تفسير ابن كثير سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الأنعام

تفسيرُ سورةِ الأنعام كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 358 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأنعام كاملةً (الحافظ ابن كثير الدمشقي)

سورة الأنعام [وهي مكية] [١] قال العوفي وعكرمة وعطاء، عن ابن عباس (١): أنزلت سورة الأنعام بمكة.

وقال الطبراني (٢): حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة، حولها سبعون ألف ملك، يجأرون حولها بالتسبيح.

وقال سفيان الثوري (٣): عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ [جملة، وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة.

وقال شريك (٤): عن ليث، عن شهر، عن أسماء، قال: نزلت سورة الأنعام على رسول الله ﷺ] [٢] وهو في مسير في زجل [٣] من الملائكة، وقد نظموا [٤] ما بين السماء والأرض.

وقال السدي (٥): عن مرة، عن عبد الله، قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة.

وروى نحوه من وجه آخر عن ابن مسعود.

وقال الحاكم في مستدركه (٦): حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه ومسلم، ثم قال: "لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق".

ثم قال: صحيح على شرط مسلم.

وقال أبو بكر بن مردويه (٧): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن دَرَسْتَوَيه الفارسي، حدثنا [أبو بكر أحمد] [١] بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن [نافع بن مالك أبي سهيل] [١]، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج" ورسول الله يقول: "سبحان اللّه العظيم، سبحان الله العظيم".

ثم روى ابن مردويه (٨): عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمرو، عن يوسف بن عطية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "نزلت علىَّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشيعها سبعون ألفًا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد".

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ يقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدًا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور؛ لكونه أشرف، [كقوله] [١]: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [٢]، وكما قال في آخر هذه السورة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

وقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه [٣] شريكًا وعدلًا، واتخذوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب، وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قال سعيد بن جبير (٩)، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: الموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: الآخرة.

وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم.

وقول الحسن [١] في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [قال] [٢]: ما بين أن يخلق إلى أن يموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وهو [٣] ما بين أن يموت إلى أن يبعث.

وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها والصير إلى الدار الآخرة.

وعن ابن عباس (١٠) ومجاهد: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: مدة الدنيا ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعنى: عمر الإنسان إلى حين موته.

وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [٤]﴾.

وقال عطية (١١)، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعنى: النوم يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: أجل موت الإنسان.

وهذا قول غريب.

ومعنى قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ أي: لا يعلمه إلا هو، لقوله تعالى: ﴿[إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي] [٥] لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وكقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ قال السدي وغيره: يعني: تشكون [٦] في أمر الساعة.

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجهمية الأوَلِ القائلين بأنه - تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا - في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك، [فالأصح من] [٧] الأقوال: أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغبًا ورهبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [خبرًا أو حالًا] [١].

والقول الثاني: أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض: من سر وجهر، فيكون قوله ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.

والقول الثالث: أن قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وهذا اختيار ابن جرير وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي جميع أعمالكم خيرها وشرها.

﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين: أنهم مهما أتتهم ﴿مِنْ آيَةٍ﴾، أي: دلالة ومعجزة، وحجة [٢] من الدلالات على وحدانية الله [٣]، وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون [٤] بها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا تهديد لهم، ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق: بأنه لابد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غِبَّه وليذوقن وباله.

ثم قال تعالى واعظًا ومحذرًا لهم: أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم [٥] قوة وأكثر جمعًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، واستغلالًا للأرض وعمارة لها، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أي: من الأموال والأولاد، والأعمار والجاه العريض، والسعة والجنود، ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاء لهم ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب، وجعلناهم أحاديث ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي: جيلًا آخر؛ لنختبرهم [١]، فعملوا مثل أعمالهم [٢]، فهلكوا كهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل [٣] ما أصابهم، فما [٤] أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه.

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ يقول الله تعالى مخبرًا عن كفر المشركين وعنادهم، ومكابرتهم للحق ومباهتتهم [٥] ومنازعتهم [٦] فيه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: عاينوه ورأوا نزوله، وباشروا ذلك ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن مكابرتهم للمحسوسات: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾.

﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [أي: ليكون معه نذيرًا] [٧]، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ [١] الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾، وقال [٢] تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا] [٣]﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: لو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي [٤]: لو بعثنا إلى البشر رسولًا ملكيًّا لكان على هيئة الرجل؛ لتُفْهَم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كقوله [٥] تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾، فمن رحمته تعالى بخلقه: أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلًا منهم؛ ليدعوا بعضهم بعضًا؛ وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ] [٦]﴾ الآية.

قال الضحاك (١٢): عن ابن عباس في [قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾] [٧] يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل [٨]؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور.

﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.

وقال الوالبي (١٣) عنه: ولشبَّهنا عليهم.

وقوله [٩]: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا تسلية للنبي ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة، والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله [١٠] وعاندوهم: من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.

﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين (١٤): من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".

وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم [بنفسه] [١] الكريمة ليجمعن عباده ﴿[إِلَى مِيقَاتِ] [٢] يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يوم القيامة الذي ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي [٣]: لا شك فيه [٤] عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون، وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية (١٥): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن [عثمان] [٥] بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين [وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة] [٦]، هل فيه ماء؟

قال: "والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين [٧] ألف ملك في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء".

هذا حديث غريب، وفي الترمذي (١٦): " إن لكل نبي حوضًا [وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة] [٨]، وأرجو أن أكون أكثرهم واردًا".

ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [أي: يوم القيامة] [٩]، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه [١٠] وتدبيره، لا إله إلا هو.

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.

ثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع [١] القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى [صراط الله] [٢] المستقيم: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما قال: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق.

﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الآيات.

وقرأ بعضهم هاهنا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: لا يأكل.

وفي حديث (١٧) سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ [على طعام] [٣]، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال: "الحمد لله الذي يُطْعِم ولا يُطْعَم، [ومنَّ] [٤] علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلُّ بلاء حسن أبلانا، الحمد للَّه غير مودع ولا مكافأ ولا مكفور، ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العُرْى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين".

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: من هذه الأمة ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ يعني: يوم القيامة ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي [٥]: العذاب ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعني: فقد ﵀ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الْمُبِينُ﴾ كقوله [١]: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ والفوز هو: حصول الربح ونفي الخسارة.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ يقول تعالى مخبرًا: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [٢].

وفي الصحيح (١٨): أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه وقدرته - الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه.

﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع ما يفعله [١] ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا لمن يستحق، ولا يمنع إلا من [٢] يستحق.

ثم قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: من أعظم الأشياء شهادة [٣] ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.

قال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ.

زاد أبو خالد: وكلمه.

ورواه ابن جرير (٢٠): من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد ﷺ.

وقال عبد الرزاق (٢١): عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: أن رسول الله ﷺ قال: "بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله".

وقال الربيع بن أنس (٢٢): حق على من اتبع رسول الله ﷺ: أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر كالذي أنذر.

وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.

﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.

ثم قال تعالى مخبرًا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء [عن المرسلين المتقدمين والأنبياء] [١]، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد ﷺ، وببعثه وصفته وبلده ومهاجره وصفة أمته؛ ولهذا قال بعده [٢]: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خسروا كل الخسارة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الأمر الجلي الظاهر، الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه.

ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [أي: لا أظلم ممن تقوّل على الله: فادَّعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن] [٣] كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: [لا يفلح هذا] [٤] ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيسألهم [٥] عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلًا لهم [٦]: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.

وقال عطاء الخراسانى (٢٣)، عن ابن عباس: [أي:] [١] معذرتهم.

وكذا قال قتادة.

[وقال ابن جريج، عن ابن عباس] [٢]: أي: قيلهم.

وكذا قال الضحاك.

وقال عطاء الخراساني: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ [٣]﴾ بليتهم حين ابتلوا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا عما [٤] سلف منهم من الشرك بالله ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

وقال ابن أبي حاتم (٢٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل فقال: يا ابن [١] عباس، سمعت الله يقول: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟

قال: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم [إذا] [٢] رأوا أنه [٣] لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا، فهل في قلبك الآن شيء؟

إنه ليس من القرآن شيء إلا [وقد أنزل] [٤] فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه.

وقال الضحاك (٢٥)، عن ابن عباس: هذه في المنافقين.

وفي هذا نظر؛ فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ [كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ] [٥]﴾، وكذا [٦] قال في حق هؤلاء: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، كما قال: ﴿ثُمَّ [٧] قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ] [٨]﴾.

وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: يجيئوك ليسمعوا قراءتك ولا تجزي عنهم شيئًا؛ لأن الله ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي: أغطة، لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: صمما عن السماع النافع فَهُمْ [٩]، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ] [١٠]﴾.

وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين [١] لا يؤمنوا بها، فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ] [٢]﴾.

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ أي: يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم.

وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وفي معنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول، والانقياد للقرآن، [﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ويبعدونهم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين: لا ينتفعون] [٣] ولا يدعون [٤] أحدًا ينتفع.

قال على بن أبي طلحة (٢٦)، عن ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: ينهون الناس عن محمد ﷺ أن يؤمنوا به.

وقال محمد بن الحنفية (٢٧): كان كفار قريش لا يأتون النبي ﷺ وينهون عنه.

وكذا قال [قتادة ومجاهد] والضحاك وغير واحد، هذا القول أظهر والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير.

والقول الثاني: رواه سفيان الثوري (٢٨)، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس، يقول في قوله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت فى أبي طالب، [كان ينهى الناس] [١] عن النبي ﷺ أن يؤذى.

وكذا قال القاسم بن مُخَيْمِرة وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار وغيره [٢]: إنها نزلت في أبي طالب.

وقال سعيد بن [] [٣] أبي هلال: نزلت فى عمومة النبي ﷺ وكانوا عشرة، فكانوا أشدّ الناس معه فى العلانية، وأشدّ الناس عليه فى السر.

رواه ابن أبي حاتم (٢٩).

وقال محمد بن كعب القرظي (٣٠): ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ينهون الناس عن قتله.

وقوله: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يتباعدون منه، ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يهلكون بهذا الصنيع ولا بعود وباله إلا عليهم وما [٤] يشعرون.

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ يذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [١]﴾ يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا؛ ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يكذبوا بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ [مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون] [٢] في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبل هذا بيسير: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.

ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم، من صدق ما جاءتهم [٣] به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، [كما قال تعالى] [٤] مخبرًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ … ﴾ الآية [٥]، وقوله تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [ظُلْمًا وَعُلُوًّا] [٦]﴾.

ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء: المنافقين [٧]، الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا اخبارًا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة [٨] مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد [٩] ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية [١٠]، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وعلى هذا: فيكون هذا إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة حين يعاينون العذاب، يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من المنافقين والنفاق والشقاق والله أعلم.

وأما معنى الإضراب [١١] في قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ] [١٢]﴾ فإنهم [١٣] ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة [١٤] في الإِيمان، بل خوفًا من العذاب الذي عاينوه، جزاء [١] على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فى تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإِيمان.

ثم قال مخبرًا عنهم: إنهم لو ردرا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه [من الكفر والمخالفة] [٢] ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.

أي: لعادرا لما نهوا عنه، و [٣] إنهم لكاذبون ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم [٤] لا معاد بعدها، ولهذا قال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، تم قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما [٥] كنتم تظنون ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بما كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن خسارة من كذب بلقاء الله، وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعال، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وهذا الضمير: يحتمل عوده على الحياة، وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة أي: فى أمرها.

وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: يحملون.

وقال قتادة (٣١): يعملون.

وقال [١] ابن أبي حاتم (٣٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر [٢]، عن عمرو [٣] بن قيس، عن أبي مرزوق، قال: ويُستقبل الكاِفر أو الفاجر عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن [٤] ريحًا، فيقول: من أنت؟

فيقول: أوَ مَا تعرفني؟

فيقول: لا واللهِ [٥]، إلا أن الله [قبح وجهك وأنتن ريحك] [٦].

فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت [٧] في الدنيا خبيث [٨] العمل منتنه، طالما ركبتني في الدنيا، هلم أركبك.

فهو قوله ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ [أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [٩]﴾.

وقال أسباط (٣٣)، عن السدي أنه قال: ليس من رجلٍ ظالم يموت [١٠] فيدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الرائحة، وعليه [١١] ثياب دنسة حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك.

قال: كذلك كان عملك قبيحًا [١٢].

قال: ما أنتن ريحك.

قال: كذلك كان عملك منتنًا [١٣].

قال: ما أدنس ثيابك، قال: فيقول: إن عملك كان دنسًا، قال له: من أنت؟

قال: أنا عملك، قال: فيكون معه [١٤] في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات وأنت اليوم تحملني، قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار فذلك قوله: ﴿وَهُمْ [١٥] يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.

وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: إنما غالبها كذلك ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [١٦]﴾.

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ يقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [] [١] أي: قد أحطنا علمًا [بتكذيب قومك] [٢] لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله [٣]: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.

وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري (٣٤)، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي قال: قال [٤] أبو جهل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به.

فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.

رواه [١] الحاكم: من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال ابن أبي حاتم (٣٥): حدَّثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدَّثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني: أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فصافحه [٢]، فقال له رجل: ألا أراك تصافح [٣] هذا الصابئ؟

فقال والله إني أعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعًا؟

وتلا أَبو يزيد: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.

وقال أَبو صالح وقَتَادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.

وذكر محمد بن إسحاق (٣٦)، عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي ﷺ من الليل، هو وأَبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق ولا يشعر واحد منهم بالآخر فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا فجمعتهم الطَّرِيقِ، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟

فذكر له ما جاء له، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنًا منه أن صاحبيه لا يجيئان؛ لما سبق [١] من العهود، فلما أصبحوا [٢] جمعتهم الطَّرِيقِ فتلاوموا، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا، فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضًا، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها.

[ثم تفرقوا] [٣]، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتَّى أتى أبا سفيان ابن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد.

قال: يا أبا ثعلبة، و الله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها.

قال الأخنس: وأمَّا والذي حلفت به.

ثم خرج من عنده حتَّى أتى أبا جهل، فدخل عليه في [٤] بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟

قال: ماذا سمعت؟، قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟

والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.

قال: فقام عنه الأخنس وتركه.

وروى ابن جرير (٣٧): من طريق أسباط، عن السدي في قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زُهرة: يا بني زُهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحق من كف [عن ابن أخته] [٥]، فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته] [٦]، قفوا [هاهنا] [٧] حتَّى ألقى أبا الحكم، فإن غُلب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئًا - فيومئذ سمى [الأخنس] [٨] وكان اسمه أبيَّ - فالتقى الأخنس وأَبو جهل فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا!

فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟

فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فآيات الله محمد ﷺ.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ، وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد [١] له بالنصر كما نصروا، بالظفر حتَّى [٢] كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر فى الدنيا كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [٣]: التي كتبها بالنصر [٤] في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من خبرهم كيف نصروا، وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾: إن كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ قال على بن أبي طلحة (٣٨)، عن ابن عبَّاس: النفق: السّرْب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك [٥] سلما في السماء، فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيتهم به فافعل.

وكذا قال قَتَادة والسدي وغيرهما.

وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] [٦]﴾، قال على بن أبي طلحة (٣٩)، عن ابن عبَّاس: في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قال: إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس]: يتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنَّه لا يؤمن إلَّا من قد [١] سبق له من الله السعادة فى الذكر الأول.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾] [٢]﴾ يعني بذلك الكفار؛ لأنَّهُم [٣] موتى القلوب، فشبههم [الله بأموات] [٤] الأجساد فقال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم.

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنهم كانوا يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ [آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ] [٥]﴾ أي: خارق على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون، كقولهم [٦]: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات.

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هو تعالى قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السابقة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.

وقال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.

وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.

قال مجاهد: أي: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها.

وقال قَتَادة: الطير أمة، والإِنس أمة، والجن أمة.

وقال السدي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلق أمثالكم.

وقوو: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: اجميع علمهم عند الله ولا ينسى واحدًا من جميعها: من رزقه وتدبيره، سواء كان بريًّا أو بحريًّا [١] كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

وقد قال الحافظ أَبو يعلى (٤٠): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدَّثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قلَّ الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يُخبر بشيء، فاغتم لذلك فأرسل راكبًا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق يسأل: هل رؤى [٢] من الجراد شيء أم لا؟

فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من [٣] جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثلاثًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله ﷿ ألف أمة؛ منها ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه".

وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (٤١): حدَّثنا أَبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو نعيم، حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: حشرها الموت.

وكذا رواه ابن جرير (٤٢) من طريق إسرائيل، عن سعيد [بن] [١] مسروق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: موت البهائم حشرها.

وكذا رواه العوفي عنه.

قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله.

والقول الثاني: أن حشرها [هو] [١] بعثها بوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.

وقال الإمام أحمد (٤٣): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن سليمان، عن منذر الثَّوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان [٢] فقال: "يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان [٣]؟

" قال: لا.

قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما".

ورواه عبد الرزاق (٤٤)، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن [٤] عند رسول الله ﷺ إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ: "أتدرون فيم انتطحتا؟

" قالوا: لا ندري.

قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما".

رواه ابن جرير، ثم رواه (٤٥) [١] من طريق منذر الثَّوري، عن أبي ذر ....

فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله ﷺ، وما يقلب [٢] طائر جناحيه [٣] في السماء، إلَّا [ذكر لنا] [٤] منه علمًا.

وقال عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (٤٦): حدثني عبَّاس بن محمد وأَبو يحيى البزار، قالا: حدَّثنا حجاج بن نصير [٥]، حدَّثنا شعبة، عن العوام بن مُرَاجم [٦] من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الجمَّاء لتقتص من القرناء يوم القيامة".

وقال عبد الرزاق (٤٧): أخبرنا معمر، عن جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير: كل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء.

قال: ثم يقول: كوني ترابًا.

[] [١] فلذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.

وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور (٤٨).

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصم: وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات [٢] لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطَّرِيقِ، أو يخرج مما هو فيه، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، وكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هو المتصرف فى خلقه بما يشاء.

﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ يخبر تعالى أنَّه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا تدعون غيره، لعلمكم أنَّه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في اتخاذكم آلهة معه ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحذا سواه، وتذهب [١] عنكم أصنامكم وأندادكم، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ يعني: الفقر والضيق في العيش ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون.

قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا [٢] ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الشرك والمعاندة [٣] والمعاصي.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فتحنا عليهم أَبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: على غفلة ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.

قال الوالبي (٤٩) عن ابن عبَّاس: المبلس الآيس.

وقال [١] الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم وربِّ الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا.

رواه ابن أبي حاتم (٥٠).

وقال قَتَادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلَّا عند سكرتهم [٢] وغرتهم ونعيمهم، فلا تغتروا بالله؛ فإنه [٣] لا يغتر بالله إلَّا القوم الفاسقون.

ورواه [٤] ابن أبي حاتم أيضًا (٥١).

[وقال مالك عن الزُّهْريّ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: أرخاء [٥] الدنيا وسترها] [٦].

وقد قال الإِمام أحمد (٥٢): حدَّثنا يحيى بن غيلان، حدَّثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا [١] الحجاج المهري [٢]- عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.

ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة ابن عامر به.

وقال ابن أبي حاتم (٥٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي، عن إبراهيم بي أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ كان يقول: ["إن الله إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف،] [١] وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة".

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ يقول الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين المعاندين ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي: سلبكم إباهما كما أعطاكموها، فإنه [٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [٣]﴾.

ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع [١] الشرعي؛ ولهذا قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال: ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.

وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم؟

لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها وتوضحها ونفسرها، دالة على أنه لا إله إلَّا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ثم هم جمبم هذا البيان [يصدفون، أي:] [٢] يعرضون عن الحق ويصدّون الناس عن اتباعه.

قال العوفي (٥٤): عن ابن عبَّاس: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أي: [٣] يعدلون.

