تفسير الألوسي سورة النصر

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة النصر

تفسيرُ سورةِ النصر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 26 دقيقة قراءة

تفسير سورة النصر كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ١

سُورَةُ النَّصْرِ وتُسَمّى سُورَةَ إذا جاءَ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ؛ لِما فِيها مِنَ الإيماءِ إلى وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْدِيعِهِ الدُّنْيا وما فِيها.

وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: «نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي»».

وفِي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ دَعا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وقالَ: «إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي».

فَبَكَتْ ثُمَّ ضَحِكَتْ، فَقِيلَ لَها فَقالَتْ: أخْبَرَنِي أنَّهُ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أخْبَرَنِي بِأنَّكِ أوَّلُ أهْلِي لَحاقًا بِي فَضَحِكْتُ».

وقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ مِنها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ يَفْعَلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَها فِعْلَ مُوَدِّعٍ.

وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى القَوْلِ الأصَحِّ في تَعْرِيفِ المَدَنِيِّ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ وصَدَقَةُ بْنُ بَشّارٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْسَطَ أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى وهو في حَجَّةِ الوَداعِ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ حَتّى خَتَمَها».

الخَبَرَ.

وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما، لَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: إنَّ إسْنادَهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ قالَ أحْمَدُ: لا تَحِلُّ الرِّوايَةُ عَنْهُ وعَلَيْهِ إنْ صَحَّ يَكُونُ نُزُولُها قَرِيبًا جِدًّا مِن زَمانِ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ ما بَيْنَ حَجَّةِ الوَداعِ وإجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ داعِيَ الحَقِّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ونَيِّفٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما عاشَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ قَلِيلًا سَنَتَيْنِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وفِي البَحْرِ: إنَّ نُزُولَها عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن خَيْبَرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كانَتْ في سَنَةِ سَبْعٍ أواخِرَ المُحَرَّمِ فَيَكُونُ ما في البَيْنِ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّتِها أيْضًا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في القُرْآنِ جَمِيعًا: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ وآيُها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ، وفِيها إشارَةٌ إلى اضْمِحْلالِ مِلَّةِ الأصْنامِ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وهو وجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها.

ويُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ وهي عَلى ما أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ رُبْعُ القُرْآنِ.

ولَمْ أظْفَرْ بِوَجْهِ ذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ: إعانَتُهُ تَعالى وإظْهارُهُ إيّاكَ عَلى عَدُوِّكَ وهَذا مَعْنى النَّصْرِ المُعَدّى بِعَلى، وفُسِّرَ بِهِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والفَتْحُ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُعَدّى بِمَن ومَعْناهُ الحِفْظُ والفَتْحُ يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الكَلامُ مُشْتَمِلًا عَلى إفادَةِ النَّصْرَيْنِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ.

و«إذا» مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وأبُو حَيّانَ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَها ولَيْسَتْ مُضافَةً إلَيْهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَوْلٌ آخَرُ.

والمُرادُ بِهَذا النَّصْرِ ما كانَ في أمْرِ مَكَّةَ مِن غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قُرَيْشٍ، وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّصْرَ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وأمّا الفَتْحُ فَقَدْ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ وعَنْ عائِشَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ الجُمْهُورُ وكانَ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: لِثَلاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ عَلى رَأْسِ ثَمانِ سِنِينَ ونِصْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ.

وخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أحْمَدَ لِثَمانِ عَشْرَةَ، وفي أُخْرى لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ لِسِتَّ عَشْرَةَ.

وقالَ الواقِدِيُّ: خَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ بَعْدَ العَصْرِ، وضَعَّفَهُ القَسْطَلانِيُّ وكانَ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ عَشَرَةَ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وطَوائِفَ مِنَ العَرَبِ.

وفي الإكْلِيلِ: اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وجُمِعَ بِأنَّ العَشَرَةَ خَرَجَ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المَدِينَةِ ثُمَّ تَلاحَقَ الألْفانِ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ النَّصْرُ عَلى ما كانَ مَعَ الفَتْحِ المَذْكُورِ فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ نازِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وتَتَضَمَّنُ الإعْلامَ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ وهو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وإذا كانَتْ نازِلَةً بَعْدَهُ فَقالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: إنَّ «إذا» بِمَعْنى «إذْ» الَّتِي لِلْماضِي، ومَجِيئُها بِهَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ وعَلَيْهِ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمُقَدَّرٍ كَكَمَّلَ الأمْرَ أوْ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلى العِبادِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا بِ «سَبِّحْ» لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ نَحْوَ: أضْرِبُ زَيْدًا أمْسِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هي لِما يُسْتَقْبَلُ كَما هو الأكْثَرُ في اسْتِعْمالِها، وحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مُسْتَقْبَلًا مُتَرَقِّيًا بِاعْتِبارِ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ أُمَّ الفُتُوحِ والدُّسْتُورَ لِما يَكُونُ مِن بَعْدِهِ فَهو مُتَرَقَّبٌ بِاعْتِبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مُتَحَقِّقًا بِاعْتِبارِهِ في نَفْسِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِقْبالُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ ما في حَيِّزِ إذا، فَمِنهُ ما هو مُسْتَقْبَلٌ وهو ما تَضَمَّنَهُ <div class="verse-tafsir"

وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا ٢

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ ولَوْ بِاعْتِبارٍ آخَرَ داخِلٍ؛ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنِ النُّزُولُ بَعْدَ تَمامِ الدُّخُولِ.

وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، وجِنْسُ الفَتْحِ؛ فَيَعُمُّ ما كانَ في أمْرِ مَكَّةَ -زادَها اللَّهُ تَعالى شَرَفًا- وغَيْرِهِ، وأمْرُ الِاسْتِقْبالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَجِيءِ الحُصُولُ وهو حَقِيقَةٌ فِيهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ.

وقالَ القاضِي: مَجازٌ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في «رَأيْتَ» لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أوْ عِلْمِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولَيْنِ، و«النّاسَ» العَرَبُ.

و«دِينِ اللَّهِ» مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي لا دِينَ لَهُ تَعالى يُضافُ إلَيْهِ غَيْرُها، والأفْواجُ جَمْعُ فَوْجٍ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: الجَماعَةُ المارَّةُ المُسْرِعَةُ ويُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الجَماعَةِ.

قالَ الحُوفِيُّ: وقِياسُ جَمْعِهِ أفْوُجٌ؛ ولَكِنِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَعُدِّلَ إلى أفْواجٍ.

وفي البَحْرِ: قِياسُ فِعْلٍ صَحِيحِ العَيْنِ أنْ يُجْمَعَ عَلى أفْعُلٍ لا عَلى أفْعالٍ، ومُعْتَلُّ العَيْنِ بِالعَكْسِ، فالقِياسُ فِيهِ أفْعالٌ كَحَوْضٍ وأحْواضٍ، وشَذَّ فِيهِ أفْعُلٌ كَثَوْبٍ وأثْوُبٌ.

ونَصْبُ ( أفْواجًا ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْخُلُونَ ) وأمّا جُمْلَةُ ( يَدْخُلُونَ ) فَهي حالٌ مِنَ النّاسِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في الرُّؤْيَةِ ومَعْفُولٌ ثانٍ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فِيها، وكَوْنُها حالًا أيْضًا بِجَعْلِ رَأيْتَ بِمَعْنى عَرَفْتَ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: لا نَعْلَمُ أنْ رَأيْتَ جاءَتْ بِمَعْنى عَرَفْتَ، فَيُحْتاجُ في ذَلِكَ إلى اسْتِثْباتٍ، والمُرادُ بِدُخُولِ النّاسِ في دِينِهِ تَعالى أفْواجًا أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً إسْلامُهم مِن غَيْرِ قَتّالٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بَيْنَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا قَبْلَ الفَتْحِ يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قالَ: لَمّا كانَ الفَتْحُ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَتِ الأحْياءُ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ فَيَقُولُونَ: دَعَوْهُ وقَوْمَهُ؛ فَإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيٌّ.

وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ قالَتِ الأعْرابُ: أمّا إذا ظَفِرَ بِأهْلِ مَكَّةَ وقَدْ أجارَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أصْحابِ الفِيلِ فَلَيْسَ لَكم بِهِ يَدانِ، فَدَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ تَعالى أفْواجًا.

وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يُتَوَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدْ وافَدَهُ وتَأوَّلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: المُرادُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- العَرَبُ عَبَدَةُ الأوْثانِ؛ فَإنَّ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ ما أراهم أسْلَمُوا في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهم لَمْ يُسْلِمُوا إذْ ذاكَ فالمُرادُ بِالنّاسِ عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ ونَحْوِهِمْ.

وقالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ اليَمَنِ وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ وأسْلَمُوا واحْتَجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحُصَيْنِ بْنِ عِيسى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَدِينَةِ إذْ قالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وجاءَ أهْلُ اليَمَنِ».

قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أهْلُ اليَمَنِ؟

قالَ «قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهم لَيِّنَةٌ طاعَتُهُمُ الإيمانُ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ»».

وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ عَبْدِ الأعْلى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««الإيمانُ يَمانٍ»» جاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ««أتاكم أهْلُ اليَمَنِ هم أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوبًا، الإيمانُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ»».

فَقِيلَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ لِأنَّ مَكَّةَ يَمانِيَةٌ؛ ومِنها بُعِثَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَشا الإيمانُ.

وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدْحَ الأنْصارِ لِأنَّهم يَمانُونَ وقَدْ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ.

وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الخَبَرِ في المَدِينَةِ يُعارِضُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَبُوكَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَمَنِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ وهُما دارا الإيمانِ ومَظْهَراهُ ويُحْتَمَلُ تَكْرارُ القَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ ثَناءٌ عَلى أهْلِ اليَمَنِ لِإسْراعِهِمْ إلى الإيمانِ وقَبُولِهِمْ لَهُ بِلا سَيْفٍ، ويَشْمَلُ الأنْصارَ مِن أهْلِ اليَمَنِ وغَيْرَهُمْ، فَكَأنَّ الإيمانَ كانَ في سِنْخِ قُلُوبِهِمْ فَقَبِلُوهُ كَما أنْهى إلَيْهِمْ كَمَن يَجِدُ ضالَّتَهُ، ومِثْلُهُ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ»».

وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ فِي: «رَأيْتَ النّاسَ» عامًّا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ثُمَّ قالَ: وما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ أنَّ المُناسِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ أنْ يَحْمِلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والفَتْحُ ﴾ عَلى فَتْحِ بابِ الدِّينِ عَلَيْهِمُ انْتَهى.

وكِلا الأمْرَيْنِ كَما تَرى.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ: «إذا جاءَ فَتْحُ اللَّهِ والنَّصْرُ».

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ: «يُدْخَلُونَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

<div class="verse-tafsir"

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا ٣

﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: فَنَزِّهْهُ تَعالى بِكُلِّ ذِكْرٍ يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ حامِدًا لَهُ جَلَّ وعَلا زِيادَةً في عِبادَتِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِزِيادَةِ إنْعامِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْكَ، فالتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ لا التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ سُبْحانَ اللَّهِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، والحَمْدُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى عَلى الجَمْعِ بَيْنَ تَسْبِيحِهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النَّقائِصِ وتَحْمِيدُهُ وهو إثْباتُ ما يَلِيقُ بِهِ تَعالى مِنَ المَحامِدِ لَهُ لِعِظَمِ ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ: أيْ نَزِّهْهُ تَعالى عَنِ العَجْزِ في تَأْخِيرِ ظُهُورِ الفَتْحِ، وأحْمَدْهُ عَلى التَّأْخِيرِ، وصَفَهُ تَعالى بِأنَّ تَوْقِيتَ الأُمُورِ مِن عِنْدِهِ لَيْسَ إلّا لِحِمْكَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا هو عَزَّ وجَلَّ وهو كَما تَرى، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»».

يَتَأوَّلُ القُرْآنَ؛ تَعْنِي هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْهُ ﴾ أيِ اطْلُبْ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ، وكَذا بِما في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ في آخِرِ أمْرِهِ مِن قَوْلِ: «سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ».

وقالَ: «إنَّ رَبِّي أخْبَرَنِي أنْ سَأرى عَلّامَةً في أُمَّتِي وأمَرَنِي إذا رَأيْتُها أنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وأسْتَغْفِرَهُ»».

إلَخْ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخِرِ أمْرِهِ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجِيءُ إلّا قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ» قالَ: «إنِّي أُمِرْتُ بِها» وقَرَأ السُّورَةَ».

وهو غَرِيبٌ.

وفِي المُسْنَدِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ كانَ يُكْثِرُ إذا قَرَأها ورَكَعَ أنْ يَقُولَ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ».

ثَلاثًا».

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، والحَمْدُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ؛ أيْ سُبْحانَهُ بِما حَمِدَ سُبْحانَهُ بِهِ نَفْسَهُ.

قالَ ابْنُ رَجَبٍ: إذْ لَيْسَ كُلُّ تَسْبِيحٍ بِمَحْمُودٍ، فَتَسْبِيحُ المُعْتَزِلَةِ يَقْتَضِي تَعْطِيلَ كَثِيرٍ مِنَ الصِّفاتِ، وقَدْ كانَ بِشْرٌ المَرِيسِيُّ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي الأسْفَلِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

والظّاهِرُ المُلابَسَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ مَجازًا عَنِ التَّعَجُّبِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ؛ فَإنَّ مَن رَأى أمْرًا عَجِيبًا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، أيْ: فَتَعَجَّبْ لِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ وبالِ أحَدٍ مِن أنْ يَغْلِبَ أحَدٌ عَلى أهْلِ الحَرَمِ، وأحْمَدْهُ تَعالى عَلى صُنْعِهِ، وهَذا التَّعَجُّبُ تَعَجُّبٌ مُتَأمِّلٌ شاكِرٌ يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ ولَيْسَ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ بِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن شَأْنِها أنْ يَتَعَجَّبَ مِنها كَما زَعَمَ ابْنُ المُنَيِّرِ.

والتَّعْلِيلُ بِأنَّ الأمْرَ في صِيغَةِ التَّعَجُّبِ لَيْسَ أمْرًا بَيِّنَ السُّقُوطِ.

نَعَمْ هَذا الوَجْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ والأخْبارُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِعْدادِ لِلتَّوَجُّهِ إلى رَبِّهِ تَعالى والِاسْتِعْدادِ لِلِقائِهِ بَعْدَ ما أكْمَلَ دِينَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ.

وأيْضًا ما ذَكَرْناهُ مِنَ الآثارِ آنِفًا لا يُساعِدُ عَلَيْهِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ، ونَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أيْ: فَصَلِّ لَهُ تَعالى حامِدًا عَلى نِعَمِهِ.

وقَدْ رُوِيَ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ صَلّى في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ ثَمانِيَ رَكَعاتٍ،» وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ صَلّاها داخِلَ الكَعْبَةِ.

ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ.

وأيًّا ما كانَ فَهي صَلاةُ الفَتْحِ وهي سُنَّةٌ وقَدْ صَلّاها سَعْدٌ يَوْمَ فَتْحِ المَدائِنِ وقِيلَ: الضُّحى، وقِيلَ: أرْبَعٌ مِنها لِلْفَتْحِ وأرْبَعٌ لِلضُّحى وعَلى كُلٍّ لَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، والأخْبارُ أيْضًا تُساعِدُ عَلى خِلافِهِ واسْتِغْفارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ: لِأنَّهُ كانَ دائِمًا في التَّرَقِّي فَإذا تَرَقّى إلى مَرْتَبَةٍ اسْتَغْفَرَ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: مِمّا هو في نَظَرِهِ الشَّرِيفِ خِلافُ الأوْلى بِمَنصِبِهِ المُنِيفِ.

وقِيلَ: عَمّا كانَ مِن سَهْوٍ ولَوْ قِيلَ النُّبُوَّةُ وقِيلَ لِتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو اسْتِغْفارٌ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيْ.

واسْتَغْفِرْهُ لِأُمَّتِكَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ في «رَأيْتَ» عامًّا.

وقالَ: هاهُنا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ لِمَن سِواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإدْخالُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأمْرِ تَغْلِيبٌ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ مُقَصِّرٌ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى كَما يَنْبَغِي وأدائِها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظَمَتُهُ سُبْحانَهُ وإنَّما يُؤَدِّيها عَلى قَدْرِ ما يَعْرِفُ، والعارِفُ يَعْرِفُ أنَّ قَدْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أعْلى وأجَلُّ مِن ذَلِكَ؛ فَهو يَسْتَحِي مِن عَمَلِهِ ويَرى أنَّهُ مُقَصِّرٌ، وكُلَّما كانَ الشَّخْصُ بِاللَّهِ تَعالى أعْرَفَ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ أخْوَفَ وبِرُؤْيَةِ تَقْصِيرِهِ أبْصَرَ، وقَدْ كانَ كَهْمَسٌ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ ألْفَ رَكْعَةٍ، فَإذا صَلّى أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: قُومِي يا مَأْوى كُلِّ سُوءٍ، فَواللَّهِ ما رَضِيتُكِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أُوصِيَ إذا مِتُّ أنْ يُنْطَلَقَ بِي كَما يُنْطَلَقُ بِالعَبْدِ الآبِقِ إلى سَيِّدِهِ، فَإذا سَألَنِي قُلْتُ: يا رَبِّ، إنِّي لَمْ أرْضَ لَكَ نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ.

فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما يَعْرِفُ مِن عَظِيمِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ فَيَرى أنَّ عِبادَتَهُ وإنْ كانَتْ أجَلَّ مَن عِبادَةِ جَمِيعِ العابِدِينَ دُونَ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ الجَلالِ وتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي هي وراءَ ما يَخْطُرُ بِالبالِ فَيَسْتَحْيِي ويَهْرَعُ إلى الِاسْتِغْفارِ.

وقَدْ صَحَّ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً،» ولِلْإشارَةِ إلى قُصُورِ العابِدِ عَنِ الإتْيانِ بِما يَلِيقُ بِجَلالِ المَعْبُودِ، وأنَّ بَذْلَ المَجْهُودِ شُرِعَ الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ كَثِيرٍ مِنَ الطّاعاتِ فَذَكَرُوا أنَّهُ يُشْرَعُ لِمُصَلِّي المَكْتُوبَةِ أنْ يَسْتَغْفِرَ عَقِبَها ثَلاثًا ولِلْمُتَهَجِّدِ في الأسْحارِ أنْ يَسْتَغْفِرَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولِلْحاجِّ أنْ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَ الحَجِّ؛ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

ورُوِيَ أنَّهُ يُشْرَعُ لِخَتْمِ الوُضُوءِ، وقالُوا: يُشْرَعُ لِخَتْمِ كُلِّ مَجْلِسٍ.

وقَدْ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ إذا قامَ مِنَ المَجْلِسِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ».» فَفِي الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ رَمْزٌ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى ما قِيلَ إلى ما فُهِمَ مِنَ النَّعْيِ، والمَشْهُورُ أنْ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى مُشارَفَةِ تَمامِ أمْرِ الدَّعْوَةِ وتَكامُلِ أمْرِ الدِّينِ، والكَلامُ وإنْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى التَّعْلِيقِ وتَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ ثُمَّ الحَمْدِ عَلى الِاسْتِغْفارِ قِيلَ: عَلى طَرِيقَةِ النُّزُولِ مِنَ الخالِقِ إلى الخَلْقِ كَما قِيلَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ تَعالى قِبَلَهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَرايا لِتَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في التَّسْبِيحِ والحَمْدِ تَوَجُّهًا بِالذّاتِ لِجَلالِ الخالِقِ وكَمالِهِ، وفي الِاسْتِغْفارِ تَوَجُّهًا بِالذّاتِ لِحالِ العَبْدِ وتَقْصِيراتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهُما لِما أشَرْنا إلَيْهِ في مَشْرُوعِيَّةِ تَعْقِيبِ العِبادَةِ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ في تَقْدِيمِها عَلَيْهِ تَعْلِيمُ أدَبِ الدُّعاءِ؛ وهو أنْ لا يَسْألَ فَجْأةً مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ الثَّناءِ عَلى المَسْؤُولِ مِنهُ.

﴿ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ أيْ: مُنْذُ خَلَقَ المُكَلَّفِينَ؛ أيْ: مُبالِغًا في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فَلْيَكُنِ المُسْتَغْفِرُ التّائِبُ مُتَوَقِّعًا لِلْقَبُولِ فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، واخْتِيارُ ( تَوّابًا ) عَلى «غَفّارًا» مَعَ أنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ «اسْتَغْفِرْهُ» ظاهِرًا لِلتَّنْبِيهِ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ إنَّما يَنْفَعُ إذا كانَ مَعَ التَّوْبَةِ.

وذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ أنَّ الِاسْتِغْفارَ المُجَرَّدَ هو التَّوْبَةُ مَعَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالدُّعاءِ والمَقْرُونِ بِالتَّوْبَةِ، فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى وأتُوبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالدُّعاءِ فَقَطْ.

وقالَ أيْضًا: إنَّ المُجَرَّدَ طَلَبُ وِقايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الماضِي بِالدُّعاءِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ ووِقايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ المُتَوَقَّعِ بِالعَزْمِ عَلى الإقْلاعِ عَنْهُ، وهَذا الَّذِي يَمْنَعُ الإصْرارَ كَما جاءَ: ««ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ولَوْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ»».

والمَقْرُونُ بِالتَّوْبَةِ مُخْتَصٌّ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ؛ فَإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلى الذَّنْبِ الماضِي فَهو دُعاءٌ مَحْضٌ، وإنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهو تَوْبَةٌ انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ المَحْضَ غَيْرُ مَقْبُولٍ وفِيهِ مِن سُوءِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى ما فِيهِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ في الآيَةِ احْتِباكًا، والأصْلُ: «واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ غَفّارًا، وتُبْ إلَيْهِ إنَّهُ كانَ تَوّابًا».

وأُيِّدَ بِما قَدَّمْناهُ مِن حَدِيثِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وحَمْلُ الزَّمانِ الماضِي عَلى زَمانِ خَلْقِ المُكَلَّفِينَ هو ما ارْتَضاهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: أيْ: لَمْ يَزَلْ تَوّابًا لا أنَّهُ سُبْحانَهُ تَوّابٌ بِأمْرٍ اكْتَسَبَهُ وأحْدَثَهُ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ صارَ تَوّابًا إذْ أنْشَأ الخَلْقَ فَتابُوا فَقَبِلَ تَوْبَتَهُمْ، فَأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَوّابًا، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ ولا نِزاعَ في حُدُوثِها، واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَهَبَ إلَيْهِ الماتُرِيدِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ بِحَيْثُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ومَآلُهُ قِدَمُ مَنشَأِ قَبُولِها مِنَ الصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفي ذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي الرَّجاءَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ.

وصَحَّ: ««لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ تَعالى بِكم ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم.

وفي الِاسْتِغْفارِ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ»».

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««مَن قالَ حِينَ يَأْوِي إلى فِراشِهِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ، وإنْ كانَتْ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ، وإنْ كانَتْ عَدَدَ ورَقِ الشَّجَرِ»».

وأخْرَجَ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: ««مَن أكْثَرَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مَن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا»».

وأنا أقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى وأتُوبُ إلَيْهِ، وأسْألُهُ أنْ يَجْعَلَ لِي مَن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومَن كُلِّ ضَيِّقٍ مَخْرَجًا، بِحُرْمَةِ كِتابِهِ وسَيِّدِ أحْبابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله