الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الحج
تفسيرُ سورةِ الحج كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 152 دقيقة قراءة[تفسير سورة الحج وهي مدنية] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده بتقواه، ومخبرًا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها.
وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصات القيامة؟
أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟
كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة.
وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾.
قال: قبل الساعة.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فذكره.
قال: ورُوي عن الشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، نحو ذلك.
وقال أبو كدينة عن عطاء، عن عامر الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية.
قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.
وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير (٢) مُسْتَنَدَ مَنْ قال ذلك في حديث الصُّور، من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر".
قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟
قال: "قَرْن".
قال: فكيف هو؟
قال: "قرن عظيم، ينفخ فيه [١] ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعْق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع.
فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يَفْتُر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فَيُسَيِّر الله الجبال فتكون سرابًا، وتُرَجّ الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فتكون الأرض كالسفينة الموبَقَة [٢] في البحر تضربها الأمواج تكفؤها [٣] بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت [٤] الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وخُسِفَ قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كُشِطت عنهم".
قال رسول الله، ﷺ: "والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك".
قال أبو هريرة: ثم [٥] استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال: "أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله [٦]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ".
وهذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير (٣)، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولًا جدًّا، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، وأضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو [١] ذلك، والله أعلم.
وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع، وزلزال وبَلبال، كائن يوم القيامة في العَرَصات، بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: الأول: قال الإمام أحمد (٤): حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن رسول الله، ﷺ، قال وهو في بعض أسفاره، وقد [تفاوت بين أصحابه السير] [٢]، رفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
فلما سمع أصحابه بذلك حَثّوا المطيّ، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما تأشّبوا [٣] حوله قال: "أتدرون أي يوم ذاك [٤]؟
ذاك يوم يُنادَى آدم ﵇ فيناديه ربه ﷿ فيقول: يا آدم، ابعث بعثك إلى النار.
فيقول: يا رب؛ وما بعث النار؟
فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة".
قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: "أبشروا واعملوا [٥]، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلّا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس".
قال: فسري عنهم ثم قال: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلّا كان كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة (*) في ذراع الدابة".
وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، عن محمد بن بشار، عن يحيى -وهو القطان- عن هشام -وهو الدستوائي- عن قتادة، به بنحوه.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(طريق أخرى لهذا الحديث) قال [١] الترمذي (٥): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
قال: أنزلت عليه هذه [٢]، الآية وهو في سفر، فقال: "أتدرون أي يوم ذلك؟
" فقالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار.
قال: يا رب، وما بعث النار؟
قال: تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى [٣] الجنة!
".
فأنشأ المسلمون ليكون، فقال رسول الله، ﷺ: "قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية".
قال: "فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير".
ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة".
فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة".
فكبروا ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة".
فكبروا، قال: ولا أدري أقال الثلثين أم لا.
وكذا رواه الإمام أحمد (٦) عن سفيان بن عيينة به.
ثم قال الترمذي أيضًا: هذا حديث حسن [١] صحيح.
وقد روي عن [سعيد بن أبي] [٢] عروبة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين.
وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي، عن عمران بن الحصين، فذكره.
وهكذا روى ابن جرير (٧) عن بندار، عن غندر، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله، ﷺ لما قفل من غزوة العسرة [٣] ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ وذكر الحديث، فذكر [٤] نحو سياق ابن جدعان، فالله أعلم.
(الحديث الثاني) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع حدثنا أبو [٥] سفيان المعمري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: نزلت: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ … وذكر، يعني: نحو سياق الحسن عن عمران، غير أنه قال: "ومن هلك من كفرة الجن والإنس"، ورواه ابن جرير (٨) بطوله من حديث معمر به [٦].
(الحديث الثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني ابن العوام- حدثنا هلال بن خَبَّاب [٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: تلا رسول الله، ﷺ، هذه الآية … فذكر نحوه، وقال فيه: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة".
ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة".
ففرحوا، وزاد أيضًا: "وإنما أنتم جزء من ألف جزء".
(الحديث الرابع) قال البخاري (٩) عند هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ: "يقول الله تعالى يوم القيامة: آدم؛ فيقول: لبيك ربنا وسعديك.
فينادَى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار.
قال: يا رب؛ وما بعث النار؟
قال: من كل ألف" -أراه قال: "تسعمائة وتسعة وتسعين"- "فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ".
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم.
قال النبي ﷺ: "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون [١] ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة".
فكبرنا، ثم قال: "ثلث أهل الجنة".
فكبرنا، ثم قال: "شطر أهل الجنة".
فكبرنا.
وقد رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع (١٠)، ومسلم، والنسائي في تفسيره، من طرق، عن الأعمش، به.
(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد (١١): حدثنا عمار [٢] بن محمد -ابن أخت سفيان الثوري- وعبيدة -المعنى- كلاهما عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي [٣]: يا آدم؛ إن الله، يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار.
فيقول آدم: يا رب؛ من هم؟
فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعين،.
فقال رجل [من القوم] [٤]: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟!
قال: "هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشَّامَة في صدر البعير".
[انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد] [١] ".
(الحديث السادس) قال الإمام أحمد (١٢): حدثنا يحيى، عن حاتم بن أبي صغِيرَةَ، حدثنا ابن أبي مليكة؛ أن القاسم بن محمد أخبره، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، قال: "إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلًا".
قالت عائشة: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟
قال: "يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك" أخرجاه في الصحيحين.
(الحديث السابع) قال الإمام أحمد (١٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة؛ قالت: قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟
قال: "يا عائشة؛ أما عند ثلاث فلا: أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب فإما يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عُنُقٌ من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وُكِّلت بثلاثة، وكّلت بثلاثة، وكّلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلهًا آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد".
قال: "فينطوي عليهم، ويرميهم في غمرات، ولجهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحَسك يأخذن من شاء الله، والناس عليه كالطَّرْف وكالبرق [٢] وكالريح، وكأجاويد الخيل والرّكاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم.
فناج مُسلَّم، ومخدوش مسلَّم، ومُكَوّر في النار على وجهه".
والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار [٣] كثيرة جدًّا، لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: أمر كبير، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب.
والزلزال هو: ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾.
هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرًا له: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾.
أي: تشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه، تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾، ولم يقل: مرضع.
وقال: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أي: عن رضيعها قبل فطامه.
وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾.
أي: قبل تمامه لشدة الهول، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ وقرئ ﴿سكرَى﴾ (*)، أي: من شدة الأمر الذي صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ يقول تعالى ذامًّا لمن كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضًا عما أنزل الله على أنبيائه، متبعًا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد، من الإنس والجن، وهذا حال أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون [١] أقوال رءوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾.
أي: علم صحيح، ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيهِ﴾ قال مجاهد: يعني الشيطان، يعني: كتب عليه كتابة قدرية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾.
أي: اتبعه وقلده ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
أي: يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير: وهو الحار المؤلم المقلق المزعج.
وقد قال السديّ، عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وكذلك قال ابن جريج.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سلم [١] البصري، حدثنا عمرو بن [المحرم أبو] [٢] قتادة، حدثنا المعمر، حدثنا أبو كعب المكي؛ قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم، من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟
فقعقعت السماء قعقعة -والقعقعة في كلام العرب: الرعد- فإذا قحفُ رأسه ساقط بين يديه.
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟
من دُرٍّ أم من ياقوت؟
قال: فجاءت صاعقة فأخذته.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ لما ذكر تعالى المخالف للبعث، المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ﴾.
أي: في شك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾، وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة، ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، أي: أصل بَرْئه [٣] لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾.
وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يومًا كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث [٤] كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير ﴿مُضْغَةٍ﴾: قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكل [١] والتخطيط، فيصور منها رأس ويدان، وصدر وبطن، وفخذان ورجلان، وسائر الأعضاء.
فتارة تسقطها المرأة قبل التشكل [٢] والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.
أي: كما تشاهدونها، ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.
قال: هو [٣] السقط [٤] مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل الله تعالى إليها ملكًا فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء الله ﷿ من حسن وقبيح [٥]، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين (١٤) من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود؛ قال: حدثنا رسول الله، ﷺ، وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات؛ بكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (١٥) من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله؛ قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها [٦] مَلَك بكفه، قال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قيل: غير مخلقة.
لم تكن نَسَمة، وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة.
قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟
شقي أو سعيد، ما الأجل؟
وما الأثر؟
وبأيّ أرض يموت؟
قال: فيقال للنطفة: من ربك؟
فتقول: الله.
فيقال: من رازقك؟
فتقول: الله.
فيقال له: اذهب إلى أم [٧] الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة.
قال: فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ [٨] أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان [٩].
ثم تلا عامر الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.
فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق [الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق] [١].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد يبلغ به [] [٢] النبي، ﷺ، قال: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين يومًا [٣] أو خمس وأربعين، فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟
فيقول الله، ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟
فيقول الله، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره، ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص".
ورواه [٤] مسلم (١٦) من حديث سفيان بن عيينة ومن طرق أخرَ عن أبي الطفيل بنحو معناه.
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾.
أي: ضعيفًا في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، وبطشه وعقله.
ثم يعطيه الله القوة شيئًا فشيئًا، ويلطف به، ويحنّن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار.
ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾، أي: يتكامل القويّ ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾، أي: في حال شبابه وقواه، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر﴾، وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف [٥] وضعف الفكر، ولهذا قال: ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
وقد قال الحافظ [أبو يعلى] [٦] أحمد بن عليّ بن المثنى الموصلي في مسنده (١٧): حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعمَر بن حَزم الأنصاري، عن أنس بن مالك -رفع الحديث- قال: "المولود حتى يبلغ الحنث، ما عمل من حسنة كتبت لوالده أو لوالدته، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث أجرى [٧] الله عليه القلم [٨]، أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا، وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفَّفَ الله حسابه.
فإذا بلغ الستين [١] رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسنَاته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾، كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه".
هذا حديث غريب جدًّا، وفيه نكارة شديدة، ومع هذا فقد [٢] رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (١٨) موقوفًا ومرفوعًا.
فقال [٣]: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر، عن محمد بن عبد الله العامري [٤]، عن عمرو بن جعفر، عن أنس قال: إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة أمنه الله من أنواع البلايا، من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين لين الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله، وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته، ومحا عنه سيئاته، وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض، وشفع في أهله.
ثم قال: حدثنا هاشم [٥]، حدثنا الفرج [٦]، حدثني [محمد بن عبد الله] [٧] [العامري، عن محمد بن عبد الله] [٨] بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ، مثله.
ورواه الإمام أحمد (١٩) أيضًا: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي بردة [١] الأنصاري، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من معمر يعمر في الأسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص".
وذكر تمام الحديث كما تقدم سواء.
ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الله بن شبيب، عن أبي شيبة، عن عبد الله بن عبد الملك، عن أبي قتادة العُذْري، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة لين الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة غفر الله له [٢] ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسُمي أسير الله، وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته، وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه، وشفع في أهل بيته".
وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي القحلة التي لا نبت فيها ولا شيء.
وقال [٣] قتادة: غبراء متهشمة [٤].
وقال السدي: ميتة.
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: فإذا أنزل الله عليها المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾، أي: تحركت بالنبات، فحييت [١] بعد موتها، ﴿وَرَبَتْ﴾، أي: ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون، من ثمار وزروع، وأشتات النباتات في [اختلاف ألوانها] [٢] وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: أحسن المنظر [٣] طيب الريح.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾.
أي: الخالق المدبر الفعال لما يشاء، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
[أي: كما أحيا الأرض الميتة، وأنبت منها هذه الأنواع؛ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى] [٤] إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ في ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا﴾، أي: كائنة [٥] لا شك فيها ولا مرية، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور﴾.
أي: يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رِممًا [٦]، وورجدهم بعد العدم، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ … [والآيات في هذا كثيرة] [٧].
وقال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا يزيد [٨]، حدثنا حماد بن سلمة، قال [٩]: أنبأنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس [١٠]، عن عمه أبي رزين العقيلي [١١]-واسمه لقيط بن عامر- أنه قال: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه ﷿ يوم القيامة؟
وما آية ذلك في خلقه؟
فقال رسول الله ﷺ: "أليس كلكم ينظر إلى القمر مُخْليًا به؟
".
قلنا: بلى.
قال: "فالله أعظم".
[قال: قلت:] [١] يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟
وما آية ذلك في خلقه؟
قال: "أما مررت بوادي أهلك ممحلًا [٢]؟
".
قال: بلى قال [٣]: "ثم مررت به يهتز خَضرًا؟
".
قلت [٤]: بلى.
قال: "فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه".
ورواه أبو داود وابن ماجه من [٥] حديث حمَّاد بن سلمة به.
ثم رواه الإمام أحمد (٢١) أيضًا: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟
قال: "أمررت بأرض من أرضك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟
".
قال: نعم.
قال: "كذلك النشور".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيس [٦] بن مرحوم، حدثنا بكير بن [أبي] [٧] السميط، عن قتادة، عن أبي الحجاج، عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ لما ذكر تعالى حال الضلَّال الجهال المقلدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾.
ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفر والبدع، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
أي: بلا عقل صحيح [١]، ولا نقل صحيح صريح، بل لمجرد [٢] الرأي والهوى.
وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾.
قال ابن عباس وغيره: مستكبر عن الحق إذا دعي إليه.
وقال مجاهد، وقتادة، ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾، أي: لاويَ عنقه، وهي رقبته.
يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق، [ويثني] [٣] رقبته استكبارا، كقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَال سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾] [٤].
وقال [٥] لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: تميله عنهم امتكبارًا عليهم.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا [كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا] [٦] فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ".
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يقصد ذلك.
ويحتمل أن تكون لام التعليل.
ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين [٧]، أو يكون المراد بها أن هذا [٨] الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الذي يجعله ممن ضل عن سبيل الله.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾، وهو الإهانة والذل، كما أنه لما [٩] استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾.
أي: يقال له هذا تقريعًا وتوبيخًا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام، عن الحسن، قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾: على شك [١].
وقال غيرهم: على طرف.
ومنه حرف [٢] الجبل، أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر، والا انشمر.
وقال البخاري (٢٢): حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرئيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإذ [٣] ولدت امرأته غلامًا، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح.
وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق القمّي، عن جعفر بين أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي، ﷺ، فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح، فتمسَّكُوا به، وإن وجدوا عام جُدوبة، وعام ولاد سَوء، وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير.
فأنزل الله على نبيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة [وهي أرض وبيئة] [٤]، فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرًا حسنا، وولدت امرأته غلامًا، رضي به واطمأن إليه [١]، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرًا، وإن أصابته فتنة -والفتنة: البلاء-[أي: و] [٢] إن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرًّا.
وذلك الفتنة.
وهكذا ذكر قتادة، والضحاك، وابن جريج وغير واحد من السلف، في تفسير هذه الآية.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب، فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا [٣] أصابته فتنة أو شدة أو اختبار [٤] أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر.
وقال مجاهد في قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتد كافرًا.
وقول: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾، أي: هذه هي الخسارة العظيمة، والصفقة الخاسرة.
وقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ قال مجاهد: يعني الوثن، يعني: بئس هذا الذي دعا به من دون الله مولًى، يعني وليًّا وناصرًا، ﴿وَلَبِئْسَ [٥] الْعَشِيرُ﴾، وهو المخالط والمعاشر.
واختار ابن جرير أن المراد: لبئس ابن العم والصاحب من يعبد الله على حرف: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾.
وقول مجاهد: أن المراد به الوثن -أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء، من الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، [وتركوا المنكرات] [١]، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات، في روضات الجنات.
ولما [ذكر تعالى] [٢] أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر [٣] الله محمدًا، ﷺ، في الدنيا والآخرة، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾، أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: سماء بيته، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، يقول: ثم ليختنق به.
وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وأبو [٤] الجوزاء، وقتادة، وغيرهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: ليتوصل إلي بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمدًا من السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه، أن قدر على ذلك.
وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى، وأبلغ في التهكم؛ فإن المعنى: من كان [٥] يظن [٦] أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ولهذا قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
قال السدي: يعني من شأن محمد [٧]، ﷺ.
وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من غيظ [٨].
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي: القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾، أي: يضل من يشاء، ويهدى من يشاء، وله الحكمة التامة، وله الحجة القاطعة في ذلك، و [١] ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أما هو فلحكمته [٢] ووحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود و [٣] الصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة التعريفَ بهم واختلافَ الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا، فعبدوا [غير الله معه] [٤]؛ فإنه تعالى: ﴿يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به إلى [٥] النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تُكِنّ ضمائرهم.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا، وسجود [كل شيء مما] [٦] يختص به، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: من الملائكة في أقطار السماوات، والحيوانات في جميع الجهات؛ من الإنس والجن والدواب والطير، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾، وإنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنَّها تسجد لخالقها، وأنَّها مربوبة مسخرة، ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وفي الصحيحين (٢٣) عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "أتدري أين تذهب هذه الشمس؟
" قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت".
وفي المسند (٢٤) وسنن أبي داود والنَّسائي وابن ماجة في حديث الكسوف: "إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ﷿ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له".
وقال أَبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتَّى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتَّى يرجع إلى مطلعه.
وأما الجبال والشجر فسجودها [١] بفيء ظلالها [٢] عن اليمين والشمائل.
وعن ابن عبَّاس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ إني رأيتني [٣] الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجَدتُ فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها [وهي] [٤] تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخزًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود.
قال ابن عبَّاس: فقرأ رسول الله، ﵌، سجدة، ثم سجد، فسمعته [وهو] [١] يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.
رواه التِّرمِذي (٢٥) وابن ماجة وابن حبان في صحيحه.
وقوله: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾، أي: الحيوانات كلها.
وقد جاء في الحديث عند [٢] الإمام أحمد (٢٦): أن رسول الله، ﷺ، نهى [عن اتخاذ ظهور الدواب] [٣] منابر" فرب مركوبة خير وأكثر ذكرًا لله من راكبها.
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يسجد [١] لله طوعًا مختارًا متعبدًا بذلك، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ الْعَذَابُ﴾، أي: ممن امتنع وأبى واستكبر، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٢٧): حدَّثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدَّثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ؛ قال: قيل لعليّ: إن هاهنا رجلًا [٢] يتكلم في المشيئة.
فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء أو كما [٣] شئت؟
قال: [بل كما شاء.
قال] [٤]: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت" قال: بل إذا شاء.
قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟
[قال: بل إذا شاء] [٥].
قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟
قال: بل حيث يشاء.
قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.
وعن [٦] أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله!
أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنَّة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" رواه مسلم (٢٨).
وقال الإمام أحمد (٢٩): حدَّثنا أَبو سعيد مولى بنى هاشم، وأَبو عبد الرحمن المقرئ؛ قالا: حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا مشْرح بن هاعان أَبو مصعب المعافري، قال: سمعت عقبة بن عامر، يقول: قلت: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟
قال: "نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما".
ورواه أَبو داود (٣٠) والتِّرمِذي من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقال التِّرمِذي: ليس بقوي.
وفي هذا نظر؛ فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع، وأكثر [١] ما نقموا عليه تدليسه.
وقد قال أَبو داود في المراسيل (٣١): حدَّثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنبأنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن عامر بن جشيب [٢]، عن خالد بن معدان؛ أن رسول الله، ﷺ، قال: "فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين".
ثم قال أَبو داود: وقد أسند هذا - يعني من غير هذا الوجه - ولا يصح.
وقال الحافظ أَبو بكر الإسماعيلي: حدثني ابن أبي داود، حدَّثنا يزيد بن عبد الله، حدَّثنا الوليد، حدَّثنا أَبو عمرو، حدَّثنا حفص بن عنان [٣]، حدثني نافع، حدثني أَبو الجهم؛ أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية.
وقال: أن هذه فضلت بسجدتين.
وروى أَبو داود (٣٢) وابن ماجة؛ من [٤] حديث الحارث بن [٥] سعيد العتقيّ [٦]، عن عبد الله بن مُنَين، عن عمرو بن العاص؛ أن رسول الله، ﷺ، أقرأه [خمس عشرة] [٧] سجدة في القرآن؛ منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان.
فهذه شواهد يشد بعضها بعضًا.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ ثبت في الصحيحين (٣٣): من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر، أنَّه كان يقسم قسمًا أن هذه الآية [١]: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه [٢]، وعتبة وصاحبيه، يوم برزوا في بدر.
لفظ البخاري عند تفسيرها.
ثم قال البخاري (٣٤): حدَّثنا حجاج بن منهال، حدثنا [٣] المعتمر بن سليمان، [سمعت أبي] [٤] حدَّثنا أَبو مجلز، عن قيس بن عُبَاد، عن عليّ بن أبي طالب أنَّه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.
قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: عليٌّ وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
انفرد به البخاري.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة (٣٥) في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم.
وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم.
فأفلج الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.
وكذا روى العوفي، عن ابن عباس (٣٦).
وقال شعبة: عن قَتَادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: مصدق ومكذب.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٣٧) في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث.
وقال في رواية هو وعطاء (٣٨) في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون.
وقال عكرمة (٣٩): ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هي الجنَّة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة.
وقالت الجنة: اجعلني للرحمة.
وقول [١] مجاهد وعطاء: أن المراد بهذا الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، ﷿، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن؛ ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾، أي: فصلت لهم مقطعات من نار، قال سعيد بن جبير (٤٠): من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾، أي: إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة.
وقال سعيد: هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء.
قاله ابن عبَّاس (٤١) ومجاهد وسعيد بن جبير (٤٢) وغيرهم.
وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عبَّاس وسعيد: تساقط.
وقال [١] ابن جرير (٤٣): حدثني محمد بن المثنى، حدَّثنا إبراهيم أَبو إسحاق الطالقاني، حدَّثنا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد [٢]، عن أبي السمح، عن ابن [٣] حُجَيرة، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: "إن الحميم ليصب على روءسهم، فينفُذ الجمجمةَ حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتَّى يبلغ قدميه، وهو الصهر [٤]، ثم يعاد كما كان" ورواه التِّرمِذي (٤٤): من حديث ابن المبارك، وقال: حسن صحيح.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن [٥] المبارك به.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عليّ بن الحسين، حدَّثنا أحمد بن أبي الحَواري، سمعت عبد الله بن السري؛ قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بِكَلْبَتَين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرَّهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه، فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإِناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، قال الإمام أحمد (٤٥): حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله، ﷺ، قال: "لو أن مقمعًا من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له [٦] الثقلان ما أقلُّوه من الأرض".
وقال الإِمام أحمد (٤٦): حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا ابن لهيعة، عن [٧] دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم عاد كما كان، ولو أن دلوًا من غَسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا".
وقال ابن عباس (٤٧) في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون [١] بالثبور.
وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، قال [٢] الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان (٤٨)؛ قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾.
وقال زيد بن أسلم (٤٩) في هذه الآية: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون.
وقال الفضيل بن عياض (٥٠): والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولًا وفعلًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ لما أخر تعالى عن حال أهل النار -عياذًا بالله من حالهم- وما هم فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار - ذكر حال أهل الجنَّة - نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنَّة - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: تتخَرَّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ في الحلية ﴿مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾، أي: في أيديهم، كما قال النبي، ﷺ، في الحديث المتفق عليه (٥١): " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
وقال كعب الأحبار: إن في الجنَّة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنَّة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قُلْب منها -أي: سوار منها- لرد شعاع الشمس، كما ترد [١] الشمس نور القمر.
وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير؛ إستبرقه وسندسه، كما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ وفي الصحيح (٥٢): " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" قال عبد الله بن الزبير: ومن [٢] لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا﴾ فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، (﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يُرَوَّعون به ويقرعون به، يقال لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم، على ما أحسن إليهم وأنعم له وأسداه إليهم، كما جاء في الصحيح: "إنّهُم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس".
وقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، أي: القرآن.
وقيل: لا إله إلَّا الله.
وقيل: الأذكار المشروعة.
﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، أي: الطَّرِيق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ يقول تعالى منكرًا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه ودعواهم أنهم أولياؤه ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [١] إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي هذه الآية دليل أنَّها مدنية، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ [٢] عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي [٣]: ومن صفتهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين، الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.
وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، [أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعًا سواء، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [١] من ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، [قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.
وقال مجاهد (٥٣): ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [٢]، أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل.
وكذا قال أبو صالح (٥٤)، وعبد الرحمن بن سابط (٥٥)، وعبد الرحمن بن زيد (٥٦).
وقال عبد الرزاق (٥٧)، عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله.
وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضًا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري، عن عليِّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد؛ قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟
فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟
" ثم قال: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر".
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (٥٨)، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارًا بمكة فجعلها سجنًا، بأربعة آلاف درهم.
وبه قال طاووس وعمرو ابن دينار.
وذهب إسحاق بن راهَويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر.
وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجة (٥٩)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نَضْلة قال: توفي [١] رسول الله، ﷺ، وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا [السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن] [٢].
وقال عبد الرزاق (٦٠): عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها [٣].
وقال أيضًا (٦١)، عن ابن جريج: "كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم.
وأخبرني أن عمر بن الخطاب] [٤] كان ينهى أن [تبوب دور] [٥] مكة؛ لأن ينزل الحاج في عَرَصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل [٦] بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين، إني كنت امرأ تاجرًا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري قال: فذلك إذًا.
وقال عبد الرزاق (٦٢)، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد؛ أن عمر بن الخطاب، قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابًا، لينزل البادي حيث يشاء.
[قال (٦٣): وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال: ينزلون حيث شاءوا.
وروى الدارقطني (٦٤) من حديث ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا: من أكل كراء بيوت مكة أكل نارًا] [١].
وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر، جمعًا بين الأدلة، والله أ علم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء هاهنا زائدة، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي: تنبت الدهن، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ تقديره: إلحادًا، وكما قال الأعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا … بين المراجل والصريح الأجرد [٢] وقال الآخر: بواد يمان ينبت الشّث [٣] صَدْره … وأسفله بالمرْخ والشَّبَهان [٤] والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى [٥]: يهم؛ ولهذا عدَّاه بالباء، فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾، أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار.
وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال [ابن جريح] [٦] عن ابن عباس (٦٥): هو التعمد [٧].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٦٦): ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك.
وقال مجاهد (٦٧): أن يعبد فيه غير الله.
وكذا قال قتادة (٦٨) وغير واحد.
وقال العوفي، عن ابن عباس (٦٩): ﴿بِظُلْمٍ﴾: هو أن تستحل من [١] الحرام ما حرم الله عليك من لسان، أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا [٢] فعل ذلك فقد وجب العذاب الأليم.
وقال مجاهد (٧٠): ﴿بِظُلْمٍ﴾، يعمل فيه عملًا سيئًا [٣].
وهذا من خصوصية الحرم: أنه يعاقَب البادي فيه الشر، إذا كان عازمًا عليه، وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم (٧١) في تفسيره: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السدي، أنه سمع مُرَّة [٤] يحدث عن عبد الله -يعني ابن مسعود- في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، قال: لو أن رجلًا أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعدن أبين [٥] أذاقه الله من العذاب الأليم.
قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم.
قال يزيد: هو قد رفعه.
ورواه أحمد (٧٢)، عن يزيد بن هارون، به.
[قلت: هذا الإسناد] [٦] صحيح على شرط البخاري، ووقفه [٧] أشبه من رفعه؛ ولهذا صمم شعبة على وقفه [٨] من كلام ابن مسعود.
وكذلك رواه أسباط، وسفيان الثوري، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا [٩] والله أعلم.
وقال الثوري [١] عن السدي، عن مرة، عن عبد الله قال (٧٣): ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلًا بعدن أبين [٢] همَّ [أن يقتل] [٣] رجلًا بهذا البيت لأذاقه [الله من العذاب الأليم] [٤].
وكذا قال الضحاك بن مزاحم.
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: "إلحاد فيه" لا والله، وبلى والله، وروى عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله (٧٤).
وقال سعيد بن جبير (٧٥): شتم الخادم ظلم فما [٥] فوقه.
وقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن [٦] مهران، عن ابن عباس (٧٦) في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، [قال] [٧]: [تجارة] [٨]، الأمير فيه.
وعن ابن عمر (٧٧): بيع الطعام إلحاد.
وقال حبيب [١] بن أبي ثابت (٧٨): ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، قال: المحتكر بمكة.
وكذا قال غير واحد.
وقال ابن أبي حاتم (٧٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان [٢]، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية، أن رسول الله، ﷺ، قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى [٣] بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير؛ قال: قال ابن عباس في قول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله، ﷺ، بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم [٤] هرب إلى مكة، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني: بميل عن الإسلام.
وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإِلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما همَّ أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أي: دمَّرهم وجعلهم عبرة ونكالًا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله، ﷺ، قال: "يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسف بأولهم وآخرهم" الحديث.
وقال الإمام أحمد (٨٠): حدثنا محمد بن كناسة، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إياك والإِلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت".
فانظر لا [تكن هو] [١].
وقال أيضًا (٨١): حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا سعيد بن عمرو؛ قال: أتى [عبدُ الله بن عمرو عبدَ الله بن الزبير] [٢]، وهو جالس في الحجر فقال: يابن الزبير، إياك والإلحاد في الحرم!
فإني أشهد [٣] لسمعت رسول الله، ﷺ، يقول [٤]: "يحلها ويحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها".
قال: فانظر لا تكن هو.
لم [٥] يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد [٦] غير الله وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه.
واستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله، كما ثبت في الصحيح (٨٢) عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أولُ؟
قال: "المسجد الحرام".
قلت: ثم أي؟
قال: "بيت المقدس".
قلت: كم بينهما؟
قال: "أربعون سنة" وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾، أي: ابنه على اسمي وحدي، ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ﴾، قال قتادة (٨٣) ومجاهد (٨٤): من الشرك، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، ﴿الْقَائِمِينَ﴾، أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما [١] لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أي: ناد في الناس داعيًا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك [٢] ببنائه، فذكر أنه قال: يارب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟
فقال [٣]: ناد وعلينا البلاغ.
فقام على مقامه -وقيل: على الحجر.
وقيل: على الصفا.
وقيل: على أبي قبيس- وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد [٤] اتخذ بيتًا فحجوه.
فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، و [من] [٥] كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
هذا مضمون ما روي عن ابن عباس (٨٥).
ومجاهد (٨٦) وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من [١] السلف، والله أعلم.
أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة [٢].
وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا، لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم.
[وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما آسي علي شيء، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾] [٣].
والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله، ﷺ، فإنه حج راكبًا مع كمال قوّته، ﵇.
وقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يعني: طريق [٤]، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾.
وقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾ أي: بعيد.
قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان والثوري وغير واحد.
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾، فليس أحد من أهل الإِسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ قال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما [١] يصيبون من منافع البُدْن والربح والتجارات.
وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] [٢] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، قال شعبة [وهشيم عن أبي بشر، عن سعيد] [٣]، عن ابن عباس (٨٧)، ﵄ الأيام المعلومات: أيام العشر.
وعلقه البخاري عنه بصيغة [الجزم به] [٤]، ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري ومجاهد (٨٨) وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل.
وقال البخاري (٨٩): حدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه".
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء [١] ".
ورواه الإمام أحمد (٩٠)، وأبو داود (٩١)، والترمذي (٩٢)، وابن ماجة (٩٣)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر.
قلت: وقد تقصيت هذه الطرق وأفردت لها جزءًا على حدته.
فمن ذلك ما قال الإمام أحمد (٩٤): حدثنا عفان، أنبأنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن، [من هذه الأيام] [٢] العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".
وروي من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر، بنحوه.
وقال البخاري (٩٥): وكان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق [٣] في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
وقد روى أحمد (٩٦) عن جابر مرفوعًا، أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.
وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ وفي سنن أبي داود (٩٧): أن رسول الله، ﷺ، كان يصوم هذا العشر.
وهذا العشر مشتمل علي يوم عرفة، الذي ثبت في صحيح مسلم (٩٨) عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله، ﷺ، عن صيام يوم عرفة؟
فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية".
ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله (٩٩).
وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله [١] كثير علي عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذاك، من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.
وقيل: ذاك [٢] أفضل لاشتماله على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.
وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل.
وبهذا يجتمع فحمل الأدلة، والله أعلم.
(قول ثان: في الأيام المعلومات) قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده.
ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه.
(قول ثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عجلان، حدثني نافع، أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
هذا إسناد صحيح إليه، وقاله السدي.
وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القولَ والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، يعني به ذكر الله عند ذبحها.
(قول رابع) أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.
وقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام، وأنها [١]: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، استدل بهذه الآية من ذهب إلي وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله، ﷺ، لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسى من مرقها (١٠٠).
وقال عبد الله بن وهب: [قال لي مالك: أحب أن كل من أضحيته؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
قال ابن وهب] [٢]: وسألت الليث فقال لي مثل ذلك.
وقال سفيان الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، قال: كان المشركون لايأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل، ومن شاء لم يأكل.
وروي عن عطاء ومجاهد نحو ذلك.
قال هشيم: عن حصين، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: هي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ [١] الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف، بقوله في هذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾، فجزأها [٢] نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء.
والقول الآخر أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به، لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وسيأتي الكلام عليها عندها إن شاء الله وبه الثقة.
وقوله: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس [٣]: الضعيف [٤].
وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده.
وقال قتادة: هو الزّمِن.
وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.
وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو وضع الإحرام [٥] من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك.
وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه، وكذا قال عكرمة ومحمد بن كعب القرظي [] [٦].
وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال: التفث: المناسك.
وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني [٧]: نحر ما نذر من أمر البُدن.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.
وقال إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: الذبائح.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: كل نذر إلى أجل.
وقال عكرمة: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال: نذر الحج.
[وكذا روى الإمام أحمد وابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: نذور الحج] [١].
فكل من دخل الحج [٢] فعليه من العمل فيه: الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أمروا به.
وروي عن مالك [نحو هذا] [٣].
وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ قال مجاهد: يعني الطواف الواجب يوم النحر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟
يقول [٤] الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا [٥] بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق [٦].
قلت: وهكذا صنع رسول الله، ﷺ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت.
وفي الصحيح (١٠١) عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفّف عن المرأة الحائض.
وقوله: ﴿بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، فيه مستَدَلّ [٧] لمن [ذهب إلى أنه يجب] [٨] الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة.
ولهذا طاف رسول الله، ﷺ، من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين، لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، ولهذا قال ابن أبي حاتم (١٠٢): حدثنا أبي، حدثنا ابن [٩] أبي عمر العدني [١٠]، حدثنا سفيان، عن هشام بن حجر، عن رجل، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، طاف رسول الله، ﷺ، من ورائه.
وقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، قال [١]: لأنه أول بيت وضع للناس.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمن نوح.
وقال خصيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط.
وقال ابن أبي نجيح وليث، عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يُسلّطوا عليه.
وكذا قال قتادة.
وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك.
وقال عبد الرزاق (١٠٣)، عن معمر، عن الزهري [٢]، عن ابن [٣] الزبير؛ قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة.
وقال الترمذي (١٠٤): حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار" وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن سهل النجاري [٤]، عن عبد الله بن صالح، له.
وقال: إن كان صحيحًا.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" ثم رواه من وجه آخر عن الزهري مرسلًا.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ يقول تعالى: هذا الذي [١] أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾.
أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.
أي: فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات.
قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال: الحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها.
وكذا قال ابن زيد.
وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾.
أي: أحللنا لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة ولا صائبة ولا وصيلة ولا حام.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ أي: من تحريم ﴿الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ … ﴾ الآية.
قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة.
وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ "من" هاهنا لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ومنه شهادة الزور، وفي الصحيحين (١٠٥) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
".
قلنا: بلى، يا رسول الله: قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين".
وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور".
فما [٢] زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
وقال الإمام أحمد (١٠٦): حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خُرَيم قال: قام رسول الله، ﷺ، خطيبًا فقال: "يا أيها الناس؛ عَدَلت شهادة الزور إشراكًا بالله" -ثلاثًا- ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن مروان [١] بن معاوية، به، ثم قال: غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في روايته [٢] هذا الحديث، [ولا نعرف لأيمن] [٣] بن خريم سماعًا من النبي، ﷺ.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٠٧): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري [٤]، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك [٥] الأسدي قال: صلى رسول الله، ﷺ، الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: "عَدَلت شهادة الزور الإشراك [٦] بالله ﷿، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشْرِكِينَ﴾ ".
وقال سفيان الثوري: عن عاصم بي أبي النجُود [٧]، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية.
وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾.
أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدًا إلى الحق، ولهذا قال: ﴿غَيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
ثم ضرب للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ﴾ أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾؛ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء (١٠٨): " إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحًا من هناك".
ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه.
وقد ضرب تعالى للمشرك مثلًا آخر في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
الآية.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ يقول تعالى: هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
أي: أوامره ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.
وقال أبو أمامة بن سهل [١]: كنا نسمن الأضحية بالبرية [٢]، وكان المسلمون يسمنون.
رواه البخاري (١٠٩).
وعن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال [٣]: "دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين".
رواه أحمد وابن ماجة (١١٠).
قالوا: والعفراء هي: البيضاء بياضًا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضًا؛ لما ثبت في صحيح البخاري (١١١) عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، ضحّى بكبشين أملحين أقرنين.
وعن أبي سعيد (١١٢): أن رسول الله ﷺ، ضحى بكبش أقرن فحيل [١]، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد.
رواه أهل السنن، [وصححه الترمذي، أي] [٢]: بكبش أسود [٣] في هذه الأماكن.
[وفي] [٤] سنن ابن ماجة (١١٣)، عن أبي رافع: أن رسول الله، ﷺ، ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوين.
قيل: هما الخَصِيان.
وقيل: هما [٥] اللذان رُضّ خصياهما ولم يقطعهما.
والله أعلم.
وكذا روى أَبو داود، وابن ماجة (١١٤) عن جابر: ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين موجوءين.
وعن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله، ﷺ، أن نستشرف (*) العين والآذان [١]، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة [ولا شرقاء ولا خرقاء] [٢].
رواه أحمد (١١٥) وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي، ولهم عنه (١١٦)، قال: نهى رسول الله، ﷺ، أن يضحى بأعضب القرن والأذن.
وقال سعيد بن المسيب: [المعضب: المنصف] [٣] فأكثر.
وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب؛ فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها.
وعند الشافعي: أن التضحية [٤] بذلك مجزئة، لكن تكره.
وقال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث.
وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ، وإلَّا أجزأ.
والله أعلم.
وأما المقابلة: فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها.
والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولًا.
قاله الشافعي.
والخرقاء: هي التي خرقت [٥] السمة أذنها خرقًا مدوّرًا [٦]، والله أعلم.
وعن البراء قال: قال رسول الله، ﷺ: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عَوَرها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة [١] (*) التي لا تنقي (**) ".
رواه أحمد (١١٧) وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي، وهذه العيوب تنقص اللحم؛ لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشَّافعي وغيره من الأئمة -كما هو ظاهر الحديث- واختلف قول الشَّافعي في المريضة مرضًا يسيرًا على قولين.
وروى أَبو داود (١١٨)، عن عتبة بن عبد السلمي: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عن المصْفَّرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيَّعة، والكسراء [١].
فالمصفرة قيل: الهزيلة.
وقيل: المستأصلة الأذن.
والمستأصلة: المكسورة القرن.
والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تَتْبَع لضعفها.
والكسراء [٢]: العرجاء.
فهذه العيوب كلها مانعة [من الإِجزاء، فإن طرأ العيب] [٣] بعد تعيين الأضحية، فإنه لا يضر عيبه عند الشَّافعي خلافًا لأبي حنيفة.
وقد روى الإمام أحمد (١١٩)، عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشًا [أضحي به] [٤]، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي، ﷺ، فقال: "ضح به".
ولهذا جاء في الحديث: أمرنا رسول الله، ﷺ، أن نستشرف العين والأذن.
أي: أن تكون الهدية أو [١] الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد (١٢٠) وأَبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبًا [فأعطي بها ثلاثمائة دينار] [٢]، فأتى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنًا؟
قال: "لا [٣]، انحرها إياها".
وقال الضحَّاك، عن ابن عبَّاس: البدن من شعائر الله.
[وقال محمد بن أبي [٤] موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن: من شعائر الله] [٥].
وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت.
وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، أي: لكم في البدن منافع؛ من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
قال مقسم، عن ابن عبَّاس [في قوله] [٦]: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
قال: ما لم تسمَّ بدنًا.
وقال مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت [١] بدنة أو هديًا ذهب ذلك [كله.
وكذا قال] [٢] عطاء، والضحاك، وقَتَادة، وعطاء [٣] الخراساني، وغيرهم.
وقال آخرون: بل له أن يُنْتَفَعُ بها وإن كانت هديًا، إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين (١٢١) عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، رأى رجلًا يسوق بَدَنةً قال: "اركبها".
قال: إنها بدنة!
قال: "اركبها ويحك".
في الثانية أو الثالثة.
وفي رواية لمسلم (١٢٢)، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "اركبها بالمعروف إذا ألجئتَ إليها".
وقال شعبة، عن زهير بن أبي ثابت الأعمى، عن المغيرة بن حَذْف، عن عليّ: أنَّه رأى رجلًا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن [٤] ولدِها، فاٍ ذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها.
وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾.
أي: مَحِل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق -وهو الكعبة- كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبًا، والله أعلم] [٥].
وقال ابن جريج، عن عطاء قال [٦]: كان ابن عبَّاس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، قال الله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ يخبر تعالى أنَّه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل.
قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: [﴿وَلِكُلِّ [١] أُمَّةٍ] [٢] جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾.
قال: عيدًا.
وقال عكرمة: ذبحًا.
وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكًا غيرها.
وقوله [٣]: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾.
كما ثبت في الصحيحين (١٢٣) عن أنس قال: أتى رسول الله، ﷺ، بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما.
وقال الإمام أحمد بن حنبل (١٢٤): حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين، عن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود -وهو نفيع [٤] بن الحارث- عن زيد بن أرقم قال: قلت -أو قالوا-: يا رسول الله؛ ما هذه الأضاحي؟
قال: "سنة أبيكم إبراهيم".
قالوا [٥]: ما لنا منها؟
قال: "بكل شعرة حسنة".
قالوا: فالصوف؟
قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة".
وأخرجه الإمام أَبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به.
وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾، أي: معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء، ونسخ بعضها بعضًا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
ولهذا قال: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾.
أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته.
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، قال مجاهد: المطمئنين.
وقال الضحاك وقَتَادة: المتواضعين.
وقال السدي: الوجلين [١].
وقال عمرو بن أوس [٢]: [المخبتون] [٣]: الذين لا يَظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
وقال الثَّوري [٤]: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له.
وأحسن ما يفسر بما بعده، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: خافت منه قلوبهم ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ أي: من المصائب.
قال الحسن البصري: والله لتصبرُّن أو لتهلكَّنَّ.
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ قرأ الجمهور - بالإضافة - السبعةُ (*)، وبقيةُ العشرة أيضًا، وقرأ ابن [٥] السَّمَيقَع [٦]: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ بَالنصب.
وقال الحسن البصري: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ (**)، وإنما حذفت النون هاهنا تخفيفًا، ولو حذفت للإِضافة لوجب خفض الصلاة، وقيل [٧] على سبيل التخفيف [٨] فنصبت أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم [٩] من أداء فرائضه.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم [١٠] وأرقائهم وقراباتهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى خلق الله مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات [١١] المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله، كما تقدم تفسيره في سورة براءة.
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ يقول تعالى ممتنًا على عباده فيما خلق لهم من البدن، وجعلها من شعائره، وهو أنَّه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى، كما قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ الآية.
قال ابن جريج: قال عطاء في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قال: البقرة والبعير.
وكذا رُوي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري.
وقال مجاهد: إنما البدن من الإبل.
قلت: أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين، أصحهما: أنَّه يطلق عليها ذلك شرعًا كما صح في الحديث.
ثم جمهور العلماء على أنَّه تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم (١٢٥)، من رواية جابر بن عبد الله [وغيره] [١] قال: أمرنا [٢] رسول الله، ﷺ، أن نشترك في الأضاحي: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
[وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة] [٣].
وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النَّسائي وغيرهما (١٢٦)، فالله أعلم.
وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ أي: ثواب في الدار الآخرة.
وعن سليمان بن يزيد الكعبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن، سول الله، ﷺ، قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إراقة [٤] الدم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع [من] الأرض، فطِيبوا بها نفسًا".
رواه ابن ماجة، والتِّرمِذي وحسنه (١٢٧).
وقال سفيان الثَّوري: كان أَبو حاتم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟
فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾.
وعن ابن عبَّاس (١٢٨) قال: قال رسول الله، ﷺ: "ما أنفقت الورق [١] في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد".
رواه الدارقطني في سننه.
وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها.
وقال مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ قال: أجر ومنافع.
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾، وعن [المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن] [٢] جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله، ﷺ، عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه، فقال: "بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا [٣] عني وعمن لم يضحِّ من أمَّتي".
رواه أحمد، وأَبو داود، والتِّرمِذي (١٢٩).
وقال محمد بن إسحاق (١٣٠)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عبَّاس، عن جابر قال: ضحى رسول الله، ﷺ، بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته".
ثم سمى الله وكبر وذبح الذبائح [١].
وعن عليّ بن الحسين، عن أبي رافع: أن رسول الله، ﷺ، كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أمر [٢] بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: "اللهم هذا عن أمتي جميعها، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ".
ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: "هذا عن محمده وآل محمد".
فيُطعمهما [٣] جميعًا المساكين [٤]، ويأكل هو وأهله منهما [٥].
[رواه أحمد وابن ماجة (١٣١)] [٦].
وقال الأعمَش: عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾، قال: قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله، والله أكبر، اللهمَّ منك ولك.
وكذلك روى مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عبَّاس نحو هذا.
وقال ليث: عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث.
وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه.
وقال الضحاك: تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث.
وفي الصحيحين (١٣٢) عن ابن عمر: أنَّه أتى على رجل قد أناخ بَدَنتَه وهو ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيَّدة، سنة أبي القاسم، ﷺ.
وعن جابر (١٣٣): أن رسول الله، ﷺ، وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها.
رواه أَبو داود.
وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، أن [سالم بن] [١] عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن، وانحَرْ من شقها الأيسر.
وفي صحيح مسلم (١٣٤)، عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثًا وستين بدنة، جعل يطعنها بحربة في يده.
وقال عبد الرزاق (١٣٥): أخبرنا معمر عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: (صوافن) أي: معقولة [٢] قيامًا.
وقال سفيان الثَّوري: عن منصور، عن مجاهد: من قرأها: (صوافن) قال: معقولة.
ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾، قال: تصف بين يدي.
وقال طاوس، والحسن، وغيرهما (**): (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَيَ) يعني: خالصة لله ﷿ (* * *)، وكذا رواه مالك عن الزُّهْريّ.
وقال عبد الرحمن بن زيد: (صوافي) ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامها [١].
وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني سقطت إلى الأرض.
وهو رواية عن ابن عبَّاس، وكذا قال مقاتل بن حيان.
وقال العوفي عن ابن عبَّاس: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يعني: نحرت.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: ماتت.
وهذا القول هو مراد ابن عبَّاس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتَّى تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع: "ولا تُعجِلُوا النفوس أن تَزْهَقَ" (١٣٦).
وقد رواه الثَّوري في جامعه (١٣٧)، عن أيوب، عن يحيى بن أبي [٢] كثير، عن فرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب أنَّه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح [٣] مسلم (١٣٨): " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أَحدكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحته".
وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله، ﷺ: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة".
ورواه [٤] أحمد وأَبو داود والتِّرمِذي وصححه (١٣٩).
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، قال بعض السلف [١]: قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة.
وقال مالك: يستحب ذلك.
وقال غيره: يجب.
وهو وجه لبعض الشَّافعية.
واختلف [٢] في المراد بالقانع والمعتر؛ فقال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المستغني بما أعطيته وهو في بيته.
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يتعرض لك، ويلم بك أن تعطيه من اللحم، ولا يسأل.
وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المتعفف، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: السائل.
وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه.
وقال ابن عبَّاس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو الذي يقنع [٣] إليك ويسألك.
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك و [٤] يتضرع ولا يسألك.
وهذا لفظ الحسن.
وقال سعيد بن جبير: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو السائل.
ثم قال: أما سمعت قول الشَّمَّاخ: لمال [٥] المرء يصلحه فيغنى … مفاقره أعف من القنوع قال: يغني من السؤال.
وبه قال ابن زيد.
[وقال زيد بن] [٦] أسلم: ﴿الْقَانِعَ﴾: المسكين الذي يطوف.
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الصديق والضعيف [٧] الذي يزور.
وهو رواية عن عبد الله بن زيد أيضًا.
وعن مجاهد أيضًا: ﴿الْقَانِعَ﴾: جارك الغني [الذي يبصر ما يدخل بيتك] [٨] ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك من الناس.
وعنه أن القانع: هو الطامع، والمعتر: هو الذي يعتر [٩] بالبدن من غني أو فقير.
وعن عكرمة نحوه، وعنه: ﴿الْقَانِعَ﴾: أهل مكة.
واختار ابن جرير أن ﴿الْقَانِعَ﴾ هو السائل، لأنَّه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ من الاعترار، وهو: الذي يتعرض لأكل اللحم.
وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وفي الحديث الصحيح (١٤٠) أن رسول الله، ﷺ، قال للناس: "إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم".
وفي رواية (١٤١): " فكلوا وادخروا وتصدقوا".
وفي رواية: "فكلوا وأطعموا وتصدقوا".
والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ لقوله في الآية المتقدمة: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
ولقوله في الحديث: "فكلوا وادخروا وتصدقوا".
فإن أكل الكل؛ فقيل: لا يضمن شيئًا؛ وله قال ابن سريج من الشَّافعية.
وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها.
وقيل: يضمن نصفها.
وقيل: ثلثها.
وقيل: أدنى جزء منها.
وهو المشهور من مذهب الشَّافعي.
وأما الجلود ففي مسند أحمد (١٤٢)، عن قَتَادة بن النعمان في حديث الأضاحي: "فكلوا [١] وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها".
ومن العلماء من رخص في ذلك، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم.
[مسألة] عن البراء بن عازب (١٤٣) قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك [٢] فقد أصاب سنتتا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله [٣] لأهله، ليس هو من النسك في شيء".
أخرجاه.
فلهذا قال الشَّافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم: "وأن لا تذبحوا حتَّى يذبح الإِمام" (١٤٤).
وقال أَبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر، إذ لا صلاة عيد عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتَّى يصلي الإِمام، والله أعلم.
ثم قيل: لا يشرع الذبح إلَّا يوم النحر وحده.
وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار، لتيسر الأضاحي عندهم [١]، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه [٢] قال سعيد بن جبير.
وقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع [٣].
وقيل: ويومان بعده، وبه قال الإِمام أحمد.
وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده.
وبه قال الشَّافعي، لحديث جبير بن مطعم: أن رسول الله، ﷺ، قال: "وأيام التشريق كلها ذبح" (١٤٥).
رواه أحمد وابن حبان.
وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة.
وبه قال إبراهيم النخعي، وأَبو سلمة بن [عبد الرحمن] [٤] وهو قول غريب.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يقول تعالى: من أجل هذا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ، أي: ذللناها لكم، أي: جعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا، لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرازق، [لأنه لا] [١] يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه.
وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها [٢]، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا محمد بن أبي حمَّاد، حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإِبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله، ﷺ: فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه.
كما جاء في الصحيح (١٤٦): " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم [٣] ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وما جاء في الحديث: "إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض" (١٤٧).
كما تقدم الحديث.
رواه ابن ماجة، والتِّرمِذي وحسنه عن عائشة مرفوعًا.
فمعناه [٤] أنَّه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم.
وقال وكيع: عن [يحيى] [٥] بن مسلم - أبي [٦] الضحاك -: سألت عامرًا الشعبي عن جلود الأضاحي؟
فقال: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾، إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾.
أي: من أجل ذلك سخر لكم البدن، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه، وما يحبه وما يرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه.
وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: وبشر يا محمد؛ المحسنين.
أي: في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ريه ﷿.
[مسألة] وقد ذهب أَبو حنيفة ومالك والثوري [إلى القول] [١] بوجوب الأضحية على من ملك نصابًا، وزاد أَبو حنيفة اشتراط الإِقامة أيضًا، واحتج لهم بما رواه أحمد (١٤٨) وابن ماجة بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا".
على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل.
وقال ابن عمر: أقام رسول الله، ﵌، عشر سنين يضحي.
رواه التِّرمِذي (١٤٩).
وقال الشَّافعي وأحمد: لا تجب الأضحية، بل هي مستحبة؛ لما جاء في الحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (١٥٠).
وقد تقدم أنَّه ﵇ ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم.
وقال أَبو سريحة: كنت جارًا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما.
وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار.
وقد روى الإِمام أحمد وأهل السنن (١٥١)، وحسنه التِّرمِذي، عن مخنف بن سليم أنَّه سمع رسول ﷺ يقول بعرفات: "على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟
هي التي تدعونها الرجَبيَّة [١] " وقد تكلم في إسناده.
وقال أَبو [٢] أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله، ﷺ، يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون [حتَّى تباهى] [٣] الناس [فصار كما ترى] [٤].
رواه التِّرمِذي (١٥٢) وصححه، وابن [٥] ماجة.
وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله.
رواه البخاري.
فأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم (١٥٣) عن جابر أن رسول الله، ﷺ قال: "لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر [٦] عليكم؛ فتذبحوا جذعة من الضأن".
ومن هاهنا ذهب الزُّهْريّ إلى أن الجذع، لا يجزئ وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان، وقال الجمهور: إنما يجزئ الثنيُّ من الإِبل والبقر والمعز، والجذع من الضأن، فأما الثني من الإِبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر [ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل:] [١] ما له ثلاث و [٢] دخل في الرابعة.
ومن المعز ما له سنتان [٣].
وأما الجذع من الضأن؛ فقيل [٤]: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، [وقيل: ثمانية أشهر] [٥] وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذع شعر ظهره نائم، قد انعدل صدعين، والله أعلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ يخبر تعالى أنَّه يَدْفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال: والكفر [٦]: الجحد للنعم، فلا يعترف بها.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ قال العوفي، عن ابن عبَّاس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة.
وقال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية، وقاله مجاهد والضحاك وقَتَادة وغير واحد.
وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدَّثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم -هو البطين- عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: لما أخرج النبي، ﷺ، من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنَّ.
قال ابن عبَّاس: فأنزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنَّه سيكون قتال.
و [١] رواه الإِمام أحمد (١٥٤)، عن إسحاق بن [٢] يوسف الأزرق، به، وزاد: قال ابن عبَّاس: وهي أول آية نزلت في القتال.
ورواه التِّرمِذي والنَّسائي في التفسير من سننيهما (١٥٥) وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد التِّرمِذي: ووكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به.
وقال التِّرمِذي: حديث [٣] حسن.
وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عبَّاس.
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوَ جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، [وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وقد فعل] [٤].
وإنَّما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أَمَر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين [١] لشق عليهم، [ولهذا لما بايع أهل] [٢] يثرب ليلة العقبة رسول الله، ﷺ، وكانوا نيفًا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى- ليالي منى فنقتلهم؟
فقال رسول الله، ﷺ: "إني لم أومر بهذا".
فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذَر مَذَر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسول الله، ﷺ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلًا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.
قال العوفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه.
﴿إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب، إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة [إلى ما] [٣] في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ لهذا [] [٤] لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون: لاهُمّ لولا أنت ما اهتَدَينا … ولا تَصَدّقْنا ولا صَلَّينا فأنزلَنْ سَكينَةً علينا … وثبت الأقدام أن لاقينا أن الآلى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنةً أبينا فيوافقهم رسول الله، ﷺ، ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا، قال [٥]: "أبينا"، يمد بها صوته.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف.
﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾، وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله [ابن عباس] [١] ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم.
وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس.
وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق.
﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا.
قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم.
وحكى ابن جرير [٢] عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود.
وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود.
ومجاهد إنما قال: هي الكنائس.
والله أعلم.
وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس.
وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود.
وهم يسمونها صَلُوتًا.
وحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى.
وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق.
وأما المساجد فهي للمسلمين.
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فقد قيل: الضمير في قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ عائد إلى المساجد، لأنها [٣] أقرب المذكورات.
و [٤] قال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا.
وقال ابن جرير: الصواب: لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.
و [٥] قال بعض العلماء: هذا ترقٍّ من الأقل إلى الأكثر، إلى أن ينتهي إلي المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا، وهم ذوو [٦] القصد [٧] الصحيح.
وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته [١] خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا [٢] أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني [٣]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا [٤]: ربنا الله، ثم مُكنًّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي.
وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد، ﷺ.
وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم علي الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟
إن لكم علي الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم [٥] بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة، ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها.
وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقال [١] زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: وعند الله ثواب ما صنعوا.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ يقول تعالى مسليًا نبيه محمدًا [٢]، ﷺ، في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾، أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
﴿فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي [٣] لهم.
ذكر بعض السلف أنه كان بين [٤] قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى.
وبين إهلاك الله له أربعون سنة.
وفي الصحيحين (١٥٦) عن أبي موسى، عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ [إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾، أي: كم من قرية أهلكتها ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ] [١]﴾ أي: مكذبة لرسولها ﴿فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال الضحاك: سقوفها، أي: قد [٢] خربت منازلها، وتعطلت حواضرها.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: لا يستقى منها ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة: يعني المبيض بالجص.
وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك.
وقال آخرون: هو المنيف المرتفع.
وقال آخرون: هو [٣] الشديد المنيع الحصين.
وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال ﵎: ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: بأبدانهم وتفكرهم [٤] أيضًا، وذلك كافٍ، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا [٥] جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، و [٦] سح في الأرض، ثم [٧] اطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان، وتكسر العصا.
و [٨] قال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: [أحي قلبك بالمواعظ] [٩]، ونوّره بالفكر، وموته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلله [بالموت وقرره بالفناء] [١٠]، وبصره فجائع [١١] الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره [ما أصاب] [١] من كان قبله، وسر [٢] في ديارهم وآثارهم وانظر [٣] ما فعلوا، وأين حلوا وعم انقلبوا [أي: فانظروا] [٤] ما حل بالأمم المكذبة من النقم [٥] والنكال، ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: فيعتبرون بها، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن سارة [٦] الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة: يا مَنْ يُصيخُ إلى داعي الشقاء وقد … نادى به الناعيان: الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم تُرى … في رأسك الواعيان: السمع والبصر؟
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل … لم يهده الهاديان: العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الـ … أعلى ولا النيران: الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كرها … فراقها الثاويان: البدو والحضر ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، أي: هؤلاء الكفار المكذبون الملحدون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أي: الذي قد وعد، من إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإِكرام لأوليائه.
قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو، هل [١] يخلف الله الميعاد؟
فقال: لا.
فذكر آية وعيد، فقال له: [أمن المعجم أنت؟
إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤمًا] [٢] وعن الإيعاد كرمًا، أو ما سمعت قول الشاعر: لا يرهب ابن العم منى [٣] سطوتي … ولا [أختتى من] [٤] سطوة المتهدد [٥] فإني وإن أوْعَدتُهُ أو [٦] وعدتُه … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، أي: هو تعالى لا يَعجَل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
قال ابن أبي حاتم: ثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم [٧]: خمسمائة عام".
ورواه الترمذي والنسائي (١٥٧) من حديث الثوري عن محمد بن عمرو، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه ابن جرير (١٥٨)، عن أبي هريرة موقوفًا فقال: حدثني يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سُمَير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار [٨] نصف يوم.
[قلت: وما نصف يوم؟] [٩] قال: أو ما تقرأ القرآن؟
قلت: بلى.
قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وقال أبو داود (١٥٩) في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأرجو أن لا تَعْجِزَ أمتي عند [١] ربها أن يؤخرهم نصف يوم".
قيل لسعد: وما نصف يوم؟
قال: خمسمائة سنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان [٢]، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.
ورواه ابن جرير (١٦٠)، عن ابن بشار [٣]، عن ابن مهدي.
وبه قال مجاهد وعكرمة.
ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية".
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم [٤]-محمد بن الفضل- حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلمَ قال: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وجعل أجل الدنيا سنة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع، فمثل [٥] ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها، ففي آية لحظة [٦] ولدت كان تمامًا.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ يقول تعالى لنبيه، ﷺ، حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أي: إنما أرسلني اللَّه إليكم نذيرًا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إليّ من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله؛ إن شاء عجَّل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، و ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: آمنت [١] قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسنأتهم.
قال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهو: الجنة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [٢] قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي، ﷺ.
وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين.
وقال ابن عباس: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مراغمين.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وهي النار الحارة الموجعة، الشديد [٣] عذابها ونكالها، أجارنا الله منها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنًّا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله، ﷺ، بمكة "النجم"، فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن [١] ترتجى" قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم.
فسجد وسجدوا، فأنزل الله ﷿ [هذه الآية] [٢]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [٣].
و [٤] رواه ابن جرير (١٦١)، عن بندار، عن غندر، عن شعبة به نحوه.
وهو مرسل.
وقد رواه البزار في مسنده (١٦٢)، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، الشك في الحديث- أن النبي، ﷺ، قرأ بمكة سورة "النجم" حتى انتهى [٥] إلى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته.
ثم قال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإِسناد.
تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور.
وإنما يروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، [عن ابن عباس] [٦].
ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي مرسلًا.
وكذا رواه ابن جرير (١٦٣)، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلًا أيضًا.
وقال قتادة: كان النبي، ﷺ، عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه: "وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى".
فحفظها المشركون، وأجرى الشيطان أن النبي، ﷺ، قد قرأها، فَزَلت [٧] بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ … ﴾ الآية، فدحر الله الشيطان.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت "سورة النجم"، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل [١] الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: "وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي [٢] التي ترتجى".
وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت [٣] بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه.
فلما بلغ رسول الله، ﷺ، [آخر النجم] [٤]، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا، فرفع على كفه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان [] [٥] كلاهما من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين -ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين- فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين -عثمان بن مظعون وأصحابه- وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله، ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعًا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه الله من الفرية، وقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، فلما بين الله قضاءه، وبرّأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم.
وهذا أيضًا مرسل.
وفي تفسير ابن جرير (١٦٤) عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه.
وقد رواه الإِمام أبو بكر البيهقي في كتابه: "دلائل النبوة" فلم يجز به موسى بن عقبة.
ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.
قلت: وقد ذكرها محمَّد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم.
وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهما بينحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالًا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟
ثم حكى [] [١] أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﵌، وليس كذلك في نفس الأمر، بل [٢] إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله أعلم.
وهكذا تنوّعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته، وقد تعرض القاضي عياض ﵀ في كتاب "الشفاء" لهذا وأجاب بما حاصله.
وقوله: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، هذا فيه تسلية له -صلوات الله وسلامه عليه- -أي: لا يهيدنك ذلك [٣] فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
قال البخاري: قال ابن عباس: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ وإذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان، ويحكم الله آياته.
قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقال مجاهد: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾] [٤] يعني: إذا قال: ويقال: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته [٥]، ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾: يقولون ولا يكتبون [٦].
قال البغوي (١٦٥): وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله ﴿تَمَنَّى﴾، أي: تلا وقرأ كتاب الله، ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته.
قال الشاعر في عثمان [حين قتل] [١]: تمنى كتاب الله أول ليلة … وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الضحاك: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾: إذا تلا.
قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، وقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ﴾ حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع.
قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أي: فيبطل الله ﷾ ما ألقى الشيطان.
وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.
وقوله: [﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية ﴿حَكِيمٌ﴾] [٢]، أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامّة، والحجة البالغة، ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك وشرك، وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.
قال ابن جريج: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ [مَرَضٌ﴾ هم] [٣] المنافقون، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم [٤] المشركون.
وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾، أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع، الذي [٥] يفرقون به [٦] بين الحق والباطل، المؤمنون [٧] بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه، وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾، أي: يصدّقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْبِتَ [٨] لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: تخضع وتذل [له قلوبهم] [١]، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إن الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم [٢] الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم لا يزالون ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾، أي: في شك وريب من هذا القرآن.
قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد بن جبير وابن زيد: ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما [٣] ألقى الشيطان.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ قال مجاهد: فجأة.
وقال قتادة: ﴿بَغْتَةً﴾ بغت القومَ [٤] أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم [٥] وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.
وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر.
وكذا قال [مجاهد، و] [٦] إلخ عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد، واختاره ابن جرير.
وقال عكرمة ومجاهد [في رواية عنهما] [٧]: هو يوم القيامة لا ليلة لهم.
وكذا قال الضحاك والحسن البصري.
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا [١]، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كفرت قلوبهم بالحق، وجحدوا به، وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين [٢].
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ يخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وطلبًا لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله، ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾، أي: الجهاد، ﴿أَوْ مَاتُوا﴾، أي: حتف أنفهم [٣] أي: من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، أي: ليُجْريَنّ عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي: الجنة.
كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.
فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال هاهنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾، أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: يحلم ويصفح، ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه، وتوكلهم عليه، فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم.
وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن شريح، عن ابن الحارث -يعني: عبد الكريم- عن ابن عقبة -يعني: أبا عبيدة بن عقبة- قال: حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان -يعني: الفارسي ﵁ فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من مات مرابطًا، أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن [١] من [٢] الفتّانين" واقرءوا إن شئتم: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيم﴾.
وقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام، أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كتاب بـ "رودس"، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله، ﷺ، فمر بجنازتين؛ إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟
فقالوا: هذا قتيل في سبيل الله تعالى.
فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ حتى آخر الآية.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن [٣] المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا [٤] سلامان [٥] بن عامر الشعباني، أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين؛ أحدهما: "أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟
فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلًا ترضاه، ورزقت رزقًا حسنًا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.
ورواه [١] ابن جرير (١٦٦)، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن [٢] سلامان بن عامر قال: كان فضالة بـ "رودس" أميرًا على الأرباع، فخرج بجنازتي [٣] رجلين؛ أحدهما قتيل، والآخر متوفى … فذكر نحو ما تقدم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج [٤]: أنها نزلت في سرية من الصحابة، لقوا جمعًا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم [٥] المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى [٦] المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم، ﴿إِنَّ [٧] اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ يقول تعالى منبهًا على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ … ﴾ الآية.
ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا، و [من] [٨] هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار -كما في الشتاء- وتارة يطول النهار ويقصر الليل -كما في الصيف.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم.
ولما بيَّن أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، أي: الإِله الحق، الذي [١] لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو [٢] السلطان العظيم، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرًّا ولا نفعًا.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقال: ﴿[] [٣] الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير [٤] الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه وعَزَّ وَجَلَّ عما يقول [٥] الظالمون علوًّا كبيرًا.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ وهذا أيضًا من الدلالة على قدرته وعطم سلطانه، فإنه [٦] يرسل الرياح فتثير سحابًا، فيمطر على الأرض الجُرُز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
وقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿[ثُمَّ خَلَقْنَا] [٧] النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ الآية، وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل شيئين أربعين يومًا، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، أي: خضراء بعد [يبسها ومحوله] [١].
وقد ذكر عن بعض أرض [٢] الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء [٣] فالله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصّل إلى كل منه قسطًا [٤] من الماء فينبته به، كما قال لقمان [لابنه] [٥]: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]، وقال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [] [٦] وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ … ﴾ الآية، ولهذا قال أمية بن أبي الصلت -أو زيد لن عمرو بن نفيل- في قصيدته: وقُولا له من يُنْبِتُ الحبَّ في الثرى … فيصبِحُ منه البَقْلُ يهتزُّ رابيا ويخرجُ منه حبَّه في رءوسه … ففي ذاك آياتٌ لمن كان واعيا وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وعبيد [٧] لديه.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: من حيوان وجماد، وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، أي [٨]: بتسخيره وتسييره [٩]، أي: في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه.
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾، أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته، يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ كقوله: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ ومعنى الكلام: كيف تجعلون [مع الله] [١] أندادًا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾، أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا يذكر فأوجدكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾، أي: جحود.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَينَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾ يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكًا.
قال ابن جرير: يعني لكل أمة نبي منسكًا.
قال: وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإِنسان ويتردد إليه، إما لخير أو شر.
قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها.
فإن كان كما قال من أن المراد: لكل أمة نبي جعلنا منسكًا، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾، أي: هؤلاء المشركرن، وإن كان المراد: لكل أمة جعلنا منسكًا جعلًا قدريًّا، كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، أي: فاعلوه فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود.
وهذه كقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾ ولهذا قال: [﴿اللَّهِ [١] يَحْكُمُ بَينَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.
وهذه كفوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَينَنَا وَبَينَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَينَنَا وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.
يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم (١٦٧)، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وفي السنن (١٦٨) من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله، ﷺ، قال: "أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب.
قال: وما أكتب؟
قال: اكتب مما هو كائن.
فجرى القلم بما هو كائن إلي يوم القيامة".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال [١]: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو علي العرش ﵎: اكتب.
فقال القلم: وما أكتب؟
قال: علمي في خلقي إلي يوم تقوم الساعة.
فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلي يوم القيامة، فذلك قوله للنبي، ﷺ: ﴿[أَلَمْ تَعْلَمْ] [٢] أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضًا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك، علي الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصى باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علمًا، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون الله ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، يعني: حجة وبرهانًا، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: ولا علم لهم فيما اختلفوه وائتفكوه، وإنما هو أمر [٣] تلقوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سوّل لهم الشيطان وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل بهم من العذاب والنكال.
ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا ذكرت لهم آيات [٤] القرآن، والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾، أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة [من القرآن] [١]، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، لهؤلاء: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تُخَوِّفون [٢] به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب [٣] الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وبئس النار منزلًا ومقيلًا ومرجعًا وموئلًا ومقامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ يقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، أي: لما يعبده الجاهلون بالله الشركون به، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، أي: أنصتوا وتفهموا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد، علي أن يقدروا علي خلق ذباب واحد، ما قدروا علي ذلك.
كما قال الإمام أحمد (١٦٩): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -رفع الحديث- قال: "ومن أظلم ممن خلق خلقًا [٤] كخلقي!
فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة".
وأخرجه صاحبا الصحيح (١٧٠)، من طريق [٥] عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا [١] شعيرة".
ثم قال تعالى أيضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك، عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئًا [٢] من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنفذه منه، لما قدرت على ذلك.
هذا، والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: [﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
قال] [٣] ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب.
واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق.
وقال السدي وغيره: ﴿الطَّالِبُ﴾: العابد، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم.
ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يُمانَع ولا يُغالب؛ لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾ يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لا بلاغ رسالاته، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ اختلف [١] الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟
على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر، عن النبي، ﷺ: "فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما".
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم علي سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم [٢] بشيء فشق عليكم إلا جعل لكم فرجًا ومخرجًا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تحب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلي ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالًا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
وكذا في النافلة في السفر [إلى القبلة] [٣] وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلي غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵇: "بعثت بالحنيفية السمحة" (١٧١) وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا" (١٧٢) والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، يعني: من [١] ضيق.
وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال ابن جرير: نصب علي تقدير: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: من ضيق، بل وسَّعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم.
[قال: ويحتمل أنه منصوب علي تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم] [٢].
قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية.
وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾، قال الإمام عبد الله بن المبارك: عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الله ﷿ وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾.
قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني: القرآن.
وكذا قال غيره.
قلت [٣]: وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم علي ما جاء به الرسول، ﷺ، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى علي هذه الأمة بما نوَّه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى علي الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل هذا القرآن، ﴿وَفِي هَذَا﴾، وقد قال النسائي (١٧٣) عند تفسير [١] هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي [٢] جهنم".
قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟
قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها: المسلمين، المؤمنين، عباد الله".
وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من سورة البقرة، ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا﴾، أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطًا، عدولًا [٣]، خيارًا، مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لأن جميع الأم معترفة يومئذ [بسيادتها وفضلها] [٤] علي كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد علي هذه الأمة أنه بلغها ذلك.
وقد تقدم الكلام علي هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾.
وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة: وهو الإحسان إلي خلق الله، بما أوجب للفقير على الغنى، من إخراج جزء نزر [٥] من ماله في السَّنَة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾، أي: اعتضدوا بالله واستعينوا [واتكلوا] [٦] عليه وتأيدوا به ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: حافظكم وناصركم، ومظفركم علي أعدائكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، [يعني: نعم [٧] الولي] [٨]، ونعم الناصر من الأعداء.
قال وهيب بن الورد [١]: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمتَ فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
رواه ابن أبي حاتم.
والله تعالى أعلم، وله الحمد والمنة، والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال.
هذا [٢] آخر تفسير سورة الحج، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبة وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين [] [٣].