الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الناس
تفسيرُ سورةِ الناس كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 19 دقيقة قراءةسُورَةُ النّاسِ وتُسَمّى مَعَ ما قَبْلَها كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ بِكَسْرِ الواوِ، والفَتْحُ خَطَأٌ، وكَذا بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْرِ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها، وهي سِتُّ آياتٍ لا سَبْعٌ، وإنِ اخْتارَهُ بَعْضُهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أعُوذُ ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ كَما قُرِئَ:«فَخُذَ ارْبَعَةً» .
﴿ بِرَبِّ النّاسِ ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهُمْ، وأمالَ «النّاسِ» هَنا أبُو عَمْرٍو والدُّورِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مَجْرُورًا.
﴿ مَلِكِ النّاسِ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهِ النّاسِ ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مُلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ سِياسَتِهِمْ والتَّوَلِّي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً وإيجادًا وإعْدامًا.
وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ أيْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، ثُمَّ ما هُنا -وإنْ لَمْ يَكُنْ جامِدًا- فَهو في حُكْمِهِ، ولَعَلَّ الجَزالَةَ دَعَتْ إلى اخْتِيارِهِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ إلى النّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ عَلى ما في الإرْشادِ لِلْإرْشادِ إلى مِنهاجِ الِاسْتِعاذَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِالإعاذَةِ فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ وانْتِسابَهُ إلَيْهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ شَرُّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمْزٌ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في بَيانِ وجْهِ التَّخْصِيصِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِعاذَةِ هُنا مِن شَرِّ ما يَخُصُّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وهي الوَسْوَسَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ الوَسْواسِ ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا فِيهِ مِنَ القُصُورِ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ بِأنَّ شَرَّ المُوَسْوِسِ كَما يَلْحَقُ النُّفُوسَ يَلْحَقُ الأبْدانَ أيْضًا، وفِيهِ شَيْءٌ سَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، واخْتارَ هَذا الباحِثُ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيما سَبَقَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أُضِيفَ الرَّبُّ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ أيْ بِناءً عَلى عُمُومِ الفَلَقِ، ولَمّا كانَتْ هُنا مِن شَرِّ الوَسْواسِ لَمْ يُضَفْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ النَّظَرُ إلى السُّورَةِ السّابِقَةِ يَقْتَضِي الإضافَةَ إلى الوَسْواسِ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ حَطًّا لِدَرَجَتِهِ عَنْ إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ بَلْ إلى المُسْتَعِيذِ، وكانَ في هَذا الحَطِّ رَمْزًا إلى الوَعْدِ بِالإعاذَةِ وهو الَّذِي يَجْعَلُ لِما ذُكِرَ حَظًّا في أداءِ حَقِّ المَقامِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ في آخِرِ سُورَةٍ مِن كِتابِهِ تَذْكِيرَ الأوَّلِ أمْرٌ عَرَفُوهُ في عالَمِ الذَّرِّ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِهِ فِيما بَعْدُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ الآيَةَ..
فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ لِئَلّا يَتَدَنَّسُ أمْرُ ذَلِكَ العَهْدِ، وفِيهِ أيْضًا رَمْزٌ إلى الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشْعارًا بِمَراتِبِ النّاظِرِ المُتَوَجِّهِ لِمَعْرِفَةِ خالِقِهِ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما يَرى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفُ أمْرِهِ مِنهُ؛ فَهو المَلِكُ الحَقُّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ.
ويَنْدَرِجُ في وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ فَإنَّ عادَةَ مَن ألَمَّ بِهِ هَمٌّ أنْ يَرْفَعَ أمْرَهُ لِسَيِّدِهِ ومُرَبِّيهِ كَوالِدَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى رَفْعِهِ رَفَعَهُ لِمَلِكِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنْ لَمْ يُزِلْ ظُلامَتَهُ شَكاهُ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ومَن إلَيْهِ المُشْتَكى والمَفْزَعُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها.
ولِابْنِ سِينا هاهُنا كَلامٌ تَتَحَرَّجُ مِنهُ الأقْلامُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألَمَّ بِهِ وكانَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ أدْنى إلْمامٍ.
وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعامِّ بَعْضُ أفْرادِهِ فالنّاسُ الأوَّلُ بِمَعْنى الأجِنَّةِ والأطْفالِ المُحْتاجِينَ لِلتَّرْبِيَةِ، والثّانِي الكُهُولُ والشُّبّانُ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمَن يَسُوسُهُمْ، والثّالِثُ الشُّيُوخُ المُتَعَبِّدُونَ المُتَوَجِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلى ما فِيهِ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً وإنْ كانَ أغْلَبِيًّا.
والوَسْواسُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، والمَصْدَرُ بِالكَسْرِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسُ الخَفِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخَطِرَةِ الرَّدِيَّةِ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا الشَّيْطانُ، سَمِّي بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفَسَ الوَسْوَسَةَ أوِ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذِي الوَسْواسِ.
وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ فَعْلَلَ ضَرْبانِ: صَحِيحٌ كَدَحْرَجَ، وثَنائِيٌّ مُكَرَّرٌ كَصَلْصَلَ، ولَهُما مَصْدَرانِ مُطَّرِدانِ: فَعْلَلَةٌ وفِعْلالٌ بِالكَسْرِ وهو أقْيَسُ، والفَتْحُ شاذٌّ لَكِنَّهُ كَثُرَ في المُكَرَّرِ كَتَمْتامٍ وفَأْفَأةٍ، ويَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَفَعّالٍ في الثُّلاثِيِّ كَما قالُوا وطْواطٌ لِلضَّعِيفِ وثَرْثارٌ لِلْمُكْثِرِ، والحَقُّ أنَّهُ صِفَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزِّلْزالِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الوَسْواسِ مِن حَيْثُ هو وسْواسٌ، ومَآلُهُ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ وسْوَسَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِعاذَةُ مِن جَمِيعِ شُرُورِهِ؛ ولِذا قِيلَ: مِن شَرِّ الوَسْواسِ ولَمْ يُقَلْ: مِن وسْوَسَةِ الوَسْواسِ.
قِيلَ: وعَلَيْهِ يَكُونُ القَوْلُ بِأنَّ شَرَّهُ يَلْحَقُ البَدَنَ كَما يَلْحَقُ النَّفْسَ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ، وعُدَّ مِن شَرِّهِ أنَّهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ «يَعْقِدُ عَلى قافِيَةِ رَأْسِ العَبْدِ إذْ هو نامَ ثَلاثَ عُقَدٍ،» مُرادُهُ بِذَلِكَ مَنعُهُ مِنَ اليَقَظَةِ، وفي عَدِّ هَذا مِنَ الشَّرِّ البَدَنِيِّ خَفاءٌ، وبَعْضُهم عَدَّ مِنهُ التَّخَبُّطَ إذا لَحِقَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن مَسِّهِ كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الخَنّاسِ ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ أوْ نِسْبَةٌ؛ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ ويَتَأخَّرَ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
أخْرَجَ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى قَلْبِهِ الوَسْواسُ، فَإذا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ، ولَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ، ويُقالُ: إنَّ رَأْسَهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِلْوَسْواسِ خَطْمًا كَخَطْمِ الطّائِرِ، فَإذا غَفَلَ ابْنُ آدَمَ وضَعَ ذَلِكَ المِنقارَ في أُذُنِ القَلْبِ يُوَسْوِسُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى نَكَصَ وخَنِسَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْواسَ الخَنّاسَ»».
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ ﴾ قِيلَ: أُرِيدَ قُلُوبُهم مَجازًا.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ الصَّدْرَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الدِّهْلِيزِ فَيُلْقِي مِنهُ ما يُرِيدُ إلْقاءَهُ إلى القَلْبِ ويُوَصِّلُهُ إلَيْهِ ولا مانِعَ عَقْلًا مِن دُخُولِهِ في جَوْفِ الإنْسانِ، وقَدْ ورَدَ السَّمْعُ بِهِ كَما سَمِعْتَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ والإيمانُ بِهِ، ومِن ذَلِكَ: ««إنَّ الشَّيْطانَ لِيَجْرِيَ مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ»».
ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَهُ عَلى التَّمْثِيلِ وقالَ في الآيَةِ: إنَّها لا تَقْتَضِي الدُّخُولَ كَما يُنادِي عَلَيْهِ البَيانُ الآتِي.
وقالَ ابْنُ سِينا: الوَسْواسُ القُوَّةُ الَّتِي تُوقِعُ الوَسْوَسَةَ وهي القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ بِحَسْبِ صَيْرُورَتِها مُسْتَعْمِلَةً لِلنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ حَرَكَتَها تَكُونُ بِالعَكْسِ، فَإنَّ النَّفْسَ وِجْهَتُها إلى المَبادِئِ المُفارِقَةِ فالقُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ إذا أخَذَتْها إلّا الِاشْتِغالُ بِالمادَّةِ وعَلائِقِها فَتِلْكَ القُوَّةُ تَخْنِسُ؛ أيْ تَتَحَرَّكُ بِالعَكْسِ وتَجْذِبُ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ إلى العَكْسِ؛ فَلِذَلِكَ تُسَمّى خَنّاسًا، ونَحْوَهُ ما قِيلَ؛ إنَّهُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ فَهي تُساعِدُ العَقْلَ في المُقَدِّماتِ فَإذا آلَ الأمْرُ إلى النَّتِيجَةِ خَنِسَتْ وأخَذَتْ تُوَسْوِسُهُ وتُشَكِّكُهُ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِأمْثالِ ذَلِكَ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ.
والقاضِي ذَكَرَ الأخِيرَ عَنْ سَبِيلِ التَّنْظِيرِ لا عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ والتَّفْسِيرِ بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ.
ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَلى الوَصْفِ وإمّا الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الذَّمِّ والشَّتْمِ، ويَحْسُنُ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى ﴿ الخَنّاسِ ﴾ وأمّا عَلى الأوَّلِ فَفي الكَواشِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ، وتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ في عَدَمِ الجَوازِ نَظَرٌ لِلْفاصِلَةِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ إذا كانَ صِفَةً فالحُسْنُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى وجْهٍ؛ وهو أنَّ الوَقْفَ الحُسْنَ شامِلٌ لِمِثْلِهِ في فاصِلَةٍ خاصَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ﴾ بَيانٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ عَلى أنَّهُ ضَرْبانِ؛ جِنِّيٌّ وإنْسِيٌّ كَما قالَ تَعالى: ﴿ شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ «يُوَسْوِسُ»، و«مِن» لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: يُوَسْوِسُ في صُدُورِهِمْ مِن جِهَةِ الجِنِّ مِثْلَ أنْ يُلْقِيَ في قَلْبِ المَرْءِ مِن جِهَتِهِمْ أنَّهم يَنْفَعُونَ ويَضُرُّونَ، ومِن جِهَةِ النّاسِ مِثْلَ أنْ يُلْقِيَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ المُنَجِّمِينَ والكُهّانِ وأنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ.
وجُوِّزَ فِيهِ الحالِيَّةُ مِن ضَمِيرِ: ﴿ يُوَسْوِسُ ﴾ والبَدَلِيَّةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ ﴾ بِإعادَةِ الجارِّ وتَقْدِيرِ المُضافِ، والبَدَلِيَّةُ مِنَ الوَسْواسِ عَلى أنَّ «مِن» تَبْعِيضِيَّةٌ.
وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: هو بَيانٌ لِلنّاسِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ أيْضًا فَيُقالُ كَما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ.
كَما يُقالُ: نَفَرٌ ورِجالٌ مِنهُمْ، وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ النّاسِ خِلافُهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن شُبَهِ جَعْلِ قِسْمِ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ، ومِثْلُهُ لا يُناسِبُ بَلاغَةَ القُرْآنِ وإنْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الجِنِّ كَما يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الإنْسِ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
ولا يَجُوزُ جَعْلُ الآيَةِ دَلِيلًا لِما لا يَخْفى، وأقْرَبُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ النّاسِي بِالياءِ مِثْلُهُ في قِراءَةِ بَعْضِهِمْ: «مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسِ» بِالكَسْرِ ويُجْعَلُ سُقُوطُ الياءَ كَسُقُوطِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ ﴾ ثُمَّ يُبَيَّنُ بِالجِنَّةِ والنّاسِ؛ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفَرِيقَيْنِ مُبْتَلًى بِنِسْيانِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن تَدارَكَهُ شَوافِعُ عِصْمَتِهِ وتَناوَلَهُ واسِعُ رَحْمَتِهِ.
جَعَلَنا اللَّهُ مِمَّنْ نالَ مِن عِصْمَتِهِ الحَظَّ الأوْفى وكالَ لَهُ مَوْلاهُ مِن رَحِمْتِهِ فَأوْفى.
ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: إنَّ حُرُوفَ هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ المُكَرَّرِ اثْنانِ وعِشْرُونَ حَرْفًا وكَذا حُرُوفُ الفاتِحَةِ؛ وذَلِكَ بِعَدَدِ السِّنِينَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ فَلْيُراجَعْ، وبَعْدَ أنْ يُوجَدَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَ سِنِي النُّزُولِ اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ.
والمَشْهُورُ أنَّها ثَلاثٌ وعِشْرُونَ اه.
ومِثْلُ هَذا الرَّمْزِ ما قِيلَ إنَّ أوَّلَ حُرُوفِهِ الباءُ وآخِرُها السِّينُ كَأنَّهُ قِيلَ «بَسْ» أيْ حَسْبُ؛ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كافٍ عَمّا سِواهُ، ورُمِزَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُ الفُرْسِ فَقالَ: أول وآخر قرآن زجه با آمد وسين يعني اندر دو جهان رهبر ما قرآن بس ومِثْلُهُ مِنَ الرُّمُوزِ كَثِيرٌ، لَكِنْ قِيلَ: لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ إنَّهُ مُرادُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
نَعَمْ قَدْ أرْشَدَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى الِاسْتِعانَةِ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما أرْشَدَ جَلَّ وعَلا إلَيْها في الفاتِحَةِ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ تَعالى عَلى القَوْلِ بِأنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ بِوَحْيِهِ سُبْحانَهُ مِن خَتْمِ كِتابِهِ الكَرِيمِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِن شَرِّ الوَسْواسِ الإشارَةُ كَما في الفاتِحَةِ إلى جَلالَةِ شَأْنِ التَّقْوى والرَّمْزُ إلى أنَّها مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ وبِها يَحْصُلُ حُسْنُ الخاتِمَةِ، فَسُبْحانَهُ مِن مَلِكٍ جَلِيلٍ ما أجَّلَ كَلِمَتَهُ، ولِلَّهِ دَرُّ التَّنْزِيلِ ما أحْسَنَ فاتِحَتَهُ وخاتِمَتَهُ.
وبَعْدُ، فَهَذا والحَمْدُ لِلَّهِ تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا، فَأسْعَدَنِي ولَهُ الشُّكْرُ بِالتَّوْفِيقِ لِتَفْسِيرِ كِتابِهِ العَزِيزِ الَّذِي لا يَذِلُّ مَن لاذَ بِهِ ولا يَشْقى، فَإذْ وفَّقْتَنِي يا إلَهِي لِتَفْسِيرِ عِبارَتِهِ، ووَفَّقْتَنِي عَلى ما شِئْتَ مِن مُضْمَرِ إشارَتِهِ، فاجْعَلْنِي يا رَبّاهُ مِمَّنْ يَعْتَصِمُ بِمُحْكَمِ حَبْلِهِ، ويَتَمَسَّكُ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى، ويَأْوِي مِنَ المُتَشابِهاتِ إلى حِرْزِ مَعْقِلِهِ، ويَسْتَظِلُّ بِظِلالِ كَهْفِهِ الأوْفى، وأعِذْنِي بِهِ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ ومَكائِدِهِ، ومِنَ الِارْتِباكِ بِشِباكِ غُرُورِهِ ومَصائِدِهِ، واجْعَلْهُ وسِيلَةً لِي إلى أشْرَفِ مَنازِلِ الكَرامَةِ، وسُلَّمًا أعْرُجُ فِيهِ إلى مَحَلِّ السَّلامَةِ، فَطالَما يا إلَهِي أسْهَرَتْنِي آياتُهُ، حَتّى خَفَقَتْ بِرَأْسِي سِنَةُ الكَرى، فَلَمْ أفِقْ إلّا وقَدْ لَطَمَتْنِي مِن صِفاحِ صَحائِفِ سُورَةٍ ذاتِ سَوارٍ.
وكَمْ وكَمْ سَرَتْ بِي يا مَوْلايَ عِباراتُهُ، حَتّى حُقِّقَتْ لِي دَعْوى: عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى.
فَلَمْ أشْعُرْ إلّا وقَدْ تَلَفَّعْتُ نَواعِسَ السَّوادِي مِن فَضْلِ مِئْزَرِ مَهاةِ الصُّبْحِ بِخِمارٍ، ولَمْ أزَلْ أُسَوِّدُ الأوْراقَ في تَحْرِيرِ ما أفَضْتَ عَلَيَّ حَتّى بَيَّضَ نُسْخَةَ عُمْرِي المَشِيبُ، وأجْدَدَ النَّظَرُ بِتَحْدِيقِ الأحْداقِ، فِيما أُفِيضَتْ بِهِ مِنَ المَشايِخِ إلَيَّ حَتّى بَلِيَ بَرْدُ شَبابِي القَشِيبُ.
هَذا مَعَ ما قاسَيْتُهُ مِن خَلِيلٍ غادِرٍ، وجَلِيلٍ جائِرٍ، وزَمانٍ غَشُومٍ، وغُيُومٍ وابِلُها غُمُومٌ، إلى أُمُورٍ أنْتَ بِها يا إلَهِي أعْلَمُ، ولَمْ يَكُنْ لِي فِيها سِواكَ مَن يَرْحَمُ.
وأكْثَرُ ذَلِكَ يا إلَهِي قَدْ كانَتْ حَيْثُ أهَّلْتَنِي لِخِدْمَةِ كِتابِكَ، ومَنَنْتَ عَلَيَّ مِن غَيْرِ حَدٍّ بِالفَحْصِ عَنْ مُسْتَوْدَعاتِ خِطابِكَ فاكْفِنِي اللَّهُمَّ بِحُرْمَتِهِ مُؤْنَةَ مَعَرَّةِ العِبادِ، وهَبْ لِي أمْنَ يَوْمِ المَعادِ، وأعِذْنِي بِلُطْفِكَ وأعِذْنِي بِنِعْمَتِكَ ووَفِّقْنِي لِلَّتِي هي أزْكى، واسْتَعْمِلْنِي بِما هو أرْضى، واسْلُكْ بِيَ الطَّرِيقَةَ المُثْلى، وزَوِّدْنِي مَطِيّاتِ الهُدى وزَوِّدْنِي باقِياتِ التَقى، وأصْلِحْ ذُرِّيَّتِي، وبَلِّغْنِي بِهِمْ أُمْنِيَّتِي، واجْعَلْهم عُلَماءَ عامِلِينَ وهُداةً مَهْدِيِّينَ، وكُنْ لِي ولَهم في جَمِيعِ الأُمُورِ واحْفَظْنِي واحْفَظْهم مِن فِتَنِ دارِ الغُرُورِ وأيِّدِ اللَّهُمَّ خَلِيفَتَكَ في خَلِيقَتِكَ، ووَفِّقْهُ بِحُرْمَةِ كَلامِكَ لِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ، وصَلِّ وسَلِّمْ عَلى رُوحِ مَعانِي المُمْكِناتِ عَلى الإطْلاقِ، ورُوحِ مَعانِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، في سائِرِ الآفاقِ وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ وكُلِّ مَن سَلَكَ سُنَنَ سُنَّتِهِ، واقْتَفى وقالَ في ظِلالِ ظَلِيلِ شَرِيعَتِهِ قائِلًا: حَسْبِي ذَلِكَ وكَفى.
وقَدْ صادَفَ تَسْلِيمُ القَلَمِ رُكُوعَهُ وسُجُودَهُ، في ظُلَمِ دَياجِي المِدادِ، واضْطِجاعِهِ في بَيْتِ الدَّواةِ، بَعْدَ قِيامِهِ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ لِكِتابِ رَبِّ العِبادِ، لَيْلَةَ الثُّلاثاءِ لِأرْبَعٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ سَنَةَ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وسَبْعٍ وسِتِّينَ، مِن هِجْرَةِ سَيِّدِ الأوائِلِ والأواخِرِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجاءَ تارِيخُهُ (أكْمَلَ تَفْسِيرِي رُوحَ المَعانِي والحَمْدُ لِلَّهِ باطِنًا وظاهِرًا ولَهُ سُبْحانُهُ الشُّكْرُ أوَّلًا وآخِرًا).