الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الأنفال
تفسيرُ سورةِ الأنفال كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 214 دقيقة قراءة[تفسير سورة الأنفال] وهي مدنية آياتها: سبعون [١] وست آيات، كلماتها: ألف كلمة، وستمائة كلمة، وإحدى وثلاثون كلمة، حروفها: خمسة آلاف ومئتان، وأربعة وتسعون حرفًا، والله أعلم.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ قال البخاري (١): قال ابن عباس: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ الغنائم.
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا [٢] هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس، ﵄: سورة الأنفال؟
قال: نزلت في بدر.
أما ما علَّقه عن ابن عباس، فكذلك رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢) أنه قال: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ الغنائم، كانت لرسول الله، ﷺ، خالصة، ليس لأحد منها شيء.
وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: إنها الغنائم (٣).
وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٤) أنه قال: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ المغانم [٣]، قال فيها لبيد [٤]: إنّ تقوى ربنا خيرُ نَفَلْ … وبإذن الله رَيثي وَعَجَلْ (٥) وقال ابن جرير (٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلًا يسأل ابن عباس عن ﴿الْأَنْفَالِ﴾ فقال ابن عباس، ﵄: الفرس من النَّفَل، والسلَب من النفل.
ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا.
ثم قال الرجل: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ التي قال الله في كتابه، ما هي؟
قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟
مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب.
وقال عبد الرزاق (٧): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب، ﵁، إذا سئل عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك.
ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه، ﷺ، إلا زاجرًا آمرًا محلًّا محرمًا.
قال القاسم: فسُلِّط على ابن عباس رجل، يسأله [١] عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل يُنَفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟
مثل صبيغ الذي ضربه عمر ابن الخطاب، حتى سالت الدماء على [٢] عقبيه - أو على رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفله الإِمام لبعض الأشخاص من سَلَب أو نحوه، بعد قَشم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفَل، والله أعلم.
وقال ابن أبي نجيح (٨): عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله، ﷺ، عن الخُمْس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.
وقال ابن مسعود ومسروق: لَا نفَل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف [٣].
رواه ابن أبي حاتم عنهما.
وقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة، أو عبد، أو أمة، أو متاع، فهو نفل للنبي، ﷺ، يصنع به ما يشاء.
رهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال.
قال ابن جرير (٩): وقال آخرون: هي أنفال السرايا.
حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا على بن صالح بن حيّ قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: السرايا.
ويعني هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قَشمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابنَ جرير أنها الزيادات على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (١٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى: "ذا الكتيفَة (١١) "، فأتيت به النبي، ﷺ، فقال: "اذهب فاطرحه في القَبَض (١٢) "، قال: فرجعت ربي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما حاوزت إلا يسيرًا، حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، "اذهب فخذ سيفك".
وقال الإمام أحمد أيضًا (١٣): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله، قد شفانى الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: "إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه" قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت.
عسى أن يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي، قال: إذا [١] رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله في شيئًا؟
قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك.
قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن أبي بكر بن عياش، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي (١٤): أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، يحدث عن سعد، قال: نزلت فيَّ أربع آيات: أصبت سيفًا يوم بدر، فأتيت النبي، ﷺ، فقلت: نَفِّلْنِيهِ، فقال: "ضعه من حيث أخذته"، مرتين، ثم عاودته فقال النبي ﷺ: "ضعه من حيث أخذته"، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.
وتمام الحديث في نزول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وآية الوصية.
وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به (١٥).
وقال محمد بن إسحاق (١٦): حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بنى ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله، ﷺ، الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفَل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله، ﷺ، لا يمنع شيئًا يُسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله، ﷺ، فأعطاه، إياه.
ورواه ابن جرير من وجه آخر (١٧).
(سبب آخر في نزول الآية) وقال الإِمام أحمد (١٨): حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله، ﷺ، فقسمه رسول الله، ﷺ، بين المسلمين عن بواء - يقول: عن سواء.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٩): حدثنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش [١] بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكَبَّت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله، ﷺ، لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: [لستم أحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ، و] [٢] خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فقسمها رسول الله، ﷺ، بين المسلمين، وكان رسول الله، ﷺ، إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل -[وكلّ الناس] [٣]- راجعًا، نفل الثلث، وكان يكره الأنفال [ويقول: "ليرد قَويُّ المؤمنين على ضعيفهم] [٤] ".
ورواه الترمذي (٢٠) وابن ماجة، من حديث سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، له نحوه.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وروى أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه (٢١) - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا" فتسارع [١] في ذلك شبان الرجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاءوا يطبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنَّا ردءًا لكم، لو انكشفتم لفئتِم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال الثوري (٢٢)، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله، ﷺ: "من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا" فجاء أبو اليسر بأسيرين، فقال: في رسول الله!
وعدتنا، فقام سعد ابن عبادة فقال: يارسول الله!
إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا [٢] جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظةً عليك، نخاف أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا، ونزل القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ونزل القرآن: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخر الآية.
وقال الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (٢٣) في كتاب "الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها": أما الأنفال فهى المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى [لرسول الله] [١] ﷺ، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس، فنسخت الأولى.
قلت: هكذا روى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس سواء، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي.
وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة.
قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار … والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله، على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تفضلًا من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما [هو شيء] [٢] خصهم الله [٣] به تطولًا منه عليهم، بعد أن كانت المغانم محرمة على الأم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة.
فهذا أصل النفل.
قلت: شاهد هذا فى الصحيحين عن جابر ﵁ أن رسول الله، ﷺ، قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي" فذكر الحديث إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" وذكر تمام الحديث (٢٤) ثم قال أبو عبيد: ولهذا سُمي ما جعل الإِمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإِسلام والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفله الإِمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى: (فإحداهن): في النفل لا خمس فيه، وذلك السلب.
(والثانية): في [٤] النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإِمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث [بعد الخمس] [١].
(والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإِمام نفل منه على قدر ما ورى.
(والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شئ، وهو أن يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسُّوَّاق لها، وفي كل ذلك اختلاف.
قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج [٢] من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب.
قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل: هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خمس النبي، ﷺ، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإِمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو، واشتدّت شوكتهم، وقل من بإزائه من المسلمين، نفل منه اتباعًا لسنة رسول الله، ﷺ، وإذا لم يكن ذلك لم ينفل.
(والوجه الثالث) من النفل: إذا بعث الإِمام سرية أو جيشًا، فقال لهم قبل اللقاء: من غنم شيئًا [فهو له] [٣] بعد الخمس، فذلك لهم على ما شرط الإِمام؛ لأنهم على ذلك غزوا، وبه رضوا.
انتهى كلامه.
وفيما تقدّم من كلامه، وهو قوله: إن غنائم بدر لم تخمس - نظر، ويرد عليه حديث على بن أبي طالب في شارفيه الذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بيانًا شافيًا (٢٥).
ولله الحمد والمنة [٤].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بينكم على ما أراده [٥] الله، فإنه إنما [٦] قسمه كما أمره الله من العدل والإِنصاف.
وقال ابن عباس (٢٦): هذا تحريج من الله [على المؤمنين] [٧] أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم.
وكذا قال مجاهد.
وقال السدي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبوا.
ولنذكر هاهنا حديثًا [١] أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ﵀، في مسنده فإنه قال (٢٧): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر [٢]، حدثنا عباد بن شيبة الحبطي [٣]، عن سعيد بن أنس، عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله؟
بأبي أنت وأمي!
فقال: "رجلان جثيا من أمّتي بين يدي رب العزة ﵎، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي.
قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب، لم يبق في حسناتي شيء.
قال: رب، فليحمل عني من أوزاري" قال: وفاضت عينا رسول الله، ﷺ، بالبكاء، ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من [٤] يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يارب، أرى مدائن من فضة، وقصورًا [٥] من ذهب، مكللة باللؤلؤ، لأيِّ نبي هذا؟
لأي صديق هذا؟
لأي شهيد هذا؟
قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟
قال: أنت تملكه، قال: ماذا يارب؟
قال: تعفو عن أخيك، قال: يارب، فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة".
ثم قال رسول الله ﷺ: "فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة".
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في [١] قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء [٢] فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله [٣] المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدَّوْا فرائضه - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول: تصديقًا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره.
وقال مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرقت، أي: فزعت وخافت.
وكذا قال السدي وغير واحد.
وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهم بمعصية - فيقال له: اتق الله فَيَجِلُ قلبه.
وقال الثوري أيضًا، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن شهر بن حوشب، عن أمِّ الدرداء في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالت: الوجل في القلب كإحراق [١] السعفة، أما تجد لها [٢] قشعريرة؟
قال: بلى.
قالت: إذا وجدت ذلك، فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإِيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة [٣].
بل قد حكى الإِجماع على ذلك غير واحد من الأئمة، كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن [٤] ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإِيمان.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ينبه تعالى بذلك على أعمالهم، بعد ما ذكر اعتقادهم.
وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى.
وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها [٥]، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها.
والإِنفاق مما رزقهم الله: يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد، من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه.
قال قتادة في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَواري وودائع عندك يا بن آدم، أوشكت أن تفارقها.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات، هم المؤمنون حق الإِيمان.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٢٨): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله، ﷺ، فقال له: "كيف أصبحت في حارث؟
" قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا.
قال: "انظر ماذا تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟
فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون [١] فيها.
فقال: "في حارث، عرفت فالزم" ثلاثًا.
وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، إنما أنزل القرآن بلسان العرب، كقولك: فلان سيد حقًّا، وفي القوم سادة، وفلان تاجر حقًّا، وفي القوم تجار.
وفلان شاعر حقًّا [وفي القوم] [١] شعراء.
وقوده: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل و [٢] مقامات ودرجات في الجنات.
كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات.
وقال الضحاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى [٣] الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فُضِّل عليه أحد.
ولهذا جاء في الصحيحين (٢٩)، أن رسول الله، ﷺ، قال: "إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون [٤] الكوكب الغابر [٥] في أفق من آفاق السماء".
قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم؟
فقال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (٣٠) من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسملم: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل [٦] الدرجات العلى، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما".
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ قال الإِمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه "الكاف" في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فقال بعضهم: شُبّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم لله [١] ورسوله.
ثم روي عن عكرمة نحو هذا.
ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قَسْمه وقَسْم رسوله، ﷺ، فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة - وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم - فكان عاقبة كراهتكم للقتال - بأن قدّره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد - رَشَدًا وهدى، ونصرًا وفتحًا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم.
ثم روى نحوه عن مجاهد، أنه قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق.
وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين، ﴿يُجَادِلُونَكَ [فِي الْحَقِّ] [١] بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾.
وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة؛ كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالًا فنستعدَّ له.
قلت: رسول الله، ﷺ، إنما خرج من المدينة طالبًا لعير أبي سفيان، التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام، فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله، ﷺ، المسلمين من [٢] خَفَّ منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله، ﷺ، في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرًا إلى مكة، فنهضوا في قريب من ألف مُقَنَّع ما بين التسعمائة إلى الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر فنجا، وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين [٣] المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين، ونصرهم على عدوهم، والتفرقة بين الحق والباطل، كما سيأتي بيانه.
والغرض أن رسول الله، ﷺ، لما بلغه خروج النفير، أوحى الله إليه يَعِدُه إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير؛ لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣١): حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم بن [١] أبي عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله، ﷺ، ونحن [٢] بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير، لعل الله أن [٣] يُغْنمناها؟
" فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين قال لنا: "ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟
" فقلنا: لا والله، ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير.
ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟
" فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول، لك يا رسول الله؛ كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
قال: فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من [٤] أن يكون لنا مال عظيم.
قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.
وذكر تمام الحديث.
ورواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن لهيعة بنحوه.
وروى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله، ﷺ، إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: "كيف يرون؟
" فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، بلغنا أنهم [بمكان كذا] [٥] وكذا.
قال: ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟
"؟
فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون" فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إيانا تريد؟
فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي (برك الغماد) من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله [٦] إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وَعَادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الآيات.
وقال العوفي (٣٢)، عن ابن عباس: لما شاور النبي، ﷺ، في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فعبئوا [١] للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإِيمان، فأنزل الله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
[وقال مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾، في القتال.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾] [٢] أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم.
وقال السدي: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعد ما تبين لهم [أنك لا] [٣] تفعل إلا ما أمرك الله به.
قال أبن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين.
حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب؛ قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين يدعون إلى الإسلام ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال: وليس هذا من صفة الآخرين.
هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.
ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله؛ لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإِيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: إنه خبر عن المؤمنين.
وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام.
والله أعلم.
وقال الإِمام أحمد ﵀ (٣٣): حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق؛ قالا: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر، عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق: وهو أسير في وثاقه - ثم اتفقا: أنه لا يصلح لك.
قال: "ولم؟
" قال: لأن الله ﷿ إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.
إسناد جيد، ولم يخرجوه [١].
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حَدَّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم، وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال؛ ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإِسلام، ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
وقال محمد بن إسحاق ﵀ (٣٤): حدثنى محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس - كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر - قالوا: لما سمع رسول الله، ﷺ، بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم.
وقال: "هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها [٢]؛ لعل الله أن ينفلكموها"، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله، ﷺ، يلقى حربًا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فَحَذِرَ عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل [٣] مكة، وأمره أن يأتي قريشًا، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغ واديًا يقال له "ذَفران"، فخرج منه، حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله، ﷺ، الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام عمر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله به؛ فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [١] مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى "برك الغماد" - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه.
فقال له رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، خيرًا، ودعا له بخير.
ثم قال رسول الله ﷺ: "أشيروا علي أيها الناس"، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم [] [٢] حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا.
فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟
قال: "أجل".
فقال: قد [٣] آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت له هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحق، إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فَسِر بنا على بركة الله، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشَّطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد [٤] وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم".
وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ قال الإِمام أحمد (٣٥): حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ﵁، قال: لما كان يوم بدر نظر النبي، ﷺ، إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي، ﷺ، القبلة [ثم مَدَّ يديه] [١]، وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: " [اللهم، أين ما وعدتني] [٢].
اللهم، [أنجز لي ما وعدتني] [٣] اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا".
قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ [رداءه فردَّاه] [٤]- ألبسه [٥]- ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله؛ كفاك [٦] مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
فلما كان يومئذ التقوا، فهزم الله المشركين، فقُتل منهم سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم [] [٧] والعشيرة والإِخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.
فقال رسول الله ﷺ: "ما ترى يا بن الخطاب" قال: قلت: والله [٨] ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضربَ عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس هي قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فَهَوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد - قال عمر: - فغدوت [٩] إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبي [١] بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، ما [٢] يبكيك أنت وصاحبك؟
فإن وجدت بكاء بكيتُ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.
قال النبي ﷺ: "الذي [٣] عرض على أصحابك [٤] مولى أخذهم الفداء، قد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة، وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحلَّ لهم الغنائم.
فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ، وكسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، بأخذكم الفداء.
ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق، عن عكرمة بن عمار به.
وصححه على بن المديني والترمذي، وقالا: لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي [٥] ".
وهكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس؛ أن هذه الآية الكريمة، قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أنها في دعاء النبي، ﷺ، وكذا قال يزيد بن تبيع والسدي وابن جريج.
وقال أبو بكر بن عياش (٣٦)، عن أبي حصين، عن أبي صالح، قال: لما كان يوم بدر جعل النبي، ﷺ، يناشد ربه أشد النِّشدَة، يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك، فوالله ليفين الله لك بما وعدك.
وقال البخاري (٣٧) في "كتاب المغازي" باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق [بن شهاب] [٦]؛ قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا؛ لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عُدل به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى [١]: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره، [يعني: قوله] [٢].
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حَوشب (٣٨)، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم، أنشدك عهدك ووعدك.
اللهم، إن شئت لم [٣] تُعْبَد".
فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك.
فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
ورواه النسائي، عن بندار، عن عبد الوهاب بن [٤] عبد المجيد الثقفي.
وقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضًا، كما قال هارون بن عنترة [٥]، عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين.
ويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم، أي: نجدة لكم، كما قال العوفي عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، يقول: المدد، كما تقول ايت [٦] الرجل فزده كذا وكذا.
وهكذا قال مجاهد وابن كثير القارئ وابن زيد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: مُمدّين.
وقال أبو كُدَينة، عن قابس [٧]، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مُمِدُّكُمْ [٨] بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، قال: وراء كل مَلَكٍ ملك.
وفي رواية بهذا الإِسناد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: بعضهم على أثر بعض.
وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة.
وقال ابن جرير (٣٩): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران [١]، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير، عن علي ﵁ قال: نزل جبريل [في ألف] [٢] من الملائكة عن ميمنة النبي، ﷺ، [وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي، ﷺ] [٣]، وأنا في الميسرة.
وهذا يقتضي - لو صح إسناده - أن الألف مردفة بمثلها؛ ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال، فالله أعلم.
والمشهور ما رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: وأمد الله نبيه، ﷺ، والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة.
وروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم (٤٠)، من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُمَيل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم.
ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس [٤] [يقول: "أقدم حيزوم".
إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، قال] [٥]: فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه [٦]، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر [٧] ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله ﷺ، فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة"، فَقَتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
وقال البخاري (٤١): " باب شهود الملائكة بدرًا": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي، ﷺ، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟
قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.
انفرد بإخراجه البخاري، وقد رواه الطبراني (٤٢) في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم.
وفي الصحيحبن (٤٣) أن رسول الله، ﷺ، قال لعمر، لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد [١] اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم، بدون ذلك؛ ولهذا قال ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا [٢] لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ [٣] [] [٤] الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
فهذه حكمٌ شَرَع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمة المكذبة، كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادًا الأولى بالدّبُور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل [٥]، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى، وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم، ثم أنزل على موسى التوراة، شرع فيها قتال الكفار، واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ﴾، وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة [٦] للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.
ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الأِيمان، فَقَتْلُ [١] أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة [٢] له من أن يموت على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب - لعنه الله - بالعَدَسة (٤٤)، بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، وإنما غسلوه بالماء قذفًا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته، ﷾.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾.
قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف.
وقال الحافظ أبو يعلى (٤٥): حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن [١] مضرب، عن علي ﵁، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي تحت شجرة، ويبكي حتى أصبح.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان.
وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب.
قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأمر ذلك مشهور جدًا، وأما يوم بدر فهذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضًا، وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس؛ لتكون [٢] قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونِعَمِه عليهم، وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولهذا جاء [٣] في الصحيح أن رسول الله، ﷺ، لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق ﵁، وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سِنَة من النوم، ثم استيقظ متبسمًا، فقال: "أبشر يما أبي بكر، هذا جبرِيل على ثناياه النَّقْعُ".
ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥].
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: نزل النبي ﷺ يعني: حين [٤] سار إلى بدر - والمسلمون [٥] بينهم وبين الماء رملة دعْصَة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مُجْنبين؛ فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وأنشف الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة؛ فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة.
وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه؛ فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت، وثبتت [١] عليها الأقدام.
ونحو ذلك رُوي عن قتادة والضحاك والسدي.
وقد رُوي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طَش أصابهم يوم بدر.
والمعروف أن رسول الله، ﷺ، لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك، أي: أول ماء وجده فتقدم إليه الحباب بن المنذر، فقال: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلكه الله؛ فليس لنا أن نجاوزه، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟
فقال: "بل منزل نزلته للحرب والمكيدة".
فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، ولكن سِرْ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونُغَوِّر ما وراءه [٢] من القُلُب، ونستقي الحياض، فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله ﷺ ففعل كذلك.
وفي مغازي "الأموي" (٤٦) أن الحباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمَّد؛ إن ربك يقرئك [٣] السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به "الحباب بن المنذر"، فالتفت رسول الله، ﷺ، إلى جبريل ﵇ فقال: "هل تعرف هذا؟
" فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم؛ لأنّه ملك وليس بشيطان.
وأحسن ما في هذا ما رواه الإِمام محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي" ﵀ (٤٧) - حدثني يزيد بن رُومان، عن عروة بن الزبير؛ قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا، فأصاب رسول الله، ﷺ، وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس؛ فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم.
وقال ابن جرير (٤٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة [١]، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طَشَّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله، ﷺ، [يدعو ربه: "اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض".
فلما أن طلع الفجر نادى: "الصلاة، عباد الله!
" فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ] [٢]، وحرض على القتال.
وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر، وهو تطهر الظاهر [٣]، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيئ وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر [٤]، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: مطهرًا لما كان من غل أو حسد أو تباغض، وهو زينة الباطن وطهارته.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإِقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنّه - تعالى وتقدّس وتبارك وتمجد - أوحى [٥] إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين، يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا.
قال ابن إسحاق: وازرُوهم.
وقال غيره: قاتلوا معهم.
وقيل: كثَّروا سَوَادهم.
وقيل: كان ذلك بأن الملَك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﵌، يقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك؛ فتقوى أنفسهم.
حكاه ابن جرير، وهذا لفظه بحروفه.
وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبتوا أنتم المؤمنين [١]، وقووا أنفسهم على أعدائهم، عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والمذلة والصغار على من خالف أمري، وكذب رسولي؛ ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم، وهي أيديهم وأرجلهم.
وقد اختلف المفسرون في معنى: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرءوس.
قاله عكرمة.
وقيل: معناه ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي على الأعناق، وهي الرقاب.
قاله الضحاك وعطية العوفي.
ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾.
وقال وكيع (٤٩)، عن المسعودى، عن القاسم، قال: قال النبي ﷺ: "إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت بضرب الرقاب، [وشد الوثاق] [٢] ".
واختار ابن جرير أنها [] [٣] تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام.
قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله، ﷺ، جعل يمر بين القتلى يوم بدر، فيقول: "نُفَلِّقُ [٤] هامًا … ".
فيقول أبو بكر: … من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما (٥٠) فيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره؛ لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.
وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم [١]، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به.
وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال ابن جرير: معناه: واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومَفصل، من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان: جمع بنانة، كما قال الشاعر (٥١): ألا ليتني قطعْتُ مني بنانة … ولاقيته [٢] في البيت يقظان حاذرًا [٣] وقال على بن أبي طلحة (٥٢)، عن ابن عباس: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني بالبنان الأطراف.
وكذا قال الضحاك وابن جريج.
وقال السدي: البنان الأطراف، ويقال: كل مفْصَل.
وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل.
وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك.
وقال العوفي، عن ابن عباس، فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا، ولكن خذوهم أخذًا، حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم [٤] في دينكم، ورغبتهم عن اللات والعزم.
فأوحى الله إلى الملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فقتل أبو جهل (لعنه الله) في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا، فوفى ذلك سبعين، يعني: قتيلًا.
ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، وهو مأخوذ أيضًا من شق العصا، وهو جعلها فرقتين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله [غيره، ولا رب] [١] سواه.
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ هذا خطاب للكفار، أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ يقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم منهم [٢].
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفروا وتتركوا أصحابكم.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة، ليريه أنه قد [٣] خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسدي.
وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدّو فيصيبها.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: ذر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين؛ يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك حتى لو [٤] كان في سرية، ففر إلى أميره أو إلى الإِمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة.
قال الإِمام أحمد (٥٣): حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله، ﷺ، فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص [٥]، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب [٦]؟
ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله، ﷺ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟
" فقلنا: نحن الِفرارون.
فقال: "لا، بل أنتم العكارون (*)، أنا فيكم، وأنا فئة المسلمين".
قال: فأتيناه حتى قبلنا يده، وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق: عن يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من [حديث ابن أبي زياد] [١].
ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره: وقرأ رسول الله، ﷺ، هذه الآية: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
قال أهل العلم: معنى قوله: "العكارون" أي: العطافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب: ﵁[في أبي عبيدة] [٢]، لما قتل على الجسر [٣] بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إليّ كنت له فئة.
هكذا رواه محمَّد ابن سيرين، عن عمر (٥٤).
وفي رواية أبي عثمان النهدي، عن عمر قال: لما قتل أبو عبيدة [٤]، قال عمر: أيها الناس، أنا فئتكم (٥٥).
وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كل مسلم.
وقال عبد الملك بن عمير، عن عمر: أيها الناس، لا تغرنكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا [٥] فئة كل [٦] مسلم.
وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلاد ابن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر، قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة: إمامنا أو عسكرنا؟
فقال: إن الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
فقال: إنما نزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها.
وقال الضحاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه.
فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب؛ فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال (٥٧): قال رسول الله ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟
قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
[ولهذا الحديث] [١] شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده [] [٢] ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقال الإمام أحمد (٥٨): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سحيم، عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي - يعني ابن الخصاصية [٣]- وهو بشير بن معبد - قال: أتيت، النبي ﷺ، لأبايعه؛ فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإِسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله.
فقلت يا رسول الله، أما اثنتَان [٤] فوالله لا أطيقهما؛ الجهاد: فإنهم زعموا أنه [٥] من ولى الدبر، فقد جاء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت.
والصدقة: فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذَوْد هن رَسَل أهلي وحمولتهم.
فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حرك يده، ثم قال: "فلا [١] جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟
" فقلت [٢]: يا رسول الله، أنا [٣] أبايعك.
فبايعته عليهن كلهن.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه في الكتب الستة.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٩): حدثنا أحمد بن محمَّد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان، عن النبي، ﷺ، قال: "ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف".
وهذا أيضًا حديث غريب جدًا.
وقال الطبراني أيضًا (٦٠): حدثنا العباس بن الفضل [٤] الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني [٥]، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله، ﷺ، قال: سمعت أبي يحدث عن جدي، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف".
وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به.
[وأخرجه الترمذي عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به] [٦].
وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ عنه سواه.
وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة؛ لأنه [يعني الجهاد] [١] كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره.
وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبى نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد ابن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك وغيرهم.
وحجتهم في هذا: أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى [٢] عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض (٦١).
ولهذا قال عبد الله بن المبارك (٦٢)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال: فلا بأس عليه.
وقال ابن المبارك أيضًا (٦٣)، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ * ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (٦٤) أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إنما أنزلت في أهل بدر.
وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر؛ وإن كان [٣] سبب [نزول الآية] [١] فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه [٢]، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي [٣]: بل هو الذي أظفركم عليهم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، يعلم ﵎ أن النصر ليس عن [٤] كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من [عند الله] [٥] تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
ثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضًا: في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين [٦] يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها، وقال: "شاهت الوجوه"، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.
قال على بن أبي طلحة (٦٥)، عن ابن عباس: رفع رسول الله، ﷺ، يديه - يعني يوم بدر - فقال: "يارب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا".
فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم، [فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم] [١]، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.
وقال السدي: قال رسول الله، ﷺ، لعليٍّ ﵁ يوم بدر: "أعطي حصبًا من الأرض".
فناوله [٢] حصبًا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم [٣] ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
وقال أبو معشر المدني (٦٦)، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله، ﷺ، قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه".
فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله، ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله، ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله، ﷺ، ثلاث حصيات [٤]، فرمى بحصاة [٥] ميمنة القوم، وحصاة [٦] في ميسرة القوم، وحصاة [٧] بين أظهرهم، وقال: "شاهت الوجوه".
فانهزموا.
وقد روي في هذه القصة (٦٧)، عن عروة [بن الزبير و] [٨] مجاهد، وعكرمة، وقتادة وغير واحد من الأئمة: أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر، وإن كان [٩] قد فعل ذلك يوم حنين أيضًا.
وقال أبو جعفر بن جرير (٦٨): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة [١]، عن يزيد ابن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة [٢]، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله، ﷺ، تلك الرمية فانهزمنا.
غريب من هذا الوجه، وهاهنا قولان آخران غريبان جدًا: (أحدهما): قال ابن جرير (٦٩): حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو [٣]، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله، ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر - دعا بقوس فأتي بقوس طويلة، وقال: "جيئوني بقوس غيرها" فجاءوه بقوس كبداء (٧٠)، فرمى النبي، ﷺ، الحصن، فأقبل السهم يهوي، حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.
(والثاني): روى ابن جرير أيضًا، والحاكم في مستدركه (٧١)، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي، ﷺ، يوم أحد أبي بن خلف بالحربة، وهو في لأمته فخدشه في ترقوته، فجعل يتدأدأ (٧٢) عن فرسه مرارًا، حتى كانت وفاته بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم، موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة.
وهذا القول عن هذين الإِمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا: أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرّف المؤمنين [من] [١] نعمته عليهم؛ من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته (٧٣).
وهكذا فسر ذلك [٢] ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: "وكل بلاء حسن أبلانا".
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغلب.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ [٣] وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار، ولله الحمد والمنة.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ يقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله، وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، كما قال محمد بن إسحاق وغيره، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير [٤]؛ أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنْه الغداة.
وكان ذلك [٥] استفتاحًا منه، فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى آخر الآية.
وقال الإمام أحمد (٧٤): حدثنا يزيد - يعنى: ابن هارون - أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، أن أبا جهل قال حين التقي القوم: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنْه الغداة.
فكان المستفتح.
وأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، به.
وكذا رواه الحاكم في مستدركه، من طريق الزهري به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وروي نحو [١] هذا عن ابن عباس ومجاهد، والضحاك وقتادة، ويزيد بن رومان وغير واحد.
وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم، انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين.
فقال الله ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
[وقوله تعالى] [٢]: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، [] [٣] كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الوقعة [٤].
وقال السدي: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أي: إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ أي [٥]: إلى الفتح لمحمد ﷺ، والنصر له، وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى.
﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه، فلا غالب له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته، والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد المشركون.
و [١] اختاره ابن جرير.
وقال ابن إسحاق: هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك.
ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق، ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش.
روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون.
قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح.
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهمًا، فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم، فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ قال البخاري (٧٥): ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم.
حدثنا [١] إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خصيب بن عبد الرحمن؛ قال: سمعت حفص ابن عاصم يحدث، عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي، فمر [بي النبى] [٢] ﷺ فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: "ما منعك أن تأتيني؟
ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ".
ثم قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قل أن أخرج".
فذهب رسول الله ﷺ ليخرج، فذكرت له - وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، سمع أبا سعيد رجلاً من اْصحاب النبي، ﷺ، بهذا - وقال: هي [٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السبع المثاني.
هذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة.
وقال مجاهد في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: الحق [٤].
وقال قتادة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: هو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة واحياة.
وقال السدي: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإِسلام إحياؤهم بعد مرتهم بالكفر.
وقال محمد بن إسحاق (٧٦)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإِيمان (٧٧).
رواه الحاكم في مستدركه موقوفًا (٧٨)، وقال: صحيح ولم يخرجاه.
ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعًا (٧٩)، ولا يصح؛ لضعف إسناده، والموقوف أصح.
وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي في رواية عن مجاهد في قوله: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ حتى تركه لا يعقل.
وقال السدي: يحول بين الإِنسان وقلبه، فلا يستطع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.
وقال قتادة: هو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
وقد وردت الأحاديث عن رسول الله، ﷺ، بما يناسب هذه الآية.
وقال الإمام أحمد (٨٠): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي، ﷺ، يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك".
[قال] [١] فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟.
قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها".
وهكذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه، عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش - واسمه سليمان بن مهران - عن أبي سفيان - واسمه طلحة بن نافع - عن أنس، ثم قال: حسن.
وهكذا روي عن غير واحد، عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي، ﷺ، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح (٨١).
(حديث آخر) [قال الإمام أحمد] [١]، وقال عبد بن حميد في مسنده (٨٢): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو: "يا مقلب القلوب، ثبت فلبي على دينك" هذا حديث جيد الإِسناد إلا أن فيه انقطاعًا، وهو مع ذلك على شرط أهل السنن، ولم يخرجوه.
(حديث آخر قال [٢] الإمام أحمد (٨٣): حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بسر [٣] بن عبَد الله الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت النبي، ﷺ، يقول: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه".
وكان يقول: "يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك".
قال: "والميزان بيد الرحمن، يخفضه ويرفعه".
وهكذا رواه النسائي وابن ماجة، من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فذكر مثله.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (٨٤): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلي ابن زياد، عن الحسن؛ أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله، ﷺ، يدعو بها: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك".
قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء.
فقال: "إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله؛ فإذا شاء أزاغه؛ وإذا شاء أقامه" ..
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٨٥): حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني [٤] شهر، سمعت أم سلمة تحدث؛ أن رسول الله، ﷺ، كان يكثر في دعائه، يقول: "اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك".
قالت: فقلت [١]: يا رسول الله، أو إن القلوب لتقلب؟
قال: "نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم، إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿؛ فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب".
قالت: فقلت [٢]: يا رسول الله؛ ألا تعلمنى دعوة أدعو بها لنفسي؟
قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمَّد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني".
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٨٦): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، أنه سمع عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله، ﷺ، يقول: "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرف كيف شاء".
ثم قال رسول الله ﷺ: "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك".
انفرد [٣] بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يحذر تعالى عباده المؤمنين ﴿فتنة﴾، أي: اختبارًا ومحنة يعم بها المسيئ وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر الذنب، بل يعمها [٤] حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد (٨٧): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرف؛ قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله؛ ما جاء بكم؟
ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟
فقال الزبير ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله، ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت.
وقد رواه البزار (٨٨)، من حديث مطرف، عن الزبير.
وقال: لا نعرف مطرّفًا روى عن الزبير غير هذا الحديث.
وقد روى النسائي (٨٩)، من حديث جرير [١] بن حازم، عن الحسن، عن الزبير نحو هذا.
و [٢] روى ابن جرير (٩٠)، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لفد خوفنا بها [٣]، يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، ونحن مع رسول الله، ﷺ، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة.
وكذا رواه حميد، عن الحسن، عن الزبير، ﵁ (٩١).
وقال داود بن أبي هند، عن الحسن في هذه الآية، قال: نزلت في على وعمار وطلحة والزبير ﵃ (٩٢).
وقال سفيان الثوري، عن الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان [٤]، سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٩٣).
وقد روي من غير وجه، عن الزبير بن العوّام.
وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يعني أصحاب النبي، ﷺ، خاصة.
وقال في رواية له [١]، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب.
وهذا تفسير حسن جدًّا، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: هي أيضًا لكم.
وكذا قال الضحاك ويزيد بن أبي حبيب وغير واحد.
وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن.
رواه ابن جرير.
والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم - هو الصحيح؛ ويدل [على ذلك] [٢] الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن؛ ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى، كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف؛ ومن أخص ما يذكر ها هنا، ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (٩٤): حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله - يعني: ابن المبارك - أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يقول، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني: عدي بن عميرة - يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "إن الله ﷿ لا يعذب العامّة بعمل الخاصة؛ حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة".
فيه رجل مبهم [١]، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٥): حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل - يعني: ابن جعفر - أخبرني عمرو بن أبي عمرو [٢]، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حذيفة بن اليمان؛ أن رسول الله، ﷺ، قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو [٣] ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم".
ورواه عن أبي سعيد (٩٦)، عن إسماعيل بن جعفر، وقال: "أو ليبعثن الله عليكم قومًا، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".
وقال الإِمام [٤] أحمد (٩٧): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا رزين [٥] بن حبيب الجهني، حدثني أبو الرقاد، قال: خرجت مع مولاي، فدفعت إلى حذيفة، وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة، على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات؛ لتأمرن بالمعروف، و [٦] لتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتنكم الله جميعًا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم؛ ثم يدعو [٧] خياركم فلا يستجاب لهم.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد أيضًا (٩٨): حدثني [٨] يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر ﵁؛ قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يخطب يقول - وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه [٩]- يقول: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، والمدهن فيها؛ كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم؛ فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا.
فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا؛ وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا.
انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن، من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي، به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٩): حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أمِّ سلمة زوج النبي، ﷺ، قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي عمهم الله بعذاب من عنده".
فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟
قال: "بلى" قالت: فكيف يصنع أولئك؟
قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان".
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٠): حدثنا حجاج بن محمَّد، حدثنا [١] شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ: "ما من قوم يعملون بالمعاصي [٢]، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيرون - إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب".
ورواه أبو داود: عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، به.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٠١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه؛ أن رسول الله، ﷺ، قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله [١]، ثم [٢] لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب".
ثم رواه أيضًا، عن وكيع، عن إسرائيل.
وعن عبد الرزاق، عن معمر، وعن أسود، عن شريك ويونس كلهم، عن أبي إسحاق السبيعي، به.
وأخرجه ابن ماجة عن علي بن محمَّد، عن وكيع، به (١٠٢).
وقال الإِمام أحمد (١٠٣): حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن محمَّد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ: "إذا ظهر السوء في الأرض؛ أنزل الله بأهل الأرض بأسه".
فقالت [٣]: وفيهم أهل طاعة الله؟
قال: "نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله".
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم.
وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطرين، يخافون أن يتخطفهم [٤] الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم؛ لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها؛ آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وآسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.
قال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ (١٠٤) في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينه ضلالًا، [مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه] [١]، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإِسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا [لله نعمه] [٢]؛ فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ قال [عبد الله] [٣] بن أبي قتادة والزهري (١٠٥): أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله، ﷺ، إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله، ﷺ، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله؛ فحلف لا يذوق ذواقًا [حتى يموت] [٤]، أو يتوب الله عليه.
وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه [٥]، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر [٦] مغشيًّا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله؛ فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا [أن يحلوه] [٧] من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله، ﷺ، بيده، فحله، فقال [٨]: يا رسول الله؛ إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة.
فقال: "يجزيك الثلث أن تصدق به".
وقال ابن جرير (١٠٦): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمَّد بن عبيد الله أبو [١] عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية.
وقال ابن جرير أيضًا (١٠٧): حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمَّد بن المحرم، قال لقيت عطاء بن أبي رباحِ فحدثني، قال: حدثني جابر بن عبد الله؛ أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله، ﷺ، فقال: إن أبا سفيان [كذا وكذا.
فقال النبي، ﷺ، لأصحابه: "إن أبا سفيان] [٢] في موضع كذا وكذا؛ فاخرجوا إليه واكتموا".
فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم.
فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الآية.
هذا حديث غريب جدًّا، وفي سنده وسياقه نظر.
وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة (١٠٨)، أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله، ﷺ، إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبًا فأقر بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؛ فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟
فقال: "دعه، فإنه قد شهد بدرًا، وما [٣] يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم".
قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة، يقول: لا تخونوا: لا تنقضوها.
وقال في رواية: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يقول: بترك [١] سنته، وارتكاب معصيته.
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره؛ فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم.
وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.
وقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي، ﷺ، الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين.
وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها؛ ليعلم أتشكرونه [٢] عليها، وتطيعونه [٣] فيها أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ [بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ] فِتْنَةً﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته، خير لكم من الأموال والأولاد؛ فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة.
وفي الأثر يقول الله [٤] تعالى: "يا بن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
وفي الصحيح (١٠٩) عن رسول الله، ﷺ، [أنه قال] [٥]: "ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن [١] حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان [] [٢] أن يلقى في النار أحب إليه من [٣] أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه".
بل حب رسول الله، ﷺ، مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح (١١٠) أنه، ﷺ، قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ قال ابن عباس والسدي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا [٤].
زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة.
وفي رواية عن ابن عباس: ﴿فُرْقَانًا﴾: نجاة.
وفي رواية عنه: نصرًا.
وقال محمَّد بن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلًا بين الحق والباطل.
وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم، وهو [٥] يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه وهو ومحوها، وغفرها و [٦] سترها عن الناس - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليقيدوك [١].
وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك.
وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق.
وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء.
وقال سُنَيْد (١١١)، عن حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء: سمعت عُبيد بن عُمير يقول: لما ائتمروا بالنبي، ﷺ، ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟
قال: "يريدون أن يسحروني [٢] أو يقتلوني أو يخرجوني".
فقال من أخبرك [٣] بهذا؟
قال: "ربي".
قال: نِعْم الرب ربك، استوص به خيرًا.
قال [٤]: "أنا أستوصي به!
بل هو يستوصي بي".
وقال أبو جعفر بن جرير (١١٢): حدثني محمد بن إسماعيل البصري [٥] المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي روَّاد [٦]، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول اللَّه ﷺ: ما يأتمر بك قومك؟
قال: "يريدون أن يسحروني [٧] أو يقتلوني أو يخرجوني".
فقال: من أخبرك [٨] بهذا؟
قال: "ربي".
قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرًا.
قال: "أنا أستوصي به؟!
بل هو يستوصي بي".
قال: فنزلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.
وذِكْرُ أبي طالب في هذا غريب جدًّا؛ بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإِثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لا تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد [٩] موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا - ما رواه الإِمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس، أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟
قال: شيخ من أهل [١] نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأى ونصحي.
قالوا: أجل، ادخل.
فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره.
قال: فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب [٢] المنون حتى يهلك، كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم.
قال: فصرخ عدو اللَّه الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي، واللَّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم.
قال: فانظروا في غير [٣] هذا.
قال: [فقال] [٤] قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا [٥] منه، فإنه إذا خرج بين يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم.
فقال [٦] الشيخ النجدي: واللَّه ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله [٧]، وطلاوة [٨] لسانه، وأخذ [٩] القلوب ما تسمع [١٠] من حديثه واللَّه لئن فعلتم [ثم استعرض العرب] [١١] ليجتمعن عليكم، ثم [١٢] ليأتين إليكم [١٣] حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم.
قالوا: صدق والله.
فانظروا بابًا [١٤] غير هذا.
قال: فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه بعد، [لا أرى] [١٥] غيره.
قالوا: وما هو؟
قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًّا وسيطًا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا، وقطعنا عنا أذاه.
قال: فقال الشيخ النجدي: هذا واللَّه الرأي، القول ما قال الفتى لا رأي غيره.
قال: فتفرقوا على ذلك، وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي، ﷺ، فأمره أن لا يبيت فى مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم؛ فلم يبت رسول اللَّه ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن اللَّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل اللَّه عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكر نعمه عليه، وبلاءه عنده: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وأنزل فى قولهم: تربصوا به [ريب المنون] [١] حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة؛ للذي [٢] اجتمعوا عليه من الرأي (١١٣).
وعن السدي نحو هذا السياق، وأنزل اللَّه في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وكذا روى العوفي، عن ابن عباس.
وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه، ﷺ، ينتظر أمر اللَّه، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل ﵇ فأمره أن لا يبيت في مكانه [الذي كان يبيت فيه] [٣]، فدعا [٤] رسول اللَّه ﷺ على بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، وأن يتسجى ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول اللَّه ﷺ على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب؛ فجعل يذرها على رءوسهم، وأخذ اللَّه أبصارهم عن نبيه محمد، ﷺ، وهو يقرأ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [إلى قوله] [٥]: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
و [٦] قال الحافظ أبو بكر البيهقي (١١٤): وروي عن [٧] عكرمة ما يؤكد هذا.
وقد روى ابن حبان فى صحيحه (١١٥)، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول اللَّه، ﷺ، وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك يا بنية؟
" قالت: يا أبت، ومالي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر، يتعاقدون [١] باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك.
فقال: "يا بنية، ائتني بوضوء"، فتوضأ رسول اللَّه، ﷺ، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا [٢]: إنما هو ذا.
فطأطأوا رءوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول اللَّه ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه".
فما أصاب رجلًا منهم حصاة من حصياته، إلا قتل يوم بدر كافرًا.
ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة.
وقال الإِمام أحمد (١١٦): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنى عثمان الجزري [٣]، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: تشاورت قريش ليلة [٤] بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق.
يريدون النبى ﷺ.
وقال بعضهم: بل اقتلوه.
وقال بعضهم: بل أخرجوه.
فاطلع اللَّه نبيه، ﷺ، على ذلك، فبات علي ﵁ على فراش رسول اللَّه، ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي، ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه؛ فلما رأوا عليًّا ردّ اللَّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟
قال: لا أدري.
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه.
فمكث فيه ثلاث ليال.
وقال محمد بن إسحاق (١١٧)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: فمكرت بهم [١] بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته، حين [٢] تتلى عليهم؛ أنهم يقولون: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾.
وهذا منهم قول بلا فعل، وإلا فقد تحدّوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا، وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم [٣] على باطلهم.
وقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث، لعنه اللَّه، كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم، فإنه لعنه اللَّه كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار [٤]، ولما قدم وجد رسول اللَّه، ﷺ، قد بعثه اللَّه، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام، ﷺ، من مجلس جلس فيه النضر فيحدثهم [٥] من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أينا [٦] أحسن قصصًا: أنا أو محمد؟
ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى؛ أمر رسول اللَّه ﷺ أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه، ففعل ذلك ولله الحمد، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود ﵁ كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار (١١٨)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير؛ قال: قتل النبيُّ ﷺ يوم بدر صبرًا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول اللَّه، أسيري.
فقال رسول اللَّه ﷺ: "إنه كان يقول في كتاب اللَّه ﷿ ما يقول".
فأمر رسول اللَّه، ﷺ، بقتله، فقال المقداد: يارسول اللَّه؛ أسيري.
فقال رسول اللَّه ﷺ "اللهم، أغن المقداد من فضلك"، فقال المقداد: هذا الذي أردت.
قال: وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وكذا رواه هشيم (١١٩)، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية [١]، عن سعيد بن جبير، أنه قال: المطعم بن عدي بدل طعيمة وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًّا يوم بدر؛ ولهذا قال رسول اللَّه، ﷺ، يومئذ: "لو كان المطعم حيًّا، ثم سألني في هؤلاء النَّتَنَى لوهبتهم له" (١٢٠) يعني [] [٢] الأسارى؛ لأنه كان قد أجار رسول اللَّه ﷺ يوم رجع من الطائف.
ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهو جمع أسطورة، أي: كتبهم اقتبسها فهو يتعلم منها، ويتلوها على الناس، وهذا هو الكذب البحت كما أخبر اللَّه عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، فإنه يتقبل منه ويصفح عنه.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾.
وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقال هؤلاء: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك، قال: هو أبو جهل ابن هشام؛ قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الآية.
رواه البخاري (١٢١) عن أحمد ومحمد بن النضر، كلاهما عن عبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به.
وأحمد هذا هو أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، قاله الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري، واللَّه أعلم.
وقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿[وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ] [١] فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: هو النضر بن الحارث بن كَلَدَة قال: فأنزل اللَّه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾.
وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث.
زاد عطاء: فقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا [٢] رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ وقال [٣]: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقال ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال عطاء: ولقد أنزل اللَّه فيه بضع عشرة آية من كتاب اللَّه ﷿.
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو غسان [١]، [حدثنا أبو تميلة] [٢]، حدثنا الحسين، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفًا يوم أحد على فرس، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد [٣] حقًّا، فاخسف بي وبفرسي.
وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية.
قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها، فعاد اللَّه بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
قال ابن أبي حاتم (١٢٢): حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة ابن [٤] عمار، عن أبي زميل سماك الحنفى، عن ابن عباس، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ: " قد قد ".
ويقولون: [لبيك اللهم لبيك، لبيك] [٥] لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك.
فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ﷺ، والاستغفار، فذهب النبي ﷺ، وبقي الاستغفار.
وقال ابن جرير (١٢٣): حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان، ومحمد بن قيس، قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه اللَّه من بيننا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
فلما أمسوا [٦] ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ يقول: ما كان اللَّه ليعذب قومًا، وأنبياؤهم بين أظهرهم، حتى يخرجهم.
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقول: وفيهم من قد سبق له من اللَّه الدخول في الإِيمان، وهو الاستغفار ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني يصلون، يعني بهذا أهل مكة.
وروي عن مجاهد وعكرمة وعطية العوفي وسعيد بن جبير والسدي - نحو ذلك.
وقال الضحاك وأبو مالك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني المؤمنين الذين كانوا بمكة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي [١]؛ قال: قال ابن عباس: إن اللَّه جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين [٢] من قوارع العذاب، ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه اللَّه إليه، وأمان بقي فيكم.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
وقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا، أن النضر بن عربي حدثه هذا الحديث، عن [٣] مجاهد، عن ابن عباس.
وروى ابن مردويه وابن جرير (١٢٤) عن أبي موسى الأشعري نحوًا [٤] من هذا، وكذا روي عن قتادة، وأبي العلاء النحوي المقرئ.
وقال الترمذي (١٢٥): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر، عن عباد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "أنزل اللَّه [٥] على أمانين لأمتي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار [إلى يوم القيامة] [١] ".
ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه (١٢٦)، من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد؛ أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يارب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم.
فقال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني".
ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.
وقال الإِمام أحمد (١٢٧): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رشدين - هو ابن سعد - حدثني معاوية بن سعد التجيبي، عمن حدثه، عن فضالة بن عبيد، عن النبي، ﷺ، أنه قال: "العبد آمن من عذاب اللَّه ما استغفر اللَّه ﷿".
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم؛ لبركة مقام الرسول، ﷺ، بين أظهرهم؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع اللَّه بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم، وأسرت سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد.
قال قتادة والسدي وغيرهما [١]: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا.
واختاره ابن جرير؛ فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين؛ لأوقع [٢] بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قال ابن جرير (١٢٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: كان النبي، ﷺ، بمكة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
قال: فخرج النبي، ﷺ، إلى المدينة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
قال: وكان أولئك البقية من المسلمين [٣] الذين بقوا فيها، يستغفرون - يعنى: بمكة - فلما خرجوا أنزل اللَّه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ قال: فأذن اللَّه في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.
وروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد - نحو هذا.
وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.
قال ابن جرير (١٢٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فنسختها الآية التي تليها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فقوتلوا [١] بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي تميلة [٢] يحيى بن واضح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
أي: وكيف لا يعذبهم اللَّه، وهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف به؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله النبي، ﷺ، وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ [٣] اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية (١٣٠): حدثنا سليمان بن أحمد - هو الطبراني - حدثنا جعفر بن إلياس بن - صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح ابن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول اللَّه، ﷺ، من آلُك؟
قال: "كل تقي".
وتلا رسول اللَّه ﷺ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾.
وقال الحاكم في مستدركه (١٣١): حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم [١]، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده قال: جمع رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وملم، قريشًا [٢] فقال: "هل فيكم من غيركم؟
".
فقالوا: فينا ابن أختنا [٣]، وفينا حليفنا، وفينا مولانا.
فقال: "حليفنا منا، وابن أختنا [٤] منا، ومولانا منا، إن أوليائي منكم المتقون".
ثم قال: هذا صحيح، ولم يخرجاه.
وقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ قال: هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃.
وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا، وحيث كانوا.
ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به؛ فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾.
قال عبد اللَّه بن عمر [٥]، وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بين كعب القرظي، وحجر بن عنبس، ونبيط بن شريط، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير.
وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم.
وقال السدي: المكاء: الصفير، على نحو طير أبيض، يقال له: المكاء [٦]، ويكون بأرض الحجاز، والتصدية [٧]: [التصفيق [٨]].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد شمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد اللَّه الأشعري - حدثنا جعفر بن [أبي [١]] المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن - عباس في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: كانت قريش تطوف بالكعبة [٢] عراة تصفر وتصفق.
والمكاء: الصفير.
وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق.
وهكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس.
وكذا روي عن ابن عمر ومجاهد، ومحمد بن كعب، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك وقتادة، وعطية العوفي، وحجر بن عَنْبَس [٣]، وابن أبزى نحو هذا.
وقال ابن جرير (١٣٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر [٤]، حدثنا قرة، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: المكاء: التصفير [٥]، والتصدية: التصفيق.
قال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر ابن عمر، وأمال خده، وصفق بيديه.
وعن ابن عمر أيضًا أنه قال: إنهم [٦] كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه.
وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال.
قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي، ﷺ، صلاته.
وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين.
وفي سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن زيد ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال: صدُّهم الناس عن سبيل اللَّه ﷿.
قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قال الضحاك، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي.
واختاره ابن جرير ولم يحك غيره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: عذاب أهل الإِقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ قال محمد بن إسحاق (١٣٣): حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حَبَّان [١]، وعاصم ابن عمر بن قتادة، والحصين [٢] بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد [٣] بن معاذ، قالوا: لما أصيبت [٤] قريش يوم بدر، ورجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره - مشى عبد اللَّه ابن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك [٥] العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم؛ فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن [٦] أصيب منا!
ففعلوا.
قال: ففيهم [٧]- كما ذكر عن ابن عباس - أنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله [٨]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
وهكذا [٩] روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والسدي، وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول اللَّه ﷺ.
وقال الضحاك: نزلت فى أهل بدر.
وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم [١] تذهب أموالهم، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تُجْدِ شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور اللَّه، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار؛ فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي؛ ولهذا قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء.
وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر.
وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.
ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل اللَّه للكفار [٢] من مال، ينفقونه في الصد عن سبيل اللَّه، أي: إنما أقدرناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين؛ أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
ونظيرتها في براءة أيضًا.
فمعنى الآية على هذا إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليميز اللَّه [٣] الخبيث من الطيب ويجعل [٤] الخبيث بعضه على بعض [﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض،] [١] كما قال تعالى في السحاب: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكما متراكبًا، ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي [٢]: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإِسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصحيح (١٣٤) من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ﵁؛ أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإِسلام أخذ بالأول والآخر".
وفي الصحيح أيضًا (١٣٥) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الإِسلام يَجُبّ ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها".
وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا، واستمروا على عنادهم، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.
قال مجاهد في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في قريش يوم بدر، وغيرها من الأم.
وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي: ويوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال البخاري (١٣٦): حدثنا الحسن بن عبد العزيز [١]، حدثنا عبد اللَّه بن يحيى، حدثنا حَيْوَة بن شريح، عن بكر بن عمرو [٢]، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع [٣] ما ذكر اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية.
فما يمنعك أن لا تقاتل، كما ذكر اللَّه في كتابه؟
فقال: يا بن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلى من أن أعير بالآية التي يقول اللَّه، ﷿ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخر الآية.
قال: فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول اللَّه، ﷺ، إذ كان الإِسلام قليلًا، وكان الرجل يفتن في دينه، إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة.
فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في على وعثمان؟
قال ابن عمر: أما قولي في على وعثمان؟
أما عثمان فكان اللَّه قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو اللَّه [٤] عنه، وأما على فابن عم رسول اللَّه، ﷺ، وخَتَنُه - وأشار بيده [٥]- وهذه ابنته - أو بنته - حيث ترون.
وحدثنا أحمد بن يونس (١٣٧)، حدثنا زهير، حدثنا بيان، أن وبرة حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خرج علينا أو: إلينا ابن عمر ﵄ فقال رجل [٦]: كيف ترى في قتال الفتنة؟
فقال: وهل تدري ما الفتنة؟
كان محمد، ﷺ، يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك.
هذا كله سياق البخاري رحمه اللَّه تعالى.
وقال عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟
قال: يمنعني أن اللَّه حرم علي دم أخي المسلم؟
قالوا: أو لم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير اللَّه.
وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد اللَّه اللخمي، قال: كنت عند عبد اللَّه بن عمر، ﵄، فأتاه رجل، فقال: إن اللَّه يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك، ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير اللَّه.
رواهما ابن مردويه.
وقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه؛ قال: قال ذو البطين - يعني أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا اللَّه أبدًا.
قال [١]: [فقال سعد بن مالك: وأنا والله، لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا اللَّه أبدًا] [٢].
فقال رجل: ألم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن خعنة، وكان الدين كله لله.
رواه ابن مردويه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك.
وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل ابن حيان [٣]، وزيد بن أسلم.
وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يفتن مسلم عن دينه.
وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال.
: يخلص التوحيد لله.
وقال الحسن وقتادة وابن جريج: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أن يقال: لا إله إلا اللَّه.
وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ لا يكون مع دينكم كفر.
ويشهد لهذا [١] ما ثبت في الصحيحين (١٣٨) عن رسول اللَّه، ﷺ، أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه ﷿".
وفي الصحيحين (١٣٩) عن أبي موسى الأشعري؛ قال: سئل رسول اللَّه، ﷺ، عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللَّه ﷿؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه ﷿".
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم] [٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وفي الصحيح (١٤٠) أن رسول اللَّه، ﷺ، قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا اللَّه.
فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول اللَّه، ﷺ، فقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا اللَّه؟
وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة؟
".
فقال: يا رسول اللَّه، إنما قالها تعوذًا.
قال: "هلا شققت عن قلبه؟
".
وجعل يقول ويكرر عليه: "من لك بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة؟
" قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم، فاعلموا أن اللَّه مولاكم و [٣] سيدكم وناصركم على أعدلكم، فنعم المولى ونعم النصير.
وقال محمد بن جرير (١٤١): حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد، فإنك كتبت إلى تسألني عن مخرج رسول الله، ﷺ، من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله: كان من شأن خروج [١] رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، [وأماتنا عليها] [٢]، وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله له [٣] من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه [٤]، وكادوا يسمعون منه، حتى إذا [٥] ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس فتركوه، إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله، من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله، ﷺ، أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يُثنَى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، وكانت مَسْكَنًا لتجارهم، يجدون [٦] فيها رفاغا [٧] من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم [٨] بها النبي، ﷺ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإِسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم.
فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة [٩] عن رسول الله، ﷺ، وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي [١] أخرجت من خرج [٢] من أصحاب رسول الله ﷺ قِبَل أرض الحبشة مخافتها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخي عنهم، ودخل في [٣] الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله، ﷺ، أنه قد استرخي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون.
فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون [٤] ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله، ﷺ، بمكة، فلما رأت قريش ذلك تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الأخيرة؛ فكانت فتنتان، فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم النبي، ﷺ، بها، وأذن لهم في الخروج إليها.
وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة.
ثم إنه جاء رسول الله، ﷺ، من المدينة سبعون نقيبًا، رءوس الذين أسلموا فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم و [] [٥]، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن [٦] من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا.
فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله، ﷺ، أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله، ﷺ، أصحابه، وخرج هو.
وهي التي أنزل الله ﷿ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى (١٤٢)، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير أنه كتب إلى الوليد - يعني ابن عبد الملك بن مروان - بهذا … فذكر مثله.
وهذا صحيح إلى عروة، ﵀.
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى﴾ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة [من إحلال المغانم] [١].
والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل.
والركاب والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك؛ كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء [٢] [] [٣] السلف والخلف.
ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة والغنيمة على الفيء أيضًا؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماسها [٤] للمجاهد [٥]، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في المغانم.
ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعًا [٦] إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام، والله أعلم.
فقوله [٧] تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير، حتى الخيط والخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس، يجعل في الكعبة.
قال أبو جعفر الرازي (١٤٣)، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول.
الله، ﷺ، يؤتى بالغنيمة، فيقسمها [٨] على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم؛ فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال آخرون: ذكر اللَّه هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله ﵇.
قال الضحاك، عن ابن عباس ﵄: كان رسول الله، ﷺ، إذا بعث سرية فغنموا، خمس الغنيمة؛ فضرب ذلك الخمس في خمسة [١]، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فجعل سهم الله وسهم الرسول، ﷺ، واحدًا، وهكذا قال إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية، والحسن البصري والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة، وقتادة ومغيرة وغير واحد: إن سهم الله ورسوله واحد.
ويؤيد هذا ما رواه الإِمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح (١٤٤)، عن عبد [٢] الله بن شقيق، عن رجل [من بلقين (*)] [٣] قال: أتيت النبي، ﷺ، وهو بوادي القرى، وهو يعرض فربما، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟
فقال: "لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش".
قلت: فما أحد أولى به من أحد؟
قال: "لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم".
وقال ابن جرير (١٤٥): حدّثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن، قال: أوصى [أبو بكر] [٤] بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه.
ثم اختلف قائلوا هذا القول، فروى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: كانت الغنيمة تقسم [٥] على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس: فربع لله وللرسول [ﷺ، ولذي القربى - يعني قرابة النبي ﷺ] [١] فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي، ﷺ، ولم يأخذ النبى، ﷺ، من الخمس شيئًا، [والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل] [٢].
وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا أبو معمر المنقري، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه.
وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح؛ قال: خمس الله والرسول واحد، كان [٣] يحمل منه ويصنع [٤] فيه ما شاء، يعني النبى ﷺ (١٤٦).
وهذا أعم وأشمل، وهو [أن الرسول] [٥]، ﷺ، يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (١٤٧): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام [٦] الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃ فتذاكروا حديث رسول الله، ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله، ﷺ، في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس.
فقال عبادة: إن رسول الله، ﷺ، صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: "إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، إلا [١] الخمس، والخمس مردود عليكم؛ فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلّوا؛ فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر؛ [] [٢] وجاهدوا في [سبيل] [٣] الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم".
هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبَد الله بن عمرو (١٤٨)، عن رسول الله، ﷺ، نحوه في قصة الخمس، والنهي عن الغلول.
وعن عمرو بن عبسة [٤]، أن رسول الله، ﷺ، صلى بهم إلى بعير من المغنم فلما سلم، أخذ وبرة من هذا [٥] البعير، ثم قال: "ولا يحل لى من [٦] غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود فيكم".
رواه أبو داود والنسائي (١٤٩).
وقد كان للنبي، ﷺ، من المغانم [٧] شيء يصطفيه لنفسه: عبد [٨] أو أمة، أو فرس [٩]، أو سيف [١٠]، أو نحو ذلك.
كما نص عليه محمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.
وروى الإِمام أحمد، والترمذي - وحسنه - عن ابن عباس (١٥٠): أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تنفل سيفه ذا [١] الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وعن عائشة، ﵂ قالت: كانت صفية من الصفي.
رواه أبو داود في سننه (١٥١).
وروى أيضًا بإسناده (١٥٢)، والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد، إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: "من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ، وسهم الصفي؛ أنتم آمنون بأمان الله ورسوله"، فقلنا: من كتب لك هذا؟
فقال: رسول الله ﷺ.
فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإِمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.
وقال شيخنا اللإِمام العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.
فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضًا في الذي كان يناله ﵇ من الخمس، ماذا صنع به من بعده؟
فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده.
روي هذا عن أبي بكر، وعلى، وقتادة وجماعة.
وجاء فيه حديث مرفوع (١٥٣).
وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين.
وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
اختاره ابن جرير.
وقال آخرون: بل سهم النبي ﷺ، وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق.
وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير (١٥٤): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلى بن الحسين عن [١] الخمس، فقالا: هو لنا.
فقلت لعلي: فإن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقالا: يتامانا ومساكيننا.
وقال سفيان الثوري، وأبو نعيم، وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم، سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية [٢] رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فقال: هذا مفتاح كلام الله، الدنيا والآخرة.
ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله، ﷺ، فقال قائلون: سهم النبي ﷺ تسليمًا للخليفة من بعده، وقال قائلون: لقرابة النبي ﷺ.
وقال قائلون [٣]: سهم القرابة لقرابة الخليفة، [واجتمع رأيهم] [٤] أن يجعلوا هذين السهمين فى الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك فى خلافة أبي بكر وعمر ﵄.
[قال الأعمش، عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر] [٥] يجعلان سهم النبي، ﷺ في الكراع والسلاح؛ فقلت لإبراهيم: ما كان على يقول فيه؟
قال: كان أشدهم فيه.
وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ﵏.
وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم فى الجاهلية، [وفي أول الإِسلام] [٦]، ودخلوا معهم فى الشعب غضبًا لرسول الله، ﷺ، وحماية له: مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة، وطاعة لأبي طالب عم رسول الله ﷺ.
وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني [٧] عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم ومالئوا [١] بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذم أبي طالب لهم [٢] في قصيدته اللامية أشد من غيرهم؛ لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … [عقوبة [٣] [شر عاجل] [٤] غير آجل] [٥] بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني [٦] خَلفَ قيضًا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل وقال جبير [٧] بن مطعم بن عدي [بن نوفل] [٨]: مشيت أنا وعثمان بن عفان يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس إلى رسول الله، ﷺ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة.
فقال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد".
رواه مسلم (١٥٥).
وفي بعض روايات هذا الحديث: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" (١٥٦).
وهذا قول جمهور العلماء، إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.
قال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم.
ثم روى عن خصيف عن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.
وفي رواية عنه، قال: هم قرابة رسول الله، ﷺ، الذين لا تحل لهم الصدقة.
ثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك.
قال ابن جرير (١٥٧): وقال آخرون بل هم قريش كلها.
[حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري] [١] قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى؛ فكتب إليه ابن عباس كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى.
وهذا الحديث [] [٢] صحيح، رواه [٣] مسلم (١٥٨) وأبو [٤] داود، والترمذي، والنسائي من حديث سعيد المقبري، [عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القردى] [٥] فذكره، إلى قوله: فأبى ذلك [٦] علينا قومنا.
والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم [٧] بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر ابن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ: "رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم "أو "يكفيكم".
هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير (١٥٩)، واللَّه أعلم [٨].
وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟
على قولين.
والمساكين هم المحاويج، الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك.
و [٩] سيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من [١٠] سورة براءة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس (١٦٠)، في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله، ﷺ، قال لهم: "وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله" ثم قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟
شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محَمدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاَة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم" الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البُخاريّ على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: "باب أداء الخمس من الإيمان" ثم أورد حديث ابن عباس هذا، وقد بسطنا الكلام عليه [١] في شرح البُخاريّ، ولله الحمد والمنة (١٦١).
وقال مقاتل بن حيان [٢]: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: في القسمة.
وقوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ] [٣] يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان؛ لأنَّ الله تعالى أعلى فيه كلمة الإِيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه.
قال على بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل.
رواه الحاكم.
وكذا قال مجاهد، ومقسم، وعبيد الله بن عبد الله والضَّحَّاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد: إنَّه يوم بدر.
وقال عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزُّبير في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة؛ فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله، ﷺ، يومئذٍ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك.
وقد روى الحاكم في مستدركه (١٦٢)، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود قال في ليلة القدر: تحررها لإحدى عشرة يبقين، فإن في [١] صبيحتها يوم بدر؛ وقال: على شرطهما.
وروي مثله عن عبد الله بن الزُّبير أيضاً، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه.
وقال ابن جرير (١٦٣): حدّثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدّثنا يَحْيَى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون، عن محمَّد بن عبد الله الثَّقفيُّ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال [] [٢] الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان، يوم التقى الجمعان، لسبع عشرة [٣] من رمضان، إسناد جيد قوي.
ورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، عن علي قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة، لسبع عشرة مضت من شهر رمضان.
وهو الصَّحيح عند أهل المغازي والسير.
وقال يزيد بن أبي حبيب [٤] إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان [يوم بدر] [٥] يوم الإثنين.
ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم.
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ قول تعالى [مخبرًا عن] [٦] يوم الفرقان: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدُّنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركين نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة [من المدينة إلى] [١] ناحية مكّة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ [أي: أنتم والمشركون إلى مكان] [٢] ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾.
قال محمَّد بن إسحاق: وحدثني يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم؛ ما لقيتموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله من [٣] غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه.
وفي حديث كعب بن مالك قال (١٦٤): إنَّما خرج رسول الله، ﷺ، والمسلمون يريدون عير قريش حتَّى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
وقال ابن جرير (١٦٥): حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشَّام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله، ﷺ، وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء حتَّى التقت السقاة، ونهد النَّاس بعضهم لبعض.
وقال محمَّد بن إسحاق في السيرة (١٦٦): ومضى رسول الله، ﷺ، على وجهه ذلك، حتَّى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بسبس بن عمور [٤]، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين يلتمسان الخبر عن أبي سفيان؛ فانطلقا حتَّى إذا وردا بدرًا فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء فسمعا جاريتين تختصمان [٥]: تقول إحداهما [٦] لصاحبتها: اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنَّما تأتي [٧] العير غدًا أو بعد غد؛ فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع ذلك [٨] بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتَّى أتيا رسول الله ﷺ، فأخبراه الخبر.
وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حدر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟
فقال: لا والله، إلَّا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، فاستقيا في شن لهما، ثم انطلقا.
فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعًا فضرب وجه عيره، فانطلق بها، فساحل حتَّى إذا رأى أنَّه قد أحرز عيره [بعث] [١] إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا.
فقال أبو جهل: والله، لا نرجع حتى نأتي بدرًا - وكانت بدر سوقًا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثًا، فنطعم بها الطَّعام، وننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا.
فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بنى زهرة، إن الله قد نجى [٢] أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا؛ فأطاعوه [٣] فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها ولا بنو عدي.
قال محمَّد بن إسحاق (١٦٧): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام في نفر من أصحابه، يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش؛ غلامًا لبني سعيد بن العاص، وغلامًا لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله، ﷺ، فوجدوه يصلِّي، فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ، يسألونهما: لمن أنتما؟
فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أزلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان؛ فتركوهما.
وركع رسول الله ﷺ، وسجد سجدتين [٤]، ثم سلم وقال: "إذا صدقاكم ضربتموهم وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش".
قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله ﷺ: "كم القوم؟
" قالا: كثير.
قال: "ما عدتهم؟
" قالا: ما ندري.
قال "كم ينحرون كل يوم؟
" قالا: يومًا تسعًا، ويوما عشرًا.
قال رسول الله ﷺ: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف"، ثم قال لهما: "فمن فيهم من أشراف قريش؟
" قالا: عتبة [١] بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري [٢] بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن [نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن] [٣] خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله، ﷺ، على النَّاس فقال: "هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها".
قال محمَّد بن إسحاق رحمه الله تعالى (١٦٨): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن سعد بن معاذ قال لرسول الله، ﷺ، لما التقى النَّاس يوم بدر: يا رسول الله، ألا نبنى لك عريشًا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظهرنا [٤] الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك، وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، لو علموا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، ويوازرونك وينصرونك.
فأثنى عليه رسول الله، ﷺ، خيرًا ودعا له به، فبنى له عريش، فكان فيه رسول الله، ﷺ، وأبو بكر ما معهما غيرهما.
قال ابن إسحاق (١٦٩): وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت و [٥] رآها رسول الله، ﷺ، تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، فقال: "اللَّهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها؛ تحادّك وتكذب رسولك، اللَّهم أحنهم الغداة".
وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قال محمَّد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة، لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
وهذا تفسير جيد، وبسط ذلك أنَّه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوّكم في مكان واحد على غير ميعاد؛ لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرًا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره، أنَّه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أي: يؤمن [١] من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: حجة وبصيرة.
والإِيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ وقالت عائشة في قصَّة الإِفك: فيَّ هلك من هلك؛ أي: قال فيها ما قال من [الكذب و] [٢] البهتان والإفك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به.
﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بكم، وأنكم [٣] تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ قال مجاهد: أراه [٤] الله إياهم [٥] في منامه قليلًا، وأخبر [٦] النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم.
وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد.
وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها.
وقد روى ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي، حدّثنا يوسف بن موسى المدبر، حدّثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال: بعينك.
وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ها هنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: من ذلك بأن أراكهم قليلًا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تحته الضمائر، وتنطوي عليه الأحشاء؛ فـ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ [١] قَلِيلًا﴾ وهذا أيضاً من لطفه تعالى بهم؛ إذ [٢] أراهم إياهم قليلاً في رأي العين؛ فيجرئهم [٣] عليهم، ويطمعهم فيهم.
قال أبو إسحاق السبيعي (١٧٠)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتَّى قلت لرجل إلى جنبي [٤]: تراهم سبعين؟
قال: لا، بل هم [٥] مائة حتَّى أخذنا رجلًا منهم فسألناه فقال [٦]: كُنَّا ألفاً.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (١٧١): [حدّثنا أبي] [٧]، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾.
قال: حضض [٨] بعضهم على بعض.
إسناد صحيح.
وقال محمَّد بن إسحاق (١٧٢): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: [ليلقي بينهم الحرب] [٩] للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإِنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته.
ومعنى هذا أنَّه تعالى أخرى كلا من الفريقين بالآخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال، وأيد الله المؤمنين [] [١٠] بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار [١١] يرى حزب [الإيمان ضعفيه] [١٢]، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين؛ فإن كلًّا منها حق وصدق ولله الحمد والمنة.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ هذا تعليم من الله [تعالى لعباده] [١] المؤمنين، آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة [٢] الأعداء فقال [٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾.
ثبت في الصحيحين (١٧٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن [٤] رسول الله، ﷺ، أنَّه [٥] انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ، حتى إذا مالت الشَّمس، قام فيهم فقال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنَّة تحت ظلال السيوف".
ثم قام النَّبي، ﷺ، وقال: "اللَّهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم".
وقال عبد الرَّزاق (١٧٤): عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن زيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا [٦] الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن [أجلبوا وضجوا] [٧] فعليكم بالصمت [٨] ".
وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ (١٧٥): حدّثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدّثنا أميَّة بن بسطام، حدّثنا معتمر بن سليمان، حدّثنا [١] ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النَّبيِّ، ﷺ، مرفوعًا [٢] قال: "إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة".
وفي الحديث الآخر المرفوع (١٧٦) يقول الله تعالى: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني، وهو مناجز قرنه" أي: لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي.
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال [٣]: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب [٤] بالسيوف.
وقال ابن أبي حاتم (١٧٧): حدّثنا أبي، حدّثنا عبدة بن سليمان، حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: وجب الإِنصات [وذكر الله] [٥] عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟
قال: نعم.
وقال أيضاً (١٧٨): [قرئ على] [٦] يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن [] [٧] [عياش] [٨]، عن يزيد بن قوذر [٩]، عن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا [١٠] ذلك ما أمر النَّاس بالصلاة والقتال؛ ألا ترون أنَّه أمر النَّاس بالذكر عند القتال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
قال الشَّاعر: ذكرتك والخطيُّ يخطر بيننا … وقد نهلت فينا المثقفة السمر وقال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل [١] … مني [٢] وبيض [٣] الهند تقطر من دمي فأمر تعالى بالثبات عند [٤] قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا [٥] عليه، ويسألوه [٦] النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك: فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضاً فيختلفوا، فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم [٧] وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد كان للصحابة [٨]﵃ في باب الشجاعة والائتمار [بما أمرهم الله ورسوله] [٩] وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول، ﵌، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم.
قهروا الجميع حتَّى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنَّه كريم وهاب.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم ﴿بَطَرًا﴾، أي: دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا [١] والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا [فيها يومنا] [٢] أبداً؛ فانعكس ذلك عليه أجمع؛ لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحِمام، ورموا [٣] في أطواء [٤] بدر مهانين أذلاء؛ صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم عليه [٥] شر الجزاء لهم.
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضَّحَّاك، والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله، ﷺ، يوم بدر.
وقال محمَّد بن كعب: لما خرجت قريش من مكّة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ﴾ الآية، حسن لهم، لعنه الله، ما جاءوا له، وما هموا به، وأطمعهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إنِّي [٦] جار لكم، وذلك أنَّه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بني مدلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
قال ابن جريج [١]: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس [٢] برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم، وإني جار لكم، فلما التقوا، ونظر الشَّيطان إلى إمداد الملائكة ﴿وَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبرًا، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر، في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجل من بني [٣] مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال الشَّيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من النَّاس، وإني جار لكم، فلما اصطف النَّاس أخذ رسول الله، ﷺ، قبضة من التُّراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده، ثم ولى مدبرًا هو [٤] وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعم أنك لنا جار فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وذلك حين رأى الملائكة.
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، فنخر [٥] في وجهه فخر صعقًا، فقيل له: ويلك يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقال محمَّد بن عمر الواقدي (١٧٩): أخبرني عمر بن عقبة، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: لما تواقف النَّاس أغمي على رسول الله، ﷺ، ساعة، ثم كشف عنه، فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة النَّاس، وميكائيل في جند آخر ميسرة النَّاس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس، فلما أبصر عدو الله الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنَّه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث، فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتَّى سقط في البحر، ورفع ثوبه، وقال: يارب موعدك الذي وعدتني.
وفي الطّبرانيّ (١٨٠) عن رفاعة بن رافع قريب من هذا [١] السياق، و [٢] أبسط منه ذكرناه في السيرة.
وقال محمَّد بن إسحاق (١٨١): حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير، قال: لما أجمعت [٣] قريش المسير [٤] ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب؛ فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه؛ فخرجوا سراعًا.
قال محمَّد بن إسحاق (١٨٢): فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة ابن مالك، لا ينكرونه حتَّى إذا كان هم بدر، والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين [أي] [٥] سراقة؟
ومثل [٦] عدو الله فذهب.
قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين ﴿نَكَصَ [٧] عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وصدق عدو الله، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وهكذا روي عن السدي، والضَّحَّاك، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم ﵏.
وقال قتادة: وذكر لنا أنَّه رأى جبريل ﵇، تنزل معه الملائكة؛ فعلم عدو الله أنَّه لا يدان له بالملائكة؛ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وكذب عدو الله.
والله ما به مخافة الله ولكن علم أنَّه لا قوة له، ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له، حتَّى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك.
قلت: يعني بعادته لمن أطاعه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال يونس بن بكير (١٨٣)، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو [١] بن حزم، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كف [٢] بصره يقول: لو كنت معكم الآن ببدر [٣]، ومعي بصري، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.
فلما نزلت [٤] الملائكة، ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كروا [٥] عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض [٦] أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنَّه كان على موعد من محمَّد وأصحابه.
ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه في الحبال؛ فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا.
وهذا من أبي جهل - لعنه الله - يقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾.
وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو من باب البهت والافتراء؛ ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة.
وقال مالك بن أنس (١٨٤)، عن إبراهيم بن أبي عبلة [٧]، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله، ﷺ، قال: "ما رؤي [٨] إبليس يومًا [٩] هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ [منه في] [١] يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزل [٢] الرحمة، والعفو عن [٣] الذنوب، إلَّا ما رأى [٤] يوم بدر" قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟
قال: "أما إنَّه رأى جبريل ﵇ بين الملائكة".
هذا مرسل من هذا الوجه.
وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض، قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرَّ هؤلاء دينهم؛ وإنَّما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا [٥] أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقال قتادة رأوا عصابة من المؤمنين تشدّدت لأمر الله، وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله، لما أشرف على محمَّد، ﷺ، وأصحابه قال: والله لا يعبدون [٦] الله بعد اليوم - قسوة وعتوًّا.
وقال ابن جريج في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم قوم كانوا من المنافقين [] [٧] بمكة قالوه يوم بدر.
وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكّة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غرّ هؤلاء دينهم.
وقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال: فئة من قريش، أبو [٨] قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلى بن أميَّة بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج خرجوا مع قريش من مكّة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله، ﷺ، قالوا: غر هؤلاء دينهم، حتَّى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم.
وكذا [١] قال محمَّد بن إسحاق بن يسار سواء.
وقال ابن جرير (١٨٥): حدّثنا محمَّد بن عبد الأعلى [٢]، حدّثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن الحسن في هذه الآية، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، قال معمر: وقال [٣] بعضهم: هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم [] [٤] بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غر هؤلاء دينهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد على جنابه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: لا يضام من التجأ إليه، بأن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله لا يضعها إلَّا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ يقول تعالى: ولو عاينت يا محمَّد، حال توفي الملائكة أرواح الكفار؛ لرأيت أمرًا عظيمًا هائلاً فظيعًا منكرًا إذ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [ويقولون لهم] [٥]: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
قال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أستاههم، قال: يوم بدر.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين؛ ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدركتهم [٦] الملائكة فضربوا [٧] أدبارهم.
و [٨] قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في [٩] قوله: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يوم بدر.
وقال وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد، و [١] عن شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قال: وأستاههم، ولكن الله يكني.
وكذا قال عمر مولي غفرة [٢].
وعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك [٣]، قال: [ما ذاك؟] [٤] قال: "ذاك [٥] ضرب الملائكة".
رواه ابن جرير (١٨٦) وهو مرسل.
وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر.
بل [٦] قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: باسطو أيديهم بالضرب فيهم يأمرونهم، إذا [٧] استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد، أن تخرج قهرًا، وذلك إذ [٨] بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء: أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة [٩] المنكرة يقول: اخرجي أيتها النَّفس الخبيثة، إلى سموم وحميم وظل من يحموم؛ فتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج [١٠] معها العروق والعصب.
ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
[وقوله تعالى] [١١]: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدُّنيا، جزاكم [١٢] الله بها هذا الجزاء ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يظلم أحدًا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور تبارك وتعالى وتقدس وتنزه الغني الحميد؛ ولهذا جاء في الحديث الصَّحيح عند مسلم (١٨٧) ﵀ من رواية أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى يقول: "يا عبادي، إنِّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا، يا عبادي، إنَّما هي أعمالكم أحصيها لكم؛ فمن وجد خيرًا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلَّا نفسه" ولهذا قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ يقول تعالى: فعل هؤلاء [المشركون المكذبون] [١]، بما أرسلت به يا محمَّد، كما فعل الأمم المكذبة قبلهم؛ ففعلنا بهم ما هو دأبنا؛ أي: عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله: ﴿فَأَخَذَهُمُ [٢] اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم] [٣] [أهلكهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر] [٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي [٥]: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلَّا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
[وقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي] [٦]: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها [٧] إليهم، من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك؛ بل كانوا هم الظالمين.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ أخبر تعالى أن شر مادب على وجه الأرض، هم الذين كفروا، فهم لا يؤمنون.
الذين كما عاهدوا عهدًا نقضوه [١]، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الأيَّام.
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكل بهم، قاله ابن عباس، والحسن البصري، والضَّحَّاك، والسدي، وعطاء الخراساني وابن عيينة، ومعناه: غلظ عقوبتهم، وأثخنهم قتلاً؛ ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
و [٢] قال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا [٣]؛ فيصنع بهم مثل ذلك.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾، أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتَّى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنَّه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك قال الراجز: فاضرب وجوه الغدر للأعداء [٤] … حتَّى يجيبوك إلى السواء (١٨٨) وعن الوليد بن مسلم أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتَّى ولو في حق الكفار [١] لا يحبها أيضاً.
قال الإِمام أحمد (١٨٩): حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد [٢]، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضي الأمد؛ غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاءً لا غدرًا [٣]؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ومن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتَّى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء" قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع؛ فإذا [٤] الشَّيخ [٥] عمرو بن عبسة [٦]﵁.
وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن حبان في صحيحه، من طرق، عن شعبة به.
وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.
وقال الإمام أحمد أيضاً (١٩٠): حدّثنا محمَّد بن عبد الله الزبيري، حدّثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري [٧]، عن سلمان - يعني الفارسي ﵁ أنَّه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني [٨] أدعوهم [٩]؛ كما رأيت رسول الله، ﷺ، يدعوهم؛ فقال: إنَّما كنت رجلاً منكم، فهداني الله ﷿ للإسلام، فإن أسلمتم فلكم مالنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن [١٠] أبيتم نابذناكم على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيَّام، فلما كان اليوم الرابع غداً النَّاس إليها ففتحوها بعون الله.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ - يا محمد - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾، أي: فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم [١] تحت قَهْر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: بطون، وقال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: [] [٢] ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، أي: مهما أمكنكم، ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.
قال [٣] الأمام أحمد (١٩١): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي على ثمامة بن شُفَيّ [٤]، [أنه سمع] [٥] عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو عدى المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي.
رواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب، به.
ولهذا الحديث طرق أخر (١٩٢) عن عُقْبَة بن عامر، منها ما رواه الترمذي، من حديث صالح بن كيسان، عن رجل، عنه.
وروى الامام أحمد وأهل السنن (١٩٣)، عنه قال: قال رسول الله، ﷺ: "ارموا واركبوا، وأن تَرمُوا خَيرٌ [١] من أن تركبوا".
وقال الإمام مالك (١٩٤)، عن زيد بن أسلم، عن أبى صالح السَّمان، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل رَبَطَها في سبيل الله، فأطال لها في مَرْج [٢] أو روضة، فما أصابت في طيلَها ذلك من [٣] المرج أو [٤] الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قَطَعت طيلَها فاستنت شَرَفَا أو شَرَفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يُرِد أن يَسقى به، كان ذلك حسنات له، فهى لذلك الرجل أجر.
ورجل ربطها تَغنيّا [٥] وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهى له ستر.
ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء فهي على ذلك وِزر".
وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: "ما أنزل الله على فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة [٦]: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
رواه البخاري - وهذا لفظه - ومسلم، كلاهما من حديث مالك.
وقال الإمام أحمد (١٩٥): حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الركين [٧] بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: "الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله، وذكر ما شاء الله.
وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من فَقر".
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك ﵁ إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (١٩٦): حدثنا حجاج وهشام قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شُماسة، أن معاوية بن حُديج [١] مَرّ على أبي ذَرّ، وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك هذا؟
فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته!
قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟
قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقول: اللهم، أنت خَولتني عبدًا من عبادك، وجعلتَ رزقي بيده، فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله وولده.
قال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج [٢]، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين، يقول: اللهم، إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو: أحب أهله وماله إليه".
رواه النسائي (١٩٧)، عن عمرو بن علي الفَلاس، عن يحيى القطان، به.
وقال أبو القاسم الطبراني (١٩٨): حدثنا الحسين بن إسحاق التُستريّ، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن الحسن بن أبى الحسن أنه قال لابن الحنظلية - يعني سهلًا -: حَدثنا حديثا سمعته من رسول الله، ﷺ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه، كالمادّ يده بالصدقة لا يقبضها".
والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة، وفي صحيح البخاري، عن عُزوَةَ بن أبي الجعد البارقي، أن رسول الله، ﷺ، قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجرُ والمغنم" (١٩٩).
وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ﴾، أي: تخوفون ﴿بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي: من الكفار ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ - قال مجاهد: يعني "قريظة".
وقال السدي: "فارس"، وقال سفيان الثوري: قال ابن يمان [١]: "هم الشاطين التي في الدور".
وقد ورد حديث بمثل ذلك، قال ابن أبي حاتم" (٢٠٠): حدثنا أبو عتبة اً حمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيْوَة - يعنى شُرَيح بن يزيد المقرى - حدثنا سَعيد بن سنَان، عن ابن عَريب [٢]- يعني - يزيد بن عبد الله بن عرَيب [٣]- عن أبيه، عن جده، أن رسول الله، ﷺ، كان يقول فى قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، قال: هم الجن.
ورواه الطبراني (٢٠١)، عن إبراهيم بن دُحَيم؛ عن أبيه، عن محمد بن شعيب، عن سنان ابن سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب [٤] به [٥].
وزاد: قال رسول الله ﷺ: "لا يُخْبل بيت فيه عتيق من الخيل".
وهذا الحديث منكر، لا يصح إسناده ولا مَتْنه.
وقال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون.
وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، أي: مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال؛ ولهذا جاء في حديثٍ رواه أبو داود (٢٠٢)، أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٢٠٣): حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتكي، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.
وهذا أيضًا غريب.
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾، أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾، أي: المسألة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾، أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله، ﷺ، تسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد (٢٠٤): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان - يعني النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنه سيكون [بعدي] [١] اختلاف - أو: أمر - فإن استطعت أن يكون السّلم، فافعل".
وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة.
وهذا فيه نظر؛ لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله.
وقَول ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: (ن هذه الآية منسوخة بآية السيف في "براءة": ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ الآية - فيه نظر أيضًا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا، فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، أي: كافيك وحده.
ثم ذكر نعمته عليه بما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك ومُوازرتك.
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كميرة فى الجاهلية، بن الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وفي الصحيحين (٢٠٥) أن رسول الله، ﷺ، لما خَطَب الأنصار في شأن غنائم حُنَين قال لهم: (يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فَألَّفَكم الله بي" - كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَن.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز الجناب.
فلا يَخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه.
قال الحافظ اْبو بكر البيهقي (٢٠٦): اْخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا [١] على بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحُسَين [٢] القنْديلي الأسترابادي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، وذلك موجود في الشعر: إذا مَتّ [٣] ذُو القُربَى إليك برحْمه … فَغَشَّك واستَغْنى فَليس بذي رحْم ولكن ذا القربى الذي إن دعوته … أجاب ومن يرمي [٤] العدو الذي تَرْمي قال: ومن ذلك قول القائل: وَلَقد صَحبتُ الناس ثُم سَبَرْتُهم … وَبَلوت ما وَصَلوا من الأسْبَاب فَإذَا القَرَابةُ لا تُقَرّبُ قَاطعًا … وإِذا المَوَدَّةُ أقْرَبُ الأسْبَاب قال البيهقي: لا أدري هذا موصولًا بكلام ابن عباس، أو هو من قول من دونه من الرواة.
وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁، سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية.
قال: هم المتحابون في الله - وفي رواية: نزلت في المتحابين في الله.
رواه النسائي والحاكم في مستدركه، [وقال: "صحيح] [٥] " (٢٠٧).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر؛ وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.
رواه الحاكم أيضًا (٢٠٨).
وقال أبو عمرو الأوزاعي (٢٠٩): حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد - ولقيته فأخذ بيدي فقال: إذا تراءى المتحابان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، وضحك إليه، تحاتَّت خطاياهما كما يتَحات [١] ورق الشجر.
قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير!.
فقال: لا تقل ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾!.
قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني.
وقال ابن جرير (٢١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزيّ، عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفر لهما، قال: قلت لمجاهد: بمصافحةٍ يغفر لهما؟
فقال مجاهد: أما سمعته يقول ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؟
فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني.
وكذا روى طلحة بن مصرف، عن مجاهد.
وقال ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنا نُحدث: أول ما يرفع من الناس - أو قال: عن الناس - الألفة.
وقال الحافظ أبو القاسم سليمان ببن أحمد الطبراني (٢١١) ﵀ حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عبيد [٢] الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعدًا أبا عثمان، حدثني أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي أن رسول الله، ﷺ، قال: "إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذ بيده، تَحَاتَّت عنهما ذنوبهما، كما يَتَحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زَبَد البحار [٣] ".
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ ﴿الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ يحرض تعالى نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم، أي: كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت امدادهم، ولو قل عدد المؤمنين.
قال ابن أبي حاتم (٢١٢): حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان، عن [١] شوذب، عن الشعبي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك.
قال: وروي عن عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد مثله.
ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، أي: حثهم وذمِّر [٢] عليه، ولهذا كان رسول الله، ﷺ، يحرّض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر، حين أقبل المشركون في عَددِهم وعُدَدهم: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض".
فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟!
فقال رسول الله ﷺ: "نعم".
فقال: بَخ بَخ، فقال: ما يحملك على قولك "بخ بخ؟
" قال: رجاء أن أكون من أهلها!
قال: "فإنك من أهلها" فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، وأخرج ثمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييِتُ حتى أكلهن إنها لحياة طويلة!
ثم تقدم فقاتل حتى قتل، ﵁ (٢١٣).
وقد رُوي عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر ابن الخطاب، وكمل به الأربعون.
وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم.
ثم قال تعالى مُبَشرَا للمؤمنين وآمرًا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كل واحد بعشرة [١].
ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.
قال عبد الله بن المبارك، حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخرّيت [٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس؟
قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه (٢١٤).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.
وروى البخاري (٢١٥)، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به نحوه [٣].
وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم، فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ … الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا [٤] عنهم.
وروى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس نحو ذلك.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو ذلك.
وروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه، من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ.
وروى الحاكم في مستدركه (٢١٦)، من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله، ﷺ، قرأ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، رفع.
ثم قال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ قال الإِمام أحمد (٢١٧): حدَّثنا على بن عاصم، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: استشار رسول الله، ﷺ، الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم.
فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم.
فأعرض عنه النبي، ﷺ، ثم عاد رسول الله، ﷺ، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم.
فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء.
قال: فذهب عن وجه رسول الله، ﷺ، ما كان فيه في الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء.
قال: وأنزل الله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ … الآية.
وقد سبق في أول السورة حديث ابن عبَّاس في صحيح مسلم بنحو ذلك.
وقال الأعمش (٢١٨)، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله، ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟.
قال: فقال أَبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم.
قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك، وكذبوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم.
قال: وقال عبد الله بن رواحة: [يا رسول الله] [١]، أنت في وادٍ كثير الحطب، فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه.
[قال: فقال العباس: قطعت رحمك] [٢] قال: فسكت رسول الله، ﷺ، فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر.
وقال ناس: يأخذ بقول عمر.
وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.
ثم خرج عليهم رسول الله، ﷺ، فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتَّى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإن مثلك يا عمر مثل موسى ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، أنتم عالة فلا ينفلتن [٣] أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق.
قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتَّى قال رسول الله، ﷺ: إلا سهيل [٤] بن بيضاء.
فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ … إلى آخر الآية.
رواه الإِمام أحمد والترمذي، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄ عن النبي، ﷺ، نحوه، وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري.
وروى ابن مردويه أيضًا - واللفظ له - والحاكم في مستدركه (٢١٩)، من حديث عبيد الله ابن موسى: حدثنا إسرئيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر [٥]؛ قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه.
فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه" فقال له عمر: أفآتهم؟
قال: نعم.
فأتى عمر الأنصار فقال لهُم: أرسلوا العباس.
فقالوا: لا، والله لا نرسله.
فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله، ﷺ، رضا؟
قالوا: فإن كان لرسول الله، ﷺ، رضا فخذه.
فأخذه عمر فلما صار في يده قال له: يا عبَّاس، أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلَّا لا رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله، ﷺ، أبا بكر، فقال أَبو بكر: عشيرتك.
فأرسلهم، فاستشار عمر، فقال: اقتلهم.
ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال سفيان الثَّوري، عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن عليٍّ ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي، ﷺ، يوم بدر فقال: خَيِّر أصحابك في الأسارى: إن شاءوا الفداء، وإن شاءوا القتل على أن يقتل منهم مقبلًا مثلهم.
قالوا: الفداء ويقتل منا.
رواه التِّرمِذي، والنسائي، وابن حبان في صحيحه من حديث الثَّوري به (٢٢٠).
وهذا حديث غريب جدًّا.
وقال ابن عون، عن عبيدة، عن علي، قال (٢٢١): قال رسول الله، ﷺ، في أسارى يوم بدر: "إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهُم" قال: فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة، ﵁.
ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلًا، فالله أعلم (٢٢٢).
وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، فقرأ حتَّى بلغ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال: غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتَّى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال الأعمش: سَبَق منه أن لا يعذب أحدًا شهد بدرًا.
وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء.
وقال شعبة، عن أبي هاشم، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، أي: لهم بالمغفرة.
ونحوه عن سفيان الثوري ﵀.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، يعني: في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ....
﴾ الآية.
وكذا روى العوفي، عن ابن عبَّاس.
وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقَتَادة، والأعمش أيضًا، أن المراد ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأمة بإحلال الغنائم.
وهو اختيار ابن جرير ﵀.
ويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في الصحيحين (٢٢٣)، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسًا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة".
وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال (٢٢٤): قال رسول الله ﷺ: "لم تحل الغنائم لسود الرءوس غيرنا".
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.
وقد روى الإمام أَبو داود في سننه (٢٢٥)؛ حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي [١]، حدَّثنا سفيان بن حبيب، حدَّثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله، ﷺ، جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.
وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء؛ أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين - كما فعل رسول الله ﷺ فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر.
هذا مذهب الإِمام الشَّافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله، ﷺ، قال يوم بدر: "إني قد عرفت أن أناسًا من بني هاشم وغيرهم، قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا منهم - أي: من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها" فقال أَبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟!
والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف!
فبلغت رسول الله، ﷺ، فقال لعمر بن الخطاب: "يا أبا حفص" - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ "أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟
" فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق.
فكان أَبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة.
فقتل يوم اليمامة شهيدًا ﵁.
وبه، عن ابن عبَّاس قال: لما أمسى رسول الله، ﷺ، يوم بدر، والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله، ﷺ، ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟
- وقد أسر العباسَ رجلٌ من الأنصار - فقال رسول الله ﷺ: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه.
فسكت فنام رسول الله ﷺ.
قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنَّه كان رجلًا موسرًا" فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا.
وفي صحيح البخاري (٢٢٦)، من حديث موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثني أَنس ابن مالك، أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله، ﷺ، فقالوا: ائذَنْ لنا فَلْنترُك لابن أختنا عبَّاس فداءه.
قال: "لا، والله لا تَذَرون منه درهمًا".
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة - وعن الزُّهْريّ، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله، ﷺ، في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا!
فقال رسول الله صلى الله [١] عليه وسلم: "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث ابن فهر" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله" قال: فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل؟
فقلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبَني: الفضل، وعبد الله، وقُثم؟
قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله؛ ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي؟
فقال رسول الله ﷺ: "لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك.
ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه"، وأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾، قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله، ﷿.
وقد روى ابن إسحاق أيضًا، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس في هذه الآية بنحو مما تقدم.
وقال أَبو جعفر بن جرير (٢٢٧): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا ابن إدريس [عن ابن إسحاق] [١] عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: قال العباس: فيّ نزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبرت النبي، ﷺ، بإسلامي، وسألته يحاسبنى بالعشرين الأوقية التي أخذ مني، فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر، مالي فى يده.
وقال ابن إسحاق أيضًا (٢٢٨): حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، عن جابر ابن عبد الله بن رئاب، قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في نزلت - والله - حين ذكرت لرسول الله، ﷺ، إسلامي - ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله.
وقال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾: عبَّاس وأصحابه، قال: قالوا للنبي ﷺ؛ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا.
فأنزل الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذى كنتم عليه.
قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وأرجو أن يكون غُفر لي.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في الآية: كان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطانا الله ﷿ خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر فَفَدَيت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التى وعدنا الله جل ثناؤه.
وقال قَتَادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله، ﷺ، لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكتًا ولا حرم سائلًا، وما صلى يومئذ حتَّى فرقه، فأمر العباس أن [٢] يأخذ منه ويحتثي فأخذ.
قال: فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.
وقال يعقوب بن سفيان (٢٢٩): حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله، ﷺ، من البحرين ثمانين ألفًا، ما أتاه مال أكثر منه لا قَبلُ ولا بَعدُ.
قال [١]: فنثرت على حصير ونُودي بالصلاة.
قال: وجاء رسول الله، ﷺ، فمثل قائمًا على المال، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عَدَدٌ ولا وَزْنٌ، ما كان إلَّا قَبضًا، وجاء العباس بن عبد المطلب يحثى في خميصة عليه، وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ارفع [٢] علي.
قال: فتبسم رسول الله، ﷺ، حتَّى خرج ضاحكه - أو: نابه - وقال له: "أعدْ من [٣] المال طائفة، وقم بما تطيق".
قال: ففعل، وجعل العباس يقول - وهو منطلق -: أمّا إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ … الآية، ثم قال: هذا خير مما أخذ منا، ولا أدري ما يصنع الله في الأخرى، فما زال رسول الله، ﷺ، ماثلًا على ذلك المال، حتَّى ما بقي منه درهم، وما بعث إلى أهله بدرهم، ثم أتى الصلاة فصلَّى.
حديث آخر في ذلك، قال الحافظ أَبو بكر البيهقي (٢٣٠): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أَبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله الشعيري [٤]، حدَّثنا مَحْمش بن عصام، حدَّثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ابن مالك؛ قال: أُتي رسول الله، ﷺ، بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد قال: وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضي الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله، أعطني فإني [٥] فاديت نفسي، وفاديت عَقيلًا، فقال له رسول الله ﷺ: "خذ".
فحثا في ثوبه، ثم ذهب يُقلّه فلم يستطع، فقال: مُرْ بعضهم يرفعه إليّ.
قال: "لا".
قال: فارفعه أنت عليَّ.
قال: "لا".
فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتَّى خَفِيَ عنه، عَجَبًا من حِرصْه، فما قام رسول الله، ﷺ، وثَمَّ منها درهم.
وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم (٢٣١)، يقول: "وقال إبراهيم بن طهمان" ويسوقه وفي بعض السياقات أتم من هذا.
وقول: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، أي: فيما أظهروا لك من الأقوال، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل بدر بالكفر به، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، أي: بالإسار [١] يوم بدر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يفعله، حكيم فيه.
قال قَتَادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد، ولحق بالمشركين.
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: نزلت في عبَّاس وأصحابه، حين قالوا: "لننصحن لك على قومنا".
وفسرها السدي على العموم، وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين: خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك.
وإلى أنصار، وهم: المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم [أولياء بعض] [٢] أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد.
ولهذا آخى رسول الله، ﷺ، بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخَوَان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتَّى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخارى (٢٣٢)، عن ابن عبَّاس.
ورواه العَوْفي، وعليٌّ بن أبي طلحة، عنه (٢٣٣).
وقال به مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة وغيرهم.
قال الإِمام أحمد (٢٣٤): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير - هو ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "المهاجرون والأنصار [أولياء بعضهم لبعض] [١] والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة.
تفرد به أحمد.
وقال الحافظ أَبو يعلى (٢٣٥): حدَّثنا شيبان، حدَّثنا عكرمة - يعني ابن إبراهيم الأزدي، حدَّثنا عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: "المهاجرون والأنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة".
هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود.
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ....
﴾ الآية، وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ .....
﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ....
﴾ الآية.
وأحسن ما قيل في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فاٍ ن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أَبو بكر أحمد [٢] بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (٢٣٦)، حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا [٣] حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة قال: "خيَّرني رسولُ الله، ﷺ، بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة".
ثم قال: لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾، [قرأ حمزة: ولايتهم بالكسر، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدِّالة والدَّلالة] [١] ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بَوَاديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نَصِيبٌ، ولا في خُمسها إلَّا ما حضروا فيه القتال، كما قال الإمام أحمد (٢٣٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بُرَيدة عن أبيه: بُرَيدة ابن الحُصَيب الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في [٢] خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى [٣] ثلاث خصال - أو: خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، وكف عنهم.
ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أَبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهُم في الفيء والغنيمة نصيب، إلَّا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أَبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم".
انفرد به مسلم، وعنده زيادات أخر.
وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يقول تعالى: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني، على عدوّ لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على القوم من الكفار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، أى: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا [٤] ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم.
وهذا مروي عن ابن عبَّاس ﵁.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ لما ذكر تعالى أن المُؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال الحاكم في مستدركه (٢٣٨): حدَّثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدَّثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي، حدَّثنا محمد بن أبان، حدَّثنا محمد بن في يد، وسفيان بن حسين، عن الزُّهْريّ، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي، ﷺ، قال: "لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.
ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
قلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد قال (٢٣٩): قال رسول الله ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال (٢٤٠): قال رسول الله ﷺ: "لا يتوارث أهل ملتين شتى".
وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.
وقال أَبو جعفر بن جرير (٢٤١): حدَّثنا محمد [عن محمد بن ثور] [١] عن معمر، عن الزُّهْريّ أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإِسلام فقال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب".
وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلًا من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين".
ثم قال: "لا يتراءى ناراهما" (٢٤٢).
وقال أَبو داود في آخر كتاب الجهاد (٢٤٣): حدَّثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرنى يحيى بن حسان [١]، أنبأنا سليمان بن موسى أَبو داود، حدَّثنا جعفر بن سعد بن سمرة [ابن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة] [٢] عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله ﷺ: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله".
وذكر الحافظ أَبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هرمز، عن محمد وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض [٣] ".
[قالوا: يا رسول الله، وإن كان … ؟.
قال: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه".
ثلاث مرات.
أخرجه أَبو داود والتِّرمِذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه (٢٤٤).
ثم روي من حديث عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة ﵁ قال (٢٤٥): قال رسول الله ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض"] [٤].
ومعنى قوله؛ ﴿إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلَّا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإِيمان كما تقدم فى أول السورة، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه.
ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ .......
﴾ الآية، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية.
وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحه عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "المرء من أحب".
وفى الحديث الآخر: "من أحب قومًا [فهو منهم".
وفي رواية] [١]: "حشر معهم" (٢٤٦).
وقال الإِمام أحمد (٢٤٧): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "المهاجرون والأنصار أولياء بعض لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" قال شريك: فحدثنا الأعمَش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، عن النبي ﷺ مثله.
تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله وليس المراد بقوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولاهم [١] عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم - كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة والحسن وقَتَادة وغير واحد على أنَّها ناسخة للإرث بالحلف والإِخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلةٍ، من أقواها حديث: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث".
قالوا: فلو كان له حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا، والله أعلم.
آخر تفسير سورة الأنفال ولله الحمد والمنة وعلبه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.