الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة القلم
تفسيرُ سورةِ القلم كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 51 دقيقة قراءة[تفسير سورة "ن" وهي مكية] ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول "سورة البقرة"، وأن قوله: ﴿ن﴾ كقوله: ﴿ص﴾، ﴿ق﴾، ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته.
وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾: حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع، كما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان -هو الثوري- حدثنا سليمان -هو الأعمش- عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق اللَّه القلم قال: اكتب.
قال: وما أكتب؟
قال: اكتب القدرَ.
فجرى [١] بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة.
ثم خلق "النون" ورفع بخار الماء، ففُتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت [٢] بالجبال، فإنها لتفخر [٣] على الأرض.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به [٤].
وهكذا رواه شعبة، ومحمد بن فُضَيل [٥]، ووكيع، عن الأعمش، به.
وزاد شعبة في روايته: ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
وقد رواه شريك، عن الأعمش؛ عن أبي ظبيان [٦]-أو مجاهد- عن ابن عباس، فذكر نحوه.
ورواه معمر، عن الأعمش: أن ابن عباس [قال ....
فذكره] [٧]، ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
ثم قال ابن جرير (٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: إن أول شيء خلق ربي ﷿ القلم، [فقال له] [١]: اكتب.
فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق "النون" فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه.
وقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال (٣): حدثنا أبو حبيب [زيد بن] [٢] المهتدي المَرُّودي [٣]، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل [٤]، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى -مسلم بن صبيح- عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن أول ما خلق اللَّه القلم والحوت، [قال للقلم: اكتب] [٥].
قال: ما أكتب؟
قال: كل شيءٍ كائن إلى يوم القيامة".
ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، فالنون: الحوت.
والقلم: القلم.
حديث آخر في ذلك رواه [ابن عساكر] [٦] (٤) عن أبي عبد اللَّه مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه اللَّه القلم، ثم خلق "النون" وهي: الدواة.
ثم قال له: اكتب.
قال: وما أكتب؟
[قال: اكتب] [٧] ما يكون -أو: ما هو كائن- من عمل أو رزق أو أثر أو أجل.
فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وكلال: وعزتي لأكملنك [٨] [فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت"] [٩].
وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره، عن مجاهد قال: كان يقال: النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة.
وقد ذكر البغوي وجماعة من المفسرين؛ أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف ترن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، فالله أعلم.
ومن العجيب أن بعضهم حمل على [١] هذا المعنى الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٥): حدثنا إسماعيل، حدثنا حُميد، عن أنس: أن عبد اللَّه بن سلام بَلَغه مَقدَم رسول اللَّه ﷺ المدينة فأتاه فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟
و [٢] ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟
وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟
والولد ينزع إلى أمه؟
قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا".
قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة.
قال: "أما أول أشراط الساعة فنار تَحشرهم من المشرق إلى المغرب.
وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادةُ كبد حوت.
وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نَزَع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت".
ورواه البخاري من طرق، عن حميد، ورواه مسلم أيضًا.
وله من حديث ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ نحو [٣] هذا.
وفي صحيح مسلم (٦) من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان: أن حَبرًا سأل رسول اللَّه ﷺ عن مسائل، فكان منها: قال: فما تحفتهم؟
-يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة- قال: "زيادة كبد الحوت"، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟
قال: "ينحر لهم [٤] ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها".
قال: فما شرابهم عليه؟
قال: "من عين فيها [٥] تسمى سلسبيلًا".
وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور.
قال ابن جرير (٧): حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه؟
قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: " ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: لوح من نور، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وهذا مرسل غريب.
وقال ابن جريج [١]: أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام.
وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ دواة، والقلم: القلم.
قال ابن جرير: حدثنا [] [٢] عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ن﴾، قالا: هي الدواة.
وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًّا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد اللَّه مولى في [٣] أمية، في أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خلق اللَّه النون، وهي الدواة".
وقال ابن جرير (٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد اللَّه، حدثنا ثابت [البناني] [٤] عن ابن عباس؛ قال: أن اللَّه خلق النون -وهي الدواة- وخلق القلم، فقال: اكتب.
قال: وما أكتب؟
قال [٥]: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر [٦] أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام.
ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا، ومقدمه فيها كم [٧]؟
وخروجه منها كيف؟
ثم جعل على العباد حفظة، وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل؛ أنت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئًا.
فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال: فقال ابن عباس: ألستم قومًا عَرَبًا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟
وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!
وقوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾: الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به [٨] كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهما من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني وما [يكتبون.
وقال أبو الضحى، عن ابن عباس: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: وما يعملون] [١].
[وقال السدي: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يعني: الملائكة، وما] [٢] تكتب من عمل العباد.
وقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه اللَّه بالقدر حين كتب مقادر الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة.
وأوردوا في [٣] ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ويونس بن حبيب؛ قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي (٩)، حدثنا عبد الواحد بن سُليم السلمي، عن عطاء -هو ابن أبي رباح- حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب.
قال: يا رب، ما أكتب؟
قال: اكتب القدر [ما كان] [٤] وما هو كائن إلى الأبد.
وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد من طرق، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به [٥].
وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به.
وقال: حسن صحيح غريب.
ورواه أبو داود في "كتاب السنة" من سننه، عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن ابن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي [٦] حفصة -واسمه حُبَيش بن شُريح الحَبشي الشامي- عن عبادة؛ فذكره.
وقال ابن جرير (١٠): حدثنا محمد بن عبد اللَّه الطوسي، حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزة، عن سعيد بن جبير، عن أبي عباس؛ أنه كان يحدث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه اللَّه القلم، فأمره فكتب كل شيء".
غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ يعني: الذي كتب به الذكر.
وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، أي: يكتبون، كما تقدم.
وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، أي: لست -وللَّه الحمد- بمجنون كما قد [١] يقوله الجهلة من قومك، والمكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: بل لك الأجر العيم، والثواب الجزل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم.
ومعنى ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾.
[﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع عنهم.
وقال مجاهد: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾] [٢] أي غير محسوب وهو رجع إلى ما قلناه.
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أي وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام.
وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد.
وقال عطية: لعلى أدب عظيم.
وقال معمر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول اللَّه ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، تقول [٣]: كما هو في القرآن.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ذُكر لنا أن سعد [٤] بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟
قال: بلى.
قالت: فإن خلق رسول اللَّه ﷺ كان القرآن (١١).
وقال عبد الرزاق (١٢) عن معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين؟
عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ.
فقالت: أتقرأ القرآن؟
قلت: نعم.
فقالت: كان خلقه القرآن.
هذا حديث طويل، وقد رواه الإمام مسلم (١٣) في صحيحه، من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في "سورة المزمل" إن شاء اللَّه تعالى.
وقال الإمام أحمد (١٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن؛ قال: سألت [١] عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ، فقالت: كان خلقه القرآن.
وقال الإِمام أحمد (١٥): حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد؛ قال: سألت عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما تقرأ [٢] القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟
قال: قلت: حدثيني عن ذاك.
قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبلُ فاطرحي الطعام!
قالت: فجاءت بالطعام، قالت: فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت - وكان نطْعٌ - قالت: فجمعه [٣] رسول اللَّه ﷺ وقال: "اقتصوا -أو: [اقتصي، شك] [٤] أسود- ظَرفًا مكان ظَرفِك".
قالت: فما قال شيئًا.
وقال ابن جرير (١٦): حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد [٥] بن هشام؛ قال: أتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها: أخبريني بخُلق النبي ﷺ.
فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه.
وقال ابن جرير (١٧): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفير؛ قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة ﵂ فسألتها عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ فقالت: كان خُلُق رسول اللَّه ﷺ القرآن.
هكذا رواه [أحمد (١٨) عن] [٦] عبد الرحمن بن مهدي.
ورواه النسائي في التفسير، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به.
ومعنى هذا أنه ﵇ صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا- سجيةً له [١]، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجبِلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جَبَله اللَّه عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم، والشجاعة والصفح، والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين (١٩) عن أنس قال: خدمتُ رسول اللَّه ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلتَه؟
ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟
وكان رسول اللَّه ﷺ [] [٢] أحسن الناس خلقًا، ولا مَسسْتُ خزًّا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول اللَّه عليه اللَّه عليه وسلم، ولا [شَممْتُ مسكًا] [٣]، ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول اللَّه ﷺ.
وقال البخاري (٢٠): [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد اللَّه] [٤]، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه، عن أبي إسحاق؛ قال: سمعت البراء يقول: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجهًا وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن [٥] ولا بالقصير.
والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب [٦] "الشمائل".
وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول اللَّه ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه، ولا خُير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإِثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى [٧] إليه إلا أن تنتهك حرمات اللَّه، فيكون هو ينتقم للَّه ﷿.
وقال الإِمام أحمد (٢٢): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا [عبد العزيز] [٨] بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق … " تفرد به.
وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم، وهذه كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: الجنون وكذا قال مجاهد، وغيره.
وقال قتادة وغره: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: أولى بالشيطان.
ومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، وتقديره فستعلم ويعلمون، أو [١]: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون، واللَّه أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.
﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم، ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون، وقال مجاهد: ودوا لو تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾، وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء اللَّه تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها.
قال ابن عباس: المهين: الكاذب.
وقال مجاهد: هو الضعيف القلب.
و [٢] قال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف.
وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾.
قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب.
﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين (٢٣) من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: مر رسول اللَّه ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر [١] من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة".
الحديث.
وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم، من طرق عن مجاهد به.
وقال أحمد (٢٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمام، أن حُذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قَتّات".
رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إبراهيم [٢] به.
وحدثنا عبد الرزاق (٢٥)، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات".
يعني نمامًا.
وحدثنا يحيى بن سعيد القطان (٢٦) - أبو سعيد الأحول- عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث [٣] قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء.
فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -أو: قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات".
وقال أحمد (٢٧): حدثنا هاشم [١]، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل؛ قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث، فقال سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يدخل الجنة نمام".
وقال الإِمام أحمد (٢٨): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن؛ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخياركم؟
".
قالوا: بلى يا رسول اللَّه.
قال [٢]: "الذين إذا رُءُوا ذُكرَ اللَّه ﷿".
ثم قال: "ألا أخبركم بشراركم؟
المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العَنَت".
ورواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خثيم به.
وقال الإِمام أحمد (٢٩): حدثنا سفيان، عن ابن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم - يبلغ به النبي ﷺ: "خيار عباد اللَّه الذين إذا رُءُوا ذكر اللَّه، وشرار عباد اللَّه المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت".
وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحل اللَّه له [٣]، يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾، أي يتناول المحرمات.
وقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح، الجموع المنوع.
قال الإِمام أحمد (٣٠): حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن مَعْبَد بن خالد، عن حارثة [٤] بن وهب؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ألا أنبئكم بأهل الجنة؟
كل ضعيف مُتَضَعّف لو أقسم على اللَّه لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟
كل عُتلّ جَوّاظ مستكبر".
وقال وكيع: كل جواظ جعظري مستكبر.
أخرجاه في الصحيحين (٣١) وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث سفيان الثوري وشعبة، كليهما عن معبد [١] بن خالد به.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (٣٢): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن عليّ؛ قال: سمعت أبي يحدّث عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال عند ذكر أهل النار: "كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع".
تفرد به أحمد.
قال أهل اللغة: الجعظري: الفظ الغليظ، والجواظ: الجموع المنوع.
وقال الإِمام أحمد (٣٣): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحَميد، عن شهر بن حَوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ عن العُتلِّ الزنيم، فقال: "هو الشديد الخَلْق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف".
وبهذا الإسناد قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري؛ والعتل الزنيم" (٣٤).
وقد أرسله أيضًا غير واحد من التابعين.
وقال ابن جرير (٣٥): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن [٢] ثور، عن، معمر، عن زيد بن أسلم؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه [من الدُّنيا] [١] مِقْضَمًا، فكان للنَّاس ظلومًا" قال: "فذلك العُتُل [٢] الزنيم".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين، ونص عليه غير واحد من السلف، منهم مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغيرهم: أن العتل هو: المصُحَّح الخَلْق، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك، وأمَّا الزنيم فقال البُخاريّ (٣٦): حدَّثنا محمود، حدَّثنا عُبَيد [٣] الله، عن إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال: رجل من قريش له زَنمة مثل زنمة الشَّاةِ.
ومعنى هذا أنَّه كان مشهورًا بالشر كشهرة الشَّاةِ ذات الزنمة من بين أخواتها.
وإنَّما الزنيم في لغة العرب: هو الدَّ عِيّ في القوم.
قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة، قال: ومنه قول حسَّان بن ثابت، يعني يذم بعض كفار قريش: وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقال آخر: زنيم ليس يعرف من أبوه … بغي الأم ذو حسب لئيم وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عمار بن خالد الواسطيّ، حدَّثنا أسباط، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾، قال: الدعي [٤] الفاحش اللئيم.
ثم قال ابن عباس: زنيم تداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عرض الأديم إلا كارع [٥] وقال العوفي عن ابن عباس: الزنيم: الدعي.
ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة، يعرف بها.
ويقال: هو الأخنس بن شريق الثَّقفيُّ، حليف بني زهرة.
وزعم أناس من بنى زهرة أن الزنيم الأسودُ بن عبد يغوث الزُّهريّ، وليس به.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس: إنَّه زعم أن الزنيم المُلحَق النسب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدَّثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنَّه سمعه قوله في هذه الآية: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال سعيد: هو الملصق في القوم، ليس منهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا عقبة بن خالد، عن عامر بن قدامة قال: سئل عكرمة [عن الزنيم قال: هو ولد الزنا.
وقال الحكم بن أبان عن عكرمة] [١] في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشَّاةِ الزنماء، [والزنماء من الشياه] [٢]: التي في عنقها [هَنتَان معلقتان في حلقها] [٣].
وقال الثوري، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير؛ قال: الزنيم: الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.
والزنيم: الملصق.
رواه ابن جرير.
وروى أيضًا من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، عنِ ابن عباس أنَّه قال في الزنيم: قال: نُعتَ فلم يعرف حتَّى قيل: زنيم.
قال: وكانت له زَنمَة في عنقه يعرَف بها.
[] [٤] وقال آخرون: كان دَعيًّا.
وقال ابن جرير: حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زَنمة مثل زَنمة الشَّاةِ.
وقال الضَّحَّاك: كانت له زنَمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب.
وقال أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر.
وقال مجاهد: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة، وقال أبو رَزين: الزنيم علامة الكفر.
وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة [٥] بزنمتها.
والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين النَّاس، وغالبًا يكون دعيًّا ولد زنا، فإنَّه في الغالب يتسلط الشَّيطان عليه ما لا يتسلط على غيره، كما جاء في الحديث: "لا يدخل الجنَّة ولد زنا" (٣٧) وفي الحديث الآخر: "ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه" (٣٨).
وقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، يقول تعالى: هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين، كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كَذب مأخوذ من أساطير الأولين، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾.
وقال تعالى هاهنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾.
قال ابن جرير: سنبين أمره بيانًا واضحًا حتَّى يعرفوه ولا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخراطيم.
وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: شين [١] لا يُفارقه آخر ما عليه.
وفي رواية عنه: سيما على أنفه.
وكذا قال السدي.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [يقاتل يوم بدر، فيُخطم بالسيف في القتال.
وقال آخرون: ﴿سَنَسِمُهُ﴾] [٢]: سمة أهل النَّار، يعني نسود وجهه يوم القيامه، وعبر عَنْ الوجه بالخرطوم.
و [٣] حكى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ومال إلى أنَّه لا مانع من [٤] اجتماع الجميع عليه في الدُّنيا والآخرة، وهو مُتجه.
وقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو صالح كاتب اللَّيث، [حدثني اللَّيث] [٥]، حدثني خالد بن سعيد، عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إن العبد يكتب مؤمنًا [أحقابًا ثم أحقابًا] [١] ثم يموت والله عليه ساخط.
وإن العبد يكتب كافرًا [أحقابًا ثم أحقابًا] [٢] ثم يموت والله عنه [٣] راض.
ومن مات همَّازًا لمَّازًا مُلَقِّبًا للنَّاس، كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم، من كلا الشفتين".
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَال أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ هذا مَثَلٌ ضَرَبَه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بَعْثُهُ محمدًا ﷺ إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، أي: حلفوا فيما بينهم ليَجُذُّنّ ثَمرها ليلًا، لئلا يعلم بهم فقير ولا سلائل، ليتوفى ثمرُها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: فيما حلفوا به، ولهذا حَنَّثهم الله في أيمانهم، فقال: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، أي: أصابتها آفةٌ سماوية، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قال ابن عباس: أي كالليل الأسود.
وقال الثوري، والسدي: مثل الزرع إذا حُصِد، أي: هشيمًا يبسًا.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر من أحمد بن الصباح: أنبأنا بَشِير [٤] بن زاذان، عن عمر بن صبح، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والمعاصي، أن العبد ليذنب الذنبَ فيحرم به رزقًا قد كان هُيِّء له"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قد حُرموا خَير جنَّتهم بذنبهم (٣٩).
﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾، أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجَذاذ، ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾، أي: تريدون الصرام.
قال مجاهد: كان حرثهم عِنبًا ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾، أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يُسمعون أحدًا كلامهم.
ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾، أي: [يقول بعضهم لبعض] [١]: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم!
قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾، أي: قوة وشدة.
وقال مجاهد: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾، أي جِد.
وقال عكرمة: غيظ.
وقال الشعبي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: على المساكين.
وقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾، أي: كان اسم قريتهم "حرد".
فأبعد السدي في قوله هذا!
﴿قَادِرِينَ﴾، أي: عليها فيما يزعمون ويَرومون.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على [٢] الحالة التي قال الله ﷿ قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهمة، لا يُنتَفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطَّريق.
ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: قد سلكنا إليها غير الطَّريق فتهنا عنها.
قاله ابن عباس وغيره.
ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنَّها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حَظّ لنا ولا نصيب.
﴿قَال أَوْسَطُهُمْ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والربيع بن أَنس، والضَّحَّاك، وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، قال مجاهد، والسدي، وابن جريج: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: لولا تستثنون، قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحًا.
وقال ابن جريج: هو قول القائل: أن شاء الله.
وقيل: معناه: ﴿قَال أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم، ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾، أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجَذَاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلَّا الاعتراف بالخطيئة والذنب، ﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾، أي: اعتدينا وبَغَينا وطغينا وجاوزنا الحد حتَّى أصابنا ما أصابنا، ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، قيل: رغبوا في بدلها لهم في الدُّنيا.
وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم.
ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد [١] كانوا من: أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها: ضروان، على ستة أميال من صنعاء.
وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنَّة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله [٢] منها يرد فيها ما يحتاج إليه ويدّخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل.
فلما مات وورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا.
فلما عزموا على ذلك عُوقِبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، و [٣] رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾، أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المساكين والفقراء، وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرًا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، أي: هذه عقوبة الدُّنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق.
وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي [٤] (٤٠) من طريق جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده: أن [٥] رسول الله ﷺ نهى عن الجَذَاذ دالليل، والحصاد بالليل.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيمَانٌ عَلَينَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾ لما ذكر تعالى حال أهل الجنَّة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ﷿ وخالفوا أمره، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تَبِيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها.
ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟
كلا ورب الأرض والسماء، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي كيف تظنون [١] ذلك؟
ثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، يقول: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل [٢] الخلف عن السلف، مُتضمّن حكمًا مؤكدًا كما تدعونه؟
﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيمَانٌ عَلَينَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة، ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾، أي: إنَّه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون، ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي: قل لهم: من هو المتضمن المتكفل بهذا؟
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ لما ذكر تعالى أن للمتقين عنده جنات النعيم، بين متى ذلك كائن وواقع، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، يعني يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلابل والامتحان والأمور العظام، وقد قال البُخاريّ (٤١) ها هنا: حدَّثنا آدم، حدَّثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول [٣]: "يَكشِفُ رَبُّنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طَبقًا واحدًا".
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (٤٢) وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور.
وقد قال عبد الله بن المبارك: عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: هو يوم كرب وشدة.
رواه ابن جرير (٤٣) ثم قال: حدَّثنا ابن حميد حدَّثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن [١] إبراهيم عن ابن مسعود، أو ابن عباس- الشَّك من ابن جرير: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم يقول الشَّاعر: * [وقامت الحرب بنا على ساق] [٢] * وقال ابن أبي نجيح: [عن مجاهد] [٣]: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال: شدة الأمر.
وقال ابن عباس: هي أول ساعة تكون في يوم القيامة.
وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، هو: الأمر الشديد المُفظع من الهول يوم القيامة.
وقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه [٤] دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه.
وكذا روى الضَّحَّاك عن ابن عباس.
أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير (٤٤) ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبة [٥]، حدَّثنا هارون بن عمر المخزومي، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال [٦]: عن نور عظيم، يخرون له سجدًا.
ورواه أبو يعلى (٤٥)، عن القاسم بن يَحْيَى، عن الوليد بن مسلم، به، وفيه رجل مبهم، فالله أعلم.
وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدُّنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السُّجود في الدُّنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب ﷿ فسجد له المؤمنون، لا يستطع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجدَ، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كما أراد أحدهم أن يسجد خَرَّ لقفاه، عكس السُّجود، كما كانوا في الدُّنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون.
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد أي: دعني وإياه مني ومنه.
أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه وأنظره [١]، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر.
ولهذا قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
ولهذا قال ها هنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ﴾، [أي: وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ﴾] [٢] أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي.
وفي الصحيحين (٤٦) عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إن الله ليملي للظالم، حتَّى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾، تقدم تفسيرهما في سورة الطور.
والمعنى في ذلك: أنك يا محمَّد تدعوهم إلى الله ﷿ بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله ﷿ وهم يكذبون بما جئتهم به، بمجرد الجهل والكفر والعناد.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٥٢)﴾ يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن الله سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدُّنيا والآخرة، ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، يعني: ذا النون، وهو يونس بن متى ﵇ حين ذهب مُغَاضِبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات أليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير، الذي لا يُرَدّ ما أنفذَه من التقدير، فحينئذ نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وقال ها هنا: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: مغموم وقال: عطاء الخراساني، وأبو مالك: مكروب.
وقد قدمنا في الحديث أنَّه لما قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، خرجت [الكلمة تَحُفّ [١]] [٢] حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة!
فقال الله تعالى: أما تعرفون هذا.
قالوا: لا!
قال: هذا يونس.
قالوا: يا رب، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة؟
قال: نعم.
قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء؟
فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقد قال الإمام أحمد (٤٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" ورواه البُخاريّ من حديث سفيان الثوري، وهو في الصحيحين (٤٨) من حديث أبي هريرة.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لَيَنْفُذونك بأبصارهم.
[أي: ليَعينُوك] [١]، بأبصارهم، بمعنى يحسدونك لبغضهم [٢] إياك لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم.
وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ﷿-كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.
(حديث أنس بن مالك) ﵁: قال أبو داود (٤٩): حدَّثنا سليمان بن داود العَتَكي، حدَّثنا شريك ح وحدثنا العباس العنبري، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن العباس بن ذَريح، عن الشعبي -قال العباس: عن أنس- قال: قال النَّبيُّ ﷺ: "لا رقية إلَّا من عين أو حُمة أو دم لا يرقأ" لم يذكر العباس العين، وهذا لفظ سليمان.
(حديث بُرَيدة بن الحُصَيب) ﵁: قال أبو عبد الله بن ماجه (٥٠): حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن نُمَير، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرَّازي، عن حُصَين، عن الشعبي، عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ: "لا رقية إلَّا من عين أو حُمة".
هكذا رواه ابن ماجة، وقد أخرجه مسلم (٥١) في صحيحه، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، عن بريدة موقوفًا، وفيه قصَّة.
وقد رواه شعبة عن حصين عن الشعبي عن بريدة.
قاله التِّرمذيُّ (٥٢).
وروى هذا الحديث الإِمام البُخاريّ (٥٣) من حديث محمَّد بن فضيل، وأبو داود من حديث مالك بن مِغْول، والترمذيُّ من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين، عن عامر الشعبي، عن عمران بن حُصين موقوفًا.
(حديث أبي ذر جندب بن جنادة) (٥٤): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀:- حدَّثنا إبراهيم بن محمَّد [بن عرعرة بن البرند] [١] السامي [٢]، حدَّثنا ديلم بن [٣] غَزوان، حدَّثنا وهْب بن أبي دبي، عن أبي حرب [] [٤] عن أبي ذر قال: قال رسول رسول الله ﷺ: "إن العين لتولع الرجل بإذن الله فيتصاعد حالقًا ثم يتردى منه" إسناده غريب ولم يخرجوه.
(حديث حابس التميمي): قال الإمام أحمد (٥٥): حدَّثنا عبد الصَّمد، حدَّثنا حرب، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حَيَّة بن حابس التميمي: أن أباه أخبره: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيء في الهام والعين حق وأصدق الطيرة الفأل".
وقد رواه التِّرمذيُّ عن عمرو بن علي، عن أبي غسان يَحْيَى بن كثير، عن علي بن المبارك، عن يَحْيَى بن أبي كثير، به ثم قال: "غريب" قال: وروى شيبان، عن يَحْيَى بن أبي كثير، عن حية [٥] بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ.
[قلت: كذلك رواه الإمام أحمد (٥٦) عن حسن بن موسى، وحُسَين بن محمَّد، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية حديثه، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا بأس في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل"] [٦].
حديث ابن عباس: قال الإمام أحمد (٥٧): حدَّثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، في دُوَيد، حدثني إسماعيل بن [٧] ثَوبان عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "العين حق، العين حق، تستنزل الحالق".
غريب.
طريق أخرى قال مسلم (٥٨) في صحيحه: حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا وُهَيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "العين حق، ولو كان شيء سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَت العين وإذا استغسلتم [١] فاغسلوا".
انفرد به دون البُخاريّ.
وقال عبد الرَّزاق (٥٩): عن سفيان الثوري، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يُعَوِّذ الحسن والحسين، يقول: "أعيذكما بكلمات الله التَّامة، من كل شيطان وهَامَّة ومن كل عين لامة" ويقول: "هكذا كان [٢] إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵈".
أخرجه البُخاريّ (٦٠) [وأهل السنن] [٣] من حديث المنهال به.
حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن خيف ﵁: قال ابن ماجة: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا سفيان، عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف [قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حُنَيف] [٤] وهو يغتسل، فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة.
فما لبث أن لُبطَ به، فأُتي به رسول الله ﷺ، فقيل له: أدرك [سهلًا صريعًا] [٥].
قال: "من تتهمون به؟
" قالوا: عامر بن ربيعة.
قال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟
إذا رأى أحدكم من أخيه ما يُعجبه فَليدْعُ له [٦] بالبركة".
ثُمَّ دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضّأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه.
قال سفيان: قال معمر؛ عن الزُّهريّ: وأمر أن يكفَأ إناءً [٧] من خلفه.
وقد رواه النَّسائيّ (٦١)، من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، كليهما عن الزُّهريّ، به.
ومن حديث سفيان بن عيينة أيضًا عن معمر، عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة: ويكفَأ الأناء من خلفه.
ومن حديث ابن أبي ذئب عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة [] [١] أسعد بن سهل بن [] [٢] حُنَيف، عن أبيه، به.
ومن حديث مالك أيضًا، عن محمَّد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه به.
(حديث أبي سعيد الخدري): قال ابن ماجة (٦٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا سعيد [٣] بن سليمان، حدَّثنا عباد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعن الإنس.
فلما نزل المعوذتان أخذهما وتَرك ما سوى ذلك.
ورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، من حديث سعيد بن [] [٤] إياس أبي مسعود الجُرَيري به.
وقال التِّرمذيُّ: "حسن".
(حديث آخر) عنه: قال الإمام أحمد (٦٣): حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صُهَيب، حدثني أبو نضرة، عن أبي سعيد؛ أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت يا محمَّد؟
قال: "نعم".
قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، باسم الله أرقيك.
ورواه عن عفَّان (٦٤) عن عبد الوارث مثله، ورواه مسلم وأهل السنن -إلَّا أبا داود - من حديث عبد الوارث به.
وقال الإمام أحمد (٦٥) أيضًا: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا وهيب، حدَّثنا داود، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيد -أو عن جابر بن عبد الله-: أن رسول الله ﷺ اشتكى، فأتاه جبريل فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين الله يشفيك.
ورواه أيضًا (٦٦)، عن محمَّد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن داود، عن أبي نَضرَةَ، عن أبي سعيد، به.
قال أبو زرعة الرَّازي: روى عبد الصَّمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز [عن أبي نَضْرَة، وعن عبد العزيز] [١]، عن أنس في معناه وكلاهما صحيح.
حديث أبي هُرَيرة: قال الإِمام أحمد (٦٧): حدَّثنا عبد الرَّزاق، أنبأنا معمر، عن هَمَّام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هُرَيرة عن رسول الله ﷺ قال [٢]: "إن العين حق".
أخرجاه (٦٨) من حديث عبد الرَّزاق.
وقال ابن ماجة (٦٩): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا إسماعيل بن عُليَّة، عن الجُرَيري، عن مُضَارب بن حَزن، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: "العين حق" تفرد به.
ورواه أحمد (٧٠) عن إسماعيل بن علية عن سعيد الجريري به.
وقال الإمام أحمد (٧١): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا ثور -يعني ابن يزيد-، عن مكحول، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: "العين حق، ويحضُرها [٣] الشيطانُ وحسد ابن آدم".
وقال أحمد (٧٢): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا أبو [١] معشر، عن محمَّد بن قيس: سُئل أبو هُرَيرة: هل سمعت رسول الله يقول: الطيرة في ثلاث: في المسكن والفرس والمرأة؟
قال: قلت: إذًا أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل!
ولكني سمعت رسول الله ﷺ [يقول: "أصدق [٢]] [٣] الطيرة الفألُ، والعين حق".
حديث أسماء بنت عُمَيس: قال الإمام أحمد (٧٣): حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عُروةَ بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزُرقي قال: قالت أسماء: يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟
قال: "نعم، فلو كان شيء يسبق القدرَ لسبقته العين".
وكذا رواه التِّرمذيُّ وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة، به، ورواه التِّرمذيُّ (٧٤) أيضًا والنَّسائيُّ، من حديث عبد الرَّزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيَد بن رفاعة، عن أسماء بنت عميس، به [٤]، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.
حديث عائشة ﵂: قال ابن ماجة (٧٥): حدَّثنا علي بن أبي الخَصِيب [٥]، حدَّثنا وكيع، عن سفيان، ومسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن شَداد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تسترقي من العين، ورواه البُخاريّ (٧٦) عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن معبد [بن خالد، به.
وأخرجه مسلم (٧٧) من حديث سُفيان ومِسعر، كليهما عن معبد، به] [٦] ثم قال ابن ماجة (٧٨): حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدَّثنا أبو [١] هشام المخزومي، حدثنا وُهَيب، عن أبي واقد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "استعيذوا بالله، فإن العين [٢] حق".
تفرد به [خالد وأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به] [٣] وقال أبو داود (٧٩): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل [٤] منه المَعِين.
[قلت: كذلك رواه أحمد عن حسن بن موسى وحسين بن محمَّد عن سنان أن ابن حية حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله، ﷺ، قال: "لا [ … ] [٥] إلهام والعين حق وأصدق طيرة الفأل] [٦].
حديث سهل بن حُنَيف: قال الإمام أحمد (٨٠): حدَّثنا حُسَين بن محمَّد، حدَّثنا أبو أويس، حدَّثنا الزّهري، عن أبي أمامة بن سَهل بن حُنَيف: أن أباه حديثه: أن النَّبيَّ ﷺ خرج وساروا معه نحو مكّة، حتَّى إذا كانوا بشعب الخَرّار -من الجحفة- اغتسل سهلُ بن حُنَيف - وكان رجلًا أبيض حَسن الجسم والجلدَ فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو [٧] بني عدي بن كعب وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مُخبَّأة.
فلُبطَ سهل، فأتى رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله، هل لك في سهل!.
والله ما يرفع رأسه ولا يُفيق.
قال: "هل تتهمون فيه من أحد؟
" قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة.
فدعا رسول الله ﷺ عامرًا فتغيظ عليه، وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بَرّكت؟
" ثم قال له: "اغتسل له [٨] ".
فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وَداخلَة إزاره في قَدح، ثم صُبَّ ذلك الماء عليه، يَصُبّه [٩] رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه.
ففعل [١٠] ذلك، فراح سهل مع النَّاس، ليس به بأس.
(حديث عامر بن ربيعة): قال الإمام أحمد (٨١) في مسند عامر: حدَّثنا وكيع، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن عيسى عن أميه بن هند بن سهل بن حُنيف، عن عبد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة، وسهل بن حنيف يريدان الغسل، قال: فانطلقا يلتمسان الخمَر، قال: فوضع عامر جُبّة كانت عليه من صوف، فنظرت إليه فأصبته بعيني، فنزل الماء يغتسل، قال: فسمعت له في الماء فرقعة، فأتيته فناديته ثلاثًا فلم يجبني.
فأتيت النَّبيَّ ﷺ فأخبرته، قال: فجاء يمشي فخاض الماء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فضرب صدره بيده ثم قال: "اللَّهم اصرف عنه حرها وبردها ووصبها".
قال: فقام.
فقال رسول الله ﷺ: إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله، ما يعجبه، فليبرّك، فإن العين حق".
(حديث جابر): قال الحافظ أبو بكر البزار (٨٢) في مسنده: حدَّثنا محمَّد بن معمر، حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا طالب بن حبيب بن عمرو [١] بن سهل الأنصاري- ويقال له: ابن الضَجيع، ضجيع حمزة ﵁ حدثني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس".
قال البزار: يعني: العين.
قال: ولا نعلم يروى هذا الحديث عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد.
قلت: بل قد روي من وجه آخر عن جابر، قال الحافظ أبو عبد الرحمن محمَّد بن المنذر الهروي -المعروف بشَكَّر- في كتاب العجائب، وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريية: حدَّثنا الرهاوي، حدَّثنا يعقوب بن محمَّد، حدَّثنا علي بن أبي علي الهاشمي، حدَّثنا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتي في [٢] العين".
ثم رواه عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "قد تُدخل الرجلَ العينُ في القبر، وتدخل الجمَل القدر".
(حديث عبد الله بن عمرو): قال الإمام أحمد (٨٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا رشدين [١] بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام بنَ أبي رُقية، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "لا عدوى ولا طيرة، ولا هَامة ولا حَسَد، والعين حق" تفرد به أحمد.
حديث عن عليٍّ: روى الحافظ ابن عساكر (٨٤) من طريق خَيثمة بن سليمان الحافظ: حدَّثنا عبيد بن محمَّد الكشُوري، حدَّثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري، عن أبي رجاء، عن شعبة، عن [٢] أبي إسحاق، عن الحارث، عن [٣] علي: أن جبريل أتى النَّبيَّ ﷺ فوافقه مغتمًّا، فقال له [٤]: يا محمَّد؛ ما هذا الغم الذي أراه في وجهك؟
قال: "الحسن والحسين أصابتهما عين" قال: صَدّق بالعين، فإن العين حق، أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات؟
قال: "وما هن يا جبريل؟
".
قال: قل: اللَّهم ذا السلطان العظيم، [ذا المن] [٥] القديم، ذا الوجه الكريم، ولي الكلمات التامات، والدعوات المستجابات، عاف الحسن والحسين من أنفس الجن، وأعين الإنس.
فقالها النَّبيُّ ﷺ، فقاما يلعبان دين يديه.
فقال النَّبيُّ ﷺ: "عَوّذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ، فإنَّه لم يعوذ المتعوذون بمثله".
قال الخطيب البغدادي: تفرد بروايته أبو رجاء محمَّد بن عبيد [٦] الله الحبطي من أهل تُستَر، ذكره ابن عساكر في ترجمة طراد بن الحسين، من تاريخه.
وقوله ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم، ويقولون: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمجيئه بالقرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ﴾.
[آخر تفسير سورة "ن" ولله الحمد].
* * *