تفسير ابن كثير سورة الفتح

الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الفتح

تفسيرُ سورةِ الفتح كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 91 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفتح كاملةً (الحافظ ابن كثير الدمشقي)

[تفسير سورة الفتح وهي مدنية] قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة؛ قال [١]: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح [في مسيره] [٢] سورة الفتح علي راحلته فرجع فيها.

قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم [٣] قراءته.

أخرجاه من حديث شعبة به.

﷽ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون عن الوصول إلي المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلي المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلي ذلك علي تكرّه من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله.

فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله ﷿ هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما رُوِيَ عن ابن مسعود ﵁ وغيره [٤] أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتحَ مكة، ونحن نعد الفتحَ صلحَ الحديبية.

وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر؛ قال: ما كنا نعدّ الفتح إلا يوم الحديبية.

وقال البخاري (٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؛ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعةَ الرضوان يوم الحديبية، كنا معَ رسول الله ﷺ أربع عَشرةَ مائة، والحديبيةُ [بئر، فنزحناها فلم نَتْرُكْ [١]] [٢] فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدَرَتنَا ما شئنا نحن وركائبنا.

وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو [٣] نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، قال [٤]: فسألته عن شيء -ثلاث مرات- فلم يرد علي، قال: فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا بن الخطاب نَزَرْتَ رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك [٥]؟

قال: فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن يكون نزل [٦] فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد ينادي [٧]: يا عمر، [أين عمر] [٨]؟.

قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء، قال: فقال النبي ﷺ: "نزلت علي الليلة [٩] سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.

ورواه البخاري، والترمذي، والنسائي، من طرق عن مالك ﵀.

وقال علي بن المديني: هذا إسناد مديني لم نجده إلا عندهم.

وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ مَرجِعَه من الحديبية.

قال النبي ﷺ: "لقد أنزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض"، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئًا [١] مريئًا يا نبي الله؛ لقد [٢] بين الله ﷿ ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟

فنزلت [٣] عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به.

وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب؛ قال [٤]: سمعت أبي يحدث، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن جارية [٥] الأنصاري -وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس يُنفِرُونَ [٦] الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟

قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ، فخرجنا مع الناس نوجفُ [٧]، فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند [٨] كراع الغَميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: أي رسولَ الله؛ وَفَتحٌ هو؟

قال: "إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح".

فقسمت [٩] خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ عل [١٠] ثمانية عشر سهمًا، [وكان الجيش] [١١] ألفًا وخمسمائة [منهم ثلاثمائة] [١٢] فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا.

ورواه أبو داود [في الجهاد] [١٣] عن محمد بن [عيسى عن مُجَمّع] [١٤] بن يعقوب به [١٥].

وقال ابن جرير (٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر [١]، حدثنا شعبة [٢]، حدثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم.

قال: فقلنا: "امضوا".

فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: "افعلوا كما [٣] كنتم تفعلون، [وكذلك] [٤] من نام أو نسي".

قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ، فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامُها بشجرة، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن [٥] نسير إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا إتاه اشتد عليه، فلما سُري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.

وقد رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به.

وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة؛ قال: سمعتُ المغيرةَ بن شعبة، يقول: كان النبي، ﷺ، يصلي [٦] حتى تَرِم [٧] قدماه، فقيل له: أليس قد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك ومما تأخر؟

فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟

".

أخرجاه، وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث زياد به.

وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، عن ابن قسيط، عن عروة [بن] [١] الزبير، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتَفطر رجلاه، فقالت له عائشة: يا رسول الله، أتصنع [٢] هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: "يا عائشة؛ أفلا أكون عبدًا شكورًا؟

".

أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به.

وقال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عون الخراز -وكان ثقة بمكة- حدثنا محمد [٣] بن بشر، حدثنا مسعر، [عن قتادة] [٤]، عن أنس، قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه -أو قال: ساقاه- فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنْبك وما تأخر؟

قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".

غريب من هذا الوجه.

فقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي: بيّنًا ظاهرًا، والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض [٥]، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإِيمان.

وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه- التي لا يشاركه فيها [٦] غيره.

وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غَفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- في جميع أموره علي الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بَشَرٌ سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر علي الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة.

ولما كان أطوع خلق الله لله، وأكثرهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: "حبسها حابس الفيل".

ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم شيئًا يعظمون به حُرمات الله إلا أجبتهم إليها" (١٠).

فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح، قال الله له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعُك الله وينصرك على أعدائك.

كما جاء في الحديث الصحيح (١١): " وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".

وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عاقبت-[أي: في الدنيا والآخرة] [١]- أحدًا عصى الله تعالى فيكَ بمثل أن تطيعَ الله فيه.

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة.

قاله ابن عباس، وعنه: الرحمة.

وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين.

وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك، واستقرت، زادهم ايمانًا مع إيمانهم.

وقد استدل به البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.

ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولو أرسل عليهم مَلكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، قد تقدم حديث أنس (١٢): قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله؛ هذا لك فما لنا؟

فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم [١] عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: ﴿عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

ثم قال مؤكدًا لقدرته علي الانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: علي الخلق، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرنى.

وقد تقدم تفسيرها في "سورة الأحزاب".

﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه.

﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، من التوقير وهو الاحترام والإِجلال والإِعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: يسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره.

ثم قال تعالى لرسوله، ﷺ، تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويري مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع [١] بواسطة رسوله ﷺ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله".

وحدثنا أبي (١٣)، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: "والله ليبعثنه [٢] الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد علي من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾.

ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وَبَالُ ذلك على الناكث، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا.

وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل: ألف [١] وثلثمائة.

وقيل: أربعمائة [٢].

وقيل: وخمسمائة.

والأوسط أصح.

ذكر الأحاديث الواردة في ذلك قال البخاري (١٤): حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة.

ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به.

وأخرجاه (١٥) أيضًا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر؛ قال: كنا يومئذ ألفًا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فنبع الماء [٣] من بين أصابعه، حتى رَوَوْا كلهم.

وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهمًا من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟

قال: كنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا.

