تفسير الألوسي سورة الكوثر

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الكوثر

تفسيرُ سورةِ الكوثر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 27 دقيقة قراءة

تفسير سورة الكوثر كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ ١

سُورَةُ الكَوْثَرِ وتُسَمّى كَما قالَ البِقاعِيُّ سُورَةَ النَّحْرِ.

وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ونُسِبَ في البَحْرِ إلى الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وفي الإتْقانِ أنَّهُ الصَّوابُ ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وغَيْرُهم عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «أغْفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إغْفاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقالَ: «إنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ حَتّى خَتَمَها...» الحَدِيثَ.

وفِي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يَقْتَضِي كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ وسَتَسْمَعُ بَعْضًا مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومِن هُنا اسْتُشْكِلَ أمْرُها، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ لِبَعْضِهِمْ تَأْلِيفًا صَحَّحَ فِيهِ أنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ.

وآيُها ثَلاثٌ بِلا خِلافٍ ولَيْسَ في القُرْآنِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ سُورَةٌ آيُها أقَلُّ مِن ذَلِكَ بَلْ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّها أقْصَرُ سُورَةٍ في القُرْآنِ، وقالَ الإمامُ: هي كالمُقابِلَةِ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ السّابِقَةَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى فِيها المُنافِقَ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ: البُخْلِ وتَرْكِ الصَّلاةِ والرِّياءِ ومَنعِ الزَّكاةِ.

فَذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ في مُقابَلَةِ البُخْلِ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ ﴾ أيِ الخَيْرَ الكَثِيرَ، وفي مُقابَلَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ: ﴿ فَصَلِّ ﴾ أيْ: دُمْ عَلى الصَّلاةِ، وفي مُقابَلَةِ الرِّياءِ: ﴿ لِرَبِّكَ ﴾ أيْ: لِرِضاهُ لا لِلنّاسِ، وفي مُقابَلَةِ مَنعِ الماعُونِ: ﴿ وانْحَرْ ﴾ .

وأرادَ بِهِ سُبْحانَهُ التَّصَدُّقَ بِلُحُومِ الأضاحِيِّ.

ثُمَّ قالَ: فاعْتُبِرَ هَذِهِ المُناسَبَةُ العَجِيبَةُ.

انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والزَّعْفَرانِيُّ: «أنْطَيْناكَ» بِالنُّونِ وهي عَلى ما قالَ التَّبْرِيزِيُّ لُغَةُ العَرَبِ العَرْباءِ مِن أُولى قُرَيْشٍ، وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّها لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وأهْلِ اليَمَنِ ولَيْسَتْ مِنَ الإبْدالِ الصِّناعِيِّ في شَيْءٍ.

ومِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اليَدُ العُلْيا المُنْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى المُنْطاةُ»».

«وكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِوائِلٍ: «أنْطُوا الثَّبْجَةَ - أيِ الوَسَطَ - في الصَّدَقَةِ»».

﴿ الكَوْثَرَ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ.

فَذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخِرِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا المَرْوِيِّ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ ومَن مَعَهُما: ««هَلْ تَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟» قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: «هُوَ نَهْرٌ أعْطانِيهِ رَبِّي في الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ الكَواكِبِ، يَخْتَلِجُ العَبْدُ مِنهم فَأقُولُ: يا رَبِّ، إنَّهُ مِن أُمَّتِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثَ بَعْدَكَ»».

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخَرُونَ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَإذا أنا بِنَهْرٍ حافَّتاهُ خِيامُ اللُّؤْلُؤِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إلى ما يَجْرِي فِيهِ الماءُ فَإذا مِسْكٌ أذْفَرُ، قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟

قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَهُ اللَّهُ تَعالى»».

وجاءَ في حَدِيثٍ عَنْ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: «قَدْ أُعْطِيتُ الكَوْثَرَ».

قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الكَوْثَرُ؟» قالَ: «نَهْرٌ في الجَنَّةِ عَرْضُهُ وطُولُهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ فَيَظْمَأُ ولا يَتَوَضَّأُ مِنهُ أحَدٌ فَيَشْعَثُ أبَدًا، لا يَشْرَبُ مِنهُ مَن أخَفَرَ ذِمَّتِي ولا مَن قَتَلَ أهْلَ بَيْتِي»».

ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ عُمْقُهُ سَبْعُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ ماؤُهُ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، شاطِئاهُ الدُّرُّ والياقُوتُ والزَّبَرْجَدُ، خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقالَتْ: لَيْسَ أحَدٌ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ إلّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ.

وهُوَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

وقِيلَ: هو حَوْضٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَحْشَرِ.

وقَوْلُ بَعْضِهِمُ الِاخْتِلافُ في الرِّواياتِ سَبَبُهُ مُلاحَظَةُ اخْتِلافِ سُرْعَةِ السَّيْرِ وعَدِمِها وهو قَبْلَ المِيزانِ والصِّراطِ عِنْدَ بَعْضٍ، وبَعْدَهُما قَرِيبًا مِن بابِ الجَنَّةِ حَيْثُ يُحْبَسُ أهْلُها مِن أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَتَحالَلُوا مِنَ المَظالِمِ الَّتِي بَيْنَهم عِنْدَ آخَرِينَ، ويَكُونُ عَلى هَذا في الأرْضِ المُبْدَلَةِ.

وقِيلَ: لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَوْضانِ: حَوْضٌ قَبْلَ الصِّراطِ وحَوْضٌ بَعْدَهُ، ويُسَمّى كُلٌّ مِنهُما عَلى ما حَكاهُ القاضِي زَكَرِيّا كَوْثَرًا، وصَحَّحَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ الصِّراطِ، وأنَّ الكَوْثَرَ في الجَنَّةِ، وأنَّ ماءَهُ يَنْصَبُّ فِيهِ؛ ولِذا يُسَمّى كَوْثَرًا ولَيْسَ هو مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالنَّهْرِ السّابِقِ بَلْ يَكُونُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَرِدُهُ مُؤْمِنُو أُمَمِهِمْ.

فَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: ««إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وإنَّهم يَتَباهَوْنَ أيُّهم أكْثَرُ وارِدَةً، وإنِّي أرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم وارِدَةً»».

وهُوَ كَما قالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وهَذِهِ الحِياضُ لا يَجِبُ الإيمانُ بِها كَما يَجِبُ الإيمانُ بِحَوْضِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَنا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ النّافِينَ لَهُ لِكَوْنِ أحادِيثِهِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ بِخِلافِ أحادِيثِها فَإنَّها آحادٌ.

بَلْ قِيلَ: لا تَكادُ تَبْلُغُ الصِّحَّةَ.

ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الكَوْثَرَ هو النَّهْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلًا وهو الحَوْضُ وهو عَلى ظَهْرِ مَلَكٍ عَظِيمٍ يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ يَكُونُ فَيَكُونُ في المَحْشَرِ؛ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ، وفي الجَنَّةِ إذْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ.

وقِيلَ: هو أوْلادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن عابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم -والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى- كَثِيرُونَ قَدْ مَلَئُوا البَسِيطَةَ.

وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَبّاسٍ ويَمانُ بْنُ وثّابٍ: أصْحابُهُ وأشْياعُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: عُلَماءُ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم أيْضًا كَثِيرُونَ في كُلِّ قُطْرٍ وإنْ كانُوا اليَوْمَ في بَعْضِ الأقْطارِ، والأمْرُ لِلَّهِ تَعالى أقَلُّ قَلِيلٍ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ القُرْآنُ، وفَضائِلُهُ لا تُحْصى.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو تَيْسِيرُ القُرْآنِ وتَخْفِيفُ الشَّرائِعِ.

وقِيلَ: هو الإسْلامُ.

وقالَ هِلالٌ: هو التَّوْحِيدُ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: هو النُّبُوَّةُ.

وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو نُورُ قَلْبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقِيلَ: هو العِلْمُ والحِكْمَةُ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو الإيثارُ.

وقِيلَ: هو الفَضائِلُ الكَثِيرَةُ المُتَّصِفُ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ: المَقامُ المَحْمُودُ.

وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ في التَّحْرِيرِ سِتَّةً وعِشْرِينَ قَوْلًا فِيهِ وصَحَّحَ في البَحْرِ قَوْلَ النَّهْرِ، وجَماعَةٌ أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ والنِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو المَشْهُورُ عَنِ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ مِن طَرِيقِ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكَوْثَرُ الخَيْرُ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قالَ أبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ.

قالَ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وحُكِيَ هَذا الجَوابُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَفْسِهِ أيْضًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما صَحَّ في الأحادِيثِ مِن تَفْسِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ بِالنَّهْرِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والتَّخْصِيصِ لِنُكْتَةٍ؛ وإلّا فَبَعْدَ أنْ صَحَّ الحَدِيثُ في ذَلِكَ بَلْ كادَ يَكُونُ مُتَواتِرًا كَيْفَ يُعْدَلُ عَنْهُ إلى تَفْسِيرٍ آخَرَ؟

وكَذا يُقالُ في سائِرِ ما في الأقْوالِ السّابِقَةِ وغَيْرِها.

وهو فَوْعَلٌ مِنَ الكَثْرَةِ، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: الشَّيْءُ الكَثِيرُ كَثْرَةً مُفْرِطَةً.

قِيلَ لِأعْرابِيَّةٍ رَجَعَ ابْنُها مِنَ السَّفَرِ: بِمَ آبَ ابْنُكِ؟

قالَتْ: بِكَوْثَرٍ.

وقالَ الكُمَيْتُ: وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا وفِي حَذْفِ مَوْصُوفِهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، وفي إسْنادِ الإعْطاءِ إلَيْهِ دُونَ الإيتاءِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ إيتاءٌ عَلى جِهَةِ التَّمْلِيكِ؛ فَإنَّ الإعْطاءَ دُونَهُ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وهَبْ لِي مُلْكًا ﴾ .

وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعْطى وإنْ كانَ كَثِيرًا في نَفْسِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ الإيتاءَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ العَظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ والإعْطاءُ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ فَفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بِالتَّفَضُّلِ أشْبَهُ بِخِلافِ الإيتاءِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ واجِبًا فَفِيهِ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ والتَّزايُدِ أبَدًا؛ لِأنَّ التَّفَضُّلَ نَتِيجَةُ كَرَمِ اللَّهِ تَعالى الغَيْرِ المُتَناهِي.

وفي جَعْلِ المَفْعُولِ الأوَّلِ ضَمِيرَ المُخاطَبِ دُونَ الرَّسُولِ أوْ نَحْوِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الإعْطاءَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بَلْ هو مِن مَحْضِ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ.

وفِيهِ أيْضًا مِن تَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخِطابِ ما لا يَخْفى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ الإعْطاءِ إلى «نا» إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا سَعى فِيهِ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي التَّعْبِيرِ بِالماضِي قِيلَ: إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ الإعْطاءِ، وأنَّهُ أمْرٌ مَرْعِيٌّ لَمْ يُتْرَكْ إلى أنْ يُفْعَلَ بَعْدُ.

وقِيلَ: إشارَةٌ إلى بِشارَةٍ أُخْرى كَأنْ قِيلَ: إنّا هَيَّأْنا أسْبابَ سَعادَتِكَ قَبْلَ دُخُولِكَ في الوُجُودِ فَكَيْفَ نُهْمِلُ أمْرَكَ بَعْدَ وُجُودِكَ واشْتِغالِكَ بِالعُبُودِيَّةِ؟

وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِالإغْناءِ والإفْقارِ والإسْعادِ والإشْقاءِ لَيْسَ أمْرًا مُحْدَثًا بَلْ هو حاصِلٌ في الأزَلِ.

وبُنِيَ الفِعْلُ عَلى المُبْتَدَأِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقَوِّي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الكَوْثَرِ وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِأنَّ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ وقِيلَ لِرَدِّ اسْتِبْعادِ السّامِعِ الإعْطاءَ لِما أنَّهُ لَمْ يُعَلَّلْ والمُعْطى في غايَةِ الكَثْرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الإنْكارِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في الكَوْثَرِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ٢

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذُكِرَ مِنَ العَطِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها أحَدًا مِنَ العالَمِينَ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ أيِ اسْتَجابَ.

أيْ: فَدُمْ عَلى الصَّلاةِ لِرَبِّكَ الَّذِي أفاضَ عَلَيْكَ ما أفاضَ مِنَ الخَيْرِ خالِصًا لِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ خِلافَ السّاهِينَ عَنْها المُرائِينَ فِيها أداءً لِحَقِّ شُكْرِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ أقْسامِ الشُّكْرِ، ولِذا قِيلَ: ﴿ فَصَلِّ ﴾ دُونَ «فاشْكُرْ».

﴿ وانْحَرْ ﴾ البُدْنَ الَّتِي هي خِيارُ أمْوالِ العَرَبِ بِاسْمِهِ تَعالى وتَصَدَّقْ عَلى المَحاوِيجِ خِلافًا لِمَن يَدَعُّهم ويَمْنَعُ مِنهُمُ الماعُونَ كَذا قِيلَ.

وجَعْلُ السُّورَةِ عَلَيْهِ كالمُقابِلَةِ لِما قَبْلَها كَما فَعَلَ الإمامُ، ولَمْ يَذْكُرُوا مُقابِلَ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ.

وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: إنَّ الكَوْثَرَ بِمَعْنى الخَيْرِ الكَثِيرِ الشّامِلِ لِلْأُخْرَوِيِّ يُقابِلُ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إثْباتِهِ ضِمْنًا، وكَذا إذا كانَ بِمَعْنى النَّهْرِ والحَوْضِ والأمْرُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالإسْلامِ وتَفْسِيرِ الدِّينِ بِهِ أيْضًا في غايَةِ الظُّهُورِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ أبِي مُسْلِمٍ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وأخْرَجَهُ الأوَّلُ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّها جِنْسُ الصَّلاةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِها صَلاةُ العِيدِ وبِالنَّحْرِ التَّضْحِيَةُ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: انْحَرْ وارْجِعْ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَطَبَ خُطْبَةَ الأضْحى ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى البُدْنِ فَنَحَرَها؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ ﴾ » .

واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّلاةِ عَلى التَّضْحِيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهم قالُوا: المُرادُ صَلاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ والنَّحْرُ بِمِنًى، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّحْرِ نَحْرُ الأضاحِيِّ واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ لِمَكانِ الأمْرِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ( فاتَّبِعُوهُ ) وأُجِيبَ بِالتَّخَصُّصِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمُ: الضُّحى والأُضْحِيَّةُ والوَتْرُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قالَ: ﴿ وانْحَرْ ﴾ أيِ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ (الفَرّاءُ) وقالَ: يُقالُ: مَنازِلُهم تَتَناحَرُ؛ أيْ تَتَقابَلُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجالِدٍ وسَيِّدُ أهْلِ الأبْطَحِ المُتَناحِرِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ ﴾ إلَخْ.

قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أمَرَنِي بِها رَبِّي؟».

فَقالَ: إنَّها لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ، ولَكِنْ يَأْمُرُكَ إذا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلاةِ أنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إذا كَبَّرْتَ وإذا رَكَعْتَ، وإذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَإنَّها صَلاتُنا وصَلاةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم في السَّماواتِ السَّبْعِ، وإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً، وزِينَةُ الصَّلاةَ رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: تَرْفَعُ يَدَيْكَ أوَّلَ ما تُكَبِّرُ في الِافْتِتاحِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وآخَرُونَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: ضَعْ يَدَكَ اليُمْنى عَلى ساعِدِ اليُسْرى ثُمَّ ضَعْهُما عَلى صَدْرِكَ في الصَّلاةِ.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ورَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَبّاسٌ - ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ مَعْناهُ: اقْعُدْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتّى يَبْدُوَ نَحْرُكَ، وعَنِ الضَّحّاكِ وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ أنَّهُما قالا: مَعْناهُ: ارْفَعْ يَدَيْكَ عَقِيبَ الصَّلاةِ عِنْدَ الدُّعاءِ إلى نَحْرِكَ ولَعَلَّ في صِحَّةِ الأحادِيثِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَقالًا، وإلّا فَمًا قالُوا الَّذِي قالُوا وقَدْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الأوَّلِ: أنَّهُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وقالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، بَلْ أخْرَجَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المَوْضُوعاتِ.

وقالَ الجَلالُ في الحَدِيثِ الآخَرِ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ، ويَرْجِعُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ إنْ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُخالِفُهُ أنَّ الأشْهَرَ اسْتِعْمالُ النَّحْرِ في نَحْرِ الإبِلِ دُونَ تِلْكَ المَعانِي، وأنَّ سُنَّةَ القُرْآنِ ذِكْرُ الزَّكاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وما ذُكِرَ بِذَلِكَ المَعْنى قَرِيبٌ مِنها بِخِلافِهِ عَلى تِلْكَ المَعانِي، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ المَعانِي يَرْجِعُ إلى آدابِ الصَّلاةِ أوْ أبْعاضِها فَيَدْخُلُ تَحْتَ: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ ويَبْعُدُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ دُونَ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مَعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يُصَلُّونَ ويَنْحَرُونَ لِلْأوْثانِ فالأنْسَبُ أنْ يُؤْمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مُقابَلَتِهِمْ بِالصَّلاةِ والنَّحْرِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا واعْتِبارُ الخُلُوصِ في «فَصَلِّ» إلَخْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِدَلالَةِ لامِ الِاخْتِصاصِ.

وفي الِالتِفاتِ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ إلى خُصُوصِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدٌ لِتَرْغِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أداءِ ما أُمِرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ ٣

﴿ إنَّ شانِئَكَ ﴾ أيْ: مُبْغَضَكَ كائِنًا مَن كانَ ﴿ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ حَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ نَسْلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأمّا أنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وحُسْنُ صِيتِكَ وآثارُ فَضْلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكَ في الآخِرَةِ ما لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ البَيانِ.

وأصْلُ البَتْرِ القَطْعُ وشاعَ في قَطْعِ الذَّنَبِ؛ وقِيلَ لِمَن لا عَقِبَ لَهُ: أبْتَرُ عَلى الِاسْتِعارَةِ، شُبِّهَ الوَلَدُ والأثَرُ الباقِي بِالذَّنَبِ لِكَوْنِهِ خَلْفَهُ فَكَأنَّهُ بَعْدَهُ، وعَدَمُهُ بِعَدَمِهِ وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالحَقِيرِ الذَّلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ سَبَبُ النُّزُولِ وفِيها عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.

واسْمُ الفاعِلِ أعْنِي شانِئَ هاهُنا قِيلَ بِمَعْنى الماضِي لِيَكُونَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ فَيَكُونُ الأبْتَرُ خَبَرَهُ ولا يُشْكِلُ بِمَن كانَ يُبْغِضُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ الإيمانِ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ وذاقَ حَلاوَتَهُ فَكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ وأعَزَّ عَلَيْهِ مِن رُوحِهِ ولَمْ يَكُنْ أبْتَرَ؛ لِما أنَّ الحُكْمَ عَلى المُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلْيَةَ مَأْخَذِهِ فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ الأبْتَرِيَّةَ مُعَلَّلَةٌ بِالبُغْضِ فَتَدُورُ مَعَهُ، وقَدْ زالَ في أُولَئِكَ الأكابِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

واخْتارَ بَعْضُهم في دَفْعِ ذَلِكَ حَمْلَ اسْمَ الفاعِلِ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَهم لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلى البُغْضِ، والظّاهِرُ أنَّهُ انْقَطَعَ نَسْلُ كُلِّ مَن كانَ مُبْغِضًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً، وقِيلَ: انْقَطَعَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ مِن نَسْلِ المُبْغِضِينَ انْقَطَعَ انْتِفاعُ أبِيهِ مِنهُ بِالدُّعاءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لا عِصْمَةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكافِرٍ.

وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ «هُوَ» ضَمِيرُ فَصْلٍ هو الأظْهَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿ الأبْتَرُ ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ ﴿ شانِئَكَ ﴾ وحِينَئِذٍ يَجُوزُ صِناعَةُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ.

وحَمْلُ ﴿ شانِئَكَ ﴾ عَلى الجِنْسِ هو الظّاهِرُ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِمَن جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا وفِيهِ رِواياتٌ: أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أكْبَرُ ولَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القاسِمَ ثُمَّ زَيْنَبَ ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فاطِمَةَ ثُمَّ رُقَيَّةَ، فَماتَ القاسِمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أوَّلُ مَيِّتٍ مِن ولَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ ماتَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ: قَدِ انْقَطَعَ نَسْلُهُ فَهو أبْتَرُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَبْقى لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَقِبٌ، وهو أبْتَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ » .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: «لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَشى المُشْرِكُونَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: إنَّ هَذا الصّابِئَ قَدْ بُتِرَ اللَّيْلَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا أعْطَيْناكَ ﴾ السُّورَةَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو أبُو جَهْلٍ؛ أيْ لِأنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، وهَذا المِقْدارُ في الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا بَأْسَ بِهِ.

وحِكايَةُ أبِي حَيّانَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا ماتَ إبْراهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ أبُو جَهْلٍ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: بُتِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ لا تَكادُ تَصِحُّ؛ لِأنَّ هَلاكَ اللَّعِينِ أبِي جَهْلٍ عَلى التَّحْقِيقِ قَبْلَ وفاةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لَهَبٍ، والجُمْهُورُ عَلى نُزُولِها في العاصِ بْنِ وائِلٍ، وأيًّا ما كانَ فَلا رَيْبَ في ظُهُورِ عُمُومِ الحُكْمِ والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْطَيْناكَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ مِنَ النِّعَمِ فَصَلِّ وانْحَرْ خالِصًا لِوَجْهِ رَبِّكَ ولا تَكْتَرِثْ بِقَوْلِ الشّانِئِ الكَرِيهِ؛ فَإنَّهُ هو الأبْتَرُ لا أنْتَ، وتَأْكِيدُها قِيلَ: لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَضْمُونِها، وقِيلَ: هو مِثْلُهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ وذَلِكَ لِمَكانِ: فَلا تَكْتَرِثْ...

إلَخِ.

المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ.

وفي التَّعْبِيرِ بِالأبْتَرِ دُونَ المَبْتُورِ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وعَمَّمَ هَذا الشَّيْخُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كُلًّا مِن جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتُرُ شانِئِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كُلِّ خَيْرٍ فَيُبْتَرُ أهْلَهُ ومالَهُ فَيَخْسَرُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ويُبْتَرُ حَياتَهُ فَلا يَنْتَفِعُ بِها ولا يَتَزَوَّدُ فِيها صالِحًا لِمَعادِهِ، ويُبْتَرُ قَلْبَهُ فَلا يَعِي الخَيْرَ ولا يُؤَهِّلُهُ لِمَعْرِفَتِهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ والإيمانِ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُبْتَرُ أعْمالَهُ فَلا يَسْتَعْمِلُهُ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ويَبْتُرُهُ مِنَ الأنْصارِ فَلا يَجِدُ لَهُ ناصِرًا ولا عَوْنًا، ويَبْتُرُهُ مِن جَمِيعِ القُرَبِ فَلا يَذُوقُ لَها طَعْمًا ولا يَجُدْ لَها حَلاوَةً وإنْ باشَرَها بِظاهِرِهِ فَقَلْبُهُ شارِدٌ عَنْها وهَذا جَزاءُ كُلِّ مَن شَنَأ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأجْلِ هَواهُ كَمَن تَأوَّلَ آياتِ الصِّفاتِ أوْ أحادِيثَها عَلى غَيْرِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ومُرادِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ تَمَنّى أنْ لا تَكُونَ نَزَلَتْ أوْ قِيلَتْ.

ومِن أقْوى العَلاماتِ عَلى شَنَآنِهِ نُفْرَتُهُ عَنْها إذا سَمِعَها حِينَ يَسْتَدِلُّ بِها السَّلَفِيُّ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، وأيُّ شَنَآنٍ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أهْلُ السَّماعِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى سَماعِ الغِناءِ والدُّفُوفِ والشَّبّاباتِ فَإذا سَمِعُوا القُرْآنَ يُتْلى أوْ قُرِئَ في مَجْلِسِهِمُ اسْتَطالُوهُ واسْتَثْقَلُوهُ، وكَذَلِكَ مَن آثَرَ كَلامَ النّاسِ وعُلُومَهم عَلى القُرْآنِ والسُّنَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولِكُلٍّ نَصِيبٌ مِنَ الِانْبِتارِ عَلى قَدْرِ شَنَآنِهِ انْتَهى.

وفي بَعْضِهِ نَظَرٌ لا يَخْفى.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: «شَنِيكَ» بِغَيْرِ ألِفٍ فَقِيلَ: مَقْصُورٌ مِن شانِي كَما قالُوا بَرْدٌ في بارِدٍ، وبَرٌّ في بارٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِناءً عَلى فِعْلٍ.

هَذا وأعْلَمُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ عَلى قِصَرِها وإيجازِها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى ما يُنادِي عَلى عَظِيمِ إعْجازِها، وقَدْ أطالَ الإمامُ فِيها الكَلامَ وأتى بِكَثِيرٍ مِمّا يَسْتَحْسِنُهُ ذَوُو الأفْهامِ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وانْحَرْ ﴾ مُتَضَمِّنٌ الإخْبارَ بِالغَيْبِ وهو سِعَةُ ذاتِ يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتِهِ، وقِيلَ مِثْلُهُ في ذَلِكَ: ﴿ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ ﴾ .

وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ عارَضَها بِقَوْلِهِ: إنّا أعْطَيْناكَ الزَّماجِرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وهاجِرْ إنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ كافِرٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ وهو لَعَمْرِي مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، ومَن أرادَ الِاطِّلاعَ عَلى أزْيَدَ مِمّا ذُكِرَ فَلْيَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الإمامِ.

واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ والإنْعامِ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده