل) قال البخاري (١٧٥٦): حدثنا محمد بن كثير، أخبربا شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي [١] مسعود، عن النبي ﷺ؛ قال: "من قرأ بالآيتين".
وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي [٢] مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ بالآيتين- من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه".
وقد أخرجه بقية الجماعة من طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله (١٧٥٧).
وهو في الصحيحين (١٧٥٨) من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عنه به.
وهو في الصحيحين أيضًا (١٧٥٩) عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن أبي [١] مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به.
وهكذا رواه أحمد بن حنبل (١٧٦٠): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن أبي [٢] مسعود، عن النبي ﷺ؛ قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته [٣] كفتاه".
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد (١٧٦١): حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحرّ، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي".
وقد رواه ابن مردويه، من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش" (١٧٦٢).
(الحديث الثالث) قال مسلم (١٧٦٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير، وزهير بن حرب، جميعًا عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرّة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى -وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط [به] [٤]، من فوقها فيقبض منها- قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال: فراش من ذهب.
قال: وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات [٥].
(الحديث الرابع) قال أحمد (١٧٦٤): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن [مرثد بن عبد الله اليزني] [١]، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما [٢]، من تحت العرش" هذا إسناد حسن، ولم يخرجوه في كتبهم.
(الحديث الخامس) قال ابن مردريه (١٧٦٥): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، [أخبرنا مسدد، أخبرنا] [٣]، أبو [٤] عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعطها أحد قبلي ولا يعطاها أحد بعدي".
ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند، عن ربعي، عن حذيفة بنحوه.
(الحديث السادس) قال ابن مردويه (١٧٦٦): حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن حاتم بن بزيع [٥]، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي؛ قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ [آية الكرسي و] [٦] خواتيم سورة البقوة؛ فإنها كنز أعطه نبيكم ﷺ من تحت العرش.
ورواه وكيع [في تفسيره] [٧]، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو الخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدًا يعقل بلغه الإسلامُ ينامُ حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيمَ سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش.
(الحدث السابع) قال أبو عيسى الترمذي (١٧٦٧): حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجَرمي [١]، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ؛ قال: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا [يقرآن] [٢] في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان".
ثم قال: هذا حديث غريب [٣].
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(الحديث الثامن) قال السنن مردويه (١٧٦٨): حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين [٤]، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا أبي أبي [٥] مريم، حدّثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ آخر سورة البقرة و [٦] آية الكرسي ضحك وقال: "إنهما من كنز الرحمن تحت العرش".
وإذا قرأ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ استرجع واستكان.
(الحديث التاسع) قال ابن مردويه (١٧٦٩): حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدَّثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبيد [٧] الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة".
(الحديث العاشر) قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ [.
.] [٨] وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط.
قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال له [٩]: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما [١] إلا أوتيته.
رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظه (١٧٧٠).
فقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك.
قال ابن جرير (١٧٧١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال لما نزلت عليه [٢] هذه الآية: "وحق لي أن يؤمن".
وقد روى الحاكم في مستدركه (١٧٧٢)، حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي [٣]، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ: "حق له أن يؤمن" ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿الرَّسُولُ﴾، ثم أخبر عن الجميع فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأنّ الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه.
ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض وكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سُئل [٤] الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين.
وقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه.
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ سؤال للمغفرة [٥] والرحمة واللطف.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليك المرجع والمآب يوم [] [١] الحساب.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن [٢] بيان، عن حكيم، عن جابر، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه.
فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الآية.
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: وهو [٣]، وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثِها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإِيمان.
وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شر.
وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.
ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: إن [٤] تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، أو أخطأنا -أي- الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي.
وقد تقدم في صحيح مسلم [من حديث] [٥] أبي هريرة [٦] []: "قال الله: نعم".
ولحديث ابن عباس، قال الله: "قد فعلت".
وروى ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه (١٧٧٣) من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء، قال ابن ماجة في روايته عن ابن عباس.
وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله وضع عن أمتي الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وقد روي من طرق أخر، وأعله [١] أحمد، وأبو حاتم (١٧٧٤)، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (١٧٧٥): حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي [عن ثلاث] [٢] عن الخطأ والنسيان والاستكراه".
قال أبو بكر: فذكرت ذلك لحسن، فقال: أجل أما تقرأ [٣] بذلك قرآنًا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال، والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: نعم".
وعن ابن عباس (١٧٧٦) عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: قد فعلت".
وجاء في [٤] الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة".
وقوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: من التكليف، والمصائب، والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به.
وقد قال مكحول في قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: العُزْبة [١] والغلمة.
رواه ابن أبي حاتم.
قال الله: نعم.
وفي الحديث الآخر قال الله: قد فعلت.
وقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: فيما بيننا وبينك، مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿واغفر لنا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وارحمنا﴾ أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب [٢] محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره من [٣] عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.
وقد تقدّم في الحديث أن الله قال: نعم.
وفي الحديث الآخر قال الله: قد فعلت.
وقوله ﴿أنت مولانا﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول [] ولا قوة لنا إلا بك ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، [ورسالة نبيك] [٤] وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة.
قال الله: نعم.
وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس قال الله: قد فعلت.
وقال ابن جرير (١٧٧٧): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذًا ﵁ كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: آمين.
ورواه وكيع، عن سفيان، [عن في إسحاق] [٥]، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين.
[آخر تفسير سورة البقرة ولله -تعالى- الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة، وحسبنا الله ونعم الوكيل] [٦]، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد] [٧].
* * * انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه المجلد الثاني ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث وأوله تفسير سورة آل عمران