وفي رواية في [٤] الصحيحين (١٦) عن جاير أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

وروى البخاري (١٧) من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة.

[قلت: فإن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانوا أربع عشرة مائة.

قال ﵀: وَهِمَ، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول: خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال: أربع عشرة مائة] [٥].

وروى العوفي [١] عن ابن عباس؛ أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين.

والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي (١٨)، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين [٢]، عن شَبَابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة.

وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع (١٩)، ومعقل بن يسار (٢٠)، والبراء بن عازب (٢١).

وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير.

وقد أخرج صاحبا الصحيح (٢٢) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال [٣]: سمعت عبد الله بن أبي أوفى؛ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفًا وأربعمائة [٤]، وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمْنَ المهاجرين.

وروى محمد بن إسحاق في السيرة (٢٣)، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المشور [ابن مخرمة] [٥] ومَرْوان بن الحكم أنهما حدثاه؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة نفر.

وكان جابر بن عبد الله -فيما بلغني عنه- يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة كذا قال ابن إسحاق، وهو [معدود من أوهامه [٦]] [٧]، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة.

[ذكر سبب هذه البيعة العظيمة] قال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (٢٤): ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، ليبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا علي نفسي، وليس بمكة من بني عَديّ بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغِلَظي عليها، ولكني أدلك علي رجل أعَزّ بها مني، عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت، ومعظّمًا لحرمته.

فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بَلّغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى [١] أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ.

فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [٢] رسول الله، ﷺ.

واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسولَ الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل.

قال ابن إسحاق (٢٥): فحدثني عبد الله بن أبي بكر؛ أن رسول الله ﷺ، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم".

ودعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم [٣] رسول الله، ﷺ، على الموت.

وكان جابر بن عبد الله، يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ.

فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجَدّ بن قيس أخو بني سلمة [٤]، فكان جابر يقول: والله لكأني [٥] أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبَأ إليها [٦] يستتر [٧] بها من الناس ثم أتى رسول الله، ﷺ، أن الذي كان من أمر عثمان باطل.

وذكر ابن لَهِيعة (٢٦)، عن الأسود، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وزاد في سياقه: أن قريشًا بعثوا وعندهم عثمان [] [١] سهيلَ بن عمرو، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عندهم [٢] إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين مَنْ عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن [٣] روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ، فأمر [٤] بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا.

فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدًا، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [٥] الصفار، حدثنا تمتام [٦]، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم؛ إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله".

فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.

قال ابن هشام (٢٧): وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر؛ قال [٧]: بايع [رسول الله ﷺ] [٨] لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.

وقال عبد الملك بن هشام النحْوي (٢٨): فذكر وكيع، عن إسماعيل بن [٩] أبي خالد، عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنَان الأسدي.

وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (٢٩): حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان، فقال: ابسط يدك أبايعك.

فقال النبي ﷺ: "علام تبايعني؟

".

فقال أبو سنان: على ما في نفسك.

هذا أبو سنان وَهبُ الأسدي، ﵁.

وقال البخاري (٣٠): حدثنا.

شجاع بن الوليد، سمع النضر [١] بن محمد، حدثنا صخر [٢]، عن نافع؛ قال: أن الناس يتحدثون أن ابن عُمَر أسلم قبل عُمَر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم [٣] للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يُبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسولَ الله ﷺ، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.

ثم قال البخاري (٣١): وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عُمَر بن محمد العُمَري، أخبرني نافع، عن ابن عمر؛ أن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ [يوم الحديبية] [٤] قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس مُحدقونَ [٥] بالنبي ﷺ فقال -يعني عمر-: يا عبد الله؛ انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ.

فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع.

وقد أسنده البيهقي عن أبي [٦] عمرو الأديب، عن أبي بكر الإِسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دحيم: حدثني الوليد بن مسلم، فذكره.

وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت.

رواه مسلم (٣٢)، عن قتيبة، عنه.

وروى مسلم (٣٣) عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُرَيع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن [١] الأعرج، عن معقل بن يَسَار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ.

وقال البخاري (٣٤): حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة.

قال يزيد: قلت: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟

قال: على الموت.

وقال البخاري أيضًا (٣٥): حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عُبَيد، عن سَلَمة؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية ثم تنحيت، فقال: "يا سلمة؛ ألا تبايع؟

" قلت: قد بايعت.

قال: "أقبل فبايع".

فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؛ قال: على الموت.

وأخرجه مسلم من وجه أخر عن يزيد بن أبي عبيد.

وكذا روى البخاري (٣٦) عن عباد بن تميم: أنهم بايعوه على الموت.

وقال البيهقي (٣٧): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع؛ قال: قَدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرْويها [١]، فقعد رسول الله ﷺ علي جَبَاها -يعني الرّكي- فإما دعا وإما بَصَق [٢] فيها، فجاشت فسقينا واستقينا.

قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلي البيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال [ﷺ: "بايعني يا سلمة".

قال: قلت: يا رسول الله، قد بايعتك في أول الناس] [٣].

قال: "وأيضًا".

قال [٤]: ورآني رسول الله، ﷺ، عَزِلًا فأعطاني حجفة -أو دَرَقَة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ﷺ: "ألا تبايع يا سلمة؟

".

قال: قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم.

قال: "وأيضًا".

فبايعته الثالثة، فقال: "يا سلمة؛ أين حَجَفَتك أو دَرَقَتك التي أعطيتك؟

".

قال: قلت: يا رسول الله؛ لقيني عامر عزلًا فأعطيتها أياه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم؛ أبغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي"، قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشي بعضنا في بعض فاصطلحنا.

قال: وكنت خادمًا لطلحة بن عُبَيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحُسّهُ [٥] وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مُهَاجرًا إلى الله ورسوله.

فلما اصطلحنا نحن وأهلُ مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فَكَسَحْتُ [٦] شوكها [٧]، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، وتحولت إلي [٨] شجرة أخرى فَعلّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادي مناد من أسفل الوادي: [يا للمهاجرين] [٩]، قُتل ابن زُنَيم.

فاخترطت سيفي فشددت علي أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثًا في يدي، ثم قلت: والذي كَرّم وجهَ محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه.

قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلي رسول الله ﷺ.

قال: وجاء عمي عامر برجُل من العَبَلات يقال له: "مكرَز [١٠] " من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم علي رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: "دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثنَاه".

فعفا عنهم رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ … الآية.

وهكذا رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهوية بسنده نحوه أو قريبًا منه.

وثبت في الصحيحين (٣٨) من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب؛ قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة.

قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كان تَبَيّنتْ [١] لكم فأنتم أعلم.

وقال أبو بكر الحميدي (٣٩): حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلي البيعة، وجدنا رجلًا منا يقال له: "الجد بن قيس" مختبئًا تحت إبط بعيره [٢].

رواه مسلم من حديث ابن جُرَيج، عن ابن الزبير به.

وقال الحميدي أيضًا (٤٠): حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابرًا قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ: "أنتم خير أهل [٣] الأرض اليوم".

قال جابر: لو كنت أبصرُ لأريتكم موضع الشجرة.

قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها.

أخرجاه من حديث سفيان.

وقال الإِمام أحمد (٤١): حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة".

وقال ابن أبي حاتم (٤٢): حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سَعيدُ [٤] بن عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحبُ الجمل الأحمر".

قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا: تعال فبايع.

فقال: أصيبُ بعيري أحبّ إليّ من أن أبايع.

وقال عبد الله بن أحمد (٤٣): حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قُرّة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "من يصعد الثنية ثَنيَّة المُرَار [١] فإنه يُحَطّ عنه ما حُطّ [٢] عن بني إسرائيل".

فكان أول من صَعد خيل [٣] بني [٤] الخزرج، ثم تبادر الناس بعد فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له [٥] إلا صاحب الجمل الأحمر".

فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله.

فقال: والله لأن أجد ضالتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم.

فإذا هو رجل يَنْشُدُ ضالة.

رواه مسلم عن عُبَيد الله به.

وقال ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا؛ يقول: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد".

قالت: بلي يا رسول الله.

فانتهرها.

فقالت لحفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فقال النبي ﷺ: "قد قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ".

رواه مسلم (٤٤).

وفيه أيضًا عن قتيبة (٤٥)، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن [عبدًا لحاطب] [٦] بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله؛ ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت: لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحديبية".

ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَي نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَي بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾.

﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَي أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.

يقول تعالى مخبرًا رسوله [١]-صلوات الله وسلامه عليه- بما يعتذر به المخلفون بن الأعراب الذين اختاروا المُقَام في أهليهم وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده فيكم -تعالى وتقدس- وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ [٢] خَبِيرًا﴾.

ثم قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: اعتقدتم أنهم يُقتلون وتُستأصل شأفتهم، وتستباد خَضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى.

قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.

وقال قتادة: فاسدين.

وقيل: هي بلغة عمَّان.

ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.

ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه.

﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا (١٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: إنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم [١] ومصابرتهم، فأمر الله رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها [٢] غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعًا وقدرًا؛ ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.

قال مجاهد، وقتادة، وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية.

واختاره ابن جرير.

وقال ابن زيد: هو قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.

وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في "براءة" نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن غزوة الحديبية.

وقال ابن جريج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: بتثبيطهم [٣] المسلمين عن الجهاد.

﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعبد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم] [١] الخروج معهم، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم.

﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد علي أقوال: أحدها: أنهم هَوَازن؛ رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة، أو جميعًا- ورواه هشيم عن أبي بشر، عنهما.

وبه يقول قتادة في رواية عنه.

الثاني: ثقيف.

قاله الضحاك: الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، ورُوي مثله عن سعيد وعكرمة.

الرابع: هم أهل فارس.

رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة [٢]- في إحدي الروايات عنه.

وقال كعب الأحبار: هم الروم.

وعن ابن أبي ليلي، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس والروم.

وعن مجاهد: هم أهل الأوثان.

وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة.

وبه بقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: لم يأت أولئك بعد.

وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون.

قال (٤٦): وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: "لا قوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذْلْفَ [١] الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة".

قال سفيان: هم الترك.

قال ابن أبي عمر [٢]: وجدت في مكان آخر: ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله ﷺ: "تقاتلون قومًا نعالهم [٣] الشعر".

قال: هم البارزون؛ يعني: الأكراد.

وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، يعني يشرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.

ثم قال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا [٤] في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمي والعَرَج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه مُلحَقٌ بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.

ثم قال تعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكلُ [٥] عن الجهاد، ويُقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.

﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سَمُرة بأرض الحديبية.

قال البخاري (٤٧): حدثنا محمود، حدثنا عبيد [١] الله، عن إسرائيل، عن طارق بن [٢] عبد الرحمن؛ قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت [٣]: ما هذا المسجد؟

قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان.

فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة.

قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسيناها فلم نَقدِر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم، سلموها وعُلّمتموها [٤] أنتم، فأنتم أعلم.

وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فأنزل [] [٥] السكينة﴾، وهي الطمأنينة، ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدئهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.

قال ابن أبي حاتم (٤٨): حدثنا [أحمد بن محمد] [٦] بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى -يعني إلي عبيدة- حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه؛ قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: [أيها الناس؛ البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس.

قال: فَثُرنا إلى رسول الله ﷺ] [١] وهو تحت شجرة سَمُرة فبايعناه [٢]، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فبايع لعثمان بإحدى [٣] يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئًا لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هاهنا.

فقال رسول الله ﷺ: "لو مكث كذا كذا سنةً ما طاف حتى أطوف".

﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، هي جميع المغانم إلي اليوم، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعني فتح خيبر.

وروي العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعنيِ صلح الحديبية.

﴿وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال.

وكذلك كف أيدي الناس الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم علي سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخِيرَة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾.

﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله.

وقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم؛ فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.

وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها؟

فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر.

وهذا على قوله في قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: إنها صلح الحديبية.

وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال قتادة: هي مكة.

واختاره ابن جرير.

وقال ابن أبي ليلي، والحسن البصري: هي فارس والروم.

وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلي يوم القيامة.

وقال أبو داود الطيالسي (٤٩): حدثنا شعبة، عن سماك الحَنَفي، عن ابن عباس: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾، قال: هذه الفتوح التي [١] تفتح إلى اليوم.

وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يقول تعالى مبشرًا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار [٢] فارًّا مدبرًا لا يجدون وليًّا ولا نصيرًا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين.

ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [٣]﴾ أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإِيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإِيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه [٤] المؤمنين نصرهم علي أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعُددهم.

وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾: هذا امتنان من الله علي عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن [١] المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلًّا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا فيه خِيَرَةٌ للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة.

وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع حين جاءوا بأولئك السبعين الأساري فأوثقوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم وقال: "أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثِنَاه [٢] ".

قال: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.

وقال الإِمام أحمد (٥٠): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك؛ قال: لما [٣] كان يوم الحديبية هبط علي رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرّة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا -قال عفان: فعفا عنهم- ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾.

ورواه مسلم وأبو داود في سننه، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، من طرق، عن حماد بن سلمة به.

وقال أحمد أيضًا [٤] (٥١): حدثنا زيد [٥] بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البُناني، عن عبد الله بن [مغفل المزني] [٦]، قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة علي ظهر رسول الله ﷺ وعليٌّ بن أبي طالب، وسهيلُ بن عمرو بين يديه- فقال رسول الله ﷺ لعليّ: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم".

فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم.

اكتب في قضيتنا ما نعرف.

[قال: "اكتب باسمك اللهم".

وكتب: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة".

فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف] [١].

فقال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله".

فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ: "هل جئتم في عهد أحد؟

" أو: "هل جعل لكم أحد أمانا؟

".

فقالوا: لا.

فخلي سبيلهم، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾.

رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به.

وقال ابن جرير (٥٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي، حدثنا [٢] جعفر، عن ابن أبزي؛ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهي إلي ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله؛ تدخل [٣] على قوم لك حَرْب بغير سلاح ولا كُراع؟

قال: فبعث إلي المدينة، فلم يدع فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتي مني، فنزل بمنى [فأتاه عينه] [٤] أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: "يا خالد؛ هذا [] [٥] ابن عمك أتاك في الخيل".

فقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله -فيومئذ سُمي سيف الله- يا رسول الله؛ ارم بي أين شئت.

فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إلى ﴿عذابًا أليمًا﴾.

قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا [٦] من المسلمين كانوا بقوا [٧] فيها كراهية أن تطأهم الخيل.

ورواه ابن أبي حاتم (٥٣) عن ابن أبزي [١] بنحوه.

وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدًا لم يكن أسلم، بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح.

ولا يجوز أن يكون [في عمرة القضاء] [٢]؛ لأنهم قاضوه علي أن يأتي من العام المقبل [٣] فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه [٤] ولا حاربوه ولا قاتلوه.

فإن قيل: فيكون يوم الفتح؟

فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنه لم يسق عام الفتح هَديًا [٥] وإنما جاء محاربًا مقلاتلًا في جيش عَرَمْرَم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم.

وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس؛ أن قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطفيُوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصبيوا من أصحابه أحدًا، فأخِذُوا أخذًا، فَأتي بهم رسولَ الله ﷺ فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رَموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل.

قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.

وقال قتادة (٥٤): ذُكر لنا أن رجلًا يقال له: "ابن زُنيم" اطلع علي الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا فأتوه باثني عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم: "هل لكم علي عهد؟

هل لكم علي ذمة؟

".

قالوا: لا.

فأرسلهم، وأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.

﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومَن مالأهم علي نصرتهم علي رسول الله ﷺ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلي محله، وهذا [من بغيهم] [١] وعنادهم، وكان الهديُ سبعين بدنة كما سيأتي بيانه.

وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة علي أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خَضْراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلّص من بن أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلي الإِسلام.

ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلًا ذريعًا.

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٥): حدثنا أبو الزنباع [٢] روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله أبو [٣] سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا حجر بن خلف: سمعت عبد الله بن عوف [٤]؛ يقول [٥]: سمعت جُنَيدَ بن سَبُع؛ قول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرًا وقاتلت معه آخر النهار مسلمًا، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.

قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتين.

ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه: عن أبي [١] جمعة جُنيد بن سبع … فذكره، والصواب أبو جعفر: حبيب بن سباع.

ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر ابن خلف به.

وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.

وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان [٢] بن جَبَلَة، عن أبي حمزة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذابًا أليما بقتلهم إياهم.

وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وذلك حين أبوا أن يكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأبوا أن يكتبوا: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، وهي قول "لا إله إلا الله"، كما قال ابن جرير، وعبد الله بن الإمام أحمد (٥٧): حدثنا الحسن بن قَزَعة أبو علي البصري، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثُوَير، عن أبيه، عن الطفيل [٣]-يعني إلي أبيّ بن كعب- عن أبيه: سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: "لا إله إلا الله".

وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال: "غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه".

وقال ابن أبي حاتم (٥٨): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ أن أبا هريرة أخبره؛ أن رسول الله ﷺ، قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه علي الله".

وأنزل الله في كتابه، وذكر قومًا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.

وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، وهي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية، وكاتبهم رسول الله ﷺ علي قضية المدة.

وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري.

والظاهر أنها مُدرجة [١] من كلام الزهري، والله أعلم.

وقال مجاهد: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: الإِخلاص.

وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير.

وقال يونس بن بكير (٥٩)، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.

وقال الثوري (٦٠)، عن سلمة بن كهيل، عن عَبَاية بن ربعي، عن عليٍّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر.

وكذا [قال ابن عمر ﵄] [٢] وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.

وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والجهاد في سبيله.

وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

وقال عبد الله بن المبارك (٦١)، عن معمر، عن الزهري: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وقال قتادة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله.

[﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾،] [٣] كان المسلمون أحق بها وكانوا [٤] أهلها.

﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.

وقد قال النسائي (٦٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد [١]، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن [٢] عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن [بُسْر بن عُبيد الله] [٣]، عن أبي إدريس، عن أبيّ بن كعب؛ أنه كان يقرأ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام.

فبلغ ذلك عمر فأغلظ له، فقال: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله.

فقال عمر: بل أنت رجل عندك [٤] علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله.

[(وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح)] قال الإمام أحمد (٦٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عي عروة بن الزبير، عن المسور بن مَخْرَمة ومَروان بن الحكم؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ [عام الحديبية] [٥] يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهَدي سبعين بَدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بَدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله؛ هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عَنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قَدّموه إلي كُرَاع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: "يا ويح قريش!

قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر الناس؟

فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإِسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟

فوالله لا أزال أجاهدهم علي الذي بعثني الله به [٦] حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة".

ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين [٧] ظهري الحمض علي طريق تخرجه علي ثنية المرار [٨] والحديبية من أسفل مكة.

قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قُتْرَة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين الي قريش، فخرج رسول ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار [١]، بركت نافته، فقال الناس: خلأت.

فقال رسول الله ﷺ: "ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني [٢] قريش اليوم إلي خطة يسألوني [٣] فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها".

ثم [٤] قال للناس: "انزلوا".

قالوا: يا رسول الله؛ ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس.

فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَليب من تلك القُلُب، فغرزه [٥] فيه فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعَطَن.

فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش؛ إنكم تَعجَلون على محمد، وإن [٦] محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.

قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: كانت [٧] خزاعة في عَيبة [٨] [] [٩] رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان [١٠] بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدًا علينا عَنوة، ولا يتحدث بذلك العرب.

ثم بعثوا إليه مكْرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر".

فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ كلّمه رسول الله ﷺ بنحو مما كَلَّم به أصحابه، ثم رجع إلي قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله، فبعثوا إليه الحليس [١١]- بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم تألهون [١٢]، فابعثوا الهَدْي [في وجهه"] [١٣]، فبعثوا الهدي] [١٤]، فلما رأي الهدي يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره [١٥] من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأي، فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صَده، الهدي في قلائده قد أكل أوتاره [١] من طول الحبس عن محله.

قالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك.

فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقي منكم من تبعثون إلي محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني [٢] من قومي، [ثم جئت] [٣] حتى آسيتكم [٤] بنفسي.

قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم.

فخرج حتى أتي رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد، جمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضّها، إنها قريش قد خرجت معها العُود المطافيل، قد لبسوا جلُود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا.

وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا.

قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ، فقال: امصص بَظر اللات!

أنحن ننكشف عنه؟!

قال: من هذا يا محمد؟

قال: "هذا ابن أبي قُحافة".

قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها.

ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف علي رأس رسول الله ﷺ [في الحديد] [٥]، قال: فقَرع يده.

ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ [قبل -والله- لا تصل إليك [٦].

قال: ويحك!

ما أفظك [٧] وأغلظك!

فتبسم رسول الله، ﷺ،] [٨] قال: من هذا يا محمد؟

قال ﷺ: "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة" قال: أغُدَرُ، وهل غسلت [٩] سوأتك إلا بالأمس؟!

قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا.

قال [١٠]: فقام من عند رسول الله وقد رأي ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه.

فرجع إلي قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئتُ كسري في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت مَلكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرَوا رأيكم.

قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلي مكة، وحمله علي جمل له يقال له: "الثعلب"، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه، إلي مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عَدي أحد يمنعني.

وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلطتي [١] عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفان.

قال: فدعاه رسول الله ﷺ [فبعثه إلى قريش] [٢] يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما [٣] جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته.

فخرج عثمان حتى أتي مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله [٤] بين يديه ورَدِف خلفه، وأجاره حتى بَلّغَ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتي أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ به.

فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [٥] رسول الله قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله أن عثمان قد قُتل.

قال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا تكن [٦] في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تَحدّثُ العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا.

فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ؛ قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل".

فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جري بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتي أبا بكر فقال: يا أَبا بكر؛ أو ليس برسول الله؟

أوَ لسنا بالمسلمين؟

أوَ ليسوا بالمشركين؟

قال: بلي.

قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟

فقال أبو بكر: [يا عمر] [٧]، الزم غَرْزَه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله.

قال عمر: وأنا أشهد.

ثم أتي رسول الله فقال: يا رسول الله، أوَ لسنا بالمسلمين؟

أوَ ليسوا بالمشركين؟

قال: "بلى".

قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟

فقال: "أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني".

ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا.

قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم".

[فقال سهيل بن عمرو] [٨]: ولا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهم.

فقال رسول الله: "اكتب باسمك اللَّهم.

هذا ما صالح [٩] عليه محمد رسول الله [سهيل بن عمرو"،] [١] فقال سهيل بن عمرو: ولو [٢] شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح [٣] عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن من فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة [٤]، وأنه لا أسلال ولا أغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده.

وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.

وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها لأصحابك، وأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير [٥] السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بل سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأورا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا.

فلما رأي سهيل أبا جندل قام إليه [فضرب وجهه] [٦] وقال: يا محمد، قد لجّت [٧] القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا.

قال: "صدقت".

فقام إليه فأخذ بتلابيبه [٨].

قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلي أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟

قال: فزاد الناس شرًّا إلي ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا جندل [اصبر و] [٩] احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا فأعطيناهم [علي ذلك وأعطونا عليه] [١٠] عهدًا، وإنا لن نغدر بهم".

قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب فجعل يمشي مع أبي جندل إلي جنبه وهو [١١] يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب.

قال: ويدني [١٢] قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه.

قال: فضنّ الرجل بأبيه.

قال [١]: ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: "يا أيا الناس، انحروا واحلقوا".

قال: فما قام أحد.

قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل [حتى عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل] [٢].

فرجع رسول الله، ﷺ، فدخل علي أم سلمة فقال: "يا أم سلمة، ما شأن الناس؟

".

قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تُكلِّمنَّ منهم إنسانًا، واعمد إلي هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتى أتى هديه فنحره، ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون.

قال: حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح.

هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق بنحوه وفيه إغراب.

وقد رواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به نحوه، وخالفه في أشياء.

وقد رواه البخاري ﵀ في صحيحه، فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيده، فقال في كتاب الشروط من صحيحه (٦٤): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المشور بن مخرمة ومَروان بن الحكم، يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زَمَن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتي ذا الحليفة قَلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بعُمرة وبعث عينًا له من خزاعة [٣]، وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط [٤] أتاه عينه فقال: إن قريشًا قد جَمَعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك.

فقال: "أشيروا -أيا الناس- عليّ، أترون أن نميل على عيالهم.

وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟

" - وفي لفظ: "أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم.

[فإن يأتونا كان الله قد قطع عُنقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين".

وفي لفظ] [١]: "فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين [٢] محرُوبين [٣] وإن نجوا [٤] يكن عُنقًا قطعها الله، أم تَرَون أن نَؤُمّ البيت فمن صَدّنا عنة قاتلناه [٥]؟

".

فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربًا.

فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه- وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله أعلم [٦] إنما جئتنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه.

فقال النبي ﷺ: "فروحوا إذن".

وفي لفظ: "فامضوا على اسم الله".

حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن [٧] خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخدوا ذات اليمين".

فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَطُ عليهم منها، بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل".

ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها".

ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تَبَرّضًا، فلم يلبث [٨] الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّي حتى صدروا عنه.

فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَة [٩] نصح رسول الله من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، نزلوا أعدادًا [١٠] مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

فقال النبي ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نَهَكَتْهُم الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم [١١] مُدة ويخَلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن فاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمّوا [١٢]، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، و [١٣] لينفذن الله أمره".

قال بُديل: سأبلغهم [١٤] ما تقول.

فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول.

قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.

فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء.

وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول.

قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟

قالوا: بلى.

قال: أو لست بالولد؟

قالوا: بلى.

قال: فهل تتهموني؟

قالوا: لا.

قال: ألستم تعلمون أني استَنْفَرْتُ أهل عكاظ، فلما بَلَّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟

قالوا: بلى.

قال: فإن هذا قد عَرض عليكم خُطة رُشد فاقبلوها ودعوني آته.

قالوا: ائته.

فأتاه فجعل يكلم رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ له نحوًا من قوله لبُديل بن ورقاء.

فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟

وإن تك الأخري فإني والله لأري وجوهًا، وإني لأري أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويَدَعوك.

فقال له أبو بكر ﵁: امصص بَظْر اللات أنحن نفرّ وندعه؟!

قال: من ذا؟

قالوا: أبو بكر.

قال: أما والذي نفسي بيده لولا يَد كانت [١] لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك.

قال: وجعل يكلم النبي، ﷺ، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له [٢]: أخِّرْ يدك عن لحية النبي ﷺ.

فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟

قال: المغيرة بن شعبة.

فقال: أي غُدر، ألست أسعى في غَدْرتك؟!

وكان المغيرة بن شعبة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم.

فقال: النبي ﷺ: "أما الإِسلام فَأقبلُ، وأما المالُ فلست منه في شيء".

ثم إن عروة جعل يَرمُق أصحاب [٣] النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فَدلَك بها وجهه وجلْده، وإذا أمَرَهم ابتدَرُوا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خَفَّضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه، تعظيمًا له ﷺ.

فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت [٤] على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيمًا له.

وإنه قد عَرَض عليكم خُطة رشْد فاقبلوها.

فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته.

فقالوا: ائته.

فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال النبي ﷺ: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له"، فبُعثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله!

ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت.

فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلَّدت وأشْعرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت.

فقام [١] رجل منهم يقال له: "مكْرَز بن حفص"، فقال: دعوني آته.

فقالوا: ائته.

فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مكرز، وهو رجل فاجر [٢] ".

فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.

وقال معمر: أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: "قد سَهُل لكم من أمركم".

قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا و بينك كتابًا.

فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ: "اكتب [٣] بسم الله الرحمن الرحيم".

فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب.

فقال المسلمون: والله لا [٤] نكتبها إلا: "بسم الله الرحمن الرحيم".

فقال النبي ﷺ: "اكتب: باسمك اللَّهم".

ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله".

فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله".

فقال النبي ﷺ: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني.

اكتب محمد بن عبد الله".

قال الزهري: وذلك لقوله: "والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".

فقال له النبي ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به".

فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذْنَا ضُغْطَة، ولكن ذلك من العام المقبل.

فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا.

فقال المسلمون: سبحان الله!

كيف يُرَد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟!

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر [٥] المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تَرُدّه إليّ.

فقال النبي ﷺ "إنا لم نقْضِ الكتاب بعد".

قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدًا.

فقال النبي ﷺ: "فَأجزْه لي".

فقال: ما أنا بمجيز ذلك لك.

مَال: "بل [١] فافعل".

قال: ما أنا بفاعل.

قال مكْرَز: بلى قد أجزناه لك.

قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟

ألا ترون ما قد لقيت؟!

وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله ﷿.

قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا؟

قال ﷺ: "بلى".

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟

قال: "بلى".

قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟

قال: إني رسول الله؛ ولستُ أعصيه، وهو ناصري.

قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: "بلى، أفأخبرتك [٢] أنا نأتيه العام؟

".

قلت: لا.

قال: "فإِنك آتيه ومُطَّوِّف به".

قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر؛ أليس هذا نبي الله حقًّا؟

قال: بلى.

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟

قال: بلى.

قلت.: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟

قال: أيها الرجل؛ إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق.

قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: بلى.

قال: [أفأَخبرك أنك تأتيه] [٣] العام؟

قلت: لا.

قال: فإنك تأتيه وتطوف به.

قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا.

قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قواموا فانحروا ثم احلقوا".

قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات!!

فلما لم يقم منهم أحد دخل علي أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة: يا نبي الله؛ أتحب ذلك؟

اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر كدنك وتدعو حالقك فيحلقك.

فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.

فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخري صفوان بن أمية.

ثم رجع النبي ﷺ إلي المدينة فجاءه أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا؟.

فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأري سيفك هذا يا فلان جيدًا.

فاستلَّه الآخر.

فقال: أجَل والله إنه لجيد، لقد جَرّبت منه ثم جربت.

فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه.

فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتي المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأي هذا ذُعْرًا".

فلما انتهي إلي النبي ﷺ قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول.

فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله؛ قد -والله -أو في الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم.

فقال النبي ﷺ: "ويل أمّه مِسْعَرُ حرب!

لو كان له أحد".

فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتي سيفَ البحر: قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريش إلي الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم.

فأرسلت قريش إلي النبي ﷺ تناشده الله والرحم لمَّا أرسل إليهم: "فمن أتاه منهم فهو آمن".

فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حتى بلغ: ﴿حمية الجاهلية﴾، وكانت حميتهم أنهم لم يُقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.

هكذا ساقه البخاري هاهنا.

وقد أخرجه في التفسير.

وفي عُمرة الحديبية، وفي الحج، وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كليهما [١] عن الزهري به.

ووقع في بعض الأماكن عن الزهري، عن عروة، عن [٢] مروان والمسور، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك.

وهذا أشبه والله أعلم.

ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلي ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وقال البخاري في التفسير (٦٥): حدثنا أحمد بن إسحاق السّلَمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت؛ قال: أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلي كتاب الله؟

فقال علي بن أبي طالب: نعم.

فقال سهل بن حُنَيف: اتّهمُوا [٣] أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ و [بين] [٤] المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟

أليس قتلانا فِي الجنة وقتلاهم في النار؟

فقال: "بلى".

قال: ففيم نُعطي الدنية في ديننا ونرجع ولَمَّا يحكم الله بيننا؟

فقال: "يا بن الخطاب؛ إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبًدا".

فرجع مُتَغَيّظًا فلم يصبر حتى جاء [١] أبا بكر فقال: يا أبا بكر؛ ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟

فقال: يا بن الخطاب؛ إنه رسول الله، ولن يضيعه الله [٢] أبدًا.

فنزلت سورة الفتح.

وقد رواه البخاري أيضًا في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان [٣] بن سلمة، عن سهيل [٤] بن حنيف به.

وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس؛ اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر علي أن أرد علي رسول الله ﷺ أمره لرددته.

وفي رواية: فنزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فقرأها عليه.

وقال الإِمام أحمد (٦٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل [٥] بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعليّ: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم".

فقال سهيل: لا ندري، ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللَّهم.

فقال: "اكتب من محمد رسول الله".

قال: لو نعلم [٦] أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.

فقال النبي ﷺ: "اكتب من محمد بن عبد الله".

واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا [٧] نرده عليكم، ومن جاءكم [٨] منا رددتموه علينا.

فقال: يا رسول الله؛ أنكتب [٩] هذا؟

قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله".

رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به [١٠].

وقال أحمد أيضًا (٦٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار قال [١]: حدثني سماك، عن عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا [٢]، فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعليّ: "اكتب يا عليّ؛ هذا ما صالح عليه محمد رسول الله".

قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك.

فقال رسول الله: "امح يا علي؛ اللهم؛ إنك تعلم أني رسولك، امح يا عليّ واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله".

والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة، أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي، بنحوه.

وروي الإِمام أحمد (٦٨)، عن يحيى بن آدم: [حدثنا زهير] [٣] عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقْسم، عن ابن عباس ﵄؛ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدّت عن البيت حَنَّت كما تَحِنّ إلي أولادها.

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ كان رسول الله ﷺ قد أُرِيَ في المنام أنه دخل مكة وطاف [] [٤] بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح، ورجعوا عامهم ذلك علي أن يعودوابن قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: "بلى، [] [٥] أفأخبرتك أنك تأتيه [٦] عامك هذا؟

".

قال: لا، قال: "فإنك آتيه ومُطَّوِّف به".

وبهذا أجاب الصديق، ﵁، أيضًا حَذْو [القُذَّة بالقُذّة] [١].

ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء، ﴿آمنين﴾ أي: في حال دخولكم.

وقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، حال مقدرة، لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره.

وثبت في الصحيحين (٦٩) أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين".

قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟

قال: "رحم الله المحلقين".

قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟

قال: "رحم الله المحلقين".

قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟

قال: "والمقصرين في الثالثة أو الرابعة.

وقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾: حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد.

وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلي المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلي خيبر ففتحها الله عليه بعضها عَنوة وبعضها صلحًا، وهي إقليم عظيم كثير النخيل [٢] والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها علي الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه، ولم يغب منهم أحد -قال ابن زيد: إلا ألا دجانة [سماك بن خرشة] [٣]، كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلي المدينة.

فلما كان في ذي القعدة سنة سبع خرج إلي مكة معتمرًا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحُلَيفة، وساق معه الهَدْي، قيل: كان ستين بدنة.

فَلَبَّي وسار وأصحابه يُلَبّون.

فلما كان قريبا من مَرّ الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه.

فلما رآه المشركون رُعبوا رعبًا شديدًا وظنوا [٤] أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينه ولعنهم من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر [٥] الظهران حيث ينظر إلي أنصاب الحرم بعث السلاح من [٦] القسي والنبل والرماح إلي بطن يَأجج، وسار إلي مكة بالسيوف مغمدة في قربها، كما شارطهم عليه.

فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا مُحمد، ما عرفناك تنقض العهد.

قال: "وما ذاك؟

" قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح.

فقال: "لم يكن [١] ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج".

فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء.

وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه غيظًا وحنقًا.

وأما بقية أهل مكة بن الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحاله يُلبّون، والهدي قد بعثه إلى ذي طُوَى وهو راكب ناقته القصواء [٢] التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رَوَاحة الأنصاري آخد بزمام ناقة رسول الله ﷺ يقودها، وهو يقول: باسْم الذي لا دينَ إلا دينُهُ … باسْم الذي محمدٌ رَسُولُه خَلّوا بَني الكُفَّار عَنْ سَبِيله … اليَوْمَ نَضْربكُم عَلَى تَأويله كَمَا ضَرَبْنَاكُم عَلى تَنْزِيله … ضَرْبًا يُزِيلُ الهَام عَنْ مَقِيله وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَن خليله … قَدْ أنْزَل الرّحْمَنُ في تَنْزِيله في صُحُف تُتْلَى عَلى رَسُوله … بِأَن خَير القَتْل في سَبِيله يا رَب إني مُؤمنٌ بقِيله فهذا مجموع من روايات متفرقة.

قال يونس بن بكير (٧٠)، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عُمرة القضاء، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته ﷺ، وهو يقول: خَلّوا بَني الكُفّار عَنْ سَبِيله … إنّي شَهيدٌ أنه رَسُولُه خَلّوا فَكلّ الخير في رَسُوله … يَارَبّ إنّي مُؤْمنٌ بقيله نَحن قَتَلْنَاكُم عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيله ضَربًا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … وَيُذهلُ الخَليلَ عَن خَلِيله وقال عبد الرزاق (٧١): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة [٣] القضاء، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه، وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغَرْزه، وهو يقول: خَلّوا بَنِي الكُفَّار عَن سَبيله … قَدْ نَزل الرّحْمَنُ في تنزِيله بأَنّ خَير القَتْل في سَبيله … يارَبّ إنّي مُؤمنٌ بقيله نَحن قَتَلنَاكمْ عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلنَاكُم عَلى تَنزِيله ضَربّا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … ويُذْهِل الخَليل عَنْ خَليله وقال الإمام أحمد (٧٢): حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل -يعني ابن زكريا - عن عبد الله -يعني ابن عثمان- عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مَرّ الظهران في عمرته، بلغ أصحابَ رسول الله ﷺ أن قريشًا ما يتباعثون من العَجَف، فقال أصحابه: لو انتحرنا [١] من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحَسَونا من مَرَقه، أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جَمَامَة.

قال: "لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم".

فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحثا [٢] كل واحد منهم في جرَابه.

ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع [٣] بردائه، ثم قال: "لا يرى القوم فيكم غمير".

فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم [لتنقُزُون نَقزَ] [٤] الظباء، [ففعل ذلك ثلاثة أشواط] [٥]، فكانتْ سُنَّة.

قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع.

وقال أحمد أيضًا (٧٣): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد [] [٦] بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وَهَنتهم حُمَّى يثرب، ولقوا منها سوءًا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرًّا.

وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أن يَرمُلوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جَلَدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد [١] وهنتهم؟

هؤلاء أجلد من كذا وكذا.

أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد، به.

وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة، أي من ذي القعدة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم و [قد] [٢] قد وهنتهم حمى يثرب.

فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإِبقاء عليهم.

قال البخاري (٧٤): وزاد ابن [٣] سلمة -يعني حماد بن سلمة- عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: "ارملوا".

ليُريَ المشركين [٤] قوتهم، والمشركون من قبل قُعَيقعَان [٥].

وحدثنا محمد (٧٥)، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: إنما سعى النبي ﷺ كالبيت وبالصفا والمروة، ليرى المشركون [٦] قوته.

ورواه في مواضع أخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن سفيان بن عيينة به.

وقال أيضًا (٧٦): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد سمع ابن أبي أوفى؛ يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين.

ومنهم؛ أن يؤذوا رسول الله ﷺ.

انفرد به البخاري دون مسلم.

وقال البخاري أيضًا (٧٧): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سُرَيج بن النعمان، حدثنا فُلَيح (ح) [١] وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فُليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا.

فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثًا [٢] أمروه أن يخرج، فخرج.

وهو في صحيح مسلم أيضًا.

وقال البخاري أيضًا (٧٨): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؛ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم في أن يُقيم [٣] بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: "هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله".

قالوا: لا نقر بهذا، ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله.

قال: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله".

ثم قال لعلي بن أبي طالب: "امحُ رسول الله".

قال: لا، والله لا أمحوك أبدًا؛ فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن يكتبُ، فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يُدْخِلُ مكة السلاحَ إلا السيف في القرَاب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها".

فلما دخلها ومضى الأجل، أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل.

فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ.

فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنةَ عمك.

فحملتها [٤]، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمي.

وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي.

وقال زيد: ابنة أخي.

فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم".

وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك".

وقال لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلُقي".

وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا".

قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟

قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".

انفرد به من هذا الوجه.

وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي فعلم [١] الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صَرْفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموه أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحًا قريبًا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.

ثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين [٢] ومشركين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: أنه رسوله، وهو ناصره.

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ يخبر تعالى عن محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا ريب، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهذا مبتدأ وخبر [٣]، وهو مشتمل على كل وصف جميل.

ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾.

وقال النبي ﷺ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".

وشبك بين أصابعه.

كلا الحديثين في الصحيح.

وقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإِخلاص فيها لله ﷿ والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول [١]، كما قال: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾.

وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: سيماهم في وجوههم يعني: السمت الحسن.

وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.

وقال ابن أبي حاتم (٧٩): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع.

قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه.

فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون.

وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.

وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار.

وقد أسنده ابن ماجة في سننه (٨٠)، عن إسماعيل بن محمد الطّلْحي [٢]، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار".

والصحيح أنه [٣] موقوف.

وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا [٤] في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.

وقال أمير المؤمنين عثمان [١]: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.

والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.

وقال [٢] أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن سلمة بن كُهَيل، عن جندَب بن سفيان البجلي؛ قال: قال النبي ﷺ: "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر".

العرزمي متروك.

وقال الإِمام أحمد (٨١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان".

وقال الإِمام أحمد (٨٢): حدثنا حسن، حدثنا زُهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان؛ أن أباه حدثه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: "إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة".

ورواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير به.

فالصحابة، ﵃، خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.

وقال [٣] مالك ﵀: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: "والله لهؤلاء [٤] خير من الحواريين فيما بلغنا [٥] ".

وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه، ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.

ومن هذه الآية انتزع الإِمام مالك ﵀ في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية.

ووافقه طائفة من العلماء على ذلك.

والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم [١] بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.

ثم قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾، "من" هذه لبيان الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووعد الله حق وصدق، لا يُخْلَف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم [٢]، ولهم [٣] الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.

قال مسلم في صحيحه (٨٣): حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه".

آخر تفسير سورة الفتح، ولله الحمد والمنة.

.

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله