الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الجمعة
تفسيرُ سورةِ الجمعة كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 22 دقيقة قراءة[تفسير سورة الجمعة وهي مدنية] عن ابن عباس، وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة "الجمعة" و "المنافقون [١] ".
رواه مسلم في صحيحه (١).
﷽ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ يخبر تعالى أنَّه يُسَبح له ما في السنوات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
ثم قال: ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾، أي: هو مالك السموات والأرض، المتصرف فيهما بحكمه، وهو ﴿الْقُدُّوسِ﴾، أي [٢]: المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال.
﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسير غير مرة.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، الأميون هم: العرب كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكد، كما في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وهو ذكر لغيرهم [٣] يتذكرون به، وكذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.
وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله إخبارًا عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته -صلوات الله وسلامه عليه- إلى جميع الخلق، أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام، بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.
وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله [١] إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
فبعثه الله ﷾، وله الحمد والمنة- على حين فترة من الرسل، وطُمُوس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب -أي: نزرًا يسيرًا-[ممن تمسك] [٢] بما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇ ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وذلك أن العرب كانوا متمسكين بدين إبراهيم ﵇ فبدلوه وغيروه، وقلبوه [٣] وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا، وباليقين شكًّا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها [٤] وأولوها، فبعث الله محمدًا -صلوات الله وسلامه عليه- بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهى عما يقربهم إلى النار وسخط الله، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع.
وجَمَع له تعالى -وله الحمد والمنة- جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يُعطِ أحدًا من الأولين، ولا يعطيه أحدًا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري (٢) ﵀: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغَيث، عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورةُ الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قالوا: من هم يا رسول الله؟
فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ﷺ طه على سلمان ثم [١] قال: "لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال -أو: رَجُلٌ- من هؤلاء".
ورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق عن ثور بن زيد الدّيلي، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، به ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم ابن الله ﷿ وإلى اتباع ما جاء به؛ ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: هم الأعاجم، وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمَّد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال [من أصحابي، رجالًا ونساء] [٢] من أمتي يدخلون الله بغير حساب".
ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمَّد ﷺ.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره.
وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، يعني ما أعطاه الله محمدًا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثته ﷺ إليهم.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحمِّلوها للعمل بها، فلم يعملوا بها، مثلهم في ذلك ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حَملًا حسيًّا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظًا ولم يفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أوّلوه وحرّفوه وبذلوه، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهمَ له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ [١] الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقال الإِمام أحمد ﵀ (٣): حدثنا ابن نُمَير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة".
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي] [٢]: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدًا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تزعمونه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ﴾، أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وقد قدمنا في "سورة البقرة" الكلام على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضال من أنفسهم أو خصومهم، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.
وقد قال الإمام أحمد (٤): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي [] [١] أبو يزيد حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيتُ محمدًا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عُنقه.
قال: فقال رسول الله ﷺ: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تَمَنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُبَاهلون رسول الله على الله عليه وسلم لرجعوا لا [٢] يجدون مالًا ولا أهلًا".
رواه البخاري والترمذي والنسائي، من حديث عبد الرزاق، عن معمر، [عن عبد الكريم.
قال البخاري: "وتبعه عمرو] [٣] بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم.
ورواه النسائي أيضًا عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به أتم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
وفي معجم الطبراني (٥) من حديث معاذ بن محمَّد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: "مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني.
فخرج له حُصَاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات".
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ إنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع، بأن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مَرةً بالمعابد الكبار، وفيه كَمُل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خُلق آم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت [١] بذلك الأحاديث الصحاح.
وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد [٢] عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قَرْثَع الضبي، حدثنا سلمان؛ قال: قال أبو القاسم ﷺ: "يا سلمان؛ ما يوم الجمعة؟
" قلت: الله ورسوله أعلم.
فقال رسول الله ﷺ: "يوم جُمع فيه أبواك -أو: أبوكم-".
وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا، فالله أعدم.
وقد كان يقال له في اللغة القديمة: يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فَضَلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق، واختار النصارى يومَ الأحد الذي ابتديء فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة الجمعة الذي أكمل الله فيه الخلَيقَة، كما أخرجه البخاري (٧) ومسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه؛ قال: هذا ما حدثنا أبو هُرَيرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يَومُهم الذي فرَض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد".
لفظ البخاري.
وفي لفظ لمسلم (٨): " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق".
وقد أمر الله المؤمنين بإلاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: اقصدوا واعمدوا [١] واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وكان عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄ يقرآنها ﴿فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجاه في الصحيحين (٩) عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ.
قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
لفظ البخاري.
وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جَلبة رجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم؟
" قالوا: استعجلنا إلى الصلاة.
قال: "فلا لفعلوا، إذا أتيتم الصلاة أفامشوا وعليكم بالسكينة] [٢]، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
أخرجاه (١٠).
وقال عبد الرزاق (١١): أخبرنا مَعمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
رواه الترمذي (١٢) من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه (١٣) من طريق يزيد بن زُريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بمثله.
قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينةُ والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.
وقال قتادة في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يعني أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأولُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: المشي معه.
وروي عن محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وغيرهما، نحو ذلك.
ويستحَبّ لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين (١٤) عن عبد الله بن عُمَر أن رسول الله ﷺ؛ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعةَ فَليغتسل".
ولهما عن أبي سعيد (١٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [] [١] " [غسل يوم الجمعة واجب على كل مُحتلِم".
وعن أبي هُريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ:] [٢] "حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل جمعة أيام، يغسل رأسه وجسده".
رواه مسلم (١٦).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول ﷺ: "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة".
رواه أحمد (١٧)، والنسائي، وابن حبان.
وقال الإمام أحمد (١٨): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: "من غَسَّل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يَلغُ كان له بكل خطوة أجر سنة، أجر صيامها وقيامها".
وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي.
وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
أخرجاه [١] (١٩).
ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويتسوك، ويتنظف ويتطهر.
وفي حديث أبي سعيد (٢٠) المتقدم: "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يَمَس من طيب أهله".
وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله [١]-إن كان عنده- ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع -إن بدا له- ولم يؤذِ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى".
وفي سنن أبي داود (٢٢)، وابن ماجة، عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مَهنَتِه".
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار؛ فقال: "ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته".
رواه ابن ماجة (٢٣).
وقوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾: المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فإنما كان هذا لكثرة الناس، كما رواه البخاري (٢٤) ﵀ حيث قال: حدثنا آدم -هو ابن أبي إياس- حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن [٢] يزيد، قال: "كان النداء يوم الجمعة أولهُ إذا جلس الأمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء" يعني: يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء [٣]، وكانت أرفعَ دار [٤] بالمدينة بقرب المسجد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي [١]، عن مكحول؛ أن النداء كان في يوم [٢] الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام، ثم تقام الصلاة، وذلك النداء الذي يحرم عنده [٣] البيع والشراء إذا نودي به، فأمر عثمان ﵁ أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس.
وإنما يؤمر بحضور الجمعة الأحرار دون النساء والعبيد والصبيان، ويعذر المسافر والمريض، وقيم المريض، وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع.
وقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيعَ﴾، أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني.
واختلفوا، هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟
على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة- خير لكم، أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.
وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، أي: فُرغ منها، ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: لما حَجَر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله.
كان عرَاك بن مالك ﵁ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم؛ أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.
رواه ابن أبي حاتم.
ورُوي أيضًا [٤] عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة، بارك الله له سبعين مرة، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وعَطَائكم، اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة؛ ولهذا جاء في الحديث: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [له الملك] [٥]، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كتبَتْ له ألفُ ألف حَسنة، ومُحي عنه ألفُ ألف سَيئة" (٢٥).
وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله [قائمًا] [١] قاعدًا ومضطجعًا.
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ مِنَ اللَّهْو وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ يعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمً﴾، أي: على المنبر تخطب.
هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم: أبو العالية، والحسن، وزيد بن أسلم، وقتادة.
وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر إلا القليل منهم.
وقد صَحَّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد (٢٦): حدثنا ابن إدريس، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر؛ قال: قَدمت عِير المدينةَ، ورسول الله ﷺ يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلًا، فنزلت ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا﴾ أخرجاه في الصحيحين (٢٧)، من حديث سالم به.
وقال الحافظ أبو يعلى (٢٨): حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هُشَيم، عن حُصَين عن سالم بن أبي الجعد، وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله؛ قال: بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عِيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحابُ رسول الله ﷺ حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا [١] عشر رجلًا، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارًا".
ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وقال: كان [٢] في الاثني عشر الذين ثَبتوا مع رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر، ﵄.
وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، دليل على أن الإمام يخطب يوم [٣] الجمعة قائمًا.
وقد رَوَى مسلم (٢٩) في صحيحه عن جابر بن سَمُرَةَ؛ قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس.
لكن هاهنا شيء [٤] ينبغي أن يُعلَم، وهو أن هذه القصة قد قيل: إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود (٣٠) في كتاب المراسيل حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بُكير بن معروف، أنه سمع مُقاتل بن حَيَّان؛ يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يومٌ والنبي ﷺ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفةَ قد قَدمَ بتجارة.
يعني: فانفضوا [٥] ولم يبق [٦] معه إلا نفر يسير.
وقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيرٌ مِنَ اللَّهْو وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾، أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقته.
[آخر تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والمنة].
* * * انتهى بحمد الله تعالى وحسن توفيقه المجلد الثالث عشر ويليه بعون الله تعالى المجلد الرابع عشر وأوله سورة المنافقون