وقال مجاهد وقَتَادة: يعرضون.

وقال السدي: يصدّون.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً [أَوْ جَهْرَةً﴾ بغتة] [٤] أي: وأنتم لا تشعرون به حتَّى بغتكم وفجأكم ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ أي: ظاهرًا عيانًا ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [٥]﴾.

وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي: فمن آمن قلبه بما [جاءوا به] [٦]، وأصل عمله باتباعه إياهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: بالنسبة لما [٧] يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها [١]، الله وليهم فيما خلفوه، وحافضهم فيما تركوه.

ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته [٢]، وارتكبوا مناهيه ومحارمه، وانتهاك حرماته.

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ يقول الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها ولا أتصرف [٣] فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ﷿ لا أطلع منه إلَّا على ما أطلعني [٤] عليه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر - يوحى إليَّ من الله ﷿، شرفني بذلك وأنعم عليَّ به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه ولم يَنْقَد له ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.

وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد: ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾، والذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ".

﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم، ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﷿ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات [١] عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يعبدونه ويسألونه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقَتَادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات.

وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي: أتقبل منكم.

وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يريدون [٢] بذلك العمل وجه [٣] الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات.

وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقول نوح ﵇ في جواب [٤] الذين ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي: إنما حسابهم على الله ﷿ وليس عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنَّه ليس عليهم من حسابي من شيء.

وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه.

قال الإِمام أحمد (٥٥): حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثني أشعث، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود، قال: مَرَّ الملأُ من قريش على رسول الله ﵌، وعنده خَبَّاب وصُهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟

فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿[أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] [١]﴾.

ورواه [٢] ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال؛ مر الملأ من قريش برسول الله ﵌، وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت [٣] بهؤلاء من قومك؟

أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟

[ونحن نكون] [٤] تبعًا لهؤلاء؟

اطردهم عنك [٥]، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.

فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية.

وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدَّثنا أَبو سعيد بن يحيى بن [١] سعيد القطمان، حدَّثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدَّثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فخلوا به، فقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت.

قال: "نعم".

قالوا: فاكتب لنا [٢] عليك كتابًا.

قال: فدعا بصحيفة [٣] ودعا عليًّا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] [٤]﴾.

فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة [من يده] [٥] ثم دعانا فأتيناه.

ورواه ابن جرير من حديث أسباط به.

وهذا حديث غريب؛ فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.

وقال سفيان الثَّوري (٥٧)، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: قال سعد: نرلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ منهم ابن مسعود، قال: كنا نستبق [١] إلى رسول الله ﷺ وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: تدني [٢] هؤلاء دوننا.

فنزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.

رواه الحاكم في مستدركه (٥٨) من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين.

وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٩) من طريق القدام بن شريح به.

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ببعض أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ، كان غالب من اتبعه في أول بعثته [١] ضعفاء الناس؛ من الرجال والنساء والعبيد والإِماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية.

وكما قال [٢] هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [عن تلك] [٣] المسائل، فقال له: [فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟] [٤] فقال [٥]: بل ضعفاؤهم.

فقال: هم أتباع الرسل (٦٠).

والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.

قال الله تعالى في جواب ذلك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، وقال في جوابهم حين قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له؛ بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهُم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور [بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم] [٦]، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الحديث الصحيح (٦١): " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

وقال ابن جرير (٦٢): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا [١] الحسين، عن [٢] حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية.

قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، و [قرظة بن عبد عمرو] [٣] بن نوفل، في أشراف من [٤] بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدًا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له.

قال: فأتى أَبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتَّى تنظر [٥] ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم.

فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.

قال: وكانوا: بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وصبيحًا مولى أسيد، ومن الحلفاء: ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القارى [٦]، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، [ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي] [٧] حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية.

فلما نزلت أقبل عمر ﵁[فأتى النبي ﷺ [٨] فاعتذر من مقالته، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.

وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم بردِّ السلام عليهم، وبضرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم؛ ولهذا قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا.

﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال بعض السلف (٦٣): كل من عصى الله فهو جاهل.

وقال معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: ﴿[مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا [١] بِجَهَالَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة.

رواه ابن أبي حاتم (٦٤).

﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

قال الإِمام أحمد (٦٥): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدَّثنا به [٢] أَبو هريرة، قال [٣]: قال رسول الله ﷺ: "لمَّا قضى الله [] [٤] الخلق، محب في كتاب [٥] فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي".

أخرجاه في الصحيحين.

وهكذا رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٦٦)، ورواه موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٦٧).

وكذا رواه اللَّيث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك (٦٨).

وقد روى ابن مردويه (٦٩) من طريق الحكم بن أبان [١]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابًا من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقًا لم يعملوا خيرًا، مكتوب بين أعينهم: عتقاء الله".

وقال عبد الرزاق (٧٠): أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: انا نجد في التوراة عطفتين؛ إن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تَثِجُّ البقرة، وبها [تثغو] [٢] الشاة، وبها تتتابع [٣] الطير، وبها تتتابع [٤] الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.

وقد روي هذا مرفوعًا من وجه آخر (٧١)، وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضًا: قوله ﷺ لمعاذ بن جبل (٧٢): " أتدري ما حق الله على العباد؟

أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا".

ثم قال: "أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟

أن لا يعذبهم".

وقد رواه الإِمام أحمد (٧٣): من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة ﵁.

﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ يقول تعالى: وكما بينا ما تقدم بيانه، من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم المجادلة والعناد ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ﴿وَلِتَسْتَبِينَ [١] سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ (وليستبين [٢] سبيلَ المجرمين) [٣] أي: وليستبين [٤] يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين.

وقوله: ﴿قُلْ [٥] إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التى أوحاها الله [٦] إلى ﴿وَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: بالحق الذي جاءني من الله ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿[إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ] [٧] يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده.

وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ما تستعجلونه [٨] به إليَّ لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.

فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين (٧٤) من طريق ابن وَهْب، عن يونس، عني الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدُّ من يوم أحد؟

فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا بقَرْن الثَّعَالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسَحَابَةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجِبال لتأمُرَهُ بما شئت فيهم.

قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ".

فقال رسول الله ﷺ: "بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا".

وهذا لفظ مسلم.

فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، [فاستأنى بهم] [١] وسأل لهم التأخير؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى فى هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ فالجواب والله أعلم: أن هذه الآية دلت على أنَّه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنَّه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين؛ وهما جبلا مكة اللذان [٢] يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم.

وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري (٧٥): حدَّثنا عبد العزيز ابن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلَّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

وفي حديث عمر (٧٦): أن جبريل حين تبدى له [٣] فى صورة أعرابي، فسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال [٤] النبي ﷺ فيما قاله [٥] له: "خمس لا يعلَمهن إلَّا الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ … .﴾ الآية.

وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات؛ بريِّهَا وبحريِّهَا، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، وما أحسن ما قال الصَّرْصَري: فلا يخفى عليه الذر إما … تراءى للنواظر أو توارى وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: ويعلم الحركات حتَّى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.

وقال ابن أبي حاتم (٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن الربيع، حدَّثنا أَبو الأحوص [١]، عن سعيد بن مسروق، حدَّثنا حسان النمري، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال: ما من شجرة في بر ولا بحر، إلَّا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها.

وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.

قال محمد بن إسحاق (٧٨)، عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنَّهم ظهروا - يعني لكم - لم تروا معهم نورًا، على كل زاوية من زوايا الأرض [٢] خاتم من خواتيم الله ﷿ على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله ﷿ إليه في كل يوم ملكًا من عنده أن احتفظ بما عندك.

قال ابن أبي حاتم (٧٩): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهرى، حدَّثنا مالك بن سعير، حدَّثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلَّا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها: وطربتها إذا رطبت، ويبوستها [٣] إذا يبست.

وكذا رواه ابن جرير: [عن أبي الخطاب زيد بن عبد الله الحساني] [١]، عن مالك بن سعير به.

ثم قال ابن أبي حاتم (٨٠): ذكر عن أبي حذيفة، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتَّى ينقضي [٢] ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] [٣]﴾.

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ يخبر [٤] تعالى: أنه يَتَوَفَّى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فذكر في هذه الآية الوفاتين: الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار] [٥]، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه؛ في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما [١] كسبتم [من الأعمال فيه] [٢] ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في النهار.

قاله مجاهد وقَتَادة والسدي.

وقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير: أي: في المنام.

والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه (٨١) بسنده عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: "مع كل إنسان ملك، [إذا نام يأخذ] [٣] نفسه ويرده [٤] إليه، فإن أذن اللَّه في قبض روحه قبضه، وإلا رد إليه".

فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾.

وقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني به: أجل كل واحد من الناس ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿[ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ] [٥]﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويجزيكم على ذلك؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: وهو [٦] الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه - كل شيء ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن الإِنسان، كقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وحفظة يحفظون عمله ويحصونه عليه [٧] كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) [كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ] [٨]﴾.

وكقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ الآية، [٩].

وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة موكلون بذلك.

قال ابن عبَّاس (٨٢) وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم.

وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الأحاديث المتعلقة بذلك، الشاهدة لهذا المروي عن ابن عبَّاس وغيره بالصحة.

وقول: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء [١] الله ﷿ ان كان من الأبرار ففي عليين، و إن كان من الفجار ففي سجين، عياذًا بالله من ذلك.

وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾] [٢].

ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد حيث قال (٨٣): حدَّثنا حسين بن محمد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، [عن أبي هريرة] [٣] ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة [٤] كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا تزال [٥] يقال لها ذلك حتَّى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح [فيفتح] [٦] لها، [فيقال: من هذا] [٧]؟

فيقال: فلان.

[فيقال] [٨]: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا تزال [١] يقال لها ذلك، حتَّى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿.

وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتَّى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟

فيقال: فلان.

فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أَبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأوّل، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل مما قيل في الحديث الأول".

هذا حديث غريب.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، وقال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولهذا قال: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.

﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ يقول تعالى ممتنًّا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر، أي: الحائرين الواقعين في المهامة البربة، وفي [٢] اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا] [١]﴾، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ] [٢]﴾، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: جهرًا وسرًا ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الضائقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: بعدها.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أي: بعد ذلك ﴿تُشْرِكُونَ﴾ أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.

وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ عقبه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ أي: بعد إنجائه إياكم، كقوله في سورة سبحان: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.

قال ابن أبي حاتم (٨٤): ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هارون الأعور، عن [حفص] [٣] ابن سليمان، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين.

وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لأمة محمد ﷺ فعفا عنهم.

ونذكر هنا الأحاديث الواردة فى ذلك والآثار وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة.

قال البخاري رحمه الله تعالى (٨٥) فِى قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾: يلبسكم: يخلطكم، من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعًا: فرقًا.

حدَّثنا أَبو النعمان، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: "هذا أهون - أو قال: - هذا أيسر".

وهكذا رواه اُيضا فى كتاب التوحيد (٨٦)، عن قتيبة، عن حمَّاد به.

ورواه النَّسائي في التفسير (٨٧): عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عربي [١] أربعتهم [٢]، عن حمَّاد بن زيد به.

وقد رواه الحميدي فى مسنده (٨٨): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمع جابرًا عن النبي ﷺ به.

ورواه ابن حبان في صحيحه (٨٩): عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة به.

ورواه ابن جرير في تفسيره (٩٠): عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به.

ورواه أَبو بكر بن مردويه (٩١): من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به.

ورواه سعيد بن منصور (٩٢)، عن حمَّاد بن زيد وسفيان بن عيينة كلاهما، عن عمرو بن دينار به.

(طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٩٣): حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا مقدام بن داود، حدَّثنا عبد الله بن يوسف، حدَّثنا [عبد الله] [١] بن لهيعة، عن خالد ابن يزيد، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: "أعوذ بالله من ذلك".

قال رسول الله ﷺ: " أعوذ ب ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الله من ذلك ".

﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال: "هذا أيسر".

وإن [٢] استعاذه لأعاذه.

ويتعلق بهذه الآية أحاديث كثيرة.

(أحدها) قال الإِمام أحمد بن حنبل فى مسنده (٩٤): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا أَبو بكر - يعني [٣] ابن أبي مريم -، عن راشد - هو ابن سعد القرائي -، عن سعد بن أَبى وقاص، قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال: "أما إنها [٤] كائنة، ولم يأت تأويلها بعد".

وأخرجه التِّرمِذي: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم به.

ثم قال: هذا حديث غريب.

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٥): حدَّثنا يعلى - هو ابن عبيد -، حدَّثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين فصلينا معه، فناجى ربه ﷿ طويلًا، ثم [١] قال: "سألت ربي ثلاثًا؛ سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".

انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن (٩٦): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير كلاهما، عن عبد الله بن نمير.

وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن مروان بن معاوية كلاهما [٢]، عن عثمان بن حكيم به.

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٧): قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن [عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك] [٣]، [عن جابر بن عتيك] [٤] أنَّه قال: جاءنا عبد الله ابن عمر في حرة [٥] بني معاوية - قرية [٦] من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟

فقلت: نعم.

فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟

فقلت: نعم.

فقال: أخبرني [٧] بهن.

فقلت: دعا أن لا يُظْهِر عليهم عدوًّا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فَأعْطِيَهُما، ودعا بأن لا يجعل بأسمهم بينهُم فمنعها.

قال: صدقت، فلا يزال الهرج [٨] إلى يوم القيامة.

ليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.

(حديث آخر) قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد [١] بن حنيف، عن علي بن عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن، ثم التفت إلي فقال: "حبستك [يا حذيفة"] [٢].

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: "إني سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ألا يسلط على أمتي عدوًّا هن غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني".

رواه ابن مردويه (٩٨): من حديث محمد [٣] بن إسحاق.

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٩): حدَّثنا عَبيدة بن حُميد، حدثني سليمان [] [٤] الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ أطلبه [٥] فقيل لي: خرج قبل.

قال: فجعلت لا أمر بأحد إلَّا قال مر من [٦] قبل، حتَّى مررت فوجدته قائمًا يصلي، قال: فجئت حتَّى قمت خلفه [] [٧] فأطال الصلاة، [فلما قضى صلاته قلت] [٨]: يا رسول الله، قد [٩] صليت صلاة طويلة.

فقال رسول الله ﷺ: [إني صليت صلاة رغبة ورهة، إني [١٠] سألت الله ﷿ ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يهلك أمتي غرقًا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًّا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي".

ورواه ابن ماجة في الفتن [١]: عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلى بن محمد كلاهما، عن أبي معاوية، عن الأعمش به.

ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن [عبد الله بن عمير] [٢]، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٠): حدَّثنا هارون بن معروف، حدَّثنا عبد الله بن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أَنس بن مالك، أنَّه قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف قال: "إني صليت صلاة رغبة وهبة، وسألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا فأبى علي".

رواه النسائي في الصلاة عن محمد بن مسلمة عن ابن وَهْب به.

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠١): حدَّثنا أَبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال الزُّهْريّ، حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب [ابن الأرت] [١] عن أبيه خباب بن الأرت [٢] مولى بني زُهرة، وكان قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ [أنَّه قال: راقبت: رسول الله ﷺ] [٣] في ليلة صلاها كلها، حتَّى كان مع الفجر فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت [٤]: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها.

فقال رسول الله ﷺ: "أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي ﷿ فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ﷿ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يظهر [٥] علينا عدوًّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها".

ورواه النَّسائي (١٠٢): من حديث شعيب بن أبي حمزة به.

ومن وجه آخر وابن حبان في صحيحه بإسناديهما: عن صالح بن كيسان (١٠٣).

والتِّرمِذي في الفتن (١٠٤): من حديث النعمان ابن راشد كلاهما، عن الزُّهْريّ به.

وقال: حسن صحيح.

(حديث آخر) قال أَبو جعفر بن جرير فى تفسيره (١٠٥): حدثني زياد بن عبيد [١] الله المزني، حدَّثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدَّثنا أَبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود فقال: "قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله ﷿ فيها ثلاثًا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت اللَّه أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان [٢] قبلكم فأعطانيها [٣] وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعضٍ فمنعنيها".

قال أبو مالك: فقلت له: أبوك [٤] سمع هذا من في [٥] رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ.

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٦): حدثنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ﷿ أن لا يهلك أمتي بِسَنَةٍ بعامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا فيهلكهم بعامة، وأن [١] لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا ممن [٢] سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضًا".

قال: وقال النبي ﷺ: "وإني [٣] لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة".

ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه (١٠٧): من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة [١]، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه والله [٢] أعلم.

(حديث [آخر) قال] [٣] الحافظ أبو بكر بن مردويه (١٠٨): حدثنا عبد الله بن إسماعيل ابن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ وكان من أصحاب الشجرة -: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة، تامة الركوع والسجود، قال: فجلس يومًا فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض [أن اسكتوا] [٤] إنه ينزل عليك [٥]، فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه.

قال: "لا، ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، [سألت الله] [٦] فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًّا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا و [أن لا] [٧] يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها".

قال: قلت له: أبوك سمعها من رسول الله ﵌؟

قال: نعم، سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﵌ عدد أصابعي هذه: عشر أصابع.

(حديث آخر) قال الإمام أحمد (١٠٩): حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد - عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بَصْرَة الغفاري صاحب رسول الله ﵌: [أن رسول الله ﷺ] [١] قال: "سألت ربي ﷿ أربعًا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله ﷿ أن لا يلبسهم شيعًا و [أن لا] [٢] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها".

لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.

(حديث آخر) قال الطبراني (١١٠): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب ابن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السّوائي، عن علي: أن رسول الله ﵌ قال: "سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ فقلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعًا.

فقال [٣]: هذه لك.

قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوًّا من غيرهم - يعني: أهل الشرك - فيجتاحهم.

قال: ذلك لك.

قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم.

قال: فمنعني هذه".

(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (١١١): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ قال: "دعوت ربي ﷿ أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبى عليَّ أن يرفع عنهم ثنتين؛ دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، [وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض] [١]، وأبى الله أن يرفع اثنتين [٢]: القتل والهرج".

(طريق أخرى) عن ابن عباس أيضًا قال ابن مردويه (١١٢): حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد [٣]، حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن نمير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عمرو بن قيس، عن رجل، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فقام النبي ﷺ فتوضأ، ثم قال: "اللهم لا ترسل على أمتي عذابًا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعًا، ولا تذيق بعضهم بأس بعض".

قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم.

(حديث آخر) قال ابن مردويه (١١٣): حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا عبد الله ابن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العَنْقَزي، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".

ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان عن عمرو بن محمد العنقزى به نحوه.

(طريق أخرى) وقال ابن مردويه (١١٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المديني، حدثنا الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: "سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة.

سألته ألا يسلط على أمتي [عدوًّا من] [١] غيرهم [] [٢]، وسألته ألا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته ألا يلبسهم شيعًا وألا [١] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني".

ثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد [بن] [٢] سعيد بن أبي سعيد المقبرى، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.

ورواه البزار (١١٥) عن [٣] طريق عمر بن [أبي] [٤] سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.

(أثر آخر) قال سفيان الثوري (١١٦): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: أربعة في [٥] هذه الأمة، قد مضت اثنتان، وبقيت اثنتان ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال سفيان: يعني الرجم والخسف.

وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فهى أربع خلال؛ منها اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة [١]؛ ألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان لابد منهما واقعتان: الرجم والخسف.

ورواه أحمد عن وكيع، عن أبي جعفر.

ورواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن أبي حاتم (١١٧): حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ [عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا] [٢]﴾، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.

وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد [وغير واحد] [٣] في قوله: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الخسف، وهذا هو اختيار ابن جرير.

ورواه ابن جرير (١١٨): " عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: كان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر بقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ] [١]﴾ لو جاءكم عذاب من السماء لم يُبْق منكم أحدًا ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [لو خسف] [٢] بكم الأرض أهلككم ولم يُبْق منكم أحدًا ﴿[أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا] [٣] وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.

قول ثان: قال ابن جرير وابن أبي حاتم (١١٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، سمعت خلاد بن سليمان، يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن، يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [فأما العذاب من فوقكم] [٤] فأئمة السوء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فخدم السوء.

وقال على بن أبي طلحة (١٢٠)، عن ابن عباس: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: أمراءكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: عبيدكم وسفلتكم.

وحكى ابن أبي حاتم [٥] عن أبي سنان [٦] وعمير بن هانئ نحو ذلك.

وقال ابن جرير [١]: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى.

وهو كما قال ابن جرير ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ وفي الحديث (١٢١): " ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ".

وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى.

وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ يعني [٢]: يجعلكم ملتبسين شيعًا فرقًا متخالفين.

قال الوالبي (١٢٢)، عن ابن عباس: يعني الأهواء.

وكذا قال مجاهد وغير واحد.

وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" (١٢٣).

وقوله تعالى: ﴿يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل.

وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها ونقرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه.

قال زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف".

قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟

قال: ["نعم".

فقال بعضهم] [١]: لا يكون هذا أبدًا أن يقتل بعضنا بعضًا ونحن مسلمون.

فنزلت ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ [٢] بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١٢٤).

﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان ﴿قَوْمُكَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي ليس وراءه حق ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: إنما عليَّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ﴾.

قال ابن عباس وغير واحد: أي: لكل نبأ حقيقة.

أي: لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

وقوله [١]: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة: أن لا يجلس [٢] مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها [٣]، فإن جلس أحد معهم [٤] ناسيًا ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [بعد التذكر] [٥] ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

ولهذا ورد في الحديث: "رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١٢٥).

وقال السدي: عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم.

وكذا قال مقاتل بن حيان [٦].

وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية، أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه.

وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برؤا [١] من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم.

وقال ابن أبي حاتم (١٢٦): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم.

وقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء.

وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم.

وعلى قولهم يكون قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولكن أمرناكم بالإِعراض عنهم حينئذ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ يقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلًا، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم؛ ولهذا قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: ذكر [٢] الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله: وعذابه الأليم يوم القيامة.

وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: لئلا تبسل، قال الضحاك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والسدي: ﴿تُبْسَلَ﴾ تُسْلَم.

وقال الوالبي (١٢٧): عن ابن عباس: تفضح.

وقال قتادة: تحبس.

وقال مرة وابن زيد: تؤاخذ.

وقال الكلبي: تجازى.

وكل هذه [الأقوال و] [١] العبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها: الإِسلام للَّهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كقوله [٢]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.

وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كقوله [٣]: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها، كقوله [٤]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا [وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ] [٥]﴾، وكذا [٦]، قال هاهنا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.

﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ قال السدي: قال المشركون للمسلمين [٧]: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي: في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم [١] كمثل رجل خرج [٢] مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم، يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من [٣] يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإِسلام.

رواه ابن جرير (١٢٨).

وقال قتادة: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض.

يعني استهوته [سيرته، كقوله] [٤]: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾.

وقال [] [٥] بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو [٦] إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى هدى [٧] الله ﷿ كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا [] [٨] ضالًا، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول [٩]: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شئ حتى يأتيه الموت، فيستقبل الندامة والهلكة، وقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ هم الغيلان ﴿يَدْعُونَهُ﴾ باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو [١٠] يرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ﷿.

رواه ابن جرير (١٢٩).

وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن [١] هدي.

وقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ هو [٢] الذي لا يستجيب لهدى [٣] الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد [٤] عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإِنس: يقول الله [٥]: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ والضلال ما يدعو إليه الجن.

رواه ابن جرير (١٣٠)، ثم قال: وهذا يقتضي [٦] أن أصحابه يدعونه إلى ضلال ويزعمون أنه هدى.

قال: وهذا خلاف ظاهر الآية؛ فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالًا وقد أخبر الله أنه هدى.

وهو كما قال ابن جرير؛ [فإن السياق] [٧] يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي: في حال حيرته وضلاله وجهله وجه [٨] المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام: فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، كما قال: ﴿[وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ] [٩]﴾، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة وحده لا شريك له.

﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة.

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما.

وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على العطف على قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ وتقديره: واتقوا يوم يقول: كن فيكون وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: وخلق يوم يقول: كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهو مناسب، وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول: كن فيكون.

وقوله [١]: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين.

وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله [٢]: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ وما أشبه ذلك.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا [٣] جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها فتحيا.

قال ابن جرير [٤]: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة.

والصحيح: أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﵌ أنه قال: "إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ" (١٣١).

وقال الإِمام أحمد (١٣٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغَاف [١]، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟

قال: "قرن ينفخ فيه".

وقد روينا حديث الصور بطوله: من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه "الطوالات" (١٣٣)، قال [٢]: حدثنا أحمد بن الحسن المصري [٣] [الأيلي] [٤]، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﵌ وهو في طائفة من أصحابه فقال: "إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخصًا بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر".

قلت: يا رسول الله وما الصور؟

قال: "القرن".

قلت: كيف هو؟

قال: "عظيم والذي بعثني بالحق، إن عظم دارة فيه كعرض [١] السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام [٢] لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ، فينفخ [نفخة الفزع] [٣]، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابًا.

ثم ترتج الأرض بأهلها راجًا، فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق [بالعرش] [٤] ترجرجه الرياح، وهي الذي [٥] يقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب [٦] الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضًا [٧]، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾.

فبينما هم على ذلك، إذ انصدعت الأرض في قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من [٨] الكرب والهول ما الله به عليم، ثم ينظروا [٩] إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء [١٠] فانتثرت نجومها، وانخسفت شمسها وقمرها".

قال رسول الله ﵌: "الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك".

قال أبو هريرة: يا رسول الله، من استثنى الله ﷿ حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟

قال: "أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم [١١] يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه - قال: وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فيكونون في ذلك البلاء [١] ما شاء الله أن [٢] يطول.

ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء [٣] ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول: يا رب، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت.

فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟

فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، [وبقيت أنا.

فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل] [٤].

فينطق الله العرش فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل.

فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي.

فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل.

فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟

فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت [٥] وبقيت حملة عرشك [وبقيت أنا] [٦].

فيقول الله: ليمت حملة العرش [٧].

فيموتوا، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك.

فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا.

فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت.

فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد [٨] الذي لم يلد ولم يولد كان آخرًا كما كان أولا، طوى السموات والأرض [طي السجل للكتب] [٩]، ثم دحاهما، ثم تلقفهما [١٠] ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الجبار، [أنا الجبار] [١١]، ثلاثًا ثم هتف بصوته: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [] [١٢] ثلاث مرات [١٣]، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ يقول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فيبسطهما ويسطحهما [١٤]، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي [١٥] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.

ثم [١٦] يزجر الله الخلق زجرة واحدة [١٧]، فإذا هم في هذه الأرض [١٨] المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر اللّه السماء أن [١] تمطر، فتمطر أربعين يومًا حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله ﷿: ليحيى حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان، ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نورًا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعًا ثم يلقيها في الصور.

ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، [فيفخ نفخ البعث] [٢]، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل [٣] الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أوّل من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعًا إلى ربكم تنسلون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [٤] يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ حفاة عراة غلفًا [٥] غرلًا، فتقفون [٦] موقفًا واحدًا مقداره سبعون عامًا، لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دمًا، وتعرقون حتى يلجمكم العرق [٧] أو يبلغ الأذقان، وتقولون [٨]: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فتقولون [٩] من أحق بذلك من أبيكم آدم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلًا، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، فيستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى عليهم - قال رسول الله ﷺ "حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدًا" قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟

قال: "قدّام العرش - حتى يبعث اللَّه إليَّ ملكًا، فيأخذ بعضدي ويرفعني [١٠]، فيقول لي: يا [١١]، محمد، فأقول: نعم يا رب، فيقول الله ﷿: ما شأنك؟

- وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله [١٢]: قد شفعتك أنا آتيكم أقضي بينكم.

قال رسول الله ﷺ: "فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسًا شديدًا فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟

قالوا: لا، [وهو آت.

ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإِنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟

فيقولون: لا، وهو آت] [١].

ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ويحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسماوات إلى حجزتهم، والعرش على مناكبهم، لهم زجل في تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء [٢] من أرضه، ثم يهتف بصوته: يا معشر الجن والإِنس: إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم [فأنصتوا إليَّ، فإنما هي أعمالكم] [٣] وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع، ثم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ - أو [٤]: بها تكذبون، [شك أبو عاصم] [٥]- ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيميز الله الناس وتجثوا الأمم.

يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] [٦]﴾ فيقضي الله ﷿ بين خلقه إلا الثقلين: الجن والإِنس، فيقضي بين الوحوش [٧] والبهائم، حتى إنه ليقتص [٨] للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها [٩]: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.

ثم يقضي الله بين العباد، فكان أوّل ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله ﷿ كل قتيل فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول [١]: يا رب فيم قتلني هذا؟

فيقول - وهو أعلم - فيم قتلتهم؟

فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم [٢] يأتي كل من قتل على [٣] غير ذلك يحمل رأسه و [٤] تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم [٥] قتلني هذا؟

فيقول - وهو أعلم: لم قتلتهم؟

فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لك ولي، فيقول [٦]: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل [٧] بها، [ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه.

ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه] [٨]، حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله [٩] للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه: [] [١٠] أن يخلص اللبن من الماء.

فإذا فرغ الله من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم [وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون اللَّه إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم] [١١] إلى النار، وهو الذي يقول ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما [١٢] كنتم تعبدون.

فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره.

[فينصرف عنهم وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها، الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون.

فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره] [١٣].

فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم، فيخرون للأذقان [١٤] سجدًا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون، ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة [١٥] أو كحد السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان، دونه جسر دحض [١] مزلة، فيمرون كطرف العين، أو كلمح البرق، أو كمر الريح، أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم.

فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟

فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ﵇؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلًا.

فيأتون آدم فيطلب [٢] ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح، فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإبراهيم، فإن الله اتخذه خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بموسى؛ فإن الله قربه نجيًّا وكلمه وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: لست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد - قال رسول الله ﷺ فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن [٣]، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح [٤] لي، فأحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدًا، فيأذن الله لي من تحميده [٥] وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك [٦] يا محمد، واشفع تشفع وسل تعط [٧].

فإذا رفعت رأسي يقول [٨] الله - وهو أعلم -: ما شأنك؟

فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني [٩] في أهل الجنة فيدخلون الجنة.

فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة".

وكان رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على [١٠] اثنتين [١١] وسبعين زوجة؛ سبعين [١٢] مما ينشيء الله ﷿، واثنتين آدميتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهم [١٣] الله في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليها [سبعون زوجًا] [١٤] من سندس وإِستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها، كما ينظر [أحدكم إلى] [١] السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة وكبده لها مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره وما يشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تَمل ولا تُمل إلا أنه لا مني ولا منية، إلا أن لك أزواجًا غيرها، فيخرج فيأتيهن [٢] واحدة واحدة، كلما أتى واحدة قالت له [٣]: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إلى منك.

وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك [٤]، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم اللَّه صورته عليها" - قال رسول الله ﷺ: "فأقول [٥]: يا رب [شفعني فيمن] [٦] وقع في النار من أمتي.

فيقول: أخرجوا من عرفتم.

فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار [٧] إيمانًا، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع اللَّه فيقول: أخرجوا من وجدتم [٨] في قلبه إيمانًا ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطًا [٩]، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج [١٠] أولئك حتى لا يبقى منهم أحد [١١]، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرًا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول [١٢] مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأنهم حمم، فيلقون على نهر يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، [فما يلي] [١٣] الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذر، مكتوب في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب ما عملوا خيرًا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه [١] الله ﷿ عنهم".

هذا حديث مشهور [٢]، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة وقد اختلف فيه؛ فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة: كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.

قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا [٣] الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا، قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث.

فالله أعلم [٤].

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.

قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما [١] كان اسمه تارح [٢].

رواه ابن أبي حاتم (١٣٤).

وقال أيضًا (١٣٥): حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم [أنا] [٣] شبيب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ يعني: بآزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح [٤]، وأمّه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر وهي سرية إبراهيم.

وهكذا قال غير واحد من علماء النسب: إن اسمه تارح [٥].

وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم.

قلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم.

وقال ابن جرير وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم ومعناه مِعْوجٌ، ولم يسنده ولا حكاه عن أحد.

وقد قال ابن أبي حاتم (١٣٦): ذكر عن معتمر بن سليمان: سمعت أبي يقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال [١]: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم ﵇.

ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح [٢]، ثم أجاب: بأنه قد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبًا، وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم.

واختلف القراء في أداء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني [٣]: أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ معناه: يا آزر أتتخذ أصناما آلهة.

وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله ﴿لِأَبِيهِ﴾، أو عطف بيان وهو أشبه.

وعلى قول من جعله نعتًا لا ينصرف أيضًا كأحمر وأسود.

فأما من زعم أنه [٤] منصوب لكونه معمولًا لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ تقديره: يا أبت أتتخذ آزر أصنامًا آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية.

والمقصود أن إبراهيم ﵇ وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها ونهاه فلم ينته، كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي: السالكين مسلكك ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة [والضلال بيِّن واضح لكل ذي] [١] عقل صحيح.

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ فكان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك، وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.

وثبت في الصحيح (١٣٧): " أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر [٢]: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون [٣]، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟

فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك.

فإذا هو بذِيخ [٤] متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار".

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله ﷿ في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] [٥]، وقال: ﴿[أَوَلَمْ] [٦] يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا [٧] إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.

وأما ما حكاه ابن جرير وغيره: عن مجاهد وعطاء: سعيد بن جبير والسدي وغيرهم قالوا - واللفظ لمجاهد -: فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن.

وزاد غيره: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي ويدعو عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا [أو يرجعوا] [١].

وقد روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ (١٣٨) وعلى (١٣٩)، ولكن لا يصح إسنادهما والله أعلم.

وروى ابن أبي حاتم (١٤٠): من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: فإنه [تعالى جلَّا له] [٢] الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا [٣] تستطيع هذا.

فرده الله [٤] كما كان قبل ذلك، فيحتمل أن يكون هذا كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإِمام أحمد والترمذي وصححه (١٤١): عن معاذ بن جبل في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟

فقلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت".

وذكر الحديث.

وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: الواو زائدة، تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ [٥] نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.

وقيل: بل هي على بابها، أي: نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا.

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: تغثساه وستره ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمَّد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب.

وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفُل ويأفِل أفولًا وأفلًا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: مَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوِاتِي تَقُودُها … نجومٌ [١] ولا بالآفِلَات الدَّوَالِكِ ويقال: أين أفلت عنا؟

بمعنى [٢]: أين غبت عنا.

قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أيضًا ربه دائم لا يزول، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: جرمًا من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أخلصت ديني [] [٣] وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفًا، أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد اختلف المفسرون في هذا المقام؛ هل هو مقام كظر أو مناظرة؟

فروى ابن جرير (١٤٢): من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرءس مستدلًّا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ] [٤]﴾.

وقال محمَّد بن إسحاق (١٤٣): قال ذلك حين خرج من السَّرَب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه [من نمرود] [٥] بن كنعان، لما كان [٦] قد أخبر بوجود [٧] مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك.

ذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف.

والحق: أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور [١] الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر [٢]، وغير ذلك مما يحتاجون إليه.

وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل: وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأشدهنّ إضاءة وأشرفهنّ [٣] عندهم: الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولًا [صلوات الله وسلامه عليه] [٤]: أن هذه الزهرة لا تصلح للإِلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإِلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما تقدم في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك [٥]، فلما انتفت الإِلهية عن هذه الأجرام الثلاثة، التي هي أنور ما تقع عليه [٦] الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع؛ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعًا ثم لا تنظرون [] [٧] ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه [٨] الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، و [٩] خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾، أو قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾] [الأنعام: ١٦١] [١٠].

وقد ثبت في الصحيحين (١٤٤): عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل مولود، يولد على الفطرة"، وفي صحيح مسلم (١٤٥): عن عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء"، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما سيأتي بيانه.

فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن [١] من المشركين - ناظرًا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة [٢] بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا - قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ يقول تعالى [مخبرًا عن خليله إبراهيم، حين] [١] جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه [٢] القول، أنه [٣] قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ [٤]﴾ أي: تجادلونى [٥] في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم [٦] الفاسدة [٧] وشبهكم الباطلة.

وقوله: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه: أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئًا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها صنع فكيدوني بها ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك.

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي: لا يضر ولا ينفع إلا الله ﷿.

﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى [٨] عليه خافية.

﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: فيما بينته لكم، فتعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها، وهذه الحجة نظير ما احتج بها [٩] نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)] [١٠]﴾.

وقوله: ﴿وَكَيْفَ [١١] أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها [١٢] من دون الله ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ] [١٣]﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي: حجة.

وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.

وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي الطائفتين أصوب: الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر [١] ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: هؤلاء الذين أخلصوا [٢] العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا، هم الآمنون [٣] يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.

قال البخاري (١٤٦): حدثنا محمَّد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ قال أصحابه؟

رأينا لم يطم نفسه؟

فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

وقال الإِمام أحمد (١٤٧): حدثنا أبو معارية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الناس، فقالوا [٤]: يا رسول الله، [أينا لم] [٥] يظلم نفسه؟

قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك".

وقال ابن أبي حاتم (١٤٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ركيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟

فقال رسول الله ﷺ: "ليس كما تظنون، إنما قال [لقمان] [١] لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ".

وحدثنا عمر بن شَبَّةَ النميري [٢]، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله [بن مسعود] [٣]، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: "بشرك".

قال: وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، [وغير واحد] [٤]: نحو ذلك.

وقال ابن مردويه (١٤٩): حدثنا الشافعي، حدثنا محمَّد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [٥]﴾ قال رسول الله ﷺ: "قيل لي: أنت منهم".

وقال الإِمام أحمد (١٥٠): حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان [٦] عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يُوضِع [١] نحونا، فقال رسول الله ﷺ: "كأن هذا الراكب إياكم يريد".

فانتهى إلينا الرجل فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ: "من أين أقبلت؟

" قال: من أهلي وولدي وعشيرتى.

قال: " ما [٢] تريد؟

".

قال: أريد رسول الله ﷺ، قال: "تعال [٣] فقد أصبته"، قال: يا رسول الله، علمني ما الإِيمان؟

قال: "أن [٤] تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: قد أقررت.

قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ: "علي بالرجل".

فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة ابن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله!

قُبِضَ الرجل.

قال: فأعرض عنهما رسول الله ﷺ، ثم قال لهما رسول الله ﷺ: "أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعًا".

ثم قال رسول الله ﷺ: "هذا من الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [٥] (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]- ثم قال: "دونكم أخاكم".

قال: فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر، فقال: "ألحدوا ولا تشقوا؛ فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا".

ثم رواه أحمد (١٥١) عن أسود بن عامر، عن [عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء] [١]، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله: فذكر نحوه، وقال فيه: "هذا ممن عمل قليلًا وأجر كثيرًا".

وقال ابن أبي حاتم (١٥٢): حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا [على بن عبد الأعلى] [٢]، عن أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فأعرض علي؛ فعرض عليه رسول الله ﷺ فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق والذي بعثني بالحق، لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي، ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلًا وأجر كثيرًا؟

هذا منهم، أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اُولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟

فإن هذا منهم".

[وفي لفظ قال: "هذا عمل قليلًا وأجر كثيرًا".

وروى ابن مردويه (١٥٣) من حديث محمَّد بن المعُلَّى [٣] الكوفي وكان نزل الري، حدثنا زياد ابن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال: قال رسول الله ﵌: "من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظَلم فاستغفر، وظُلم فغفر" وسكت، فقالوا: يا رسول الله ما له؟

قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾] [١].

وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: وجهنا حجته [على قومه] [٢].

قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ [إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] [٣] (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١].

وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] ثم قال بعد ذلك كله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾.

قرئ بالإِضافة وبلا إضافة [٤] كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى.

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حكيم في [أقواله وأفعاله] [١]، عليم؛ أي: بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ يخبر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك وقالت: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ فبشروهما [٢] مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات: ١١٢] وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده؛ فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ﵇، حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله ﷿ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر [١] بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٩]، وقال هاهنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾.

وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله هديناه، كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح ﵇: فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وأما [٢] الخليل إبراهيم ﵇: لم يبعث الله ﷿ بعده نبيًّا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].

وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي: وهدينا من ذريته ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية، وعود الضمير إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين ظاهر [لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير] [٣]، وعوده إلى إبراهيم؛ لأنه الذي سيق [٤] الكلام من أجله حسن، لكن يشكل على ذلك لوط؛ فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه [٥] ماران بن آزر، اللَّهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبًا، كما في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإسماعيل عمه ودخل في آبائه تغليبًا.

[وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذُمّ على المخالفة؛ لأنه كان في تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار، والملائكة من النور] [٦].

وفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر: دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينسب إلى إبراهيم ﵇ بأمه مريم ﵍؛ فإنه لا أب له.

قال ابن أبي حاتم (١٥٤): حدثنا سهل بن [بحر] [١] العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا على بن عابس، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؛ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى بلغ ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ قال: بلى، قال أليس عيسى [٢] من ذرية إبراهيم وليس له أب؟

قال: صدقت.

فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربى: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأجانب وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضًا [٣]؛ لما ثبت في صحيح البخاري (١٥٥): أن رسول الله ﵌ قال للحسن [٤] بن عدي: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".

فسماه ابنًا فدل على دخوله في الأبناء.

وقال آخرون [٥]: هذا تجوز.

وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم، وأن الهداية والاجتباء شملهم كدهم، ولهذا قال: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله لهم وهدايته إياهم ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية، وهذا شرط والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧]، وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ أي: أنعمنا عليهم بذلك؛ رحمة للعباد بهم، ولطفًا منا بالخليقة ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة.

وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وقتادة، والسدي، [وغير واحد] [١]، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش، وغيرهم من سائر أهل الأرض: من عرب وعجم، ومليين وكتابيين ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾، يعنى [٢]: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: لا يجحدون منها شيئًا، ولا يردون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه.

ثم قال تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان: وهم الأشباه ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هم أهل الهداية لا غيرهم ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمرًا للرسول ﷺ فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به.

قال البخاري (١٥٦) عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني سليمان الأحول، أن مجاهدًا أخبره: أنه سأل ابن عباس: أفى (ص) سجدة؟

فقال: نعم.

ثم تلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [١]﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال: هو منهم.

زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد قال [٢]: قلت لابن عباس: فقال: نبيكم ﷺ ممن أمِرَ أن يَقْتِديَ بهم.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن [أجرًا، أي] [٣]: أجرة ولا أريد منكم شيئا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: يتذكروا به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإِيمان.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ يقول تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم.

قال ابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش.

واختاره ابن جرير [٤].

وقيل: نزلت في طائفة من اليهود.

وقيل: في فنحاص رجل منهم.

وقيل: في مالك بن الصيف [٥].

﴿قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والأول [هو الأظهر] [٦]؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر، كما قال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾، وقال هاهنا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني التوراة، التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات.

وقوله: ﴿[تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] [١] كَثِيرًا﴾ أي: يجعلها حملتها قراطيس، أي: قطعًا تكتبونها [٢] من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم [٣]، [وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون وتقولون] [٤] هذا من عند الله، أي: فى كتابه المنزل، ما هو من عند الله، ولهذا قال: ﴿[تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] [٥] كَثِيرًا﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه: من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي، ما له تكونوا تعلمون ذلك أنتم ولا آباؤكم.

قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب.

وقال مجاهد: هذه للمسلمين.

وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ قال على بن أبي طلحة (١٥٧)، عن ابن عباس: أي: قل الله أنزله.

وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، [لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: لا يكون خطابك لهم إلا هذه الكلمة كلمة] [٦] "الله".

وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرًا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد فى لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها.

وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟

وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآن ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني: مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم: من عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، وثبت في الصحيحين (١٥٨): أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى" [وذكر منهن] [١] "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة [٢]، وبعثت إلى الناس عامة".

ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن [٣] بهذا الكتاب المبارك، الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: يقيمون بما افترض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شريكا أو ولدًا، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يكن أرسله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب.

﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي: و] [١] من ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [٢]]﴾.

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: في سكراته وغمراته وكرباته: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب، كقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ] [٣]﴾ وقوله: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ الآية.

وقال الضحاك وأبو صالح: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالعذاب.

كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وذلك أن الكافر إذا احتضر، بشرته الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله.

وقد وردت [الأحاديث المتواترة] [٤] في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت، وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، وقد ذكر ابن مردويه (١٥٩) هاهنا حديثًا مطولًا جدًّا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا، فالله أعلم.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾] [٥] أي: كما بدأناكم أعدناكم [١]، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.

وقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ [وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ] [٢]﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح (١٦٠): أن رسول الله ﷺ قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس.

وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج [٣]، فيقول الله ﷿ [له]: أين ما جمعت؟

فيقول: يارب جمعته وتركته أوفر ما كان.

فيقول [له: يا ابن آدم أين] [٤] ما قدمت لنفسك؟

فلا يراه قدم شيئًا، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.

رواه ابن أبي حاتم (١٦١).

وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في [] [٥] الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها [٦] تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب ﷻ على رءوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [٧] (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [أي: في العبادة لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم] [٨].

[ثم قال تعالى] [٩]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي: شملكم، وقرئ بالنصب أي: لقد انقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي [١٠]: وذهب عنكم ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء [١١] الأصنام والأنداد [١٢]، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًا.

﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقه في الثرى، فتنبت منه [١] الزروع على اختلاف أصنافها: من الحبوب والثمار على اختلاف [ألوانها وأشكالها وطعومها] [٢] من النوى، ولهذا فسر قوله [٣]: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو [٤] كالجماد الميت، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ [يس: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ثم فسره، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾.

وقد عبروا عن هذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، ومن قائل يخرج الولد الصالح من [الفاجر والفاجر] [٥] من الصالح، وغير ذلك من العبارات الي تنتظمها الآية وتشملها.

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره.

وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [١] اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي [٢]: فهو سبحانه يفلق ظلام [٣] الليل عن غرة الصباح، فيضئ [٤] الوجود ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بدآدئه [٥] وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه [٦] وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإِصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ [٧] اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: ساجيًا مظلمًا لتسكن [٨] فيه الأشياء، كما قال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.

وقال صهيب الرومي ﵁ لامرأته وقد [٩] عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنًا إلا لصهيب، إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار [١٠] نومه.

رواه ابن أبي حاتم (١٦٢).

وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير و [١١] لا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقصرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] [١٢]﴾ الآية، وكما قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [١٣] وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]، وقال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾.

وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانَع ولا يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرًا ما [١] إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية، وكما فى قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.

ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة حم السجدة قال: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال بعض السلف: من اعتقد فى هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ، وكذب على اللَّه سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، ويهتدى بها في [٢] ظلمات البر والبحر.

وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: قد بيناها ووضحناها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعقلون ويعرفون الحق ويجتنبون الباطل.

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدم ﵇، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وقوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ اختلفوا في معنى ذلك؛ فعن ابن مسعود (١٦٣)، وابن عباس (١٦٤)، وأبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغيرهم [١] ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي: في الأرحام، قالوا - أو [٢] أكثرهم - ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: في الأصلاب.

وعن ابن مسعود وطائفة: عكس ذلك.

وعن ابن مسعود أيضًا وطائفة: فمستقر في الدنيا، ومستودع حيث يموت.

[وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام، وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت] [٣].

وقال الحسن البصري: المستقر: الذي مات فاستقر به عمله.

وعن ابن مسعود (١٦٥): ومستودع في الدار الآخرة.

والقول الأول هو الأظهر والله أعلم.

وفوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أي يفهمون ويعون كلام الله ومعناه.

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي بقدر مباركًا [١] رزقًا للعباد، وإحياء [٢] وغياثًا [٣] للخلائق، رحمة من الله بخلقه [٤] ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي: زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر، ولهذا قال تعالى: (نُخْرِجُ مِنْهَا [٥] حَبًّا مُتَرَاكِبًا) أي: يركب بعضه بعضا [٦] كالسنابل ونحوها ﴿وَمِنَ النَّخْلِ [٧] مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ أي: جمع قنو، وهي عذوق الرطب ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة من المتناول، كما قال على بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ يعني: بالقنوان الدانية قصار النخل المتلاصقة [٨] عذوقها بالأرض [٩].

رواه ابن جرير (١٦٦).

قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وقيس يقولون [١٠]: قُنوان.

وقال امرؤ القيس: فَأَتَّتْ أَعَالِيهِ وَآدَتَ أُصُولُهُ … وَمَالَ [١١] بِقِنْوانٍ من البُسْرِ أَحْمَرَا قال: وتميم يقولون: قتيان بالياء.

قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو.

وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا [١٢] خيار الثمار في الدنيا، كما امتن الله بهما على عباده في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال قتادة وغيره: يتشابه في الورق، و [] [١٣] الشكل قريب [١٤] بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلًا وطعمًا وطبعًا [١٥].

وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة، وغيرهم، أي: فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبًا صار عنبًا ورطبًا، وغير ذلك مما خلق ﷾، من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى [١] بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [٢] (٤)﴾ [الرعد: ٤]، ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ﴾ [أيها الناس] [٣] ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون به ويتبعون رسله.

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا [به في عبادته] [٤]، أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء الله في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم.

فإن قيل: فكيف عُبِدَتْ الجن وإنما كانوا يعبدون الأصنام؟

فالجواب: أنهم ما [٥] عبدوا الأصنام إلا [٦] عن طاعة الجن، وأمرهم إياهم بذلك، كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا] [٧]﴾، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ [٨] لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾، وكقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾، وتقول الملائكة يوم القيامة: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: وقد خلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.

ومعنى الآية: أنه ﷾ هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده، لا شريك له.

وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى على ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدًا، كما يزعمه من قاله من اليهود في عزيز [١]، ومن قال من النصارى في [المسيح، وكما] [٢] قال المشركون من العرب في الملائكة أنها بنات الله، تعالى الله عما [يقول الظالمون] [٣] علوًّا كبيرًا ومعنى وقوله: ﴿وَخَرَقُوا﴾ أي: اختلقوا [٤] وَأْتفكوا وتخرصوا [٥] وكذبوا، كما قاله علماء السلف.

قال على بن أبي طلحة (١٦٧)، عن ابن عباس: ﴿وَخَرَقُوا﴾ يعني: [أنه تخرصوا] [٦].

وقال العوفي (١٦٨)، عنه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال: جعلوا له بنين وبنات.

وقال مجاهد ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قال: كذبوا.

وكذا قال الحسن، وقال الضحاك: وضعوا.

وقال السدي: قطعوا [٧].

قال ابن جرير: فتأويل الكلام إذا: وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [يقول: وتخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات] [٨] ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، فإنه [٩] لا ينبغي لمن [١٠] كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون: من الأولاد، والأنداد، والنظراء، والشركاء [١١].

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما [١] وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما [٢] على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي، ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف.

﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون له ولد ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: والولد إنما يكون متولدًا بين [٣] شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شئ فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٥].

[﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] [٤] فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار.

وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف: أحدها [٥]: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، من غير ما طريق ثابت فى الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب -[وفي رواية: على الله] [١]- فإن الله تعالى قال [٢]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ] [٣]﴾.

رواه ابن أبي حاتم (١٦٩): من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق.

ورواه غير واحد [عن مسروق] [٤] (١٧٠)، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه (١٧١).

وقد خالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.

وقال ابن أبي حاتم (١٧٢): ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحى بن معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ] [٥]﴾ قال: هذا في الدنيا.

[] [٦] وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله [٧] أنه قال نحو ذلك.

وقال آخرون: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له فى الدار [١] الآخرة.

وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].

قال الإِمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎.

وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة (١٧٣)، عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه، آمين.

وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: العقول.

رواه ابن أبي حاتم (١٧٤)، عن علي ابن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين - قارئ أهل مكة - أنه قال ذلك، وهذا غريب جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإِدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.

وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك؛ فإن الإِدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم.

ثم اختلف هؤلاء في الإِدراك المنفي، ما هو؟

فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى.

وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من [عدم] إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وفي صحيح مسلم (١٧٥): " لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".

ولا يلزم منه [١] عدم الثناء فكذلك هذا.

قال العوفي (١٧٦)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: لا يحيط بصر [٢] أحد بالملك.

وقال ابن أبي حاتم (١٧٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة: أنه قيل له: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار﴾ قال: ألست ترى السماء؟

قال: بلى.

قال: فكلها ترى؟

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة [في الآية] [٣]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.

وقال ابن جرير (١٧٨): حدثنا سعد [٤] بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.

وقد [١] ورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم هاهنا فقال (١٧٩): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث [التميمي] [٢]، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة، منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا".

غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.

وقال آخرون في [٣]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم فى تفسيره، وابن مردويه أيضًا، والحاكم فى مستدركه: من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎، فقلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟

الآية فقال لي: لا أم لك، ذلك [١] نوره الذي هو نوره، إذا تجلي بنوره لا يدركه شيء.

وفي رواية: لا يقوم له شيء (١٨٠).

[قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه] [٢].

وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين (١٨١): [من حديث] [٣] أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - أو النار - ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".

وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسي لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده.

أي: تدعثر.

وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.

ونفي هذا الأثر [٤] الإِدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلي لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس وتنزه فلا تدركه الأبصار، ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة (١٨٢) ﵂ تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ فالذي نفته الإِدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء.

وقوله: ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها، كما قال تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.

وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السدي [١] في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يراه شيء وهو يري الخلائق.

وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال [٢]: اللطف باستخراجها [٣]، الخبير بمكانها، والله أعلم.

وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [٤] فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾.

﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول ﷺ ﴿فمن أبصر فلنفسه﴾، كقوله [٥]: ﴿فَمَنِ [٦] اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ ولهذا قال: ﴿ومن عمي فعليها﴾ لما ذكر البصائر قال: ﴿ومن عمي فعليها﴾ أي: فإنما يعود وبال ذلك عليه، كقوله [٧]: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ واللت يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

وقوله: ﴿وكذلك نصرف الآيات﴾ أي: وكما فصلت الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة [٨] الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد مَن قبلك من أهل الكتاب، وقارأتهم وتعلمت منهم.

هكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم.

و [١] قال الطبراني (١٨٣): حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال [٢]: سمعت ابن عباس يقرأ [٣]: (دارست): تلوت، خاصمت، جادلت.

وهذا كقوله تعالى إخبارًا عن كذبهم وعنادهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَي عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا] (٥)] [٤]﴾، وقال تعالى إخبارًا عن زعيمهم وكاذبهم: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾.

وقوله: ﴿ولنبينه لقوم يعلمون﴾ أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فلله تعالى الحكمة البالغة [٥] في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء، كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ] [٦]﴾.

وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.

و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.

وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه [١]، تعالى أنزل القرآن هدي للمتقين، وأنه يضل به [٢] من يشاء ويهدي به من يشاء، ولهذا قال هاهنا [٣]: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾، وقرأ بعضهم: ﴿وليقولوا درست﴾.

قال التميمي (١٨٤)، عن ابن عباس: ﴿درست﴾ أي: قرأت وتعلمت.

وكذا قال مجاهد والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم [وغير واحد] [٤].

قال عبد الرزاق (١٨٥): عن معمر، قال الحسن ﴿وَلْيقُولُوا دَرَسَتْ﴾ يقول: تقادمت وانمحت.

وقال عبد الرزاق (١٨٦) أيضًا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن [٥] الزبير يقول: إن صبيانًا يقرءون هاهنا (دارست) وإنما هي ﴿درست﴾.

وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود (دَرَسَتْ).

يعني: بغير ألف بنصب السين [٦] ووقف على [٧] التاء.

قال [١] ابن جرير: ومعناه انمحت وتقادمت، أي: إن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديمًا وتطاولت مدته.

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أنه قرأها: (دُرِسَتْ)، أي: قرأت وتعلمت.

وقال معمر، عن قتادة: (دُرِسَت) قرئت.

وفي حرف ابن مسعود (دَرَسَ).

وقال ألو عبيد القاسم بن سلام (١٨٧): حدثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف أبي ابن كعب، وابن مسعود (وليقولوا دَرَسَ).

قال: يعنون النبي ﷺ أنه قرأ.

وهذا غريب، فقد [٢] روي عن أبي بن كعب خلا: هذا، قال أبو بكر بن مردويه (١٨٨): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن الليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله ﷺ: ﴿وليقولوا دَرَسْتَ﴾.

ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين ونصب التاء.

ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.

﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ يقول تعالى آمرًا لرسوله ﷺ ولمن اتبع طريقه: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾ أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل ول، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو.

﴿وأعرض عن المشركين﴾ أي: اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعًا.

﴿ولو شاء الله مما أشركوا﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا﴾ أي: حافظًا تحفظ أقوالهم وأعمالهم ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ، كما قال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر﴾.

وقال: ﴿فإنما [١] عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾.

﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ يقول الله [٢] تعالى ناهيًا رسوله [٣] ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهبم: مقابلة المشركين بسب [٤] إله المؤمنين وهو ﴿الله لا إله إلا هو﴾ كما قال على بن أبي طلحة (١٨٩)، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك.

فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.

وقال عبد الرزاق (١٩٠): عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

وروي ابن جرير وابن أبي حاتم (١٩١)، عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم [١] فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود ابن البختري، وبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتي أبا طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذي آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ﷺ فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.

قال رسول الله ﷺ: "ما تريدون [٢]؟

" قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك.

[قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم] [٣].

فقال النبي ﷺ: "أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم [٤] بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، [وأدّت لكم] [٥] الخراج؟

" قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، [] [٦] فما هي؟

قال: "قولوا: لا إله إلا الله".

فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال: "يا عم، ما أنا بالذي يقول [٧] غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها".

إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن [٨] من يأمرك.

فذلك قوله: ﴿فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾.

ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ما جاء في الصحيح (١٩٢): أن رسول الله ﷺ قال: "ملعون من سب والديه".

قالوا: يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟

قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمّه فيسب أمه".

أو كما قال ﷺ.

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي [١]: من الأمم الخالية على الضلال ﴿عملهم﴾ الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامّة فيما يشاؤه ويختاره، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: معادهم ومصيرهم ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخيرًا [٢]، وإن شرًّا فشرًّا [٣].

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ يقول تعالى إخبارًا عن المشركين: أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: حلفوا أيمانًا مؤكدة ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي: معجزة وخارق ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: ليصدقنها ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتًا وكفرًا وعنادًا، لا على سبيل الهدي والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء أجابكم، وإن شاء ترككم كما قال.

قال ابن جرير: (١٩٣) حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلم رسولُ الله ﷺ قريشًا فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا [٤] عشرة عينًا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك.

فقال رسول الله ﷺ: "أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

" قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا.

فقال [٥] لهم: "فإن فعلت تصدقوني؟

" قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين.

فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل ﵇ فقال له: [لك ما شئت] [١]، إن شئت أصبح الصفا ذهبًا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنَّهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم.

[فقال رسول الله ﷺ: "بل يتوب تائبهم".

فأنزل الله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ [٢].

وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا] [٣]﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قيل: المخاطب بما يشعركم المشركون.

وإليه ذهب مجاهد، كأنه يقول لهم: وما يدريكم بصدقكم [٤] في هذه الأيمان التي تقسمون بها، وعلى هذا فالقراءة: ﴿إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بكسر "إنها" على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها، وقرأ [٥] بعضهم: (أنها إذا جاءت لا تؤمنون) بالتاء المَثناة من فوق.

وقيل: المخاطب بقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ المؤمنون، أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في قوله [٦] ﴿أنها﴾ الكسر كالأوّل، والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون "لا" في قوله ﴿أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ صلة، كما في قوله: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، وقوله: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾، أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وقوله: وحرام أنهم يرجعون، وتقدره في هذه الآية: وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودّون لهم ذلك حرصًا على إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون.

وقال بعضهم: "أنها" بمعنى لعلها.

قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب.

قال: وقد ذكر عن العرب سماعا: اذهب إلى السوق أنك تشتري لنا [٧] شيئًا، بمعنى: لعلك تشتري.

قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا: أَعَاذِلَ ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي … إلَي سَاعَةٍ في اليَومِ أَوْ فيِ ضُحَى الغَدِ وقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه شواهد من أشعار العرب، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي (١٩٤)، عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كل أمر.

وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ ونحول بينهم وبين الإِيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون [١]، كما حلنا بينهم وبين الإِيمان أول مرة.

وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال [] [٢] بن أبي طلحة (١٩٥)، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه.

قال: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ [جل وعلا] [٣]، وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأخبر الله [٤] سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدي، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال: ولو [٥] ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدي، كما حلنا [٦] بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.

وقوله: ﴿ونذرهم﴾ أي: نتركهم ﴿في طغيانهم﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم.

وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم.

﴿يعمهون﴾ قال الأعمش: يلعبون.

وقال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والربيع و [أبو مالك وغيرهم] [٧]: في كفرهم يترددون.

﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.

يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة [] [١] تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [٢] حَتَّى نُؤْتَي مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَي رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾.

﴿وَكَلَّمَهُمْ المَوْتَي﴾ أي [٣]: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ بعضهم: (قِبَلا) بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، [وقرأ آخرون: بضمها؛ قيل: معناه من المقابلة والمعاينة] [٤] أيضًا، [كما رواه] [٥] على بن أبي طلحة والعوفي (١٩٦)، عن ابن عباس، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال مجاهد: ﴿قبلا﴾ أي [٦]: أفواجًا قبيلًا قبيلًا، أي: تعرض عليهم كل أمة [بعد أمة] [٧] فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به.

﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد لا [٨] يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك، جعلنا لكل نبي من [١] قبلك أيضًا أعداء فلا يهيدنك ذلك، كما قال تعالى: [﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ] [٢] رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقال تعالى [٣]: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا] [٤]﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا] [٥]﴾.

وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ: إنه [٦] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (١٩٧).

وقوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عدوًّا﴾ أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، [والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين] [٧] من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم.

قال عبد الرزاق (١٩٨): حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض.

قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يومًا يصلي، فقال النبي ﷺ: "تعوذ [٨] يا أبا ذر في شياطين الإِنس والجن".

فقال: أو إن من الإِنس شياطين [٩]؟

فقال رسول الله ﷺ: "نعم".

وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر، وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر ﵁.

قال ابن جرير (١٩٩): حدثنا المثني، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن [أبي عبد الله محمد بن أيوب] [١] وغيره من [٢] المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال: فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟

" قلت [٣]: لا، يا رسول الله.

قال: "قم فاركع ركعتين".

قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإِنس؟

".

قال: قلت: لا، يا رسول الله، وهل للإِنس من شياطين؟

قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن".

وهذا أيضًا فيه انقطاع.

وروي متصلًا كما قال الإِمام أحمد (٢٠٠): حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش [١]، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟

" قلت: لا.

قال: "قم فصل".

قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر [٢] شياطين الإِنس والجن".

قال: قلت: يا رسول الله!

وللإنس شياطين؟

قال: "نعم".

وذكر تمام الحديث بطوله.

وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به.

(طريق أخرى عن أبي ذر) قال ابن جرير (٢٠١): حدثنا المثني، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف [٣] بن مالك، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، هل تعوّذت بالله من شر [٤] شياطين الإِنس والجن؟

" قال: قلت: يا رسول الله، هل للإِنس من شياطين؟

قال: "نعم".

(طريق أخرى للحديث) قال ابن أبي حاتم (٢٠٢): حدثنا محمد بن عوف [٥] الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذر، تعوّذت من شياطين الجن والإِنس؟

قال: يا رسول الله، وهل للإِنس شياطين؟

قال: "نعم ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

وقوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، واللَّه أعلم.

قال [١] ابن جرير (٢٠٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: ليس من [٢] الإِنس شياطين، ولكت شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإِنس، وشياطين الإِنس يوحون إلى شياطين الجن.

قال (٢٠٤): وحدثنا [٣] الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، [عن عكرمة] [٤] في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [قال: للإِنس شياطين، وللجن شياطين، فيلقي شيطان الإِنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا] [٥].

وقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [في تفسير هذه الآية] [٦]: أما شياطين الإِنس فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن [التي تضل الجن، يلتقيان] [٧] فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضلَلت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضًا.

ففهم ابن جرير من هذا أن [٨] المراد [بشياطين الإِنس عند عكرمة والسدي: الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه] [١] شياطين الإِنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى وهو محتمل، وقد روي ابن أبي حاتم (٢٠٥) نحو هذا عن ابن عباس من رواية الضحاك عنه قال: إن للجن [٢] شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم.

قال: فيلتقي شياطين الإِنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا أضللَّه بكذا، أضللَّه بكذا، فهو قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: أن للإِنس شياطين منهم، وشيطان [٣] كل شيء مارده، ولهذا جاء في صحيح مسلم (٢٠٦): عن أبي ذَر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الكلب الأسود شيطان".

ومعناه - والله أعلم -: شيطان في الكلاب.

وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين يوحون إلى شياطين الإِنس كفار الإِنس زخرف القول غرورًا.

وروى ابن أبي حاتم (٢٠٧): عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنرلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: [اخرج إلى الناس فحدثهم] [٤].

قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟

فقلت: الوحي وحيان؟

قال الله تعالى: ﴿بما [٥] أوحينا إليك هذا القرآن﴾، وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت لهم [٦]: ما لكم ذاك إني مفتيكم وضيفكم فتركوني.

وإنما عرَّض عكرمة بالمختار وهو ابن أبي عبيد قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحي إليه قال: صدق، قال [١]- الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.

وقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي [٢] يغتر سامعه من الجهلة بأمره.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي عدوًّا من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: فدعهم ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عدواتهم، فإن الله كافيك: ناصرك عليهم.

وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ أي: ولثميل إليه - قاله ابن عباس - ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم.

وقال السدي: قلوب الكافرين.

﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال [٣] الجحيم﴾.

وقالي تعالى: ﴿إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك﴾.

وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ قال على بن أبي طلحة (٢٠٨)، عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون.

وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد [٤] ﷺ: ﴿قل﴾ لهؤلاء المشركين بالله غيره، الذبن يعبدون غيره ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ أي: مبينًا ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: من اليهود والنصارى ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أشك ولا أسأل" (٢٠٩).

وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَة [١] رَبِكَ صِدِقًا وَعَدْلًا" قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم.

يقول: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه [٢] ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهي عنه فباطل، فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ] [٣]﴾.

﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وهو السميع﴾ لأقوال عباده ﴿العليم﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله.

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم: أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل [﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾] [٤] فإن الخرص [٥] هو الحَزْر، ومنه خرص النخل: وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ [٦] أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فييسره لذلك ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فييسرهم [١]، لذلك، "وكل ميسر لما خلق له" (٢١٠).

﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ هذا إباحة من الله لعباده المؤمنين: أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش [٢] من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه.

وقرأ بعضهم: ﴿فصَّل﴾ بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح.

﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلا في حال الاضصرار فإنه يباح لكم ما وجدتم.

ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة في استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.

﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ قال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ معصيته في السر والعلانية.

وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل.

وقال قتادة: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته، قليله وكثيره.

وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة [١] والصدائق والأخدان.

وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم.

والصحيح أن الآية عامّة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ] [٢]﴾.

ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي: سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، فإن الله سيجزيهم عليه.

قال ابن أبي حاتم (٢١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية ابن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله صلى الله عديه وسلم عن الإِثم فقال: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه".

﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى [أن الذبيحة لا تحل إذا] [٣] لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأثمة ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر ونافع مولاه وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإِمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وإنه لفسق﴾ والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد؛ كحديثي عدي بن حاتم (٢١٢) وأبي ثعلبة (٢١٣): " إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه [١]-، فكل ما أمسك عليك".

وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج (٢١٤): " ما أنهر الدم، وذكي اسم الله عليه، فكلوه".

وهو في الصحيحين أيضًا، و [٢] حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﵌ قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه".

رواه مسلم (٢١٥)، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله".

أخرجاه (٢١٦)، وعن عائشة ﵂: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟

قال: "سموا عليه أنتم [٣] وكلوا".

قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر [٤].

رواه البخاري (٢١٧).

ووجه الدلالة: أنهم فهموا أن التسمية لابد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل؛ لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم.

والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لم يضر [١]، وهذا مذهب الإِمام الشافعي ﵀ وجميع أصحابه، ورواية عن الإِمام أحمد نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإِمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.

وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.

وقال ابن جريج، عن عطاء ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها [٢] قريش للأوثان، وينهي عن ذبائح المجوس.

وهذا المسلك الذي طرقه [٣] الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله.

ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي [٤] ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم (٢١٨): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في الآية] [٥] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة.

ثم رواه: عن أبي زرعة، [عن يحيى بن أبي كثير] [٦]، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به.

وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل (٢١٩): من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي - مولي سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات [١]- قال: قال رسول الله ﷺ: "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله".

وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني (٢٢٠)، عن ابن عباس أنه قال: إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله.

واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة ﵂ المتقدم (٢٢١): [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله] [٢]، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم، لا ندري أذكروا [٣] اسم الله عليه أم لا؟

فقال: "سموا أنتم وكلوا".

قالوا: فلو كان وجود التسمية شرطًا لم يرخص [٤] لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.

المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر، وإن تركها عمدًا لم تحل.

هذا هو المشهور من مذهب الإِمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، وجعفر بن محمد وربيعة ابن أبي عبد الرحمن.

ونقل الإِمام أبو الحسن المَرْغِينَاني [١]- في كتابه "الهداية": الإِجماع قبلَ الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حَاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإِجماع.

وهذا الذي قاله غريب جدًّا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.

وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير ﵀: من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك.

يعني: ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٢٢٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن نريد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمى حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله".

وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري [٢]، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي [٣] روياه عن سفيان بن عيينة [٤]، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس من قوله، فزادا في إسناده أبا [١]- الشعثاء ووقفا، [والله أعلم] [٢] وهذا أصح، نص عليه البيهقي [وغيره من الحفاظ] [٣].

وقد نقل ابن جرير وغيره، عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك التسمية نسيانًا.

والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور فيعده إجماعًا، فليعلم هذا، والله الموفق.

قال ابن جرير (٢٢٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهير بن يزيد، قال: سُئِل الحسن سأله لي جل: أتيت بطر كَرَيّ [٤]، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه واختلط الطير؟

فقال الحسن: كُلْهُ كُلَّه.

قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.

واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة: عن ابن عباس (٢٢٤)، وأبي هريرة (٢٢٥)، .................................................

وأبي ذر (٢٢٦)، وعقبة بن عامر (٢٢٧)، [وعبد الله بن عمرو] [١] (٢٢٨)، عن النبي ﷺ: "إن الله وضع عن أمتي الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

وفيه نظر، والله أعلم.

وقد روي الحافظ أبو أحمد بن عدي (٢٢٩): من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله!

أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى؟

فقال النبي ﷺ: "اسم الله على كل مسلم".

ولكن هذا إسناده ضعيف؛ فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة والله أعلم.

وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم.

قال ابن جرير [١]-: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟

فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلئ هذا قول عامّة أهل العلم.

وروي عن الحسن البصري وعكرمة: ما حدثنا به ابن حميد (٢٣٠)، حدثنا يحيي بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال الله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله على إن كنتم بآياته مؤمنين"، وقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ فنسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾.

وقال ابن أبي حاتم (٢٣١): قرئ على العباس بن الوليد بن [مزيد] [٢]، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر -، عن مكحول، قال: أنزل الله في [٣] القرآن ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب.

ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.

وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله ﷾ أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٣٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحي إليه.

قال: صدق، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.

وحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، وحج المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة.

فقال ابن عباس: صدق.

فنفرت [١]- وقلت: يقول ابن عباس صدق.

فقال ابن عباس: هما وحيان؛ وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ، ووحي الشيطان إلى أوليائه.

ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.

وقد تقدم عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ نحو هذا.

وقوله: ﴿ليجادلوكم﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٣٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي ﷺ، فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟

فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.

هكذا رواه مرسلًا، ورواه أبو داود (٢٣٤) متصلًا.

فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي ﵌، فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟

فأنزل الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية.

وكذا [١] رواه ابن جرير (٢٣٥): عن محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع كلاهما، عن عمران بن عيينة به [٢].

ورواه البزار (٢٣٦): عن محمد بن موسى الحرشي [٣]، عن عمران بن عيينة به [٤].

وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن اليهود لا يرون إباحه الميتة حتى يجادلوا.

الثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية.

الثالث: أن هذا الحديث رواه الترمذي (٢٣٧) عن محمد بن موسى الحرشي [٥]، عن زياد بن عبد اللَّه البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي ﷺ فذكره، وقال: حسن غريب.

وروي عن سعيد بن جبير] [١] مرسلًا.

وقال الطبراني (٢٣٨): حدثنا على بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزنى، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا، وقولوا له: فما [٢] تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح اللَّه ﷿ بشمشير من ذهب - يعني الميتة - فهو حرام.

فنزلت هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون] [قال: الشياطين من فارس، وأولياؤهم قريش] [٣].

وقال أبو داود (٢٣٩): حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ يقولون ما ذبح اللَّه فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل اللَّه.

﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾.

ورواه ابن ماجة وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد اللَّه، عن وكيع، عن إسرائيل به.

وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن جرير (٢٤٠) من طرق متعددة عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، والله أعلم.

وقال ابن جريج (٢٤١): قال عمرو بن دينار، عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارسًا على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت [١] فارس إلى مشركي قريش: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكله [محمد وأصحابه - للميتة] [٢]-[وما ذبحوا هم يأكلونه] [٣].

فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب [رسول اللَّه] [٤] ﷺ، فوقع فى أنفس ناس من المسلمين أمن ذلك شيء، فأنزل اللَّه: ﴿وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾] [٥].

ونزلت: ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾.

وقال السدي فى تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين [٦]: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة اللَّه، [وما ذبح] [٧] اللَّه فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم تأكلونه [٨]؟

فقال اللَّه تعالى: وإن [٩] أطعتموهم فأكلتم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾.

وهكذا قال [١٠] مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف [﵏].

وقوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر اللَّه لكم وشرعه، إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [١]﴾، وقد روى الترمذي في تفسيرها، عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول اللَّه، ما عبدوهم.

فقال: "بلى [٢]، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" (٢٤٢).

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ هذا مثل ضربه اللَّه تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة هالكًا حائرًا فأحياه اللَّه، أي: أحيا قلبه بالإِيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف يسلك، وكيف يتصرف به [٣]، والنور هو القرآن، كما رواه العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس.

وقال السدي: الإِسلام.

والكل صحيح.

﴿كمن مثله في الظلمات﴾ أي: الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة ﴿ليس بخارج منها﴾ أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه، أوفي مسند الإِمام أحمد (٢٤٣) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: [إن اللَّه خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل"] [٤].

كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾﴾.

وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن اللَّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير﴾ والآيات في هذا كثيرة، ووجه الناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور [١] والظلمات لما تقدم في أول السورة ﴿وجعل الظلمات والنور﴾.

و [٢] زعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان؛ فقيل: عمر بن الخطاب هو الذي كان ميئا فأحياه اللَّه، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه اللَّه.

والصحيح: أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر.

وقوله تعالى: ﴿كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ أي: حسنا لهم ما هم [٣] فيه من الجهالة والضلالة، قدرًا من اللَّه وحكمة بالغة، لا إله إلا هم أوحده لا شريك له] [٤].

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل اللَّه، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدوًّا من المجرمين [وكفى بوبك هاديًا ونصيرًا] [٥]﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾﴾، قيل: معناه أمرناهم بالطاعات فخالفوا فدمرناهم، وقيل: أمرناهم أمرًا قدريًّا كما قال هاهنا ﴿ليمكروا فيها﴾.

وقال ابن أبي طلحة (٢٤٤)، عن ابن عباس ﴿أكابر مجرميها﴾ قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب.

وقال مجاهد وقتادة: ﴿أكابر مجرميها﴾ قال: عظماءها [١].

قلت: [وهكذا قوله] [٢] تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا [مِنْ قَبْلِكَ] [٣] فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.

والمراد بالمكر هاهنا: دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.

وقال ابن أبي حاتم (٢٤٥): حدثنا أبي، حدّثنا [ابن أبي عمر] [٤]، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل.

وقوله تعالى: ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم﴾، وقال: ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾.

وقوله تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل اللَّه﴾ أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل اللَّه﴾ أي: أي: حتى تأتينا الملائكة من اللَّه بالرسالة كما تأتى إلى الرسل، [كقوله جل وعلا] [٥]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا عتوًّا كبيرًا] [١]﴾.

وقوله: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك﴾ الآية، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عطم كببر جليل [٢] مبجل في أعينهم ﴿من القريتين﴾ أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم [٣] قبحهم اللَّه كانوا يزدرون بالرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه بغيًا وحسدًا، وعنادًا واستكبارًا، كقوله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث اللَّه رسولا﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه [صلَّى اللَّه وملائكته والمؤمنون عليه] [٤]، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه "الأمين"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان، حين سأله هرقل ملك الروم: كيف نسبه فيكم؟

قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قال: لا.

الحديث بطوله (٢٤٦) الذي استدل به ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق [٥] نبوته، وصحة ما جاء به.

وقال الإِمام أحمد (٢٤٧): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عله وسلم قال: " إن اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفانى من بني هاشم".

انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي: وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه.

وفي صحيح البخاري (٢٤٨): عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه".

وقال الإِمام أحمد (٢٤٩): حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه ابن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وَدَاعة، قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فَصَعِدَ المنبَر فقال: "مَنْ أنا؟

" قالوا: أنت رسول اللَّه ﷺ.

فقال [١]: "أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين [٢]، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم نفسًا".

صدق صلوات اللَّه وسلامه عليه.

وفي الحديث أيضًا المروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: " قال لي جبريل: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد [رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد] [١] بني أب أفضل من بني [٢] هاشم".

رواه الحاكم والبيهقي (٢٥٠).

وقال الإِمام أحمد (٢٥١): حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد اللَّه ابن مسعود، قال: إن اللَّه نظر فم قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه [٣] برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه [٤]، فما رآه [٥] المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند اللَّه سيئ.

[وقال أحمد (٢٥٢): حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: "يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك".

قلت: يا رسول اللَّه، كيف أبغضك وبك هدانا اللَّه؟

قال: " تبغض العرب فتبغضني] [١] ".

وقال [٢] ابن أبي حاتم (٢٥٣) في تفسير هذه الآية: ذكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، قال: أبصر رجل ابنَ عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه، فقال: من هذا؟

قالوا: ابن عباس ابن عم رسول اللَّه ﷺ؛ فقال [٣]: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته﴾.

وقوله تعالى: ﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللَّه وعذاب شديد [بما كانوا يمكرون] [١]﴾، هذا وعيد شديد من اللَّه، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله، والانقياد لهم فيما جاءوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي اللَّه: صغار: هو الذلة الدائمة، كما [٢] أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلًّا، كقوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ أي: صاغرين ذليلين حقيرين.

وقوله تعالى: ﴿وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ لما كان المكر [٣] غالبًا إنما يكون خفيًّا، وهو التلطف في التحيل [٤] والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد [من اللَّه يوم القيامة] [٥] جزاء وفاقًا ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾، كما قال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين (٢٥٤) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ينصب لكل غادر لواء عد استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان".

والحكمة في هذا: أنه لما كان الغدر خفيًّا لا يطع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل.

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ يقول تعالى: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] [٦]﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾.

وقال [١] ابن عباس (٢٥٥) ﵄[في قوله] [٢]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان له.

وكذا قال أبو مالك وغير واحد، وهو ظاهر.

وقال عبد الرزاق (٢٥٦): أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ أي المؤمنين أكيس؟

قال: "أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا".

قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول اللَّه؟

قال: "نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح".

قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟

قال: "الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت".

وقال ابن جرير (٢٥٧) حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان - يعني الثوري - عن عمرو ابن مرة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي ﷺ عن قول اللَّه تعالى: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه [يشرح صدره للإسلام] [٣]﴾ فذكر نحو ما تقدم.

وقال ابن أبي حاتم (٢٥٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن [٤] إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾ قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا دخل الإِيمان القلب انفسح له القلب وانشرح".

قالوا: يا رسول اللَّه، هل لذلك من أمارة؟

قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت".

وقد رواه ابن جرير (٢٥٩): عن سوار بن عبد اللَّه العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث، عن عبد اللَّه بن مرة، أعن أبي جعفر فذكره.

وقال ابن أبي حاتم (٢٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة] [١]، عن عبد اللَّه بن المسور، قال: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية [٢]: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، ما هذا الشرح؟

قال: " نور يقذف به في القلب ".

قالوا: يا رسول اللَّه، فهل لذلك من أمارة تعرف [٣]؟

قال: " نعم ".

قالوا: وما هي؟

قال: "الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت".

وقال ابن جرير أيضًا (٢٦١): حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة [٤]، عن أبي عبد الرحيم [٥]، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن [٦] عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح".

قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟

قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لُقِي الموت".

وقد رواه (٢٦٢) من وجه آخر عن ابن مسعود متصلًا مرفوعًا فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن [١] عبد الرحمن بن [عبد اللَّه] [٢] بن عتبة، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿فمن رد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يشرح صدره؟

قال: "يدخل فيه النور فينفسح".

قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول اللَّه؟

قال: "التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت".

فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يثمد بعضها بعضًا [٣]، واللَّه أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ قرئ [١] بفتح الضاد وتسكين الياء [٢]، والأكثرون ﴿ضيِّقًا﴾ بتشديد الياء وكسرها [٣]، [وهما] [٤] لغتان: كهَينْ وهَيِّن، وقرأ بعضهم: (حَرِجًا) بفتح الحاء وكسر الراء، قيل: بمعنى أثم، قاله [٥] السُّدي، وقيل: بمعنى القراءة الأخرى ﴿حَرَجًا﴾ بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء مّا ينفعه من الإِيمان ولا ينفذ فيه.

وقد سأل عمرُ بن الخطاب ﵁ رجلًا من الأعراب، من أهل البادية من مُدْلج - ما الحرجة؟

فقال [٦]: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها [٧] راعية ولا وحشية ولا شيء.

فقال عمر ﵁: كذلك قلب المنافق، لا يصل إليه شيء من الخير (٢٦٣).

وقال العوفي (٢٦٤)، عن ابن عباس: يجعل اللَّه عليه الإِسلام ضيِّقًا والإِسلام واسع، وذلك حين يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ يقول: ما جعل عليكم في الإِسلام من ضيق.

وقال مجاهد والسدي: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ شاكًّا.

وقال عطاء الخراساني: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ [أي [٨]: ليس للخير فيه منفذ [٩].

وقال ابن المبارك، عن ابن جريج: ﴿ضيقًا حرجًا﴾] [١٠] بلا إله إلا اللَّه، حتى لا [تستطع أن تدخل قلبه] [١١]، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه.

وقال سعيد بن جبير: ﴿يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صُعدًا.

وقال السدي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ من ضيق صدره.

وقال [١] عطاء الخراساني: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء.

وقال الحكم بن أبان (٢٦٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك [لا يستطع] [٢] أن يُدْخِل التوحيد والأِيمان قلبه، حتى يدخله اللَّه في [٣] قلبه.

وقال الأوزاعي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ كيف يستطيع من جعل اللَّه صدره ضيقًا [٤] أن يكون مسلمًا.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير [٥]: وهذا مثل ضربه اللَّه لقلب هذا الكافر، في شدة تضييقه [٦] إياه عن وصول الإِيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإِيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء: عجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته.

وقال في قوله: ﴿كذلك يجعل اللَّه الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ يقول: كما يجعل اللَّه صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كذلك يسلط اللَّه الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإِيمان باللَّه ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل اللَّه.

وقال [٧] ابن أبي طلحة (٢٦٦)، عن ابن عباس: الرجس الشيطان.

وقال مجاهد: الرجس كل ما لا خير فيه.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب.

﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ لما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على أشرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وهذا صراط ربك مستقيمًا﴾ منصوب على الحال، أي: هذا الدين الذي شرعناه [] [١] لك يا محمد، بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط اللَّه المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث، كلت على في نعت القرآن: هو صراط اللَّه المستقيم، وحبل اللَّه المتين، وهو الذكر الحكيم.

رواه أحمد والترمذي بطوله (٢٦٧).

﴿قد فصلنا الآيات﴾ أي: وضحناها: بيناها وفسرناها ﴿لقوم يذكرون﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن اللَّه ورسوله.

﴿لهم دار السلام﴾ وهي الجنة ﴿عند ربهم﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف اللَّه [٢] الجنة هاهنا بدار السلام؛ لسلامتهم فيما سلكوه عن الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام.

﴿وهو وليهم﴾ أي: والسلام - وهو اللَّه - وليهم، أي: حاففهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بما كمانوا يعملون﴾ أي: جزاء على [٣] أعمالهم الصالحة تولاهم، وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه [٤] عليهم وتذكرهم به ﴿ويوم يحشرهم جميعًا﴾ يعني: الجن وأولياءهم [٥] [من الإِنس] [٦] الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: ثم يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف.

ومعنى قوله: ﴿قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: من إغوائهم وإضلالهم، كقوله [٧] تعالى: ﴿﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾﴾.

وقال علي بن أبي طلحة (٢٦٨)، عن ابن عباس: ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ يعني [١]: أضللتم منهم كثيرًا.

وكذا [٢] قال مجاهد والحسن وقتادة.

﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين للَّه تعالى عن ذَلك بهذا.

قال ابن أبي حاتم (٢٦٩): حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف [٣]، عن الحسن في هذه الآية قال: استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإِنس: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾.

قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس.

و [٤] قال محمد بن كعب في قوله: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ قال: الصحابة في الدنيا.

وقال ابن جريج: كان الرجل [في الجاهلية ينزل الأرض] [٥]، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي.

فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة.

وأما استمتاع الجن بالإِنس: فإنه [٦] كان فيما ذكر: ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم [٧] بهم، فيقولون: قد سدنا الإِنس والجن.

﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ قال السدي: يعني [٨] الموت.

﴿قال النار مثواكم﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وأولياؤكم ﴿خالدين فيها﴾ أي: ماكمين [فيها مكثًا] [٩] مخلدًا إلا ما شاء اللَّه.

قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ.

وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا.

وقيل غير ذلك من الأقوال، التي سيأتي تقريرها عند قوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.

وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم (٢٧٠) في تفسير هذه الآية: من طريق عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة [١]، عن ابن عباس قال: ﴿النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء اللَّه إن ربك حكيم عليم﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا.

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ قال سعيد: عن قتادة فى تفسيرها: إنما يولي اللَّه [] [٢] الناي بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي.

واختار [هذا القول] [٣] ابن جرير [٤].

وقال معمر، عن قتادة فى تفسيرها: [﴿نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [٥] النار، يتبع بعضهم بعضًا.

وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك في كتاب اللَّه [] [٦] تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾.

[وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [٧] قال: ظالمي الجن وظالمي الإِنس، وقرأ ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ قال: ونسلط [٨] ظلمة الجن على ظلمة الإِنس.

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد (٢٧١): من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي [١]، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود مرفوعًا: "من أعان ظالماً سلطه اللَّه عليه".

وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد اللَّه فوقها … ولا [٢] ظالم إلا سيبلى بظالم ومعنى الآية الكريمة: كما [٣] ولينا هؤلاء الخاسرين من الإِنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم.

﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ وهذا أيضًا مما يقرع [٤] اللَّه ﷾ به كافرين الجن والإِنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل [٥] بلغتهم الرسل رسالاته؟

وهذا استفهام تقرير ﴿يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي: من جملتكم، والرسل من الإِنس فقط، [وليس من الجن رسل] [٦] كما نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف.

وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر.

وحكى ابن جرير [٧] عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن فى الجن رسلًا، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي واللَّه أعلم كقوله: ﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان﴾ إلى أن قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان [١] من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد، وقد نص على هذا الجواب بعينه ابن جرير [٢].

والدليل على أن الرسل إنما هم من الأنس قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى قوله [٣] ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل﴾، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وجعلنا في ذريته النبوّة والكتاب﴾ فحصر النبوّة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس إن النبوّة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي [٤] إليهم من أهل القرى﴾، ومعلوم أن الجن تبع للإِنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.

وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره (٢٧٢): أن رسول اللَّه ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾.

وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة.

و [٥] قال تعالى: ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، [وهلكوا بتكذبيهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات؛ لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا] [٦] وزينتها وشهواتها ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ أي: يوم القيامة ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ أي: في الدنيا بما جاءتهم به [٧] الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم.

﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ يقول تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لئلا يعاقب أحدا بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وإن من أمة [١] إلا خلا فيها نذير﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، كقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾، وقال تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير [قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾] [٢] والآيات في هذا كثيرة.

وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير [٣] ويحتمل قوله تعالى: ﴿بظلم﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ذلك﴾ من أجل [﴿أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾] [٤] أهلها بالشرك ونحوه ﴿وهم غافلون﴾ يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة، حتى يبعث إليهم رسولاً [٥] ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير.

والوجه الثاني: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ يقول: لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل، والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده.

ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى والله أعلم.

قال [٦]: وقوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ أي: ولكل عامل من [٧] طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيرًا [فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا] [٨].

(قلت): ويحتمل أن يعود قوله: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ أي: [ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته] [١] من كافري الجن والإنس، أي: ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله: ﴿قال لكل ضعف﴾، وقوله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾.

﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ قال ابن جرير [٢]: أي: وكل ذلك [من عملهم يا محمد] [٣] بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده؛ ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.

﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وربك﴾ يا محمد ﴿الغني﴾ أي: عن جميع خلقه من [٤] جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ﴿ذو الرحمة﴾ أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، رءوف [٥] كما قال تعالى: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾.

﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي: إذا خالفتم أمره ﴿ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾ أي: قومًا آخرين، أي: يعملون بطاعته ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ أي: هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون [٦] الأوَل وأتى بالذي بعدها [٧]، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذَلك قديرًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿والله [] [٨] الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾.

وقال محمد بن إسحاق (٢٧٣)، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ الذرية: الأصل، والذرية: النسل.

وقوله تعالى: ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ أي: أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي: و [١] لا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا هو [٢] قادر لا يعجزه شيء.

وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها (٢٧٤): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد ابن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ ".

وقوله تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون﴾ هذا تهديد [شديد، ووعيد أكيد] [٣]، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله [٤]: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون﴾.

قال علي بن أبي طلحة (٢٧٥)، عن ابن عباس: ﴿على مكانتكم﴾ أى: ناحيتكم.

﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ أي: تكون لي أولكم، وقد أنجز الله [١] موعوده لرسوله [٢] صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق [٣] بعد وفاته، في أيام خلفائه ﵃ أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾، [وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾] [٤]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ الآية، وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية [٥]، وله الحمد والمنة، أولاً وآخرًا، و [ظاهرًا وباطنًا].

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين، الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله شركاء [٦] وجزءًا من خلقه، وهو خالق كل شيء ﷾ [عما يشركون] [٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ﴾ أي: مما خلق وبراً ﴿من الحرث﴾ أي: من الزروع والثمار ﴿والأنعام نصيبًا﴾ أي: جزءًا وقسمًا ﴿فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾.

وقوله: ﴿فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم﴾ قال علي بن أبي طلحة والعوفي (٢٧٦)، عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا واللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردّوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه اللوثن، فسقى شيئًا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن.

وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوها لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير ولم يردّوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أنعامهم [١] البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه [٢] للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه قربة [٣] لله، فقال الله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ الآية.

وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية [٤]: كل شيء جعلوه [٥] لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدًا، حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ: ﴿ساء ما يحكمون﴾.

أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطئوا أولاً في القسمة؛ لأن [٦] الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه، وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره ولا رب سواه.

ثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جاروا فيها، كقوله جل وعلا: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾، وقال تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءًا إن الإنسان لكفور مبين﴾، وقال تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى﴾.

﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ يقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق [١]، ووأد البنات خشية العار.

وقال على بن أبي طلحة (٢٧٧)، عن ابن عباس: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ زينوا لهم قتل أولادهم.

وقال مجاهد: ﴿شركاؤهم﴾ شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية [٢] العَيْلة.

وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات، إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي [٣]: فيخلطوا عليهم دينهم.

ونحو ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة.

وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] [٤]﴾، وكقوله: ﴿وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت﴾ وقد كانوا أيضًا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف [٥] المال، وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من شرع الشيطان وتزيينه [٦] لهم ذلك.

قوله [٧] تعالى: ﴿ولو شاء اللَّه ما فعلوه﴾ أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى، وإرادته واختياره لذلك كونًا، وله الحكمة [٨] التامّة في ذلك، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿فذرهم وما يفترون﴾ أي: فدعهم واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم.

﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ قال على بن أبي طلحة (٢٧٨)، عن ابن عباس: الحجر: الحرام مما [١] حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا.

وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [٢].

وقال قتادة: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر … ﴾: الآية تحريم كان عليهم من الشياطين [في أموالهم وتغليظ وتشديد] [٣]، ولم يكن من الله تعالى.

وقال ابن [٤] زيد بن أسلم: ﴿حجر﴾ إنما احتجروها لآلهتهم.

وقال السدي: ﴿لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾ يقولون [٥]: حرام أن نطعم إلا من شئنا.

وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.

وكقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾.

وقال السدي: أما [الأنعام التي] [٦] حرمت ظهورها: فهي البحيرة والسائبة والوصيلة [٧] والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال: إذا أولدوها [٨] ولا إن نحروها.

وقال أبو بكر بن عياش (٢٧٩)، عن عاصم بن أبي النجود، قال لي أبو وائل: أتدري [١] ما في قوله ﴿وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها﴾؟

قلت: لا.

قال: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها.

وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شأن [٢] من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن سحبوا، ولا إن عملوا شيئًا.

﴿افتراء عليه﴾ أي: على الله، وكذبًا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك، ولا رضيه منهم ﴿سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ أي: عليه، ويُسْندون إليه.

﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ قال أبو إسحاق السبيعي (٢٨٠): عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن عباس: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾ الآية، قال [٣]: اللبن.

[وقال العوفي (٢٨١)، عن ابن عباس ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾] [٤] فهو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت [] [٥] ذكرًا ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيها [٦] شركاء، فنهى الله عن ذلك.

وكذا قال السدي.

وقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء.

وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال مجاهد في قوله: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ قال: هي السائبة والبحيرة.

وقال أبو العالية ومجاهد وقتادة [في قول الله:] [١] ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي: قولهم الكذب في ذلك.

يعني قوله [٢] تعالى: ﴿ولا تقولوا لِما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع﴾ الآية.

﴿إنه حكيم﴾ أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره [٣] ﴿عليم﴾ بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم عليها [٤] أتم الجزاء.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا [٥] هذه الأفعال فى الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل، بكذبهم على الله وافترائهم، كقوله: ﴿قُلْ [٦] إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٢٨٢) في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.

وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب مناقب قريش بن صحيحه: عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن [١] أبي عوانة واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر واسمه جعفر بن أبي وحشية [] [٢] إياس، به.

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ يقول تعالى [مبينًا أنه] [٣] الخالق لكل شيء: من الزروع [٤] والثمار والأنعام، التي تصرف فيها هؤلاء [٥] المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزءوها، فجعلوا منها حرامًا وحلالاً، فقال: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾.

قال على بن أبي طلحة (٢٨٣)، عن ابن عباس: [﴿معروشات﴾] [٦] مسموكات [٧].

وفي رواية: المعروشات: ما عرش الناس، ﴿وغير معروشات﴾ ما خرج فى البر والجبال من الثمرات.

وقال عطاء الخراساني (٢٨٤)، عن ابن عباس: ﴿معروشات﴾: ما عرش من الكرم ﴿وغير معروشات﴾ ما لم يعرش من الكرم.

وكذا قال السدي.

وقال ابن جريج: ﴿متشابهًا وغير متشابه﴾.

قال: متشابهًا في المنظر، وغير متشابه في المطعم [٨].

وقال محمد بن كعب: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾ قال: من رطبه وعنبه.

وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال ابن جرير [١]: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة.

حدثنا عمرو (٢٨٥)، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: الزكاة المفروضة.

وقال على بن أبي طلحة (٢٨٦)، عن ابن عباس: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ يعني: الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله.

وكذا قال سعيد بن المسيب.

وقال العوفي (٢٨٧)، عن ابن عباس: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئًا، فقال الله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذلك أن يعلم ما كيله، وحقه من كل عشرة واحدًا، وما يلقط الناس من سنبله.

وقد روى الإِمام أحمد وأبو داود في سننه (٢٨٨): من حديث محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، [عن عمه واسع بن حبان] [٢]، عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ أمر مِنْ كُلِّ جَادٍ عَشْرَةَ أَوسُقٍ من التمر، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ في المسجد للمساكين.

وهذا إسناد [١] جيد قوي.

وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة.

وقال الحسن البصري: هى الصدقة من الحب والثمار.

وكذا قال ابن زيد بن أسلم.

وقال آخرون: هو حق آخر سوى الزكاة.

وقال أشعث، عن محمد بن سيرين و [] [٢] نافع، عن [٣] ابن عمر في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة.

رواه ابن مردويه (٢٨٩).

وروى عبد الله بن المبارك وغيره، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة.

وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.

وقال عبد الرزاق (٢٩٠): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: عند الزرع يعطي القبضَ، وعند الصِّرام يعطي القبض، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام.

وقال الثوري: عن حماد، عن إبراهيم النخعي [٤]، قال: يعطي مثل الضغث.

وقال ابن المبارك: عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة، و [١] الضغث لعلف دابته.

وفي حديث ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي [٢] سعيد مرفوعًا.

﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: "ما سقط من السنبل".

رواه ابن مردويه (٢٩١).

وقال آخرون: هذا كله [٣] شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر أو [٤] نصف العشر.

حكاه ابن جرير: عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العوفي، وغيرهم، واختاره ابن جرير رحمه [٥] الله.

قلت: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة فالله أعلم.

وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن": ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وجلد وهمة ﴿قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.

وقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ قيل: معناه لا [٦] تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف.

وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿ولا تسرفوا﴾.

وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس [١]، جدَّ [٢] نخلاً له [٣] فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾.

رواه ابن جرير (٢٩٢) عنه.

وقال ابن جريج، عن عطاء: نهوا [٤] عن السرف في كل شيء.

وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف.

وقال السدي في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء.

وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم [٥].

ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نَهيٌ عن الإسراف في كل شيء، ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر واللَّه أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا﴾ أن [٦] يكون عائدًا على [٧] الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل؛ لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [إنه لا يحب المسرفين] [٨]﴾.

وفي صحيح البخاري تعليقًا (٢٩٣): " كلوا واشربوا [والبسوا [وتصدقوا] [٩] [في] [١٠] غير إسراف ولا مخيلة".

وهذا من هذا والله أعلم.

وقوله ﷿: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا﴾ أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة، وما هو فرش، قيل المراد بالحمولة: ما يحمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار منها، كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اَلله فى قوله: ﴿حمولة﴾ ما حمل عليه [١] من الإبل ﴿وفرشًا﴾ قال [٢]: الصغار من الإبل.

رواه الحاكم (٢٩٤) وقال: صحيح الإِسناد [٣] ولم يخرجاه [٤].

وقال ابن عباس (٢٩٥): الحمولة هي الكبار، والفرش الصغار من الإِبل.

وكذا قال مجاهد.

وقال على بن أبي طلحة (٢٩٦)، عن ابن عباس: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا﴾ أما الحمولة فالإِبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم.

واختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.

وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم [٥]: الحمولة: الإِبل والبقر، والفرش: الغنم.

وقال السدي: أما الحمولة: فالإبل، وأما الفرش: فالفصلان والعجاجيل [٦] والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها، وتتخذون من صوفها لحافًا وفراشًا [١].

وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن، يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ إِلى أن قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾.

وقوله تعالى: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ أي: من الثمار والزروع، والأنعام، فكلها خلقها الله، وجعلها رزقًا لكم ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي: طرائقه وأوامره كما اتبعها المشركون، الذين حرموا ما رزقهم الله، أي: من الثمار والزروع افتراء على الله ﴿إنه لكم﴾ أي: إن الشيطان أيها الناس لكم ﴿عدو مبين﴾ أي: بين [٢] ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾، وقال تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ والآيات في هذا كثيرة في القرآن.

﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ وهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام، فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعا: بحيرة وسائبة ووصيلة وحامًا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها، في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا.

ثم بين أصناف الأنعام؛ إلى غنم؛ وهو بياض: هو الضأن، وسواد وهو المعز: ذكره وأنثاه، وإلى إبل: ذكورها وإناثها، وبقر كذلك، وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك، ولا شيئًا من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم: أكلًا وركوبًا، وحمولة وحلبًا، وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ الآية.

وقوله تعالى: ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ رد عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾.

وقوله تعالى: ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ أي: أخبروني عن يقين: كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك.

وقال العوفي (٢٩٧)، عن ابن عباس قوله: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾ فهذه أربعة أزواج ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين﴾ يقول: [لم أحرم شيئًا من ذلك ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا؟] [١] ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ يقول تعالى: كله حلال.

وقوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه، وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم﴾ أي: لا أحد أظلم [٢] منه ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.

وأول [٣] من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة؛ لأنه [٤] أول [من غير دين الأنبياء، وأول] [٥] من سيب السوائب، ووصل الوصيلة، وحما الحام، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢٩٨).

﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ يقول تعالى آمرًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿قل﴾ لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي: آكل يأكله، قيل: معناه لا أجد شيئًا مما حرمتم حرامًا سوى هذه، وقيل: معناه لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات [١] بعد هذا في سورة المائدة، وفي الأحاديث الواردة: رافعًا لمفهوم هذه الآية.

ومن الناس من يسمى هذا [٢] نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنه من باب رفع مباح الأصل، والله أعلم.

وقال العوفي (٢٩٩)، عن ابن عباس ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ يعني: المهراق.

وقال عكرمة في قوله: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لولا هذه الآية لتتبع [الناس] [٣] ما في العروق [٤]، كما تتبعه اليهود.

وقال حماد، عن عمران بن حُدَير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطَّخُ من الذبح من الرأس، وعن القِدْر يرى [٥] فيها الحُمرة؟

فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح.

وقال قتادة: حُرِّم من الدماء ما كان مسفوحًا، فأما اللحم [٦] خَاَلطَه دم فلا بأس به.

وقال ابن جرير (٣٠٠): حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بت منهال، حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة ﵂: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا، والحمرة والدم [يكونان على] [١] القدر بأسًا، وقرأت هذه الآية.

صحيح غريب.

وقال الحميدي (٣٠١): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: قلت [لجابر بن عبد الله] [٢]: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر؟

فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله ﷺ، ولكن أبى ذلك البحر - يعني: ابن عباس -، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا [على طاعم يطعمه] [٣]﴾ الآية.

وكذا [٤] رواه البخاري (٣٠٢): عن علي بن المدينى، عن سفيان به.

وأخرجه أبو داود: من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار.

ورواه الحاكم فى مستدركه (٣٠٣) [مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت.

وقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه] [١]: حدثنا [محمد بن علي بن دحيم] [٢]، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو ابن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا [٣] هذه الآية: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا على طاعم يطعمه﴾ إلى آخر الآية.

وهذا لفظ ابن مردويه (٣٠٤)، ورواه أبو داود منفردًا به: عن محمد بن داود بن صبيح، عن أبي نعيم به.

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.

وقال الإِمام أحمد (٣٠٥): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودةَ بنت زَمْعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة - تعني الشاة - قال: "فلم لا أخذتم مَسْكَها؟

".

قالت: نأخذ مَسْكَ شاةٍ قد ماتت؟

فقال لها رسول اللَّه ﷺ: "إنما قال الله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه فتنتفعوا [١] به".

فأرسلت فسلخت مَسْكَها فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرَّقت عندها.

ورواه البخاري والنسائي (٣٠٦): من حديث الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه.

وقال سعيد بن منصور (٣٠٧): حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن أكل القُنَفُذ [٢]، فقرأ عليه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية.

فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: "خبيث [١] من الخبائث".

فقال ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قاله فهو كما قال.

ورواه أبو داود: عن أبي ثور، عن سعيد بن منصور به.

وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله [٢] في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي [٣]: غفور له رحيم به.

وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة [٤] البقرة بما فيه كفاية.

والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة: الرد على المشركين، الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه [٥] الآية: من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الحنزير، وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم [٦] أنه حرام؟

ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله [٧]؟

وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية [٨]، ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير، على المشهور من مذاهب العلماء.

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع: كالإِبل والنَّعام والأوز والبط.

قال على بن أبي طلحة (٣٠٨)، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو البعير والنعامة.

وكذا قال مجاهد والسدي في رواية.

وقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع.

وفي رواية عنه: كل [] [١] مفترق الأصابع ومنه الديك.

وقال قتادة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وكان يقال: البعير والنعامة [وأشباهه] [٢] من الطير والحيتان.

وفي رواية: البعير والنعامة، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع.

وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال: النعامة والبعير شقًّا شقًّا.

قلت للقاسم بن أبي بَزَّة: وحدثنيه [٣] ما شقًّا شقًّا؟

قال: كل [ما لا يفرج من] [٤] قوائم البهائم.

قال: وما انفرج أكلته اليهود [٥].

قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير.

قال: فيهود تأكلها.

قال: ولم تنفرج قائمة البعير - خفه - ولا خف النعامة، ولا [٦] قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإِبل ولا النعام ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار وحش.

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ قال السدي: [يعني الثرب] [٧] وشحم الكليتين، وكانت اليهود تقول [٨] إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه.

وكذا قال ابن زيد.

وقال قثادة: الثرب [٩]، وكل شحم كان كذلك ليس في عظم.

وقال على بن أبي طلحة (٣٠٩)، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما علق بالظهر من الشحوم.

وقال السدي وأبو صالح: الإِلية مما حملت ظهورهما [١٠].

وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ قال الإِمام أبو جعفر بن جرير [١]: الحوايا: جمع واحدها حاوياء [٢] وحاوية وحَويَّة [٣]، وهي [٤] ما تحَوَّي من البطن [فاجتمع و] [٥] استدار، وهي بنات [٦] اللبن وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء.

قال: ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما [أو ما حملت الحوايا] [٧].

وقال على بن أبي طلحة (٣١٠)، عن ابن عباس: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المبعر.

وقال مجاهد: الحوايا المبعر والمربض.

وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك، والسدي.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [وغير واحد] [٨]: الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض.

وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي: وإلا ما اختلط من الشحوم بالعظام فقد أحللناه لهم.

وقال [٩] ابن جريج: شحم الإِلية ما [١٠] اختلط بالعُصْعُص؛ فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين، وما اختلط بعظم فهو حلال ونحوه قاله [١١] السدي.

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به مجازاة [لهم] [١٢] على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.

وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: وإنا لعادلون فيما جزيناهم به.

وقال ابن جرير [١٣]: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد، من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه [على نفسه] [١]، والله أعلم.

وقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن سمرة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله ﵌ قال: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها".

أخرجاه (٣١١) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، به.

وقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح، سمعت جابر بن عبد الله يقول: [سمعت رسول الله ﷺ يقول] [٢] عام الفتح: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام".

فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها [٣] يدهن بها الجلود، ويطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟

فقال: "لا، هو حرام".

ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه".

رواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، به (٣١٢).

وقال الزهري: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "قاتل اللّه اليهود [٤]، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها [٥] ".

ورواه البخاري ومسلم جميعًا (٣١٣): عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به.

وقال ابن مردويه (٣١٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ كان قاعدًا خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال: "لعن الله اليهود - ثلاثًا -؛ إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه".

وقال الإِمام أحمد (٣١٥): حدثنا على بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعدًا في المسجد، مستقبلًا الحِجْر، فنظر إلى السماء فضحك، ثم [١] قال: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه".

ورواه أبو داود: من حديث خالد الحذاء.

وقال الأعمش (٣١٦): عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مريض نعوده، فوجدناه نائمًا قد غطى وجهه ببرد عدني، فكشف عن وجهه وقال [١]: "لعن الله اليهود، يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها".

وفي رواية: "حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها".

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ يقول تعالى: فإن كذبك [٢] يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رضوانه [٣] ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ترهيب لهم من [٤] مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ [٥] الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا.

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ هذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث [١] بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإِيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك، ولهذا قالوا [٢]: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ] [٣]﴾، وكذلك [٤] الآية التي في النحل [٥] مثل هذه سواء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه، ودمر عليهم، وأدال عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام.

﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي: تكذبون على الله فيما ادعيتموه.

قال على بن أبي طلحة (٣١٧)، عن ابن عباس: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ فإنهم قالوا عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ يقول تعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أي: له الحكمة التامة، والحجة البالغة، في هداية من هدى، وإضلال من أضل ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل [١] ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين، ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.

قال [٢] الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [﴾ أي: أحضروا شهداءكم ﴿] [٣] الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي؛ لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبًا وزورًا ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يشركون به ويجعلون له عديلًا.

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ قال داود الأودي (٣١٨): عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

وقال الحاكم في مستدركه (٣١٩): حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هنّ أم الكتاب؛ ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات.

ثم قال الحاكم [١]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.

قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس به، والله [٢] أعلم.

وروى الحاكم أيضًا في مستدركه (٣٢٠) [٣]: من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن، صامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "أيكم يبايعني على ثلاث".

ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات.

"فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا، فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته [١]، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه".

ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.

وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ....

" (٣٢١) الحديث.

وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين [٢]، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.

وأما تفسيرها: فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقص عليكم، وأخبركم بما حرم ربكم عليكم، حقًّا لا تخرصًا ولا طنًّا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وكما قال الشاعر: حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا [٣] … أَنْ لَا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أَحَدَّا وَلَا يَزَلْ [٤] شَرَابُها مُبَرَّدا وتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم.

وفي الصحيحين (٣٢٢): من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: "أتانى جبريل، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمّتك دخل الجنة.

قلت: وإن زنى وإن سرق؟

قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟

قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق [وإن شرب الخمر] [١]؟

قال: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر".

وفي بعض الروايات: أن قائل [٢] ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ، وأنه ﵊ قال في الثالثة: "وإن رغم أنف أبي ذر"، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: وإن رغم أنف أبي ذر.

وفي بعض المسانيد والسنن (٣٢٣): عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: "يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئًا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك".

ولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

وفي صحيح مسلم (٣٢٤): عن ابن مسعود: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة".

والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا.

وروى ابن مردويه (٣٢٥): من حديث عبادة وأبي الدرداء: "لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم".

وقال ابن أبي حاتم (٣٢٦): حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع ابن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن، عي يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال: " [ألا تشركوا] [١] بالله شيئًا وإن حرّقتم وقطعتم وصلبتم".

وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا، [أي: أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] [٢]﴾، وقرأ بعضهم: ﴿وَوَصَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [أي: أحسنوا إليهم] [٣]، والله تعالى كثيرًا ما [٤] يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، والآيات في هذا كثيرة، وفي الصحيحين (٣٢٧) عن ابن مسعود ﵁ أنه [١] قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل [٢]؟

قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟

قال: "بر الوالدين".

قلت: ثم أي؟

قال: "الجهاد في سبيل الله".

قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ، ولو استزدته لزادني.

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده (٣٢٨): عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي [رسول الله] [٣] ﷺ: "أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل".

ولكن في إسناديهما ضعف والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى [٤] تعالى ببر الآباء والأجداد، عطف على ذلك الإِحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم، كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية [١] الافتقار، ولهذا ورد [٢] في الصحيحين (٣٢٩): من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قلت: يا رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟

قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟

قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟

قال: "أن تزاني حليلة جارك"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] [٣]﴾.

وقوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وغيره [٤]: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإِسراء [٥]: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي: [لا تقتلوهم خشية] [٦] حصول فقر في الآجل، ولهذا قال هناك [٧]: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم فرزقهم على الله، وأما هنا [٨] فلما كان الفقر حاصلًا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأنه الأهم هاهنا والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ [٩] الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، وفي الصحيحين (٣٣٠): عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن".

وقال عبد الملك بن عمير، عن ورّاد، عن مولاه [١] المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح.

فبلغ ذلك رسم ل الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؟

فوالله لأنا أغير من سعد، و الله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن".

أخرجاه (٣٣١).

وقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، إنا نغار؛ قال: "والله إني لأغار، والله أغير مني، ومن غيرتة نهى عن الفواحش".

رواه ابن مردويه (٣٣٢)، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي، فقد روى بهذا السند: "أعمار أمتي مما بين الستين إلى السبعين" (٣٣٣).

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وهذا مما نص ﵎ عن النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين (٣٣٤): عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

وفي لفظ لمسلم [١]: "والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم".

وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله.

وروى أبو داود والنسائي (٣٣٥): عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل رجلًا [٢] متعمدًا فيقتل، ورجل يخرج من الإِسلام و [٣] حارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض".

وهذا لفظ النسائي.

وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه [٤]، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس"؛ فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلًا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا، فبم تقتلونني.

رواه الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة (٣٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

وقد جاء النهي والزجر والوعيد فى قتل المعاهد، وهو المستأمن من أهل الحرب، كما رواه البخاري (٣٣٧): عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي، ﷺ، قال: "من قتل معاهدًا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد [١] من مسيرة أربعين عامًا".

وعن أي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ، قال: "من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين [٢] خريفًا".

رواه ابن ماجه والترمذي (٣٣٨) [٣] وقال: حسن صحيح.

وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذا ما وصاكم به لعلكم تعقلون [عن الله] [١] أمره ونهيه.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ قال عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، فانطق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو [٢] يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.

رواه أبو داود (٣٣٩).

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الشعبي، ومالك، وغير واحد من السلف: يعني حتى يحتلم.

وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة.

وقيل: أربعون سنة.

وقيل: ستون سنة.

قال: وهذا كله بعيد هاهنا، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل فى الأخذ والإِعطاء كما توعد على تركه فى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقد أهلك الله أمة من الأم كانوا يبخسون المكيال والميزان.

وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي (٣٤٠): من حديث الحسين بن قيس أبي على الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: "إنكم وليتم أمرًا هلكت فيه الأم السالفة قبلكم".

ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسين، وهو ضعيف في الحديث، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا.

قلت: وقد رواه ابن مردويه فى تفسيره (٣٤١): من حديث شريك، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة: المكيال، والميزان".

وقوله ﵎: ﴿لَا [نُكَلِّفُ نَفْسًا] [١] إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: من اجتهد فى أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده [٢] فلا حرج عليه.

وقد روى ابن مردويه (٣٤٢): من حديث بقية، عن مبشر بن عبيد، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا [نُكَلِّفُ نَفْسًا] [١] إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فقال: "من أوفى على يده في [الكيل والميزان] [٢]، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها".

هذا مرسل غريب.

وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كقوله [٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [٤]، وكذا التي [٥] تشبهها في سورة النساء، يأمر تعالى بالعدل [في الفعال والمقال، على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل] [٦] لكل أحد في كل وقت وفي كل حال.

وقوله [٧]: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قال ابن جرير [٨]: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء [لذلك بأن] [٩] تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله.

﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى: هذا وصاكم به، وأمركم به، وأكد عليكم فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون وتنتهودت عما [١٠] كنتم فيه من قبل، هذا وقرأ بعضهم بتشديد الذال، وآخرون بتخفيفها.

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ قال على بن أبي طلحة (٣٤٣)، عن ابن عباس في [١١] قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وفي [١٢] قوله: ﴿أَنْ [١٣] أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما [١] هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات فى دين الله.

ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد.

وقال الإِمام أحمد بن حنبل (٣٤٤): حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش - عن عاصم - هو ابن أبي النجود - عن أبي وائل، عن عبد الله - هو ابن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله، ﷺ، خطًا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

وكذا رواه الحاكم (٣٤٥): عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش به.

وقال: صحيح ولم يخرجاه.

وهكذا روإه أبو جعفر الرازي، وورقاء، وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن [مسعود مرفوعًا به] [٢] نحوه.

وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد (٣٤٦) والنسائي (٣٤٧) - عن يحيى بن حبيب بن عربي - وابن حبان (٣٤٨) - من حديث ابن وهب - أربعتهم [٣]، عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به.

وكذا رواه ابن جرير (٣٤٩): عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد به.

[] [١] ورواه الحاكم (٣٥٠): عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به، كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه.

وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم (٣٥١): من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، به، مرفوعًا.

وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (٣٥٢): من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، به.

فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود، عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما، عن ابن مسعود، به، والله أعلم.

وقال الحاكم [٢]: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر من وجه غير معتمد.

يشير إلى الحديث الذي قال الإِمام أحمد [١] وعبد بن حميد [] [٢] واللفظ لأحمد (٣٥٣): حدثنا عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: كنا جلوسًا عند النبي، ﷺ، فخط خطًّا هكذا أمامه، فقال: "هذا سبيل الله" وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: "هذه سبيل الشيطان".

ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

ورواه ابن ماجة في كتاب [٣] السنة من سننه والبزار، عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد، عن أبي [١] خالد الأحمر، به.

قلت: ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين: عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: خط رسول الله خطًّا، وخط عن يمينه خطًّا، وخط عن يساره خطًّا، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.

ولكن العمدة على حديث ابن مسعود، مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرًا، وقد روي موقوفًا عليه.

وقال ابن جرير (٣٥٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن [٢] كان: أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟

قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن بساره جواد، و [٣] ثمَّ رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة.

ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية.

وقال ابن مردويه (٣٥٥): حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا [أبان بن أبي عياش [٤]]، عن مسلم بن أبي عمران، عن عبد الله بن عمر: سأل عبد الله عن الصراط المستقيم؟

فقال ابن مسعود: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة.

وذكر تمام الحديث كما تقدم والله أعلم.

وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه.

قال الإِمام أحمد (٣٥٦): حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا [١] ولا تفرجوا [٢]، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه.

فالصراط: الإِسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط [٣]: واعظ الله في قلب كل مسلم".

ورواه الترمذي والنسائي: عن علي بن حجر، زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما، عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان به.

وقال الترمذي: حسن غريب.

وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ إنما وحد سبيله؛ لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل [٤]؛ لتفرقها وتشعبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

وقال ابن أبي حاتم (٣٥٧): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بني حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "أيكم يبايعني على هذه الآيات الثلاث؟

".

ثم تلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من ثلاث آيات [٥]، ثم قال: "ومن وفى بهن [فأجره على] [٦] الله، ومن انتقص منهن شيئًا [فأدركه الله] [٧] في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله؛ إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه".

﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ قال ابن جرير [١]: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تقديره: ثم قل يا محمد مخبرًا عنا: بأنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.

قلت: وفي هذا نظر، و "ثم" هاهنا إما هي لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب هاهنا، كما قال الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد [٢] ساد قبل ذلك جده وهاهنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف بمدح [٣] التوراة [ورسولها، فقال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وكثيرًا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة] [٤]، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾، وقوله أول هذه السورة: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ الآية، وبعدها: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية، وقال تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ [٥] تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، قال تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا﴾ أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا، جامعًا لما [٦] يحتاج إليه فى شريعته، كقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا] [٧]﴾.

وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وكقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول: أحسن فيما أعطاه الله.

وقال قتادة: من أحسن في الدنيا تمم [١] له ذلك في الآخرة.

واختار ابن جرير أن تقدير الكلام: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ على إحسانه، فكأنه جعل "الذي" مصدرية، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم، وقال ابن رواحة: فثبَّت الله ما أتاك من حَسَنٍ … في المرسلين ونَصْرًا كالذي نُصِروا وقال آخرون: "الذي" ها هنا بمعنى الذين.

قال ابن جرير [٢]: وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها: (تمامًا على الذين أحسنوا).

وقال ابن أبي نجيح، عن [٣] مجاهد: ﴿تمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قال: على المؤمنين والمحسنين.

وكذا قال أبو عبيدة، وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم.

قلت: كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل ﵉ لأدلة أخرى [٤].

قال ابن جرير (٣٥٨): وروى أبو [٥] عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمر: أنه كان يقرؤها: (تماما على الذي أحسنُ) رفعًا بتأويل على الذي هو أحسن.

ثم [٦] قال: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح.

وقيل: معناه تمامًا على إحسان الله إليه [زيادة على ما أحسن الله إليه] [١].

حكاه ابن جرير والبغوي.

ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.

وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة؛ [لأنه حبل الله المتين] [٢].

﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ قال ابن جرير: معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا يقولوا: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.

يعنى: لينقطع عذرهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال على بن أبي طلحة (٣٥٩)، عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى.

وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد.

وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن مع ذلك في غفلة وشغل عما هم فيه.

وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا [١] لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أي: وقطعنا تعللكم [٢]: أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم، لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا] [٣]﴾، وهكذا قال هاهنا: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﵌ النبي العربي قرآن عطم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله بعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول، ولا اتبع ما أرسل به، ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله، أي: صرف الناس وصدهم عن ذلك، قاله السدي.

وعن ابن عباس (٣٦٠) ومجاهد وقتادة ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أعرض عنها.

وقول السدي هاهنا فيه قوة؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كما تقدم في أول السورة ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.

وقد يكون المراد [فيما قاله] [٤] ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وغير [٥] ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، ولكن المعنى الأول أقوى وأظهر والله أعلم.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ يقول تعالى متوعدًا للكافرين به، والمخالفين لرسله، والمكذبين آياته، والصادّين عن سبيله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [١]، وذلك كائن يوم القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وذلك قبل يوم القيامة، كائن من أمارات الساعة وأشراطها، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية (٣٦١): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، [عن أبي] [٢] هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ".

حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها [م تكن آمنت من قبل] [٣] " ثم قرأ هذه الآية.

هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين، ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة (٣٦٢) في كتبهم إلا الترمذي: من طرق، عن عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة به.

وأما الطريق الثاني: فرواه عن إسحاق غير منسوب [٤]، فقيل: هو ابن منصور الكوسج، وقيل: إسحاق بن نصر والله أعلم.

وقد رواه مسلم (٣٦٣) عن محمد بن رافع الجنديسابوري كلاهما [١]، عن عبد الرزاق به.

وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة، كما انفرد مسلم (٣٦٤) بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة به [٢].

وقال ابن جرير (٣٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبى حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".

ورواه أحمد [٣]، عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم سلمان، عن أبي هريرة به.

وعنده: والدخان.

ورواه مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن وكيع.

ورواه هو أيضًا والترمذي: من غير وجه [٤]، عن فضيل بن غزوان به.

ورواه إسحاق بن عبد الله الفروي [٥]، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.

ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه؛ لضعف الفروي، والله أعلم.

وقال ابن جرير (٣٦٦): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا شعيب بن الليث، في أبيه، في جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس كلهم، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ " الآية.

ورواه ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة به.

[ورواه وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به] [١].

أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣٦٧).

وقال ابن جرير (٣٦٨): حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، [عن أيوب] [٢]، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه".

لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.

(حديث آخر) عن أبي ذر الغفاري في الصحيحين وغيرهما (٣٦٩) من طرق: عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قال لي [١] رسول الله ﷺ: "أتدري [٢] أين تذهب الشمس إذا غربت؟

" قلت: لا أدري.

قال: "إنها تنتهي دون العرش فتخر [٣] ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعى، فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها [٤]: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ".

(حديث آخر) عن حذيفة بن أسيد بن [٥] أبي سريحة الغفاري ﵁.

قال الإِمام أ حمد بن حنبل (٣٧٠): حدثنا سفيان، عن [٦] فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة ابن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات؛ طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج [٧] الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا".

وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة: من حديث فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، [عن حذيفة بن أسيد به.

وقال الترمذي: حسن صحيح.

(حديث آخر)] [١] عن حذيفة بن اليمان ﵁.

قال الثوري: عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما آية طلوع الشمس من مغربها؟

فقال النبي ﵌: "تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فبينما الذين كانوا يصلون فيها يعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجوم لا تسري قد قامت مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون فيصلون، ثم يرقدون، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم [٢]، حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا فلم [٣] ينفعهم إيمانهم".

رواه ابن مردويه (٣٧١)، وليس [هو في شيء من] [٤] الكتب الستة من هذا الوجه، والله أعلم.

(حديث آخر عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك بن سنان [] [٥] ﵁ وأرضاه.

قال الإِمام أحمد (٣٧٢): حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلى الله عليه: سلم: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قال: "طلوع الشمس من مغربها".

ورواه الترمذي: عن سفيان بن وكيع، عن أبيه به [١].

وقال: غريب.

ورواه بعضهم ولم يرفعه.

وفي حديث طالوت بن عباد (٣٧٣) [٢]، عن فَضَّال بن جُبَيْر، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها".

وفي حديث عاصم بن أبي النجود (٣٧٤)، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله فتح بابًا قبل المغرب، عرضه سبعون عامًا للتوبة، [] [١] لا يغلق حتى تطلع الشمس منه".

رواه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجة في حديث طويل.

(حديث آخر) عن عبد الله بن أبي أوفى.

قال ابن مردويه (٣٧٥): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا خار ابن صرد، حدثنا ابن فضيل، عن سليمان بن زيد [٢]، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم من [٣] بعض، فقالوا: ما هذا؟

فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت [من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة] [٤]، حتى إذا [٥] صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها.

قال: حينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها".

هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة.

(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو.

قال الإِمام أحمد (٣٧٦): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا [أبو حيان] [٦]، عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير، قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه [] [٧] وهو يحدث عن [١] الآيات، يقول [٢]: إن أولها خروج الدجال، قال: فانصرفوا [٣] إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذى سمعوه من مروان في الآيات، فقال: لم يقل مروان شيئا، قد [٤] حفظت من رسول الله، ﷺ، [في مثل ذلك حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ] [٥] يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج [٦] الدابة ضحى، فأيتهما [٧] كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها".

ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: وأظن أولها خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها، فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فلم يردّ عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء [ثم تستأذن فلا يرد عليها شيء] [٨]، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إذا [٩] أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس، حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيقال لها: من مكانك فاطلعي.

فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا] [١٠]﴾.

وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجة في سننيهما: من حديث أبي حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به.

(حديث آخر عنه) قال الطبراني (٣٧٧): حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان [١١] الرَّقِّيش، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن [١] زِبْريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن ير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن حُيَيِّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال النبي ﷺ: "إذا طَلَعَتِ الشمسُ من مغربها، خر إبليس ساجدًا ينادي ويجهر: إلهي مُرْنِي أن أسجد لمن شئت.

قال: فيجتمع إليه زبانيتهُ فيقولون: يا سيِّدَهُم، ما هذا التضرُّعُ؟

فيقول: إنما سألتُ ربي أن يُنْظِرَني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم.

قال: ثم تخرجُ دابَّةُ الأرض من صَدْعِ في الصَّفا.

قال: فأوَّلُ خطوة تَضَعُها بأنطاكيَّةَ فتأتي إبليس فتخطمه [٢] ".

هذا حديث غريب جدًّا وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم.

(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين.

قال الإِمام أحمد (٣٧٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم [٣] ابن زرعة، عن شريح بن عبيد يردّه إلى مالك بن يُخَامِر، عن ابن السعدي: أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تنقطع الهجرة مما دام العدو يقاتل [٤] ".

فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن رسول الله ﷺ قال: " [إنَّ الهجرة] [١] خصلتان؛ إحداهما [٢]: تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشميس من مغربها [٣]، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل".

هذا الحديث [٤] حسن الإِسناد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.

(حديث آخر) عن ابن مسعود ﵁.

قال عوف الأعرابي (٣٧٩): عن محمد بن سيرين، حدثني أبو عبيدة، عن ابن مسعود: أنه كان يقول: ما ذكر من الآيات فقد مضى، غير أربع؛ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج.

قال: وكان يقول: الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها، ألم تر أن الله يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية كلها، يعني: طلوع الشمس من مغربها.

(حديث ابن عباس ﵄ رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣٨٠): من حديث عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكر حديثًا طويلًا غريبًا منكرًا رفعه، وفيه: "أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ [من المغرب] [١] مقرونين، وإذا نصَّفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه".

وهو حديث غريب جدًّا، بل منكر، بل موضوع إن ادّعى أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه وهو الأشبه فغير مدفوع [٢]، والله أعلم.

وقال سفيان: عن منصور، عن عامر، عن عائشة ﵂، قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام [٣]، وحُبِست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال.

رواه ابن جرير (٣٨١) رحمه الله تعالى.

فقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إذا أنشأ [٤] الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلَّطًا فأحدث توبة حينئذ [٥] لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.

وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سوّف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وإنما كان [هذا الحكم] [٦] عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب [وقت القيامة] [٧]، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ] [١]﴾.

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نرلت هذه الآية في اليهود والنصارى.

وقال العوفي (٣٨٢)، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا [٢] دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد ﷺ فتفرقوا، فلما بعث محمد ﷺ أنزل [الله عليه] [٣]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا [٤] دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية.

وقال ابن جرير (٣٨٣): حدثني سعيد بن عمرو [٥] السكوني [٦] حدثنا بقية بن الوليد، كتب إلىَّ عباد بن كثير، حدثني ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [في هذه الآية] [٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ]: "وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمّة".

لكن هذا الإسناد [١] لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه، فإنه رواه سفيان الثوري، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس، عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أنه [٢] قال: نزلت في هذه الأمّة.

وقال أبو غالب (٣٨٤)، عن أبي أمامة في قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج.

وروي عنه مرفوعًا ولا يصح.

وقال شعبة، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال لعائشة ﵂: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: "هم أصحاب البدع".

وهذا رواه ابن مردويه (٣٨٥)، وهو غريب أيضًا، ولا يصح رفعه.

والظاهر أن الآية عامّة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد [١] لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا كأهل الملل والنحل و [] [٢] الأهواء والضلالات، [فإن الله تعالى] [٣] قد برأ [رسول الله ﷺ] [٤] مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] [٥]﴾، وفي الحديث (٣٨٦): " نحن معاشر [٦] الأنبياء أولاد علات ديننا واحد".

فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات، وآراء وأهواء، والرسل برآء منها، كما قال الله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [٧]﴾، ثم بين [لنفسه فضله سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة] [١]، فقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.

وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل فى الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال الإمام أحمد بن حنبل (٣٨٧) ﵀: حدثنا عفان [٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجَعْد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ﵄: أن [٣] رسول الله ﷺ قال [٤] فيما يروي عن ربه ﵎ [] [٥]: "إن ربكم ﷿ رحيم، مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعافٍ كثيرة، ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ﷿، ولا يَهلِكُ على الله إلا هالكٌ".

ورواه البخاري ومسلم والنسائى: من حديث الجعد أبي عثمان به.

وقال أحمد أيضًا (٣٨٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "يقول الله ﷿: من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه [١] مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن [] [٢] اقترب إلىَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".

ورواه مسلم: عن أبي كريب، عن أبي معاوية به.

وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش به.

ورواه ابن ماجه: عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلى (٣٨٩): حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ابن مالك ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة [٣] ".

واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام؛ تارة يتركها لله، فهذا تكتب [٤] له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء فى بعض ألفاظ الصحيح (٣٩٠): " فإنما تركها من جرائي [٥] " أي: من أجلي.

وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا.

وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها، بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء [في الحديث] [٦] فى الصحيحين (٣٩١) [عن النبي ﷺ أنه قال] [٧]: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار".

قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟

قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".

وقال الإمام أبو يعلي الموصلى (٣٩٢): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا على وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما [١]، عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من هم بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا [٢]، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي".

هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى.

وقال الإمام أحمد (٣٩٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خُريم بن فاتك الأسدي: أن النبي ﷺ قال: "الناس أربعة والأعمال ستة؛ فالناس مُوَسَّعٌ له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة.

والأعمال، مُوجِبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله ﷿ كانت له بسبعمائة ضعف".

ورواه الترمذي والنسائي (٣٩٤): من حديث الركين بن الربيع، عن أبيه، عن يسير بن عميلة، عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ به ببعضه، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم (٣٩٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو [١] بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر؛ رجل حضرها بلغو [١] فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله؛ فإن [٢] شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام".

وذلك لأن الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣٩٦): حدثنا هاشم بن مَرْثَد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها [٣]، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.

وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من صام ثلاثة أيام من [كل شهر] [٤] فقد صام الدهر كله".

رواه الإمام أحمد وهذا لفظه (٣٩٧)، والنسائى وابن ماجة والترمذي وزاد: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ اليوم بعشرة أيام.

ثم قال: هذا حديث حسن.

وقال ابن مسعود (٣٩٨): ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك.

وهكذا جاء [١] عن جماعة من السلف.

وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته (٣٩٩)، لكني لم أره من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدّا، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة.

﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ يقول تعالى آمرًا نبيه [٢] ﷺ سيد المرسلين: أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج [٣] فيه ولا انحراف ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي: قائمًا ثابتًا ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.

وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم [] [١] الحنيفية: أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه ﵇ قام لها قيامًا عظيمًا، وأكملت له إكمالا تامًا، لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان [٢] خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى [إبراهيم] [٣] الخليل ﵇.

وقد قال ابن مردويه (٤٠٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث، عن ابن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصبحنا على ملة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا [٤] إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين".

وقال [١] الإمام أحمد (٤٠١): حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه [٢] قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟

قال: "الحنيفية السَّمْحَة".

وقال أحمد أيضًا (٤٠٢): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني [٣] على منكبه؛ لأنظر إلى زفن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه.

قال عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "لتعلم [١] يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة".

أصل الحديث مخرج في الصحيحين (٤٠٣)، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه: أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص له صلاتك وذبحك [٢]، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإِقبال بالقصد والنية والعزم على الإِخلاص لله تعالى.

قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [قال] [٣] النسك: الذبح في الحج والعمرة.

وقال الثوري: عن السدي، عن سعيد بن جبير ﴿وَنُسُكِي﴾ قال: ذبحي.

وكذا قال السدي والضحاك.

وقال ابن أبي حاتم (٤٠٤): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي [٤]، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن [أبي عياش] [١]، عن جابر بن [٢] عبد الله، قال: ضحى رسول الله ﷺ في يوم عيدٍ بكبشين، وقال حين [ذبحهما] [٣]: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال قتادة: أي من هذه الأمّة.

وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [٤] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾، وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.

فأخبر تعالى أنه [١] بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه، بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة، وأعلامها مشهورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﵇: "نحن معاشر الأنبياء أولاد [٢] علات ديننا واحد" (٤٠٥)، فإن أولاد العلات: هم الأخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التى هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا: بنو [٣] الأم الواحدة من آباء شتى، والأخوة الأعيان: الأشقاء [٤] من أب واحد وأم واحدة، والله أعلم.

وقد قال الإمام أحمد (٤٠٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ [٥] الْمُسْلِمِينَ﴾، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت [أنت] [٦] ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لى ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك".

ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد، وقد رواه مسلم في صحيحه.

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًّا سواه ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر.

[ففي هذه الآية] [١] الأمر بإخلاص [العبادة و] [٢] التوكل، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة [لله وحده] [٣] لا شريك له، وهذا معنى يقرن بالآخر كثيرًا [في القرآن] [٤]، كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له [٥]: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ وأشباه ذلك من الآيات.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إخبار عن الواقع يوم القيامة، في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله: أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا [٦] يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال علماء التفسير: أي: فلا يظلم بأن يحمل [٧] عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ معناه: كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين، فإنه قد تعود بركات أعمالهم الصالحة على ذرياتهم [٨] [وقراباتهم، كما قال في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ] [٩] بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ [ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ألحقنا بهم] [١٠] ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم فى الأعمال، بل في أصل الإِيمان، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: أنقصنا [١١] أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا، حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم [] [١٢] منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منازل الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: من شر.

وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: اعملوا على مكانتكم [١]، إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلكم تعمرونها [٢] جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، وخلفًا بعد سلف.

قاله [٣] ابن زيد وغيره، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، [وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾] [٤]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.

وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة فى ذلك، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.

وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره.

وقد روى مسلم في صحيحه (٤٠٧): من حديث أبي نضرة، عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، لينظر ماذا [١] تعملون، فاتقوا الدنيا [٢]، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترهيب وترغيب، أن حسابه وعقابه سريع فيمن [٣] عصاه، وخالف رسله ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن والاه، واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب.

وقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم.

رواه ابن أبي حاتم (٤٠٨).

وكثيرًا ما يقرن الله تعالى فى القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: [﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقوله] [٤]: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ إلى [٥] غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة، وصفة الجنة، والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة، وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب، سميع الدعاء، جواد كريم وهاب.

وقد قال الإِمام أحمد (٤٠٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة؛ فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون".

ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء به.

وقال: حسن.

ورواه مسلم: عن يحيى بن [يحيى] [١] وقتيبة وعلى بن حجر ثلاثتهم، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء.

[آخر تفسير سورة الأنعام] [٢]

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله