تفسير سورة القصص الآية ٢٨ عند الألوسي

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > سورة 28 القصص > الآية ٢٨

قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ ٢٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 16 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ ذَلِكَ الَّذِي قُلْتَ وعاهَدْتَنِي فِيهِ وشارَطْتَنِي عَلَيْهِ قائِمٌ وثابِتٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا يَخْرُجُ عَنْهُ واحِدٌ مِنّا لا أنا عَمّا شَرَطْتَ (عَلَيَّ) ولا أنْتَ عَمّا شَرَطْتَ عَلى نَفْسِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أيَّما الأجَلَيْنِ ﴾ أيْ أطْوَلَهُما أوْ أقْصَرَهُما ﴿ قَضَيْتُ ﴾ أيْ وفَّيْتُكَ بِأداءِ الخِدْمَةِ فِيهِ ﴿ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمُرادِ وتَقْرِيرٌ لِأمْرِ الخِيارِ أيْ لا عُدْوانَ كائِنٌ (عَلَيَّ) بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ وتَعْمِيمُ انْتِفاءِ العُدْوانِ بِكِلا الأجَلَيْنِ بِصَدَدِ المُشارَطَةِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ العُدْوانِ في أطْوَلِهِما رَأْسًا لِلْقَصْدِ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الِانْتِفاءِ أيْ كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِ أوْ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا إثْمَ كائِنٌ (عَلَيَّ) كَما لا إثْمَ (عَلَيَّ) في قَضاءِ الأطْوَلِ لا إثْمَ (عَلَيَّ) في قَضاءِ الأقْصَرِ فَقَطْ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «أيُّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ» فَما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القَضاءِ أيْ أيُّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ كَما أنَّها في القِراءَةِ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ إبْهامِ أيْ وشِياعُها، وجَعْلُها نافِيَةً لا يَخْفى ما فِيهِ وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «أيْما» بِتَسْكِينِ الياءِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقَ: تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُما (عَلَيَّ) مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وأصْلُها المُشَدَّدَةُ وحُذِفَتِ الياءَ تَخْفِيفًا وهي مِمّا عَيْنُهُ واوٌ ولامُهُ ياءٌ، ونَصَّ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّها مِن بابِ أوَيْتُ قِياسًا واشْتِقاقًا وقَدْ نَقَلَ كَلامَهُ في بَيانِ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن شاءَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ قَطِيبٍ «فَلا عِدْوانَ» بِكَسْرِ العَيْنِ ﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ ﴾ مِنَ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا ﴿ وكِيلٌ ﴾ أيْ شَهِيدٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ، وفي البَحْرِ الوَكِيلِ الَّذِي وكَلَ إلَيْهِ الأمْرَ ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٌ ونَحْوِهِ عُدِّيَّ بِعَلى ومِن هُنا قِيلَ: أيْ شاهِدٌ حَفِيظٌ، والمُرادُ تَوْثِيقُ العَهْدِ وأنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنهُما إلى الخُرُوجِ عَنْهُ أصْلًا، وهَذا بَيانٌ لِما عَزَما عَلَيْهِ واتَّفَقا عَلى إيقاعِهِ إجْمالًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ مَواجِبِ عَقْدَيِ النِّكاحِ والإجارَةِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ تَفْصِيلًا، وقَوْلُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَرْضٌ لِرَأْيِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِدْعاءٌ مِنهُ لِلْعَقْدِ لا إنْشاءٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ بِالفِعْلِ، ولَمْ يَجْزِمِ القائِلُونَ بِاتِّفاقِ الشَّرِيعَتَيْنِ في ذَلِكَ بِكَيْفِيَّةِ ما وقَعَ، فَقِيلَ: لَعَلَّ النِّكاحَ جَرى عَلى مُعَيَّنَةٍ بِمَهْرٍ غَيْرِ الخِدْمَةِ المَذْكُورَةِ وهي إنَّما ذُكِرَتْ عَلى طَرِيقِ المُعاهَدَةِ لا المُعاقَدَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ بِمَهْرٍ مُعَيَّنٍ إذا أجَرْتَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَما تَقُولُ في ذَلِكَ فَرَضِيَ فَعَقَدَ لَهُ عَلى مُعَيَّنَةٍ مِنهُما، فَلا يَرِدُ أنَّ الإبْهامَ في المَرْأةِ المُزَوَّجَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وعَلى الخِدْمَةِ ومَنافِعِ الحُرِّ عِنْدَنا أيْضًا خُصُوصًا إذا قِيلَ: إنْ مُدَّتَها غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ وهي أيْضًا لَيْسَتْ لِلزَّوْجَةِ بَلْ لِأبِيها فَكَيْفَ صَحَّ كَوْنُها مَهْرًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرى عَلى مُعَيَّنَةٍ بِمَهْرِ الخِدْمَةِ المَذْكُورَةِ ولا فَسادَ في جَعْلِ الرَّعِيَّةِ مَهْرًا فَإنَّهُ جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وكَذا عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الهِدايَةِ ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ المَدارِكِ أنَّهُ قالَ: التَّزَوُّجُ عَلى رَعْيِ الغَنَمِ جائِزٌ بِالإجْماعِ لِأنَّهُ قِيامٌ بِأمْرِ الزَّوْجِيَّةِ لا خِدْمَةٌ صِرْفَةٌ، وفي دَعْوى الإجْماعِ إنْ أُرِيدَ بِهِ إجْماعُ الأئِمَّةِ مُطْلَقًا بُحِثَ، فَفي المُحِيطِ البُرْهانِيِّ لَوْ تَزَوَّجَها عَلى أنْ يَرْعى غَنَمَها سَنَةً لَمْ يَجُزْ عَلى رِوايَةِ الأصْلِ، ورَوىابْنُ سَماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ يَجُوزُ في الرَّعْيِ، وفي الِانْتِصافِ مَذْهَبُ مالِكٍ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالِ المَنعُ والكَراهَةُ والجَوازُ، ويُقالُ عَلى الجَوازِ كانَتِ الغَنَمُ لِلْمُزَوَّجَةِ لا لِأبِيها ولَيْسَ في المُدَّةِ إبْهامٌ إذْ هي الحِجَجُ الثَّمانِ والزّائِدَةُ قَدْ وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاءَ بِهِ إنْ تَيَسَّرَ لَهُ عَلى أنَّ الإبْهامَ في المَهْرِ يَجُوزُ كَما هو مُبَيَّنٌ في الفُرُوعِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّرائِعُ مُخْتَلِفَةً في أمْرِ الإنْكاحِ فَلَعَلَّ إنْكاحَ المُبْهَمَةِ جائِزٌ في شَرِيعَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَكُونُ التَّعْيِينُ لِلْوَلِيِّ أوْ لِلزَّوْجِ، وكَذا جَعَلَ خِدْمَةَ الوَلِيِّ صَداقًا ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في شَرِيعَتِنا.

ولا يَرِدُ أنَّ ما قَصَّ مِنَ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِن غَيْرِ إنْكارٍ فَهو شَرْعٌ لَنا لِأنَّهُ عَلى الإطْلاقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

وفي الإكْلِيلِ عَنْ مَكِّيٍّ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ خَصائِصُ في النِّكاحِ.

مِنها أنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الزَّوْجَةَ، ولا حَدَّ أوَّلَ المُدَّةِ، وجَعَلَ المَهْرَ إجارَةً، ودَخَلَ ولَمْ يُنَفِّذْ شَيْئًا.

والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ اخْتِلافُ الشَّرائِعِ في مَواجِبِ النِّكاحِ ورُبَّما يُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما في الفَصْلِ التّاسِعِ والعِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَضى إلى بَلَدِ أهْلِ الشَّرْقِ فَإذا بِئْرٌ في الصَّحْراءِ عَلى فَمِها صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ وعِنْدَها ثَلاثَةُ قُطْعانٍ مِنَ الغَنَمِ فَقالَ لِرُعاتِها: مَن أيْنَ أنْتُمْ يا إخْوَةُ؟

قالُوا مِن حَرّانَ.

فَقالَ لَهُمْ: أتَعْرِفُونَ لابانَ بْنَ ناحُورَ؟

فَقالُوا: نَعَمْ.

فَقالَ: أحَيٌّ هُوَ؟

قالُوا: نَعَمْ وهَذِهِ راحِيلُ ابْنَتُهُ مَعَ الغَنَمِ.

ثُمَّ قالَ: لَيْسَ هَذا وقْتَ انْضِمامِ الماشِيَةِ فاسْقُوا الغَنَمَ وامْضُوا بِها فارْعَوْها.

قالُوا: لا نُطِيقُ ذَلِكَ إلى أنْ تَجْتَمِعَ الرُّعاةُ ويُدَحْرِجُوا الصَّخْرَةَ عَنْ فَمِ البِئْرِ فَبَيْنَما هو يُخاطِبُهم جاءَتْ راحِيلُ مَعَ غَنَمِ أبِيها فَلَمّا رَأى ذَلِكَ تَقَدَّمَ ودَحْرَجَ الصَّخْرَةَ وسَقى غَنَمَ خالِهِ لابانَ ثُمَّ قَبَّلَ راحِيلَ وبَكّى وأخْبَرَها أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِها رَبْقا فَأخْبَرَتْ أباها فَخَرَجَ لِلِقائِهِ فَعانَقَهُ وقَبَّلَهُ وأدْخَلَهُ إلى مَنزِلِهِ ثُمَّ قالَ لابانُ لَهُ: أمّا أنْتَ فَعَظْمِي ولَحْمِي ومَكَثَ عِنْدَهُ شَهْرًا فَقالَ لَهُ لابانُ: أنْتَ وإنْ كُنْتَ ذا قَرابَةٍ مِنِّي لا أسْتَحْسِنُ أنْ تَخْدُمَنِي مَجّانًا فَأخْبِرْنِي بِما تُرِيدُ مِنَ الأُجْرَةِ؟

وكانَ لَهُ ابْنَتانِ اسْمُ الكُبْرى لَيا واسْمُ الصُّغْرى راحِيلُ وعَيْنا لَيا حَسَنَتانِ وراحِيلُ حَسَنَةُ الحِلْيَةِ والمَنظَرِ فَأحَبَّها يَعْقُوبُ فَقالَ: أخْدُمُكَ سَبْعَ سِنِينَ بِراحِيلَ فَقالَ: لابانُ: إعْطائِي إيّاها لَكَ أصْلَحُ مِن إعْطائِي إيّاها لِرَجُلٍ آخَرَ فَأقِمْ عِنْدِي فَخَدَمَهُ بِراحِيلَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ قالَ: أعْطِنِي زَوْجَتِي فَقَدْ كَمَّلْتُ أيّامِي فَجَمَعَ لابانُ أهْلَ المَوْضِعِ وصَنَعَ لَهم مَجْلِسًا فَلَمّا كانَ العَشاءُ أخَذَ لَيا بِنْتَهُ فَزَفَّها إلَيْهِ ودَخَلَ عَلَيْها فَأعْطاها لابانُ أمَتَهُ زَلْفا لِتَكُونَ لَها أمَةً فَلَمّا كانَتِ الغَداةُ فَإذا هي لَيا فَقالَ لِلابانَ: ماذا صَنَعْتَ بِي ألَيْسَ بِراحِيلَ خَدَمْتُكَ؟

قالَ: نَعَمْ لَكِنْ لا تُزَوَّجُ الصُّغْرى قَبْلَ الكُبْرى في بَلَدِنا فَأكْمِلْ أُسْبُوعَ هَذِهِ وأُعْطِيكَ أُخْتَها راحِيلَ أيْضًا بِالخِدْمَةِ الَّتِي تَخْدُمُها عِنْدِي سَبْعَ سِنِينَ أُخَرَ فَكَمَّلَ يَعْقُوبُ أُسْبُوعَ لَيا ثُمَّ أعْطاهُ ابْنَتَهُ راحِيلَ زَوْجَةً وأعْطاها أمَتَهُ بَلْها لِتَكُونَ لَها أمَةً، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها يَعْقُوبُ أحَبَّها أكْثَرَ مِن حُبِّهِ لَيا ثُمَّ خَدَمَهُ سَبْعَ سِنِينَ أُخَرَ اهـ.

وأخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِدْمَةُ الأبِ مَهْرًا لِابْنَتِهِ ويَلْزَمُ الأبَ إرْضاؤُها بِشَيْءٍ إذا كانَتْ كَبِيرَةً وأنَّ ما التَزَمَ مِنَ الخِدْمَةِ لا يَجِبُ فِعْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ويَكْفِي الِالتِزامُ والتَّعَهُّدُ، وأنَّ المَهْرَ عِنْدَهم كُلُّ شَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ أوْ ما في حُكْمِها، وأنَّ تَسْلِيمَ المَرْأةِ نَفْسَها لِلزَّوْجِ راضِيَةً بِما يَحْصُلُ لَها مِنهُ مِن قَضاءِ الوَطَرِ والِانْتِفاعِ بَدَلًا عَنِ المَهْرِ قَدْ يَقُومُ مَقامَ المَهْرِ، وأنَّ حِلَّ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ كانَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً، وهَذا الأخِيرُ مِمّا ذَكَرَهُ عُلَماءُ الإسْلامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ غَيْرِهِ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الكَلامِ، هَذا ولِلْعُلَماءِ في الآيَةِ اسْتِدْلالاتٌ.

قالَ في الإكْلِيلِ: فِيها اسْتِحْبابُ عَرْضِ الرَّجُلِ مُوَلِّيَتَهُ عَلى أهْلِ الخَيْرِ والفَضْلِ أنْ يَنْكِحُوها، واعْتِبارُ الوَلِيِّ في النِّكاحِ، وأنَّ العَمى لا يَقْدَحُ في الوِلايَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْمى، واعْتِبارُ الإيجابِ والقَبُولِ في النِّكاحِ وقالَ ابْنُ الغَرْسِ: اسْتَدَلَّ مالِكٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إنْكاحِ الأبِ البِكْرَ البالِغَةَ بِغَيْرِ اسْتِئْمارٍ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيها اسْتِئْمارٌ.

قالَ: واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى جَوازِ أنْ يُكْتَبَ في الصَّداقِ أُنْكِحُهُ إيّاها خِلافًا لِمَنِ اخْتارَ أُنْكِحُها إيّاهُ قائِلًا لِأنَّهُ إنَّما يَمْلِكُ النِّكاحَ عَلَيْها لا عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: اسْتَدَلَّ بِها أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى أنَّ النِّكاحَ مَوْقُوفٌ عَلى لَفْظِ الإنْكاحِ والتَّزْوِيجِ.

قالَ: واسْتَدَلَّ بِها قَوْمٌ عَلى جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ نِكاحٍ وإجارَةٍ في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ فَعَدُّوهُ إلى كُلِّ صَفْقَةٍ تَجْمَعُ عَقْدَيْنِ وقالُوا بِصِحَّتِها.

قالَ: واسْتَدَلَّ بِها عُلَماؤُنا عَلى أنَّ اليَسارَ لا يُعْتَبَرُ في الكَفاءَةِ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُوسِرًا.

قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ اكْتِفاءً بِشَهادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لَمْ يُشْهِدْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ الإشْهادِ في النِّكاحِ اهـ.

واسْتَدَلَّ بِها الأوْزاعِيَّةُ عَلى صِحَّةِ البَيْعِ فِيما إذا قالَ: بِعْتُكَ بِألْفٍ نَقْدًا أوْ ألْفَيْنِ نَسِيئَةً اهـ ما في الإكْلِيلِ مَعَ حَذْفِ قَلِيلٍ.

ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الِاسْتِدْلالاتِ مِنَ المَقالاتِ والمُنازَعاتِ.

ثُمَّ إنَّ ما تَقَدَّمَ عَنْ مَكِّيٍّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ ولَمْ يُنَفِّذْ شَيْئًا مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ أيْضًا.

وقَدْ رُوِيَ أيْضًا مِن طَرِيقِ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْخُلْ حَتّى أتَمَّ الأجَلَ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُما لَمّا أتَمّا العَقْدَ قالَ شُعَيْبٌ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: ادْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ فَخُذْ عَصًا مِنَ العِصِيِّ الَّتِي فِيهِ وكانَ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَدَخَلَ وأخَذَ العَصا الَّتِي هَبَطَ بِها آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَوارَثُونَها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: خُذْ غَيْرَ هَذِهِ فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ فَعَلِمَ أنَّ لَهُ شَأْنًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ.

خَرَجَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَصا مِنَ الجَنَّةِ فَأخَذَها جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ مَوْتِهِ وكانَتْ مَعَهُ حَتّى لَقِيَ بِها مُوسى لَيْلًا فَدَفَعَها إلَيْهِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كانَتْ عَصا مُوسى قَضِيبَ آسٍ مِنَ الجَنَّةِ أتاهُ بِها جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ تِلْكَ العَصا قَدْ أوْدَعَها شُعَيْبًا مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ فَأمَرَ ابْنَتَهُ أنْ تَأْتِيَ بِعَصًا فَدَخَلَتْ وأخَذَتِ العَصا فَأتَتْهُ بِها فَلَمّا رَآها الشَّيْخُ قالَ: ائْتِيهِ بِغَيْرِها فَرَدَّها سَبْعَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَقَعْ في يَدِها غَيْرُها فَدَفَعَها إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمَ لِأنَّها ودِيعَةٌ فَتَبِعَهُ فاخْتَصَما فِيها ورَضِيا أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما أوَّلُ طالِعٍ: فَأتاهُما المَلَكُ فَقالَ: ألْقِياها فَمَن رَفَعَها فَهي لَهُ فَعالَجَها الشَّيْخُ فَلَمْ يُطِقْها ورَفَعَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ .

وعَنِ الحَسَنِ ما كانَتْ إلّا عَصًا مِنَ الشَّجَرِ اعْتَرَضَها اعْتِراضًا، وعَنِ الكَلْبِيِّ الشَّجَرَةُ الَّتِي نُودِيَ مِنها شَجَرَةُ العَوْسَجِ ومِنها كانَتْ عَصاهُ.

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا شَرَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخِدْمَةِ والرَّعْيِ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: إذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ فَلا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ فَإنَّ الكَلَأ وإنْ كانَ بِها أكْثَرَ إلّا أنْ فِيها تِنِّينًا أخْشاهُ عَلَيْكَ وعَلى الغَنَمِ، فَلَمّا بَلَغَ مَفْرِقَ الطَّرِيقِ أخَذَتِ الغَنَمُ ذاتَ اليَمِينِ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى كَفِّها ومَشى عَلى أثَرِها فَإذا عُشْبٌ ورِيفٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ فَنامَ فَإذا بِالتِّنِّينِ قَدْ أقْبَلَ فَحارَبَتْهُ العَصا حَتّى قَتَلَتْهُ وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دامِيَةً فَلَمّا أبْصَرَها دامِيَةً والتِّنِّينُ مَقْتُولًا ارْتاحَ لِذَلِكَ ولَمّا رَجَعَ إلى شُعَيْبٍ وجَدَ الغَنَمَ مَلْأى البُطُونِ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ فَأخْبَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما كانَ فَفَرِحَ وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى والعَصا شَأْنًا وقالَ لَهُ: إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِن نِتاجِ غَنَمِي هَذا العامَ كُلَّ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ مُسْتَقى الغَنَمِ فَفَعَلَ ثُمَّ سَقى فَما أخْطَأتْ واحِدَةٌ إلّا وضَعَتْ أدْرَعَ أوْ دَرْعاءَ فَوَفى لَهُ شُعَيْبٌ بِما قالَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ أنَّهُ جَعَلَ لَهُ كُلَّ سَخْلَةٍ تُولَدُ عَلى خِلافِ شِيَةِ أُمِّها فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَنامِ أنْ ألْقِ عَصاكَ في الماءِ الَّذِي تَسْقِي مِنهُ الغَنَمَ فَفَعَلَ فَوَلَدَتْ كُلُّها عَلى خِلافِ شِيَتِها، وأخْرَجَ ابْنُ ماجَةَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ عُتْبَةَ السُّلَمِيِّ مَرْفُوعًا ««أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ مِن قالَبِ لَوْنٍ مِن ذَلِكَ العامِ وكانَتْ غَنَمُهُ سَوْداءَ حَسْناءَ فانْطَلَقَ مُوسى إلى عَصاهُ فَسَمّاها مِن طَرَفِها ثُمَّ وضَعَها في أدْنى الحَوْضِ ثُمَّ أوْرَدَها فَسَقاها ووَقَفَ بِإزاءِ الحَوْضِ فَلَمْ يَصْدُرْ مِنها شاةٌ إلّا ضَرَبَ جَنْبَها شاةً شاةً فَأنْمَتْ وانْثَنَتْ ووَضَعَتْ كُلُّها قَوالِبَ ألْوانٍ إلّا شاةً أوْ شاتَيْنِ لَيْسَ فِيها فَشُوشٌ أيْ واسِعَةُ الشَّخْبِ ولا ضَبُوبٌ أيْ طَوِيلَةُ الضَّرْعِ تَجُرُّهُ ولا غَزُورٌ أيْ ضَيِّقَةُ الشَّخْبِ ولا ثَعُولٌ أيْ لا ضَرْعَ لَها إلّا كَهَيْئَةِ حَلَمَتَيْنِ ولا كَمْشَةٌ تَفُوتُ الكَفَّ أيْ صَغِيرَةُ الضَّرْعِ لا يُدْرِكُ الكَفُّ»» وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ أنَّ الهِبَةَ كانَتْ لِزَوْجَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ كانَ ذَلِكَ لَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما تَقَدَّمَ <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله