الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة القمر
تفسيرُ سورةِ القمر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 113 دقيقة قراءةسُورَةُ القَمَرِ وتُسَمّى أيْضًا ( اقْتَرَبَتْ ) وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها تُدْعى في التَّوْراةِ المُبَيِّضَّةَ تُبَيِّضُ وجْهَ صاحِبِها يَوْمَ تَسْوَدُّ الوُجُوهُ، أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ لَكِنْ قالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ «وهِيَ مَكِّيَّةٌ» في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِمّا نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ إلى ﴿ وأمَرُّ ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اسْتِثْناءِ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ إلَخْ، ورُدَّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ » «وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ ؟
فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ وانْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ نَظَرْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ في آثارِهِمْ مُصْلَتًا بِالسَّيْفِ وهو يَقُولُ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ فَكانَتْ لِيَوْمِ بَدْرٍ» .
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ وإنِّي لَجارِيَةٌ ألْعَبُ ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ »» ويُرَدُّ بِهِ وبِما قَبْلَهُ ما حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أيْضًا، وقِيلَ: إلّا ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ ﴾ الآيَتَيْنِ وآيُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ بِالإجْماعِ، ومُناسَبَةُ أوَّلُها لِآخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ظاهِرَةٌ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ثُمَّ ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ ﴾ وهُنا ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: لا يَخْفى ما في تَوالِي هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِن حُسْنِ التَّناسُقِ لِلتَّناسُبِ في التَّسْمِيَةِ لِما بَيْنَ - النَّجْمِ، والقَمَرِ - مِنَ المُلابَسَةِ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ بَعْدَ تِلْكَ - كالأعْرافِ بَعْدَ الأنْعامِ، وكالشُّعَراءِ بَعْدَ الفُرْقانِ، وكالصّافّاتِ بَعْدَ يس - في أنَّها تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الأُمَمِ المُشارِ إلى إهْلاكِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ ﴿ وثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ ﴿ وقَوْمَ نُوحٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى ﴾ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ أيْ قَرُبَتْ جِدًّا ﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ انْفَصَلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وصارَ فِرْقَتَيْنِ وذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ فَقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَأراهُمُ القَمَرَ شَقَّتَيْنِ حَتّى رَأوْا حِراءَ بَيْنَهُما» .
وخَبَرُ أبِي نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ سَألُوا آيَةً فَأراهُمُ اللَّهُ تَعالى القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ -» لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلى الجَبَلِ وفِرْقَةٌ دُونَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : اشْهَدُوا»» ومِن حَدِيثِهِ أيْضًا ««انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا سِحْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ فَقالَ رَجُلٌ: انْتَظِرُوا ما يَأْتِيكم بِهِ السُّفّارُ فَإنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْحَرَ النّاسَ كُلَّهم فَجاءَ السُّفّارُ فَأخْبَرُوهم بِذَلِكَ»» رَواهُ أبُو داوُدَ.
والطَّيالِسِيُّ.
وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ ««فَسَألُوا السُّفّارَ وقَدْ قَدِمُوا مِن كُلِّ وجْهٍ فَقالُوا: رَأيْناهُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وجْهٍ ضَعِيفٍ قالَ: ««اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلِ بْنِ هِشامٍ والعاصِ بْنُ وائِلٍ والعاصِ بْنُ هِشامٍ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ ورَبِيعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَقالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَشُقَّ لَنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ نِصْفًا عَلى أبِي قُبَيْسٍ ونِصْفًا عَلى قَيْنُقاعَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ : «إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُوا ؟
قالُوا: نَعَمْ وكانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُعْطِيَهُ ما سَألُوا فَأمْسى القَمَرُ قَدْ مَثُلَ نِصْفًا عَلى أبِي قُبَيْسٍ ونِصْفًا عَلى قَيْنُقاعَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُنادِي يا أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الأسَدِ والأرْقَمُ بْنُ الأرْقَمِ اشْهَدُوا»» .
والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في الِانْشِقاقِ كَثِيرَةٌ، واخْتُلِفَ في تَواتُرِهِ فَقِيلَ: هو غَيْرُ مُتَواتِرٍ، وفي شَرْحِ المَواقِفِ الشَّرِيفِيِّ أنَّهُ مُتَواتِرٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ العَلّامَةُ ابْنُ السُّبْكِيِّ قالَ في شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ مُتَواتِرٌ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في القُرْآنِ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن طُرُقٍ شَتّى بِحَيْثُ لا يُمْتَرى في تَواتُرِهِ انْتَهى بِاخْتِصارٍ، وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُهُ في رِواياتٍ صَحِيحَةٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنَسٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ وابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهم، نَعَمْ إنَّ مِنهم مَن لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ كابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا إذْ ذاكَ وكَأنَسٍ فَإنَّهُ كانَ ابْنَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ بِالمَدِينَةِ، وهَذا لا يَطْعَنُ في صِحَّةِ الخَبَرِ كَما لا يَخْفى، ووَقَعَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ««كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمِنًى فانْشَقَّ القَمَرُ»» ولا يُعارِضُ ما صَحَّ عَنْ أنَسٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لَيْلَتَئِذٍ بِمَكَّةَ، فالمُرادُ أنَّ الِانْشِقاقَ كانَ والنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ ذاكَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ إلى المَدِينَةِ، ووَقَعَ في نَظْمِ السِّيرَةِ لِلْحافِظِ أبِي الفَضْلِ العِراقِيِّ ما هو نَصٌّ في وُقُوعِ الِانْشِقاقِ مَرَّتَيْنِ.
وظاهِرٌ في أنَّهُ مُجْمَعٌ عَلى وُقُوعِهِ كَذَلِكَ حَيْثُ قالَ: وانْشَقَّ مَرَّتَيْنِ بِالإجْماعِ، وكَأنَّ مُسْتَنَدَ الأوَّلِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا شَقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَدِيثَ، وأمّا الإجْماعُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وفي المَواهِبِ قالَ الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ: أظُنُّ أنَّ قَوْلَهُ: بِالإجْماعِ يَتَعَلَّقُ - بِانْشَقَّ - لا بِمَرَّتَيْنِ فَإنِّي لا أعْلَمُ مَن جَزَمَ مِن عُلَماءِ الحَدِيثِ بِتَعَدُّدِ الِانْشِقاقِ في زَمَنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ قائِلَ مَرَّتَيْنِ أرادَ فِرْقَتَيْنِ، وهَذا الَّذِي لا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ جَمْعًا بَيْنَ الرِّواياتِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مَعَ بُعْدِهِ لا يَتَسَنّى في خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا لِمَكانِ شَقَّتَيْنِ وهي بِمَعْنى فِرْقَتَيْنِ ومَرَّتَيْنِ مَعًا، والَّذِي عِنْدِي في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أنَّ مَرَّتَيْنِ في كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَيْدٌ لِلرُّؤْيَةِ وتَعَدُّدُها لا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الِانْشِقاقِ بِأنْ يَكُونَ رَآهُ مُنْشَقًّا فَصَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهُ ثُمَّ أعادَهُ فَرَآهُ كَذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ رُؤْيَةٌ لا شُبْهَةَ فِيها وقَدْ فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ الكَفَرَةُ، أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْتَهى أهْلُ مَكَّةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: هَلْ مِن آيَةٍ نَعْرِفُ بِها أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟
فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يَجْتَمِعُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرَوْا آيَةً فَأخْبَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَقالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجُوا لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ فانْشَقَّ القَمَرُ نِصْفَيْنِ نِصْفًا عَلى الصَّفا ونِصْفًا عَلى المَرْوَةِ فَنَظَرُوا ثُمَّ قالُوا بِأبْصارِهِمْ فَمَسَحُوها ثُمَّ أعادُوا النَّظَرَ فَنَظَرُوا ثُمَّ مَسَحُوا أعْيُنَهم ثُمَّ نَظَرُوا فَقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ » فَلَوْ قالَ أحَدُ هَؤُلاءِ رَأيْتُ القَمَرَ مُنْشَقًّا ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى مَعْنى تَعَدُّدِ الرُّؤْيَةِ صَحَّ بِلا غُبارٍ ولَمْ يَقْتَضِ تَعَدُّدَ الِانْشِقاقِ فَلْيُخَرَّجْ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلى هَذا الطَّرْزِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ، ثُمَّ هَذا الحَدِيثُ إنْ صَحَّ كانَ دَلِيلًا لِما أشارَ إلَيْهِ البُوصَيْرِيُّ في قَوْلِهِ: شُقَّ عَنْ صَدْرِهِ وشُقَّ لَهُ البَدْ رُ ومِن شَرْطِ كُلِّ شَرْطٍ جَزاءُ مِن أنَّ الشَّقَّ كانَ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ لِأنَّ البَدْرَ هو القَمَرُ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ في شَرْحِهِ: ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالبَدْرِ دُونَ القَمَرِ أنَّ الشَّقَّ كانَ لَيْلَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ ولَمْ أرَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفًا، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالبَدْرِ مُطْلَقَ القَمَرِ، ويُؤَيِّدُ كَوْنُهُ لَيْلَةَ البَدْرِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَسَفَ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: سُحِرَ القَمَرُ فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ إلى ﴿ مُسْتَمِرٌّ ﴾ » فَإنَّ الكُسُوفَ وإنْ جازَ عادَةً أنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثّالِثَ عَشَرَ ولَيْلَةَ الخامِسَ عَشَرَ إلّا أنَّ الأغْلَبَ كَوْنُهُ لَيْلَةَ الرّابِعِ عَشَرَ ولا ضَرُورَةَ إلى حَمْلِ الكُسُوفِ في هَذا الخَبَرِ عَلى الِانْشِقاقِ إذْ لا مانِعَ كَما في البِدايَةِ والنِّهايَةِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لِلْقَمَرِ مَعَ انْشِقاقِهِ كُسُوفٌ، نَعَمْ ذَكَرَ فِيها أنَّ سِياقَ الخَبَرِ غَرِيبٌ.
ثُمَّ إنَّ القَمَرَ بَعْدَ انْشِقاقِهِ لَمْ تُفارِقْ قِطْعَتاهُ السَّماءَ بَلْ بَقِيَتا فِيها مُتَباعِدَتَيْنِ تَباعُدًا ما لَحْظَةً ثُمَّ اتَّصَلَتا، وما يَذْكُرُهُ بَعْضُ القُصّاصِ مِن أنَّهُ دَخَلَ في جَيْبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَ مِن كُمِّهِ فَباطِلٌ لا أصْلَ لَهُ كَما حَكاهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ شَيْخِهِ العِمادِ بْنِ كَثِيرٍ ولَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى مَن وضَعَهُ.
وما في خَبَرِ أبِي نُعَيْمٍ - الَّذِي أخْرَجَهُ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ انْشَقَّ فَصارَ قَمَرَيْنِ أحَدُهُما عَلى الصَّفا والآخَرُ عَلى المَرْوَةِ قَدْرَ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ثُمَّ غابَ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، كَيْفَ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الخَبَرُ أنَّ الِانْشِقاقَ وقَعَ لِطَلَبِ أحْبارِ اليَهُودِ وأنَّ القائِلَ (هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) هم، وهو مُخالِفٌ لِما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وقَدْ شاعَ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشارَ إلى القَمَرِ بِسَبّابَتِهِ الشَّرِيفَةِ فانْشَقَّ»» ولَمْ أرَهُ في خَبَرٍ صَحِيحٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وأنْكَرَ الفَلاسِفَةُ أصْلَ الِانْشِقاقِ بِناءً عَلى زَعْمِهِمُ اسْتِحالَةَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وقَدْ خُرِقَ بِأدْنى نَسَمَةٍ مِن نَسَماتِ أفْكارِ أهْلِ الحَقِّ العُلْوِيِّينَ خَرْقًا لا يَقْبَلُ الِالتِئامَ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وقالَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ: لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ مُتَواتِرًا واشْتَرَكَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم في مَعْرِفَتِهِ ولَمْ يَخْتَصَّ بِها أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ والنّاسُ فِيهِ شُرَكاءُ والطِّباعُ حَرِيصَةٌ عَلى رِوايَةِ الغَرِيبِ ونَقْلِ ما لَمْ يُعْهَدْ، ولا أغْرَبَ مِنَ انْشِقاقِ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ ولَمْ يُعْهَدْ أصْلًا في الزَّمَنِ القَدِيمِ ولَوْ كانَ لَهُ أصْلٌ لَخُلِّدَ أيْضًا في كُتُبِ التَّسْيِيرِ والتَّنْجِيمِ ولَذَكَرَهُ أهْلُ الإرْصادِ فَقَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَعْثَةِ بِكَثِيرٍ وإطْباقُهم عَلى تَرْكِهِ وإغْفالِهِ مَعَ جَلالَةِ شَأْنِهِ ووُضُوحِ أمْرِهِ مِمّا لا تُجَوِّزُهُ العادَةُ، وأيْضًا لا يُعْقَلُ سَبَبٌ لِخَرْقِ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ وأيْضًا خَرْقُهُ يُوجِبُ صَوْتًا هائِلًا أشَدَّ مِن أصْواتِ الصَّواعِقِ المُهْلِكَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ لا يَبْعُدُ هَلاكُ أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ مِنهُ، وأيْضًا مَتى خُرِقَ وصارَ قِطْعَتَيْنِ ذَهَبَتْ مِنهُ قُوَّةُ التَّجاذُبِ كالجَبَلِ إذا انْشَقَّ فَيَلْزَمُ بَقاؤُهُ مُنْشَقًّا ولا أقَلَّ مِن أنْ يَبْقى كَذَلِكَ سِنِينَ كَثِيرَةً والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ في اللَّيْلِ وزَمانِ الغَفْلَةِ وكانَ في زَمانٍ قَلِيلٍ ورُؤْيَةُ القَمَرِ في بَلَدٍ لا تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ في جَمِيعِ البِلادِ ضَرُورَةَ اخْتِلافِ المَطالِعِ فَقَدْ يَكُونُ القَمَرُ طالِعًا عَلى قَوْمٍ غائِبًا عَنْ آخَرِينَ ومَكْسُوفًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَكْسُوفٍ عِنْدَ آخَرِينَ والِاعْتِناءُ بِأمْرِ الإرْصادِ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَتِهِ اليَوْمَ وغَفْلَةُ أهْلِها لَحْظَةً غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ والِانْشِقاقُ لا تَخْتَلِفُ بِهِ مَنازِلُهُ ولا يَتَغَيَّرُ بِهِ سَيْرُهُ غايَةَ ما في البابِ أنْ يَحْدُثَ في القِطْعَةِ الشَّرْقِيَّةِ قُوَّةُ سَيْرٍ لِتَلْحَقَ أُخْتَها الغَرْبِيَّةَ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ السُّرْعَةِ نَحْوَ ما خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في ضَوْءِ الشَّمْسِ فَقَدْ قالَ أهْلُ الحِكْمَةِ الجَدِيدَةِ: إنَّ بَيْنَ الأرْضِ والشَّمْسِ ثَلاثَمِائَةِ ألْفِ فَرْسَخٍ وأرْبَعُونَ ألْفَ فَرْسَخٍ وإنَّ ضَوْءَها لَيَصِلُ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ ثَمانِ دَقائِقَ وثَلاثَ عَشْرَةَ ثانِيَةً فَيَقْطَعُ الضَّوْءُ في كُلِّ ثانِيَةٍ سَبْعِينَ ألْفَ فَرْسَخٍ ولا يَلْزَمُ أنْ يُعْلَمَ سَبَبُ كُلِّ حادِثٍ بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الحَوادِثِ المُتَكَرِّرَةِ المُشاهَدَةِ لَمْ يُوقَفْ عَلى أسْبابِها كَرُؤْيَةِ الكَواكِبِ قَرِيبَةً مَعَ بُعْدِها المُفْرِطِ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّهم لَمْ يَقِفُوا عَلى سَبَبِهِ ويَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ وُقُوفِهِمْ عَلى سَبَبِ الإبْصارِ بِالعَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَوْ أخْبَرَهم مُخْبِرٌ بِفَرْضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم إبْصارٌ بِخَواصِّ البَصَرِ مَعَ كَوْنِهِ قِطْعَةَ شَحْمٍ صَغِيرَةً مَعْرُوفَةً أحْوالُها عِنْدَ أهْلِ التَّشْرِيحِ لَأنْكَرُوا عَلَيْهِ غايَةَ الإنْكارِ وكَذَّبُوهُ غايَةَ التَّكْذِيبِ ونَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ.
ومَن سَلَّمَ تَأْثِيرَ النُّفُوسِ إلى حَدِّ أنْ يَصْرَعَ الشَّخْصُ آخَرَ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْهِ وتَوْجِيهِ نَفْسِهِ نَحْوَهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ أنْ يَكُونَ هُناكَ سَبَبٌ نَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ في إصابَةِ العَيْنِ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ مِمَّنْ لَهُ عَيْنٌ صائِبَةٌ يَفْلِقُ سَنامَ النّاقَةِ فِلْقَتَيْنِ، ورُبَّما تُصَوَّرُ لَهُ مِن رَمْلٍ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ ويَفْلِقُهُ فَيَنْفَلِقُ سَنامُها مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ لَها نَفْسِها وهَذا كُلُّهُ مِن بابِ المُماشاةِ وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ تَعالى كافِيَةٌ في الِانْشِقاقِ وكَذا في كُلِّ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ ولَوْ كانَ لِكُلِّ حادِثٍ سَبَبٌ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِهِ، وكَوْنُ الخَرْقِ يُوجِبُ صَوْتًا هائِلًا مَمْنُوعٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ ومِثْلُهُ ذَهابُ التَّجاذُبِ والأجْسامُ مُخْتَلِفَةٌ مِن حَيْثُ الخَواصِّ فَلا يَلْزَمُ اتِّحادُ جِرْمِ القَمَرِ والأرْضِ فِيها ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إحْدى القِطْعَتَيْنِ كالجَبَلِ العَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ إذا ارْتَفَعَ عَنْها بِقاسِرٍ مَثَلًا جَذَبَتْهُ إلَيْهِ إذا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ جَذْبِها عَلى ما زَعَمُوهُ ويَلْتَزِمُ في تِلْكَ القِطْعَةِ عَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الجَذْبِ عَلى أنّا في غِنًى عَنْ كُلِّ ذَلِكَ أيْضًا بَعْدَ إثْباتِ الإمْكانِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ سُبْحانَهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ.
والحاصِلُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ المُنْكِرِ سِوى الِاسْتِبْعادِ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ عَلى الِاسْتِحالَةِ الذّاتِيَّةِ ولَوِ انْشَقَّ، والِاسْتِبْعادُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هَذا الِانْشِقاقُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا، ويُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ قِراءَةُ حُذَيْفَةَ وقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ فَإنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْها حالِيَّةٌ فَتَقْتَضِي المُقارَنَةَ لِاقْتِرابِ السّاعَةِ ووُقُوعِ الِانْشِقاقِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الِانْشِقاقَ آيَةٌ رَأوْها وأعْرَضُوا عَنْها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْشِقاقِ الظُّلْمَةِ عِنْدَ طُلُوعِهِ وهَذا كَما يُسَمّى الصُّبْحُ فَلَقًا عِنْدَ انْفِلاقِ الظُّلْمَةِ عَنْهُ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الِانْفِلاقِ بِالِانْشِقاقِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: فَلَمّا أدْبَرُوا ولَهم دَوِيٌّ دَعانا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ داعِي وزَعَمَ آخَرُ أنَّ مَعْنى انْشَقَّ القَمَرُ وضُحَ الأمْرُ وظَهَرَ وكِلا الزَّعْمَيْنِ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لا أظُنُّ الدّاعِيَ إلَيْهِما عِنْدَ مَن يُقِرُّ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِنَ الِانْشِقاقِ ويَعْتَرِفُ بِالعَقائِدِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها الِاتِّفاقُ سِوى عَدَمِ ثُبُوتِ الأخْبارِ في وُقُوعِ ذَلِكَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ القُصُورِ التّامِّ والتَمَسُّكِ بِشُبَهٍ هي عَلى طَرَفٍ الثُّمامِ، ومَعَ هَذا لا يُكَفَّرُ المُنْكِرُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاتِّفاقِ عَلى تَواتُرِ ذَلِكَ وعَدَمِ كَوْنِ الآيَةِ نَصًّا فِيهِ، والإخْراجُ مِنَ الدِّينِ أمْرٌ عَظِيمٌ فَيُحْتاطُ فِيهِ ما لا يُحْتاطُ في غَيْرِهِ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ القُرْبُ الشَّدِيدُ الزَّمانِيُّ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وزَمانُ العالَمِ مَدِيدٌ، والباقِي بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي شَيْءٌ يَسِيرٌ، ومالَ الإمامُ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ قُرْبُها في العُقُولِ والأذْهانِ، وحاصِلُهُ أنَّها مُمْكِنَةٌ إمْكانًا قَرِيبًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ إنْكارُها، واسْتِعْمالُ الِاقْتِرابِ مَعَ أنَّهُ أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ كاسْتِعْمالِ لَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾ مَعَ أنَّ الأمْرَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وانْشِقاقُ القَمَرِ آيَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى هَذا القُرْبِ، وعَلى الأوَّلِ قِيلَ: هو آيَةٌ لِأصِلِ الإمْكانِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قُرْبُ الوُقُوعِ، وقِيلَ: هو آيَةٌ لِقُرْبِ الوُقُوعِ ومُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْبِرٌ في كُتُبِهِ السّالِفَةِ بِأنَّهُ إذا قَرُبَتِ السّاعَةُ انْشَقَّ القَمَرُ مُعْجِزَةً وكِلاهُما كَما تَرى، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ آيَةٌ لِصِدْقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ ما يَقُولُ ويُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَهُ ومِنهُ دَعْوى الرِّسالَةِ والإخْبارُ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ وغَيْرُ ذَلِكَ، و ﴿ آيَةً ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ، فالمَعْنى «وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ يُعْرِضُوا» عَنِ التَّأمُّلِ فِيها لِيَقِفُوا عَلى وجْهِ دَلالَتِها وعُلُوِّ طَبَقَتِها ﴿ ويَقُولُوا سِحْرٌ ﴾ أيْ هَذا أوْ هو أيْ ما نَراهُ سِحْرٌ ﴿ مُسْتَمِرٌّ ﴾ أيْ مُطَّرِدٌ دائِمٌ يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَرِّ الزَّمانِ وهو ظاهِرٌ في تَرادُفِ الآياتِ وتَتابُعِ المُعْجِزاتِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مُحْكَمٌ مُوَثَّقٌ مِنَ المَرَّةِ بِالفَتْحِ أوِ الكَسْرِ بِمَعْنى القُوَّةِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ مَرَرْتُ الحَبْلَ مَرَّةً إذا فَتَلْتَهُ فَتْلًا مُحْكَمًا فَأُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المُحْكَمِ مَجازًا مُرْسَلًا، وقالَ أنَسٌ ويَمانٌ ومُجاهِدٌ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ - واخْتارَهُ النَّحّاسُ - مُسْتَمِرٌّ أيْ مارٌّ ذاهِبٌ زائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ عَلَّلُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم ومَنَّوْها بِالأمانِي الفارِغَةِ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما ظَهَرَ مِن مُعْجِزاتِهِ سُبْحانَهُ سَحابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيبٍ تَقْشَعُ ( ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ ) [التَّوْبَةَ: 32] وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مُشْتَدُّ المَرارَةِ أيْ مُسْتَبْشَعٌ عِنْدَنا مَنفُورٌ عَنْهُ لِشِدَّةِ مَرارَتِهِ يُقالُ: مَرَّ الشَّيْءُ وأمَرَّ إذا صارَ مُرًّا وأمَرَّ غَيْرَهُ ومَرَّهُ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا أيِ اسْتَمَرَّتْ أفْعالُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّخْيِيلاتِ، وقِيلَ: ( مُسْتَمِرٌّ ) مارٌّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ أيْ بَلَغَ مِن سِحْرِهِ أنَّهُ سَحَرَ القَمَرَ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِغُلُوِّهِمْ في العِنادِ والمُكابَرَةِ ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ ومَن مَعَهُ، وقُرِئَ - وإنْ يُرَوْا - بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإراءَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَّبُوا ﴾ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ مِنَ الآياتِ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم، وقِيلَ: ( كَذَّبُوا ) الآيَةَ الَّتِي هي انْشِقاقُ القَمَرِ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ وقالُوا سَحَرَ القَمَرَ أوْ سُحِرَتْ أعْيُنُنا والقَمَرُ بِحالِهِ، والعَطْفُ عَلى الجَزاءِ السّابِقِ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى ﴿ اقْتَرَبَتِ ﴾ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اعْتِراضٌ لِبَيانِ عادَتِهِمْ إذا شاهَدُوا الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلرَّدِّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ ولا يَمْنَعُ عُلُوُّ شَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِإقْناطِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أمانِيَهُمُ الفارِغَةَ مِن عَدَمِ اسْتِقْرارِ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَسْبَما قالُوا: ﴿ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ بِبَيانِ ثُبُوتِهِ ورُسُوخِهِ أيْ وكُلُّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مُنْتَهٍ إلى غايَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها لا مَحالَةَ ومِن جُمْلَتِها أمْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها حَقِّيَّتُهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ هَذِهِ الغايَةِ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالمُسْتَقَرِّ عَلَيْهِ، وفي الكَشّافِ أيْ كُلُّ أمْرٍ لا بُدَّ أنْ يَصِيرَ إلى غايَةٍ يُسْتَقَرُّ عَلَيْها وأنَّ أمْرَهُ سَيَصِيرُ إلى غايَةٍ يَتَبَيَّنُ عِنْدَها أنَّهُ حَقٌّ أوْ باطِلٌ وسَيَظْهَرُ لَهُ عاقِبَتُهم أوْ وكُلُّ أمْرٍ مِن أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرِهِمْ مُسْتَقِرٌّ أيْ سَيَثْبُتُ ويَسْتَقِرُّ عَلى حالَةِ نُصْرَةٍ أوْ خِذْلانٍ في الدُّنْيا أوْ سَعادَةٍ وشَقاوَةٍ في الآخِرَةِ، قالَ في الكَشْفِ: والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، وقَرَأ شَيْبَةُ «مُسْتَقَرٌّ» بِفَتْحِ القافِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّها لا وجْهَ لَها وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ مُسْتَقِرًّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْتِقْرارٍ، وحَمْلُهُ عَلى كُلِّ أمْرٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذُو مُسْتَقَرٍّ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ وقُصِدَ المُبالَغَةُ صَحَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْمَ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ ذُو زَمانِ اسْتِقْرارٍ، أوْ ذُو مَوْضِعِ اسْتِقْرارٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ كُلِّ أمْرٍ لا بُدَّ لَهُ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فِيهِ إثْباتَ الِاسْتِقْرارِ لَهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وهي أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «مُسْتَقِرٍّ» بِكَسْرِ القافِ والجَرِّ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ أمْرٍ وأنَّ كُلَّ مَعْطُوفٍ عَلى السّاعَةِ أيِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ واقْتَرَبَ كُلُّ أمْرٍ يَسْتَقِرُّ ويَتَبَيَّنُ حالُهُ أيْ بِقُرْبِها، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ شَمَّةٌ مِنَ التَّجْرِيدِ وتَهْوِيلٌ عَظِيمٌ حَيْثُ جَعَلَ في اقْتِرابِها اقْتِرابَ كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ لَهُ قَرارٌ وتَبَيُّنُ حالٍ مِمّا لَهُ وقْعٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْشَقَّ القَمَرُ ﴾ عَلى هَذا إمّا عَلى تَقْدِيرِ قَدْ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِها، وإمّا مُنَزَّلٌ مُنْزِلَةَ الإعْراضِ لِكَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لِقُرْبِ السّاعَةِ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ إلَخْ مُسْتَطْرَدٌ عِنْدَ ذِكْرِ انْشِقاقِ القَمَرِ.
واعْتَرَضَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَعْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ نَظِيرُ - أكَلْتُ خُبْزًا، وضَرَبْتُ خالِدًا، وإنْ يَجِئْ زَيْدٌ أُكْرِمْهُ، ورَحَلَ إلى بَنِي فُلانٍ، ولَحْمًا بِعَطْفِ - لَحْمًا عَلى خُبْزًا - ثُمَّ قالَ بَلْ لا يُوجَدُ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ إذا دَلَّ عَلى العَطْفِ الدَّلِيلُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ مانِعًا مِنهُ عَلى أنَّ بَيْنَ الآيَةِ والمِثالِ فَرْقًا لا يَخْفى، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ إنَّ ( مُسْتَقِرٌّ ) خَبَرُ كَلٍّ، والجَرُّ لِلْجِوارِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ الجَرَّ عَلى الجِوارِ في غايَةِ الشُّذُوذِ في مِثْلِهِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وإنَّما عُهِدَ في الصِّفَةِ عَلى اخْتِلافِ النُّحاةِ في وُجُودِهِ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُ كُلٍّ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ كَآتٍ، أوْ مَعْمُولٌ بِهِ ونَحْوَهُ مِمّا يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ أوْ مَذْكُورٌ بَعْدُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ وقَدِ اعْتُرِضَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ في القُرْآنِ ﴿ مِنَ الأنْباءِ ﴾ أيْ أخْبارُ القُرُونِ الخالِيَةِ أوْ أخْبارُ الآخِرَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الحالِ مِن ما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ وتَتْوِيقًا إلَيْهِ ( ومِنَ ) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ بِناءً عَلى المُخْتارِ مِن جَوازِ تَقْدِيمِهِ عَلى المُبَيَّنِ، قالَ الرَّضِيُّ: إنَّما جازَ تَقْدِيمُ ( مِنَ ) المُبَيِّنَةِ عَلى المُبْهَمِ في نَحْوِ - عِنْدِي مِنَ المالِ ما يَكْفِي - لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ شَيْءٌ مِنَ المالِ، والمَذْكُورُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُبَيَّنِ المُقَدَّرِ قَبْلَها لِيَحْصُلَ البَيانُ بَعْدَ الإبْهامِ أيْ بِاللَّهِ لَقَدْ جاءَهم كائِنًا مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ ازْدِجارٌ لَهم ومَنعٌ عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ، أوْ مَوْضِعُ ازْدِجارٍ ومَنعٍ، وهي أنْباءُ التَّعْذِيبِ، أوْ أنْباءُ الوَعِيدِ، وأصْلُ ﴿ مُزْدَجَرٌ ﴾ مُزْتَجَرٌ بِالتّاءِ مَوْضِعُ الدّالِ وتاءِ الِافْتِعالِ تُقْلَبُ دالًا مَعَ الدّالِ والذّالِ والرّاءِ لِلتَّناسُبِ، وقُرِئَ مُزَّجَرٌ بِقَلْبِها زايًا وإدْغامِ الزّايِ فِيها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مُزْجِرٌ اسْمُ فاعِلٍ مِن أزْجَرَ أيْ صارَ ذا زَجْرٍ كَأعْشَبَ صارَ ذا عُشْبٍ ﴿ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴾ أيْ واصِلَةٌ غايَةَ الإحْكامِ لا خَلَلَ فِيها، ورَفَعَ ﴿ حِكْمَةٌ ﴾ عَلى أنَّها بَدَلُ كُلٍّ، أوِ اشْتِمالٍ مِن ما، وقِيلَ: مِن ﴿ مُزْدَجَرٌ ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي، أوْ هَذِهِ عَلى أنَّ الإشارَةَ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإيضاحِ الدَّلِيلِ والإنْذارِ لِمَن مَضى، أوْ إلى ما في الأنْباءِ، أوْ إلى السّاعَةِ المُقْتَرِبَةِ، والآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها - كَما قالَهُ الإمامُ وتَقَدَّمَ آنِفًا - احْتِمالُ كَوْنِها خَبَرًا عَنْ كُلٍّ في قِراءَةِ زَيْدٍ، وقَرَأ اليَمانِيُّ ( حِكْمَةً بالِغَةً ) بِالنَّصْبِ حالًا مِن ما فَإنَّها مَوْصُولَةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ويَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنها مَعَ تَأخُّرِها أوْ هو بِتَقْدِيرِ أعْنِي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ نَفْيٌ لِلْإغْناءِ أوِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ عَلى مَجِيءِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الإغْناءِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وما عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ فَأيُّ إغْناءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ أيْ فَما تُغْنِيهِ النُّذُرُ وهو جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ حَقَّ المَصْدَرِ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعَ وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالإنْذارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَأْنِيثُ الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وكَوْنُهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِمَعْنى النِّذارَةِ لا يَخْفى حالُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبُ التَّوَلِّي أوِ الأمْرُ بِهِ والسَّبَبُ عَدَمُ الإغْناءِ أوِ العِلْمِ بِهِ، والمُرادُ بِالتَّوَلِّي إمّا عَدَمُ القِتالِ، فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وإمّا تَرْكُ الجِدالِ لِلْجِدالِ فَهي مَحْكَمَةٌ والظّاهِرُ الأوَّلُ ﴿ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ ﴾ ظَرْفٌ - لِيَخْرُجُونَ - أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: لِانْتَظِرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتُغْنِي، أوْ لِمُسْتَقِرٍّ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ ظَرْفًا - لِيَقُولَ الكافِرُ - أوْ - لِتَوَلَّ - أيْ تَوَلَّ عَنِ الشَّفاعَةِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ هو مَعْمُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ إلى، وعَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ - فَتَوَلَّ عَنْهم إلى يَوْمِ.
.
والمُرادُ اسْتِمْرارُ التَّوَلِّي والكُلُّ كَما تَرى، والدّاعِي إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُما مُوَكَّلٌ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِلْإعادَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ كالأمْرِ في ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وغَيْرُها عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ تَمْثِيلٌ، فالدّاعِي حِينَئِذٍ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وحُذِفَتِ الواوُ مِن ( يَدْعُ ) لَفْظًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ورَسْمًا اتِّباعًا لِلَّفْظِ، والياءُ مِن ( الدّاعِ ) تَخْفِيفًا، وإجْراءً لِألْ مَجْرى التَّنْوِينِ لِأنَّها تُعاقِبُهُ، والشَّيْءُ يُحْمَلُ عَلى ضِدِّهِ كَما يُحْمَلُ عَلى نَظِيرِهِ ﴿ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴾ أيْ فَظِيعٍ تُنْكِرُهُ النُّفُوسُ لِعَدَمِ العَهْدِ بِمِثْلِهِ وهو هَوْلُ القِيامَةِ ويُكَنّى بِالنُّكُرِ عَنِ الفَظِيعِ لِأنَّهُ في الغالِبِ مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الإنْكارِ ضِدَّ الإقْرارِ وأيُّما كانَ فَهو وصْفٌ عَلى فِعْلٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو قَلِيلٌ في الصِّفاتِ، ومِنهُ - رَوْضَةٌ أُنُفٌ لَمْ تُرْعَ، ورَجُلٌ شُلُلٌ خَفِيفٌ في الحاجَةِ سَرِيعٌ حَسَنُ الصُّحْبَةِ طَيِّبُ النَّفْسِ، وسَجْحٌ لَيِّنٌ سَهْلٌ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٌ «نُكْرٌ» بِإسْكانِ الكافِ كَما قالُوا: شُغُلٌ وشُغْلٌ، وعُسُرٌ وعُسْرٌ وهو إسْكانُ تَخْفِيفٍ، أوِ السُّكُونُ هو الأصْلُ والضَّمُّ لِلْإتْباعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو قِلابَةَ والجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «نُكِرَ» فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى أنْكَرَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خُشَّعًا أبْصارُهُمْ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ أيْ يُخْرُجُونَ ﴿ مِنَ الأجْداثِ ﴾ أيِ القُبُورِ أذِلَّةً أبْصارُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ أيْ أذِلّاءَ مِن ذَلِكَ، وقُدِّمَ الحالُ لِتَصَرُّفِ العامِلِ والِاهْتِمامِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الجُرْمِيِّ مِن عَدَمِ تَجْوِيزِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُتَصَرِّفًا، ويَرُدُّهُ أيْضًا قَوْلُهم: شَتّى تَؤُبُ الحِلْبَةُ، وقَوْلُهُ: سَرِيعًا يَهُونُ الصَّعْبُ عِنْدَ أُولِي النُّهى إذا بِرَجاءٍ صادِقٍ قابَلُوا البَأْسا وجُعِلَ حالًا مِن ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ ﴾ وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ في ﴿ يَدْعُ الدّاعِ ﴾ أيْ يَدْعُوهُمُ الدّاعِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُطابِقُ المُنَزَّلَ وأيْضًا يَصِيرُ حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ الدُّعاءَ لَيْسَ حالَ خُشُوعِ البَصَرِ ولَيْسَتْ في الكَثْرَةِ كَغَيْرِها وكَذَلِكَ جَعَلَهُ مَفْعُولَ - يَدْعُو - عَلى مَعْنى يَدْعُو فَرِيقًا خاشِعًا أبْصارُهم أيْ سَيَخْشَعُ وإنْ كانَ هَذا أقْرَبَ مِمّا قَبْلُ: وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى، وأبْصارُهم فاعِلُ خُشَّعًا وطابَقَهُ الوَصْفُ في الجَمْعِ لِأنَّهُ إذا كُسِّرَ لَمْ يُشَبِّهِ الفِعْلَ لَفْظًا فَتَحْسُنُ فِيهِ المُطابَقَةُ وهَذا بِخِلافِ ما إذا جُمِعَ جَمْعَ مُذَكَّرٍ سالِمٍ فَإنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ زِنَتُهُ وشَبَهُهُ لِلْفِعْلِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُجْمَعُ إذا رَفَعَ الظّاهِرَ المَجْمُوعَ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ دُونَ لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، لَكِنَّ الجَمْعَ حِينَئِذٍ في الِاسْمِ أخَفُّ مِنهُ في الفِعْلِ كَما قالَ الرَّضِيُّ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، وفي التَّسْهِيلِ إذا رَفَعَتِ الصِّفَةُ اسْمًا ظاهِرًا مَجْمُوعًا فَإنْ أمْكَنَ تَكْسِيرُها - كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قِيامٍ غِلْمانُهُ - فَهو أوْلى مِن إفْرادِها - كَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ غِلْمانُهُ - وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ ومَن تَبِعَهُ والسَّماعُ شاهِدٌ لَهُ كَقَوْلِهِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مُطِيُّهم ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلِ وقَوْلِهِ: بِمُطَّرِدٍ لَدْنٍ صِحاحٍ كُعُوبُـهُ ∗∗∗ وذِي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ القَوانِسا وقالَ الجُمْهُورُ: الإفْرادُ أوْلى والقِياسُ مَعَهم، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ورِجالٌ حَسَنٌ أوْجُهُهم ∗∗∗ مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعْدِ وقِيلَ: إنْ تَبِعَ مُفْرَدًا فالإفْرادُ أوْلى - كَرَجُلٍ قائِمٍ غِلْمانُهُ - وإنْ تَبِعَ جَمْعًا فالجَمْعُ أوْلى - كَرِجالٍ قِيامٍ غِلْمانُهم - وأمّا التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ السّالِمُ فَعَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في ﴿ خُشَّعًا ﴾ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ، ( وأبْصارُهم ) بَدَلًا مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍ و وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ - خاشِعًا - بِالإفْرادِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ «خاشِعَةً» وقُرِئَ «خُشَّعٌ» عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ( وأبْصارُهم ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ حالٌ أيْضًا وتَشْبِيهُهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ والِانْتِشارِ في الأقْطارِ، وجاءَ تَشْبِيهُهم بِالفَراشِ المَبْثُوثِ ولَهم يَوْمُ الخُرُوجِ سَهْمٌ مِنَ الشَّبَهِ لِكُلٍّ، وقِيلَ: يَكُونُونَ أوَّلًا كالفَراشِ حِينَ يَمُوجُونَ فَزِعِينَ لا يَهْتَدُونَ أيْنَ يَتَوَجَّهُونَ لِأنَّ الفَراشَ لا جِهَةَ لَها تَقْصِدُها، ثُمَّ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ إذا تَوَجَّهُوا إلى المَحْشَرِ فَهُما تَشْبِيهانِ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ ﴾ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وزادَ بَعْضُهم مادِّي أعْناقِهِمْ، وآخَرُ مَعَ هَزٍّ ورَهَقٍ ومَدِّ بَصَرٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: فاتِحِينَ آذانَهم إلى الصَّوْتِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ناظِرِينَ إلَيْهِ لا تُقْلِعُ أبْصارُهم عَنْهُ وأنْشَدَ قَوْلَ تُبَّعٍ: تَعْبُدُنِي نَمِرُ بْنُ سَعْدٍ وقَدْ أرى ونَمِرُ بْنُ سَعْدٍ لِي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِخاضِعِينَ وأنْشَدَ البَيْتَ، وقِيلَ: خافِضِينَ ما بَيْنَ أعْيُنِهِمْ، وقالَ سُفْيانُ: شاخِصَةٌ أبْصارُهم إلى السَّماءِ، وقِيلَ: أصْلُ الهَطْعِ مَدُّ العُنُقِ، أوْ مَدُّ البَصَرِ، ثُمَّ يُكَنّى بِهِ عَنِ الإسْراعِ، أوْ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ فَلا تَغْفُلْ، ﴿ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ صَعْبٌ شَدِيدٌ لِما يُشاهِدُونَ مِن مَخايِلِ هَوْلِهِ وما يَرْتَقِبُونَ مِن سُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ فِيهِ، وفي إسْنادِ القَوْلِ المَذْكُورِ إلى الكُفّارِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ شُرُوعٌ في تَعْدادِ بَعْضِ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبَةِ لِلِازْدِجارِ ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لَها وبَيانٌ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِها تَقْرِيرًا لِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ قَوْمُ نُوحٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ المُبْهَمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ ﴾ إلَخْ، وفِيهِ مَزِيدُ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ لِلتَّكْذِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَذَّبُوا تَكْذِيبًا إثْرَ تَكْذِيبٍ كُلَّما خَلا مِنهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ جاءَ عَقِيبُهُ قَرْنٌ آخَرُ مُكَذِّبٌ مِثْلُهُ، أوْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا أيْ لَمّا كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ جاحِدِينَ لِلنُّبُوَّةِ رَأْسًا كَذَّبُوا نُوحًا لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الرُّسُلِ، والفاءُ عَلَيْهِ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: مَعْنى كَذَّبَتْ قَصَدَتِ التَّكْذِيبَ وابْتَدَأتْهُ، ومَعْنى فَكَذَّبُوا أتَمُّوهُ وبَلَغُوا نِهايَتَهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: وقَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ وفي ذِكْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفْعٌ لِمَحَلِّهِ وتَشْنِيعٌ لِمُكَذِّبِيهِ.
﴿ وقالُوا مَجْنُونٌ ﴾ أيْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ بَلْ نَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ فَقالُوا هو مَجْنُونٌ ﴿ وازْدُجِرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى - قالُوا - وهو إخْبارٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ وزُجِرَ عَنِ التَّبْلِيغِ بِأنْواعِ الأذِيَّةِ والتَّخْوِيفِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقَرَأ ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: هو مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ أيْ هو مَجْنُونٌ، وقَدِ ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذَهَبَتْ بِلُبِّهِ وتَخَبَّطَتْهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ، وجُعِلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِغَرَضِ الفاصِلَةِ، وطَهَّرَ الألْسِنَةَ عَنْ ذِكْرِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّ فِعْلَهم أسْوَأُ مِن قَوْلِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنِّي ﴾ أيْ بِأنِّي.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى والأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ - «إنِّي» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ الدُّعاءِ مَجْرى القَوْلِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ( مَغْلُوبٌ ) مِن جِهَةِ قَوْمِي ما لِي قُدْرَةٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم ﴿ فانْتَصِرْ ﴾ فانْتَقِمْ لِي مِنهم، وقِيلَ: فانْتَصِرْ لِنَفْسِكَ إذْ كَذَّبُوا رَسُولَكَ، وقِيلَ: المُرادُ - بِمَغْلُوبٍ - غَلَبَتْنِي نَفْسِي حَتّى دَعَوْتُ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وما دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ إلّا بَعْدَ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ، والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّرَحُّمِ المَقْصُودِ مِنَ الإخْبارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ﴾ أيْ مَنصَبٍّ، وقِيلَ: كَثِيرٌ قالَ الشّاعِرُ: أعَيْنايَ جُودا بِالدُّمُوعِ الهَوامِرِ عَلى خَيْرِ بادٍ مِن مَعْدٍ وحاضِرِ والباءُ لِلْآلَةِ مِثْلُها في فَتَحْتُ البابَ بِالمِفْتاحِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ والأوَّلُ أبْلَغُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ تَدَفُّقِ المَطَرِ مِنَ السَّحابِ بِانْصِبابِ أنْهارٍ انْفَتَحَتْ بِها أبْوابُ السَّماءِ وانْشَقَّ أدِيمُ الخَضْراءِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُمْطِرِ السَّماءُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا بَعْدَهُ إلّا مِنَ السَّحابِ، وفُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ بِالماءِ مِن غَيْرِ سَحابٍ ذَلِكَ اليَوْمَ فالتَقى الماءانِ، وفي رِوايَةٍ لَمْ تُقْلِعْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وعَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالأبْوابِ المَجَرَّةُ وهي شَرَجُ السَّماءِ كَشَرَجِ العَيْبَةِ !
والمَعْرُوفُ مِنَ الأرْصادِ أنَّ المَجَرَّةَ كَواكِبُ صِغارٌ مُتَقارِبَةٌ جِدًّا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ المَطَرَ سِنِينَ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمَطْلُوبِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ «فَفَتَّحْنا» بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ الأبْوابِ، والظّاهِرُ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ هُنا لِلْكَثْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ وجَعَلْنا الأرْضَ كُلَّها كَأنَّها عُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ وأصْلُهُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ فَغُيِّرَ إلى التَّمْيِيزِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ الأرْضِ كُلِّها مُتَفَجِّرَةً مَعَ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، فالتَّمْيِيزُ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ بِناءً عَلى أنَّهُ الأكْثَرُ، الأصْلُ انْفَجَرَتْ عُيُونُ الأرْضِ وتَحْوِيلُهُ كَما يَكُونُ عَنْ فاعِلِ الفِعْلِ المَذْكُورِ يَكُونُ عَنْ فاعِلِ فِعْلٍ آخَرَ يُلاقِيهِ في الِاشْتِقاقِ - وهَذا مِنهُ - وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءُ التَّمْيِيزِ مِنَ المَفْعُولِ فَأعْرَبَ ﴿ عُيُونًا ﴾ حالًا مُقَدَّرَةً، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لَفَجَّرْنا عَلى تَضْمِينِهِ ما يَتَعَدّى إلَيْهِ أيْ صَيَّرْنا بِالتَّفْجِيرِ الأرْضَ عُيُونًا وكانَ ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ وأبُو حَيْوَةَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «فَجَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ ﴿ فالتَقى الماءُ ﴾ أيْ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ، والإفْرادُ لِتَحْقِيقِ أنَّ التِقاءَ الماءَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ المُجاوَرَةِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاخْتِلاطِ والِاتِّحادِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والجَحْدَرِيُّ - الماءانِ - والتَّثْنِيَةُ لِقَصْدِ بَيانِ اخْتِلافِ النَّوْعَيْنِ وإلّا فالماءُ شامِلٌ لِماءِ السَّماءِ وماءِ الأرْضِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: لَنا إبِلانِ فِيهِما ما عَلِمْتُمْ فَعَنْ أيِّها ما شِئْتُمْ فَتَنَكَّبُوا وقِيلَ: فِيها إشارَةٌ إلى أنَّ ماءَ الأرْضِ فارَ بِقُوَّةٍ وارْتَفَعَ حَتّى لاقى ماءَ السَّماءِ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ لا تُفْهَمُ مِنَ الإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا - ماوانِ - بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا كَقَوْلِهِمْ: عِلْباوانِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ نَظِيرُهُ بَلْ أرادَ كَما أنَّ هُنالِكَ إبْدالًا بِعِلَّةٍ أنَّها غَيْرُ أصْلِيَّةٍ لِأنَّها زائِدَةٌ لِلْإلْحاقِ كَذَلِكَ ها هُنا لِأنَّها مُبْدَلَةٌ والبَدَلُ وإنْ كانَ مِنَ الهاءِ لَكِنَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى البَدَلِ عَنِ الواوِ قاسَهُ عَلى النِّسْبَةِ كَذا في الكَشْفِ، وعَنْهُ أيْضًا المايانِ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً.
﴿ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ أيْ كائِنًا عَلى حالٍ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أوْ عَلى حالٍ قُدِّرَتْ وسُوِّيَتْ وهي أنَّ ما نَزَلَ عَلى قَدْرِ ما خَرَجَ.
وقِيلَ: إنَّ ماءَ الأرْضِ عَلا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا ونَزَلَ ماءُ السَّماءِ مُكَمِّلًا أرْبَعِينَ، وقِيلَ: ماءُ الأرْضِ كانَ أكْثَرَ ولَهُ مِقْدارٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفانِ.
ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ كُلَّ قِصَّةٍ ذُكِرَتْ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فِيها هَلاكُ المُكَذِّبِينَ فَيَكُونُ هَذا كِنايَةً عَنْ هَلاكِ هَؤُلاءِ، ( وعَلى ) عَلَيْهِ لِلتَّعْلِيلِ، ويُحْتَمَلُ تَعَلُّقُها بِالتَقى.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لِاجْتِماعِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ ما عَدا الزَّهْرَةَ في بُرْجٍ مائِيٍّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ «قُدِّرَ» بِتَشْدِيدِ الدّالِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وحَمَلْناهُ ﴾ أيْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ﴾ أخْشابٍ عَرِيضَةٍ ﴿ ودُسُرٍ ﴾ أيْ مَسامِيرَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ جَمْعُ دِسارٍ كَكِتابٍ وكُتُبٍ، وقِيلَ: ( دُسُرٍ ) كَسَقْفٍ وسُقُفٍ.
وأصْلُ الدَّسْرِ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ بِقَهْرٍ فَسُمِّيَ بِهِ المِسْمارُ لِأنَّهُ يُدَقُّ فَيُدْفَعُ بِشِدَّةٍ.
وقِيلَ: حِبالٌ مِن لِيفٍ تُشَدُّ بِها السُّفُنُ.
وقالَ اللَّيْثُ: خُيُوطٌ تُشَدُّ بِها ألْواحُها، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ أنَّها مَقادِيمُ السَّفِينَةِ وصَدْرُها الَّذِي تَضْرِبُ بِهِ المَوْجَ وتَدْفَعُهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ.
وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها عَوارِضُ السَّفِينَةِ أيِ الخَشَباتُ الَّتِي تُعْرَضُ في وسَطِها.
وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ هي أضْلاعُ السَّفِينَةِ.
وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ ﴾ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفاتِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: حَيٌّ مُسْتَوِي القامَةِ عَرِيضُ الأظْفارِ في الكِنايَةِ عَنِ الإنْسانِ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ.
ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: مِفْرَشِي صَهْوَةُ الحِصانِ ولَكِنْ قَمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِن حَدِيدِ فَإنَّهُ أرادَ قَمِيصِي دِرْعٌ وقَوْلُهُ يَصِفُ هُزالَ الإبِلِ: تَراءى لَها في كُلِّ عَيْنٍ مُقابِلُ ∗∗∗ ولَوْ في عُيُونِ النّازِيّاتِ بِأكْرَعَ فَإنَّهُ أرادَ في عُيُونِ الجَرادِ لِأنَّ النَّزْوَ بِالأكْرَعِ يَخْتَصُّ بِها.
وأمّا كَوْنُهُ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ لِدَلالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ عَلى ما في المُفَصَّلِ وغَيْرِهِ فَكَلامٌ نَحْوِيٌّ <div class="verse-tafsir"
﴿ تَجْرِي بِأعْيُنِنا ﴾ بِمَرْأى مِنّا.
وكُنِّيَ بِهِ عَنِ الحِفْظِ أيْ تَجْرِي في ذَلِكَ الماءِ بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، وقِيلَ: بِأوْلِيائِنا يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن آمَنَ مَعَهُ يُقالُ: ماتَ عَيْنٌ مِن عُيُونِ اللَّهِ تَعالى أوْ ولِيٌّ مِن أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بِأعْيُنٍ بِالماءِ الَّتِي فَجَّرْناها، وقِيلَ: بِالحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمّاهم أعْيُنًا وأضافَهم إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.
وأبُو السَّمّالِ - بِأعْيُنّا - بِالإدْغامِ.
﴿ جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ ﴾ أيْ فِعْلُنا ذَلِكَ جَزاءٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ نِعْمَةً أنْعَمَها اللَّهُ تَعالى عَلى قَوْمِهِ فَكَفَرُوها وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أُمَّتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ واسْتِتارِهِ في الفِعْلِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا أيْ لِمَن كَفَرَ بِهِ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا أيْ جُحِدَتْ نُبُوَّتُهُ، فالكُفْرُ عَلَيْهِ ضِدُّ الإيمانِ، وعَلى الأوَّلِ كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ مَن يُرادُ بِهِ اللَّهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: غَضَبًا وانْتِصارًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو كَما تَرى، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ - كَفْرَ - بِإسْكانِ الفاءِ مُخَفَّفَ فَعَلَ كَما في قَوْلِهِ: لَوْ عُصْرَ مِنهُ البانُ والمِسْكُ انْعَصَرَ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ وقَتادَةُ وعِيسى «كَفَرَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فَمَن يُرادُ بِها قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لا غَيْرَ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ خَبَرًا لِكانَ وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وغَيْرُهم يَقُولُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ قَدْ ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) زائِدَةً كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاءً لِمَن ( كَفَرَ ) ولَمْ يُؤْمِن <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ تَرَكْناها ﴾ أيْ أبْقَيْنا السَّفِينَةَ ﴿ آيَةً ﴾ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والنَّقّاشِ أنَّهُ بَقِيَ خَشَبُها عَلى الجُودِيِّ حَتّى رَآهُ بَعْضُ أوائِلِ هَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ أبْقَيْنا خَبَرَها، أوْ أبْقَيْنا جِنْسَها وذَلِكَ بِإبْقاءِ السُّفُنِ، أوْ - تَرَكْنا - بِمَعْنى جَعَلْنا، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْفِعْلَةِ وهي إنْجاءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ أيْ مُعْتَبِرٍ بِتِلْكَ الآيَةِ الحُرِّيَّةِ بِالِاعْتِبارِ، وقَرَأ قَتادَةُ عَلى ما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ - مُذَّكِّرٍ - بِالذّالِ المُعْجَمَةِ عَلى قَلْبِ تاءِ الِافْتِعالِ ذالًا وإدْغامِ الذّالِ في الذّالِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ قَتادَةُ فَهَلْ مِن - مُذَكِّرٍ - بِتَشْدِيدِ الكافِ مِنَ التَّذْكِيرِ أيْ مَن يُذَكِّرُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ بِها، وقُرِئَ مُذْتَكِرٍ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَها تاءُ الِافْتِعالِ كَما هو الأصْلُ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْظِيمٍ وتَعْجِيبٍ أيْ كانا عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، والنُّذُرُ - مَصْدَرٌ كالإنْذارِ، وقِيلَ: جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى المُنْذَرِ مِنهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا جَعَلَهُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، وكانَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً فَكَيْفَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ ؟
وتامَّةً فَكَيْفَ في مَوْضِعِ الحالِ ؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ ﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ ورَدَتْ في آخِرِ القِصَصِ الأرْبَعِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَهُمْ ﴾ إلَخْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِإيجابِ الِادِّكارِ كافِيَةٌ في الِازْدِجارِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها اعْتِبارٌ، أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ سَهَّلْنا القُرْآنَ لِقَوْمِكَ بِأنْ أنْزَلْناهُ عَلى لُغَتِهِمْ وشَحَنّاهُ بِأنْواعِ المَواعِظِ والعِبَرِ وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ ﴿ لِلذِّكْرِ ﴾ أيْ لِلتَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِلْمُتَّعِظِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُجِيبَ المُسْتَفْهِمَ بِنَعَمْ، وقِيلَ: المَعْنى سَهَّلْنا القُرْآنَ لِلْحِفْظِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ وسَلاسَةِ اللَّفْظِ وشَرَفِ المَعانِي وصِحَّتِها وعُرُوِّهِ عَنِ الوَحْشِيِّ ونَحْوِهِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالقُلُوبِ وحَلاوَةٌ في السَّمْعِ فَهَلْ مِن طالِبٍ لِحِفْظِهِ لِيُعانَ عَلَيْهِ ؟
ومِن هُنا قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُسْتَظْهَرْ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ القُرْآنِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَسَّرْنا القُرْآنَ هَوَّنّا قِراءَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسَّرَهُ عَلى لِسانِ الآدَمِيِّينَ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقُولُ سُورَةٌ خَفِيفَةٌ فَقالَ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ولَكِنْ قُلْ سُورَةٌ يَسِيرَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ( ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) والمَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أوَّلًا أنْسَبُ بِالمَقامِ، ولَعَلَّ خَبَرَ أنَسٍ إنْ صَحَّ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ، وجُوِّزَ تَفْسِيرُ ( يَسَّرْنا ) بِهَيَّأْنا مِن قَوْلِهِمْ: يَسَّرَ ناقَتَهُ لِلسَّفَرِ إذا رَحَلَها، ويَسَّرَ فَرَسَهُ لِلْغَزْوِ إذا أسْرَجَهُ وألْجَمَهُ قالَ الشّاعِرُ: ؎وقُمْتُ إلَيْهِ بِاللِّجامِ مُيَسَّرًا هُنالِكَ يَجْزِينِي الَّذِي كُنْتُ أصْنَعُ <div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَتْ عادٌ ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةٍ أُخْرى ولَمْ تُعْطَفْ وكَذا ما بَعْدَها مِنَ القِصَصِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مُسْتَقِلَّةٌ في القَصْدِ والِاتِّعاظِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ عَلَمٌ ذُكِرُوا بِعُنْوانِ الإضافَةِ ولَمّا كانَ لِقَوْمِ هُودٍ عَلَمٌ وهو عادٌ ذُكِرُوا بِهِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّعْرِيفِ، والمُرادُ كَذَّبَتْ عادٌ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْمًا لِلِاخْتِصارِ ومُسارَعَةً إلى بَيانِ ما فِيهِ الِازْدِجارُ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ لِتَوْجِيهِ قُلُوبِ السّامِعِينَ نَحْوَ الإصْغاءِ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ قَبْلَ ذِكْرِهِ لا لِتَهْوِيلِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَعْجِيبِهِمْ مِن حالِهِ بَعْدَ بَيانِهِ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ( كَذَّبَتْ عادٌ ) فَهَلْ سَمِعْتُمْ، أوْ فاسْمَعُوا كَيْفَ عَذابِي وإنْذارِي لَهم، وقِيلَ: هو لِلتَّهْوِيلِ أيْضًا لِغَرابَةِ ما عُذِّبُوا بِهِ مِنَ الرِّيحِ وانْفِرادِهِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ بَحْثٌ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ أوَّلًا، والصَّرْصَرُ البارِدَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وقِيلَ: شَدِيدُ الصَّوْتِ وتَمامُ الكَلامِ قَدْ مَرَّ في «فُصِّلَتْ» .
﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ ﴾ شُؤْمٍ عَلَيْهِمْ ﴿ مُسْتَمِرٍّ ﴾ ذَلِكَ الشُّؤْمُ لِأنَّهم بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا لَمْ يَزالُوا مُعَذَّبِينَ في البَرْزَخِ حَتّى يَدْخُلُوا جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا ﴾ المَشْهُورُ أنَّهُ يَوْمُ الأرْبِعاءِ وكانَ آخِرَ شَوّالٍ عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ إرْسالِ الرِّيحِ كانَ فِيهِ فَلا يُنافِي آيَتَيْ «فُصِّلَتْ» و«الحاقَّةَ» .
وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُسْتَمِرٍّ ) صِفَةَ يَوْمٍ أيْ في يَوْمٍ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ حَتّى أهْلَكَهم، أوْ شَمِلَ كَبِيرَهم وصَغِيرَهم حَتّى لَمَّ تَبْقَ مِنهم نَسَمَةٌ عَلى أنَّ الِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ الزَّمانِ أوْ بِحَسَبِ الأشْخاصِ والأفْرادِ لَكِنْ عَلى الأوَّلِ لا بُدَّ مِن تَجُوُّزٍ بِإرادَةِ اسْتِمْرارِ نَحْسِهِ، أوْ بِجَعْلِ اليَوْمِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ لِأنَّ اليَوْمَ الواحِدَ لَمْ يَسْتَمِرَّ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُسْتَمِرٍّ ) بِمَعْنى مُحْكَمٍ وكَوْنُهُ بِمَعْنى شَدِيدِ المَرارَةِ وهو مَجازٌ عَنْ بَشاعَتِهِ وشَدَّةِ هَوْلِهِ إذْ لا طَعْمَ لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ الحَسَنُ «يَوْمٍ نَحِسٍ» بِتَنْوِينِ يَوْمٍ وكَسْرِ حاءِ نَحْسٍ، وجَعْلِهِ صِفَةً لِيَوْمٍ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ( مُسْتَمِرٍّ ) صِفَةً ثانِيَةً لَهُ، وأيَّدَ بَعْضُهم بِالآيَةِ ما أخْرَجَهُ وكِيعٌ في الغَرَرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ البَغْدادِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا آخِرَ أرْبِعاءَ في الشَّهْرِ يَوْمٌ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ وأخَذَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَتَطَيَّرُوا مِنهُ وتَرَكُوا السَّعْيَ لِمَصالِحِهِمْ فِيهِ ويَقُولُونَ لَهُ: أرْبِعاءَ لا تَدُورُ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِقاؤُكَ لِلْمُبَكِّرِ فَألُ سَوْءٍ ووَجْهُكَ - أرْبِعاءَ لا تَدُورُ - وذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي، والحَدِيثُ المَذْكُورُ في سَنَدِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ الصَّلْتِ قالَ أبُو حاتِمٍ: مَتْرُوكٌ، وجَزَمَ ابْنُ الجَوْزِيِّ بِوَضْعِهِ وقالَ ابْنُ رَجَبٍ: حَدِيثٌ لا يَصِحُّ ورَفْعُهُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَقَدْ رَواهُ الطُّيُورِيُّ مِن طَرِيقٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ السَّخاوِيُّ: طُرُقُهُ كُلُّها واهِيَةٌ، وضَعَّفُوا أيْضًا خَبَرَ الطَّبَرانِيِّ يَوْمُ الأرْبِعاءَ يَوْمٌ نَحْسٌ مُسْتَمِرٌّ، والآيَةُ قَدْ عُلِمَتْ مَعْناها، وجاءَ في الأخْبارِ والآثارِ ما يُشْعِرُ بِمَدْحِهِ فَفي مِنهاجِ الحَلِيمِيِّ، وشُعَبِ البَيْهَقِيِّ أنَّ الدُّعاءَ يُسْتَجابُ يَوْمُ الأرْبِعاءِ بَعِيدُ الزَّوالِ، وذَكَرَ بُرْهانُ الإسْلامِ في تَعْلِيمِ المُتَعَلِّمِ عَنْ صاحِبِ الهِدايَةِ أنا ما بُدِئَ شَيْءٌ يَوْمَ الأرْبِعاءِ إلّا وتَمَّ وهو يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ النُّورَ فَلِذَلِكَ كانَ جَمْعٌ مِنَ المَشايِخِ يَتَحَرَّوْنَ ابْتِداءَ الجُلُوسِ لِلتَّدْرِيسِ فِيهِ، واسْتَحَبَّ بَعْضُهم غَرْسَ الأشْجارِ فِيهِ لِخَبَرِ ابْنِ حَيّانَ والدَّيْلَمِيِّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا ««مَن غَرَسَ الأشْجارَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وقالَ: سُبْحانَ الباعِثِ الوارِثِ أتَتْهُ أُكُلُها»» نَعَمْ جاءَتْ أخْبارٌ وآثارٌ تُشْعِرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَفي الفِرْدَوْسِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا ««لَوْلا أنْ تَكْرَهَ أُمَّتِي لَأمَرْتُها أنْ لا يُسافِرُوا يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وأحَبُّ الأيّامِ إلَيَّ الشُّخُوصَ فِيها يَوْمَ الخَمِيسِ»» وهو غَيْرُ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ عِنْدِي.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وابْنُ عَدِيٍّ وتَمامُ في فَوائِدِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمُ مَكْرٍ وخَدِيعَةٍ ويَوْمُ الأحَدِ يَوْمُ غَرْسٍ وبِناءٍ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ يَوْمُ سَفَرٍ وطَلَبِ رِزْقٍ ويَوْمُ الثُّلاثاءِ يَوْمُ حَدِيدٍ وبَأْسٍ.
ويَوْمُ الأرْبِعاءِ لا أخْذٌ ولا عَطاءٌ.
ويَوْمُ الخَمِيسِ يَوْمُ طَلَبِ الحَوائِجِ والدُّخُولِ عَلى السُّلْطانِ.
والجُمْعَةُ يَوْمُ خُطْبَةٍ ونِكاحٍ»، وتَعَقَّبَهُ السَّخاوِيُّ بِأنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وخَرَّجَهُ الحاكِمُ مِن طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ ««لا يَبْدُو جُذامٌ ولا بَرَصٌ إلّا يَوْمَ الأرْبَعاءِ»» وفي بَعْضِ الآثارِ النَّهْيُ عَنْ قَصِّ الأظْفارِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وأنَّهُ يُورِثُ البَرَصَ، وكَرِهَ بَعْضُهم عِيادَةَ المَرْضى فِيهِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: لَمْ يُؤْتَ في الأرْبِعاءِ مَرِيضٌ ∗∗∗ إلّا دَفَنّاهُ في الخَمِيسِ وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: اخْرُجْ مَعِي في حاجَةٍ فَقالَ: هو الأرْبِعاءُ قالَ: فِيهِ وُلِدَ يُونُسَ قالَ: لا جَرَمَ قَدْ بانَتْ لَهُ بَرَكَتُهُ في اتِّساعِ مَوْضِعِهِ وحُسْنِ كُسْوَتِهِ حَتّى خَلَّصَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: وفِيهِ وُلِدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: فَما أحْسَنَ ما فَعَلَ إخْوَتُهُ حَتّى طالَ حَبْسُهُ وغُرْبَتُهُ قالَ: وفِيهِ نَصْرُ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الأحْزابِ قالَ: أجَلْ لَكِنْ - بَعْدَ أنْ زاغَتِ الأبْصارُ، وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ - ونَقَلَ المَناوِيُّ عَنِ البَحْرِ أنَّ إخْبارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ نُحُوسَةِ آخِرِ أرْبِعاءَ في الشَّهْرِ مِن بابِ التَّطَيُّرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ بَلْ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ ولا مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ أنَّهُ يَوْمُ عُطارِدَ وهو نَحْسٌ مَعَ النُّحُوسِ سَعْدٌ مَعَ السُّعُودِ فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ أيِ احْذَرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ لِما نَزَلَ فِيهِ مِنَ العَذابِ وكانَ فِيهِ مِنَ الهَلاكِ وجَدِّدُوا فِيهِ لِلَّهِ تَعالى تَوْبَةً خَوْفًا أنْ يَلْحَقَكم فِيهِ بُؤْسٌ كَما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم، وهَذا كَما قالَ حِينَ أتى الحِجْرَ: لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وحُكِيَ أيْضًا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: التَّطَيُّرُ مَكْرُوهٌ كَراهِيَةً شَرْعِيَّةً إلّا أنَّ الشَّرْعَ أباحَ لِمَن أصابَهُ في آخِرِ أرْبِعاءَ شَيْءٌ في مَصالِحِهِ أنْ يَدَعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ لا عَلى جِهَةِ التَّطَيُّرِ واعْتِقادِ أنَّهُ يَضُرُّ أوْ يَنْفَعُ بِغَيْرِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى بَلْ عَلى جِهَةِ اعْتِقادِ إباحَةِ الإمْساكِفِيهِ لِما كَرِهَتْهُ النَّفْسُ لا اقْتِفاءً لِلتَّطَيُّرِ ولَكِنْ إثْباتًا لِلرُّخْصَةِ في التَّوَقِّي فِيهِ لِمَن يَشاءُ مَعَ وُجُوبِ اعْتِقادِ أنَّ شَيْئًا لا يَضُرُّ شَيْئًا ونُقِلَ عَنِ الحَلِيمِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلِمْنا بِبَيانِ الشَّرِيعَةِ أنَّ مِنَ الأيّامِ نَحْسًا، ويُقابِلُ النَّحْسَ السَّعْدُ وإذا ثَبَتَ الأوَّلُ ثَبَتَ الثّانِي أيْضًا، فالأيّامُ مِنها نَحْسٌ ومِنها سَعْدٌ كالأشْخاصِ مِنهم شَقِيٌّ ومِنهم سَعِيدٌ، ولَكِنْ زُعِمَ أنَّ الأيّامَ والكَواكِبَ تُنْحِسُ أوْ تُسْعِدُ بِاخْتِيارِها أوْقاتًا وأشْخاصًا باطِلٌ، والقَوْلُ - إنَّ الكَواكِبَ قَدْ تَكُونُ أسْبابًا لِلْحَسَنِ والقَبِيحِ والخَيْرِ والشَّرِّ والكُلُّ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ - مِمّا لا بَأْسَ بِهِ.
ثُمَّ قالَ المَناوِيُّ: والحاصِلُ أنَّ تَوَقِّي الأرْبِعاءِعَلى جِهَةِ الطِّيَرَةِ وظَنِّ اعْتِقادِ المُنَجِّمِينَ حَرامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ إذِ الأيّامُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ بِذاتِها وبِدُونِ ذَلِكَ لا ضَيْرَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ ومَن تَطَيَّرَ حاقَتْ بِهِ نُحُوسَتُهُ، ومَن أيْقَنَ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَما قِيلَ: تَعَلَّمْ أنَّهُ لا طِيَرَ إلّا ∗∗∗ عَلى مُتَطَيِّرٍ وهو الثُّبُورُ انْتَهى، وأقُولُ كُلُّ الأيّامِ سَواءٌ ولا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ بِيَوْمِ الأرْبِعاءِ وما مِن ساعَةٍ مِنَ السّاعاتِ إلّا وهي سَعْدٌ عَلى شَخْصٍ نَحْسٌ عَلى آخَرَ بِاعْتِبارِ ما يُحْدِثُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ المُلائِمِ والمُنافِرِ والخَيْرِ والشَّرِّ، فَكُلُّ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ يَتَّصِفُ بِالأمْرَيْنِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ وإنِ اسْتُنْحِسَ يَوْمُ الأرْبِعاءِ لِوُقُوعِ حادِثٍ فِيهِ فَلْيُسْتَنْحَسْ كُلُّ يَوْمٍ فَما أُولِجَ اللَّيْلُ في النَّهارِ والنَّهارُ في اللَّيْلِ إلّا لِإيلادِ الحَوادِثِ وقَدْ قِيلَ: ألا إنَّما الأيّامُ أبْناءُ واحِدٍ ∗∗∗ وهَذِي اللَّيالِي كُلُّها أخَواتُ وقَدْ حُكِيَ أنَّهُ صَبَّحَ ثَمُودَ العَذابُ يَوْمَ الأحَدِ، ووَرَدَ في الأثَرِ ولا أظُنُّهُ يَصِحُّ - «نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن يَوْمِ الأحَدِ فَإنَّ لَهُ حَدًّا أحَدَّ مِنَ السَّيْفِ» - ولَوْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ في أحَدٍ مَخْصُوصٍ عُلِمَ بِالوَحْيِ ما يَحْدُثُ فِيهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم - أنَّ مِنَ المُجَرَّبِ الَّذِي يُخَطُّ قَطُّ أنَّهُ مَتى كانَ اليَوْمُ الرّابِعَ عَشَرَمِنَ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ الأحَدَ وفُعِلَ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَتِمَّ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ،ووَرَدَ في الفِرْدَوْسِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأمْراضَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وفِيهِ أنْزَلَ إبْلِيسَ إلى الأرْضِ، وفِيهِ خَلَقَ جَهَنَّمَ، وفِيهِ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى مَلَكَ المَوْتِ عَلى أرْواحِ بَنِي آدَمَ.
وفِيهِ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ، وفِيهِ تُوُفِّيَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وفِيهِ ابْتُلِيَ أيُّوبُ» - الحَدِيثَ، وهو إنْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى نُحُوسَتِهِ غايَتُهُ أنَّهُ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ وقَدْ وقَعَ فِيهِ غَيْرُذَلِكَ مِمّا هو خَيْرٌ، فَفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ - خُلِقَ المَنفَقُ أيْ ما يَقُومُ بِهِ المَعاشُ يَوْمَ الثُّلاثاءِ- وإذا تَتَبَّعْتَ التَّوارِيخَ وقَعْتَ عَلى حَوادِثَ عَظِيمَةٍ في سائِرِ الأيّامِ، ويَكْفِي في هَذا البابِ أنَّ حادِثَةَ عادٍ اسْتَوْعَبَتْ أيّامَ الأُسْبُوعِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا ﴾ فَإنْ كانَتِ النُّحُوسَةُ لِذَلِكَ فَقُلْ لِي أيُّ يَوْمٍ مِنَ الأُسْبُوعِ خَلا مِنها ؟!
ومِثْلُ أمْرِ النُّحُوسَةِ فِيما أرى أمْرُ تَخْصِيصِ كُلِّ يَوْمٍ بِعَمَلٍ كَما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، ويَذْكُرُونَ في ذَلِكَ أبْياتًا نَسَبَها الحافِظُ الدِّمْياطِيُّ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهي: فَنِعْمَ اليَوْمُ يَوْمُ السَّبْتِ حَقًّا لِصَيْدٍ إنْ أرَدْتَ بِلا امْتِراءِ وفِي الأحَدِ البِناءُ لِأنَّ فِيهِ تَبَدّى اللَّهُ في خَلْقِ السَّماءِ وفِي الِاثْنَيْنِ إنْ سافَرْتَ فِيهِ سَتَرْجِعُ بِالنَّجاحِ وبِالثَّراءِ ومَن يُرِدِ الحِجامَةَ فالثُّلاثا فَفي ساعاتِهِ هَرْقُ الدِّماءِ وإنْ شَرِبَ امْرُؤٌ يَوْمًا دَواءً فَنِعْمَ اليَوْمُ يَوْمُ الأرْبِعاءِ وفِي يَوْمِ الخَمِيسِ قَضاءُ حاجٍّ فَإنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ بِالقَضاءِ وفِي الجُمُعاتِ تَزْوِيجٌ وعُرْسٌ ولَذّاتُ الرِّجالِ مَعَ النِّساءِ وهَذا العِلْمُ لا يَدْرِيهِ إلّا نَبِيٌّ أوْ وصِيُّالأنْبِياءِ ولا أظُنُّها تَصِحُّ، وقُصارى ما أقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لا دَخْلَ في ذَلِكَ لِوَقْتٍ ولا لِغَيْرِهِ، لِبَعْضِ الأوْقاتِ شَرَفٌ لا يُنْكَرُ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ وشَهْرِ رَمَضانَ وغَيْرِذَلِكَ، ولِبَعْضِها عَكْسُ ذَلِكَ كالأوْقاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيها الصَّلاةُ لَكِنَّ هَذا أمْرٌ ومَحَلُّ النِّزاعِ أمْرٌ فاحْفَظْ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِعُ النّاسَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الرِّيحِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنها لِأنَّها وُصِفَتْ فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وجِيءَ - بِالنّاسِ - دُونَ ضَمِيرِ عادٍ قِيلَ: لِيَشْمَلَ ذُكُورَهم وإناثَهم - والنَّزْعُ - القَلْعُ، رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوا الشِّعابَ والحُفَرَ وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَقَلَعَتْهُمُ الرِّيحُ وصَرَعَتْهم مَوْتى.
﴿ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ أيْ مُنْقَلَعٍ عَنْ مَغارِسِهِ ساقِطٍ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: شُبِّهُوا بِأعْجازِ النَّخْلِ وهي أُصُولُها بِلا فُرُوعٍ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَقْلَعُ رُؤُوسَهم فَتَبْقى أجْسادًا وجُثَثًا بِلا رُؤُوسٍ، ويَزِيدُ هَذا التَّشْبِيهُ حُسْنًا أنَّهم كانُوا ذَوِي جُثَثٍ عِظامٍ طِوالٍ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ يُذَكَّرُ نَظَرًا لِلَّفْظِ كَما هُنا ويُؤَنَّثُ نَظَرًا لِلْمَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ واعْتِبارُ كُلٍّ في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ لِلْفاصِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِنَ النّاسِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ فَتَرَكَتْهم كَأنَّهم إلَخْ، فالكافُعَلى ما في البَحْرِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَحْذُوفِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ أعْجُزُعَلى وزْنِ أفْعَلَ نَحْوَ ضَبْعٍ وأضْبُعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ تَهْوِيلٌ لَهُما وتَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِما بَعْدَ بَيانِهِما فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا والثّانِي لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ( وكانَ ) لِلْمُشاكَلَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ في إخْبارِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الثّانِي عَلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ أحَدِهِمْ وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أوْ جَمْعًا لَهُ وأنْ يَكُونَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذَرِ مِنهُ فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا ﴾ أيْ كائِنًا مِن جِنْسِنا عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لَبِشَرًا - وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ - نَتَّبِعُ - بَعْدُ أيْ أنَتَّبِعُ بَشَرًا ﴿ واحِدًا ﴾ أيْ مُنْفَرِدًا لا تَبَعَ لَهُ، أوْ واحِدًا مِن آحادِهِمْ لا مِن أشْرافِهِمْ كَما يُفْهَمُ مِنَ التَّنْكِيرِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ التَّعْيِينِ وهو صِفَةٌ أُخْرى لِبِشَرٍ وتَأْخِيرُهُ مَعَ إفْرادِهِ عَنِ الصِّفَةِ الأُولى مَعَ كَوْنِها شِبْهَ الجُمْلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الجِنْسِيَّةِ والوَحْدَةِ مِمّا يَمْنَعُ الإتْباعَ ولَوْ قُدِّمَ عَلَيْها لَفاتَ هَذا التَّنْبِيهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ فِيما ذَكَرَ الهُذَلِيُّ في كِتابِهِ الكامِلِ وأبُو عَمْرٍ و الدّانِيُّ - أبَشَرٌ مِنّا واحِدٌ - بِرَفْعِهِما عَلى أنَّ - بَشَرٌ - مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدُ صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَّبِعُهُ ﴾ خَبَرُهُ.
ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ وصاحِبُ اللَّوامِحِ وابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ رَفْعَ - بَشَرٌ - ونَصْبَ ( واحِدًا ) وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّ رَفْعَ - بَشَرٌ - إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ والتَّقْدِيرُ أيُنَبَّأُ بَشَرٌ، وإمّا عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿ نَتَّبِعُهُ ﴾ ، ونَصْبَ ( واحِدًا ) عَلى الحالِ إمّا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ﴿ نَتَّبِعُهُ ﴾ وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في ( مِنّا ) وخَرَّجَ صاحِبُ اللَّوامِحِ نَصْبَ ( واحِدًا ) عَلى هَذا أيْضًا، وأمّا رَفْعُ بَشَرٍ فَخَرَّجَهُ عَلى الِابْتِداءِ وإضْمارِ الخَبَرِ أيْ أبَشَرٌ مِنّا يُبْعَثُ إلَيْنا أوْ يُرْسَلُ أوْ نَحْوُهُما، وتَقَدُّمُ الِاسْتِفْهامِ يُرَجِّحُ تَقْدِيرَ فِعْلٍ يُرْفَعُ بِهِ ﴿ إنّا إذًا ﴾ أيْ إذا اتَّبَعْنا بَشَرًا مِنّا واحِدًا ﴿ لَفِي ضَلالٍ ﴾ عَظِيمٍ عَنِ الحَقِّ ﴿ وسُعُرٍ ﴾ أيْ نِيرانٍ جَمْعُ سَعِيرٍ.
ورُوِيَ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ لَهم: إنْ لَمْ تَتْبَعُونِي كُنْتُمْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ وسُعُرٍ فَعَكَسُوا عَلَيْهِ لِغايَةِ عُتُوَّهم فَقالُوا: إنِ اتَّبَعْناكَ كُنّا إذًا كَما تَقُولُ، فالكَلامُ مِن بابِ التَّعْكِيسِ والقَوْلِ بِالمُوجَبِ، وجَمْعُ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ الدَّرَكاتِ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يَحْتَمِلُ ما قُلْنا فَإنَّهُ قالَ: أيْ لَفي بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ وعَذابٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُ السُّعُرِ بِالجُنُونِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ بِمَعْنى ذَلِكَ يُقالُ: ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ إذا كانَتْ تُفْرِطُ في سَيْرِها كَأنَّها مَجْنُونَةٌ قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّ بِها سُعُرًا إذا العِيسُ هَزَّها ذَمِيلٌ وإرْخاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعَبُ والأوَّلُ أوْجَهُ وأفْصَحُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا ﴾ أيْ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ مِن بَيْنِنا وفِينا مَن هو أحَقُّ مِنهُ بِذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِأُلْقِيَ دُونَ أُنْزِلَ قِيلَ: لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ العَجَلَةَ في الفِعْلِ ﴿ بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴾ أيْ شَدِيدُ البَطَرِ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: دَهْشٌ يُعْتَرى مِن سُوءِ احْتِمالِ النِّعْمَةِ وقِلَّةِ القِيامِ بِحَقِّها ووَضْعِها إلى غَيْرِ وجْهِها، ويُقارِبُهُ الطَّرَبُ وهو خِفَّةٌ أكْثَرُ ما تُعْتَرى مِنَ الفَرَحِ، ومُرادُهم لَيْسَ الأمْرُكَذَلِكَ بَلْ هو كَذا وكَذا حَمَلَهُ شِدَّةُ بَطَرِهِ وطَلَبِهِ التَّعْظِيمَ عَلَيْها عَلى ادِّعاءِ ذَلِكَ، وقَرَأ قَتادَةُ.
وأبُو قِلابَةَ - بَلْ هو الكَذِبُ الأشِرُّ - بِلامِ التَّعْرِيفِ فِيهِما وبِفَتْحِ الشِّينِ وشَدِّالرّاءِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما في ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعْدًا لَهُ ووَعِيدًا لِقَوْمِهِ، والسِّينُ لِتَقْرِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ، والمُرادُ بِالغَدِ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِمْ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ فَهو لِمُطْلَقِ الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وعُبِّرَ بِهِ لِتَقْرِيبِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: ألا عَلِّلانِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوائِحِ وقَبْلَ اضْطِرابِ النَّفْسِ بَيْنَ الجَوانِحِ وقَبْلَ غَدٍ يا لَهَفَ نَفْسِي عَلى غَدِ ∗∗∗ إذا راحَ أصْحابِي ولَسْتُ بِرائِحِ أيْ ( سَيَعْلَمُونَ ) البَتَّةَ عَنْ قَرِيبٍ ﴿ مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ ﴾ الَّذِي حَمَلَهُ أشَرُهُ وبَطَرُهُ عَلى ما حَمَلَهُ أصالِحٌ أمْ مَن كَذَّبَهُ، والمُرادُ سَيَعْلَمُونَ أنَّهم هُمُ الكَذّابُونَ الأشِرُونَ لَكِنْ أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الإبْهامِ إيماءً إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خالِيَيْنِ لِتَعْلَمَن ∗∗∗ أيِّي وأيُّكَ فارِسُ الأحْزابِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ - سَتَعْلَمُونَ - بِتاءِ الخِطابِ عَلى حِكايَةِ ما قالَ لَهم صالِحٌ مُجِيبًا لَهم، وفي الكَشّافِ أوْ هو كَلامٌ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: أيْ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْمِ ثَمُودَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ إمّا في خِطابِهِ تَعالى لِرَسُولِنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو نَظِيرُ ما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ شُعَيْبٍ ﴿ فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ ﴾ بَعْدَ ما اسْتُؤْصِلُوا هَلاكًا وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِهَذا الوَعِيدِ وكَأنَّهم حُضُورٌ في المَجْلِسِ حَوَّلَ إلَيْهِمُ الوَجْهَ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ.
وإمّا في خِطابِهِ عَزَّ وجَلَّ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُنَزَّلُ حِكايَةَ ذَلِكَ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى الِالتِفاتِ.
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا إشْكالَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ ولَفْظُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى الأوَّلِ أدَلُّ وهو أبْلَغُ انْتَهى، ومَنِ التَفَتَ إلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ في الِالتِفاتِ لا أظُنُّهُ تَسْكُنُ نَفْسُهُ بِما ذَكَرَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ مُجاهِدٌ فِيما ذَكَرَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وأبُو قَيْسٍ الأوِدِيُّ «الأُشُرُ» بِثَلاثِ ضَمّاتٍ وتَخْفِيفِ الرّاءِ.
ويُقالُ: أشِرٌ وأُشُرٌ كَحَذِرٍ وحُذُرٍ فَضَمَّةُ الشِّينِ لُغَةٌ وضَمُّ الهَمْزَةِ تَبَعٌ لَها.
وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ضَمَّ الشِّينِ دُونَ الهَمْزَةِ فَهو كَنَدُسٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «الأشَرُّ» أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أيِ الأبْلَغُ في الشَّرارَةِ وكَذا قَرَأ قَتادَةُ وأبُو قِلابَةَ أيْضًا وهو قَلِيلٌ الِاسْتِعْمالِ وإنْ كانَ عَلى الأصْلِ كالأخِيرِ في قَوْلِ رُؤْبَةَ: بِلالٌ خَيْرُ النّاسِ وابْنُ الأخْيَرِ وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَكادُ العَرَبُ تَتَكَلَّمُ - بِالأخْيَرِ - والأشَرِّ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وأنْشَدَ البَيْتَ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: لا يُقالُ ( الأشَرُّ )إلّا في لُغَةٍ رَدِيئَةٍ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَبادِئِ المَوْعُودِعَلى ما هو الظّاهِرُ، وبِهِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ المُرادِ بِالغَدِ وقْتَ نُزُولِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِمْ دُونَ يَوْمِ القِيامَةِ، والإرْسالُ حَقِيقَةٌ في البَعْثِ وقَدْ جُعِلَ هُنا كِنايَةً عَنِ الإخْراجِ، وأُرِيدَ المَعْنى الحَقِيقِيُّ مَعَهُ كَما أوْمَأ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ أيْ إنّا مُخْرِجُو النّاقَةِ الَّتِي سَألُوها مِنَ الهَضْبَةِ وباعِثُوها ﴿ فِتْنَةً لَهُمْ ﴾ امْتِحانًا، وجُوِّزَ إبْقاؤُها عَلى مَعْناها المَعْرُوفِ ﴿ فارْتَقِبْهُمْ ﴾ فانْتَظِرْهم وتَبَصَّرْ ما هم فاعِلُونَ ﴿ واصْطَبِرْ ﴾ عَلى أذاهم ولا تَعْجَلْ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"
﴿ ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ ﴾ وأخْبِرْهم بِأنَّ ماءَ البِئْرِ الَّتِي لَهم ﴿ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ مَقْسُومٌ لَها يَوْمٌ ولَهم يَوْمٌ، و(بَيْنَهم ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، وقَرَأ مُعاذٌ عَنْ أبِي عَمْرو «قَسْمَةٌ» بِفَتْحِ القافِ ﴿ كُلُّ شِرْبٍ ﴾ نَصِيبٍ وحِصَّةٍ مِنهُ ﴿ مُحْتَضَرٌ ﴾ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ في نَوْبَتِهِ فَتَحْضُرُ النّاقَةُ تارَةً ويَحْضُرُونَهُ أُخْرى، وقِيلَ: يَتَحَوَّلُ عَنْهُ غَيْرُ صاحِبِهِ مِن حَضَرَ عَنْ كَذا تَحَوَّلَ عَنْهُ وقِيلَ: يُمْنَعُ عَنْهُ غَيْرُ صاحِبِهِ مَجازٌ عَنِ الحَظْرِ بِالظّاءِ بِمَعْنى المَنعِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ حُضُورِ صاحِبِهِ في نَوْبَتِهِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: يَحْضُرُونَ الماءَ في نَوْبَتِهِمْ واللَّبَنَ في نَوْبَتِها، والمَعْنى كُلُّ شِرْبٍ مِنَ الماءِ واللَّبَنِ تَحْضُرُونَهُ أنْتُمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَنادَوْا ﴾ أيْ فَأرْسَلْنا النّاقَةَ وكانُوا عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ مِنَ القِسْمَةِ فَمَلُّوا ذَلِكَ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ النّاقَةِ ﴿ فَنادَوْا ﴾ لِعَقْرِها ﴿ صاحِبَهُمْ ﴾ وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ وكانَ أجْرَأهم ﴿ فَتَعاطى ﴾ العَقْرَ أيْ فاجْتَرَأ عَلى تَعاطِيهِ مَعَ عِظَمِهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ.
﴿ فَعَقَرَ ﴾ فَأحْدَثَ العَقْرَ بِالنّاقَةِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ المُرادُ فَتَعاطى النّاقَةَ فَعَقَرَها، أوْ فَتَعاطى السَّيْفَ فَقَتَلَها، وعَلى كُلٍّ فَمَفْعُولُ تَعاطى مَحْذُوفٌ والتَّفْرِيعُ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: تَعاطى مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ مَعْناهُ أحْدَثَ ماهِيَّةَ التَّعاطِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَقَرَ ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ لا مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ، والتَّعاطِي التَّناوُلُ مُطْلَقًا عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ، وزادَ بَعْضُهم قَيْدًا بِتَكَلُّفٍ ونِسْبَةُ العَقْرِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعَقَرُوا النّاقَةَ ﴾ لِأنَّهم كانُوا راضِينَ بِهِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي تَقَدَّمَ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ هي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ صَباحَ يَوْمِ الأحَدِ كَما حَكى المَناوِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ في طَرْفِ مَنازِلِهِمْ ﴿ فَكانُوا ﴾ أيْ فَصارُوا ﴿ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ أيْ كالشَّجَرِ اليابِسِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ لِماشِيَتِهِ في الشِّتاءِ.
وفِي البَحْرِ الهَشِيمُ ما تَفَتَّتَ وتَهَشَّمَ مِنَ الشَّجَرِ، ( والمُحْتَظِرِ ) الَّذِي يَعْمَلُ الحَظِيرَةَ فَإنَّهُ يَتَفَتَّتُ مِنهُ حالَةَ العَمَلِ ويَتَساقَطُ أجْزاءُ مِمّا يَعْمَلُ بِهِ، أوْ يَكُونُ الهَشِيمُ ما يَبِسَ مِنَ الحَظِيرَةِ بِطُولِ الزَّمانِ تَطَؤُهُ البَهائِمُ فَيَتَهَشَّمُ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ الأظْهَرَ عَلَيْهِ كَهَشِيمِ الحَظِيرَةِ، والحَظِيرَةُ الزَّرِيبَةُ الَّتِي تَصْنَعُها العَرَبُ.
وأهْلُ البَوادِي لِلْمَواشِي والسُّكْنى مِنَ الأغْصانِ والشَّجَرِ المُورِقِ والقَصَبِ مِنَ الحَظْرِ وهو المَنعُ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ «المُحْتَظَرِ» بِفَتْحِ الظّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ والمُرادُ بِهِ الحَظِيرَةُ نَفْسُها أوْ هو اسْمُ مَفْعُولٍ قِيلَ: ويُقَدَّرُ لَهُ مَوْصُوفٌ أيْ ( كَهَشِيمِ الحائِطِ المُحْتَظَرِ ) أوْ لا يُقَدَّرُ عَلى أنَّ( المُحْتَظَرَ ) الزَّرِيبَةُ نَفْسُها كَما سَمِعْتَ.
وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْ كَهَشِيمِ الِاحْتِظارِ أيْ ما تَفَتَّتَ حالَةَ الِاحْتِظارِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ كَما مَرَّ ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴾ عَلى قِياسِ النَّظِيرِ السّابِقِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ﴾ مَلَكًا عَلى ما قِيلَ - يَحْصُبُهم أيْ يَرْمِيهِمْ بِالحَصْباءِ والحِجارَةِ أوْ هو اسْمٌ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْصُبُ ولَمْ يُرَدْ بِها الحُدُوثُ كَما في ناقَةٍ ضامِرٍ وهو وجْهُ التَّذْكِيرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما حُصِبُوا بِهِ مِنَ السَّماءِ مِنَ الحِجارَةِ في الرِّيحِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ خاصَّتَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وقِيلَ: آلُهُ ابْنَتاهُ ﴿ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ ﴾ أيْ في سَحَرٍ وهو آخِرُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: السُّدُسُ الأخِيرُ مِنهُ، وقالَ الرّاغِبُ: السَّحَرُ والسَّحَرَةُ اخْتِلاطُ ظَلامِ آخِرِ اللَّيْلِ بِصَفاءِ النَّهارِ وجُعِلَ اسْمًا لِذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُلْتَبِسِينَ ( بِسَحَرٍ ) داخِلِينَ فِيهِ ﴿ نِعْمَةً مِن عِنْدِنا ﴾ أيْ إنْعامًا مِنّا وهو عِلَّةٌ لَنَجَّيْنا، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، أوْ بِنَجَّيْنا لِأنَّ التَّنْجِيَةَ إنْعامٌ فَهو كَقَعَدْتُ جُلُوسًا ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ نِعْمَتَنا بِالإيمانِ والطّاعَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ أنْذَرَهُمْ ﴾ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ بَطْشَتَنا ﴾ أخَذْتَنا الشَّدِيدَةَ بِالعَذابِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها نَفْسُ العَذابِ ﴿ فَتَمارَوْا ﴾ فَكَذَّبُوا ﴿ بِالنُّذُرِ ﴾ مُتَشاكِّينَ، فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّكْذِيبِ ولَوْلاهُ تَعَدّى بِفي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ﴾ صَرَفُوهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِمْ وطَلَبُوا الفُجُورَ بِهِمْ وهَذا مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْجَمِيعِ لِرِضاهم بِهِ ﴿ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ ﴾ أيْ أزَلْنا أثَرَها وذَلِكَ بِمَسْحِها وتَسْوِيَتِها كَسائِرِ الوَجْهِ، وهو كَما قالَ عُبَيْدَةُ، ورُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ في عُقُوبَتِهِمْ لَيْلَةَ جاؤُوا وعالَجُوا البابَ لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ فَصَفْقَهم بِجَناحِهِ فَتَرَكَهم عُمْيانًا يَتَرَدَّدُونَ لا يَهْتَدُونَ إلى طَرِيقِ خُرُوجِهِمْ حَتّى أخْرَجَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: إنَّما حَجَبَ إدْراكَهم فَدَخَلُوا المَنزِلَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَجَعَلَ ذَلِكَ كالطَّمْسِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ.
وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «فَطَمَّسْنا» بِتَشْدِيدِ المِيمِ لِلتَّكْثِيرِ في المَفْعُولِ ﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ أيْ فَقُلْنا لَهم ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فالقَوْلُ في الحَقِيقَةِ لَهم وأُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مَجازًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الآمِرُ أوِ القائِلُ ظاهِرَ الحالِ فَلا قَوْلَ وإنَّما هو تَمْثِيلٌ، والمُرادُ بِالعَذابِ الطَّمْسُ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُنْذَرُوهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً ﴾ أوِ النَّهارَ وهي أخَصُّ مِنَ الصَّباحِ فَلَيْسَ في ذِكْرِها بَعْدَهُ زِيادَةٌ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بُكْرَةَ» غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أوَّلُ نَهارٍ مَخْصُوصٍ.
﴿ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴾ يَسْتَقِرُّ بِهِمْ ويَدُومُ حَتّى يُسَلِّمَهم إلى النّارِ، أوْ لا يُدْفَعَ عَنْهم، أوْ يَبْلُغَ غايَتَهُ.
﴿ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَشْدِيدًا لِلْعَذابِ، أوْ هو تَمْثِيلٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ ﴿ ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾ صُدِّرَتْ قِصَّتُهم بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ - بِشَأْنِها لِغايَةِ عِظَمِ ما فِيها مِنَ الآياتِ وكَثْرَتِها وهَوْلِ ما لاقُوهُ مِنَ العَذابِ وقُوَّةِ إيجابِها لِلِاتِّعاظِ والِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ نَفْسَهُ أوْلى بِذَلِكَ فَإنَّهُ رَأْسُ الطُّغْيانِ ومُدَّعِي الأُلُوهِيَّةِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ إشارَةٌ إلى إسْلامِهِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، و(النُّذُرُ ) إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وكَذا إنْ كانَ مَصْدَرًا، وأمّا إنْ كانَ جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرِ فالمُرادُ بِهِ مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ جاءَهُمُ المُنْذِرُونَ، أوِ الإنْذاراتُ، أوِ الإنْذارُ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ النُّذُرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَئِذٍ ؟
فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِجَمِيعِ آياتِنا وهي آياتُ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ تَكْذِيبَ البَعْضِ تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ، أوْ هي الآياتُ التِّسْعُ، وجَوَّزالواحِدِيُّأنْ يُرادَ بِالنُّذُرِ نَفْسُ الآياتِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ والأصْلُ كَذَّبُوا بِها، وزَعَمَ بَعْضُ غُلاةِ الشِّيعَةِ وهُمُ المُسْلِمُونَ بِالكَشْفِيَّةِ في زَمانِنا أنَّ المُرادَ - بِالآياتِ كُلِّها - عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ الإمامُ المُبِينُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ ﴾ وأنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ظَهَرَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا - وهَذا مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ - نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ( فَأخَذْناهم ) أيْ آلَ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ ضَمِيرَ ( كَذَّبُوا ) وضَمِيرَ أخَذْناهم عائِدانِ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( النُّذُرُ ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ أيْ ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ وقَهَرْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿ أخْذَ عَزِيزٍ ﴾ لا يُغالَبُ ﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ونُصِبَ أخْذَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ﴿ أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ ﴾ أيِ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ الخَيْرِيَّةُ بِاعْتِبارِ الدُّنْيا وزِينَتِها كَكَثْرَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ ووُفُورِ العَدَدِ والعُدَّةِ، أوْ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ الكُفّارُ المُحَدَّثُ عَنْهم بِالخَيْرِيَّةِ أقَلَّ عِنادًا وأقْرَبَ طاعَةً وانْقِيادًا، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الخِطابَ هُنا عامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ قالُوا: <div class="verse-tafsir"
﴿ أكُفّارُكُمْ ﴾ يا مَعْشَرَ العَرَبِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ إلَخْ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمُ الكُفّارِ المَعْدُودِينَ بِأنْ يَكُونُوا أكْثَرَ مِنهم قُوَّةً وشِدَّةً وأوْفَرَ عَدَدًا وعُدَّةً، أوْ بِأنْ يَكُونُوا ألْيَنَ شَكِيمَةً في الكُفْرِ والعِصْيانِ والضَّلالِ والطُّغْيانِ بَلْ هم دُونَهم في القُوَّةِ وما أشْبَهَها مِن زِينَةِ الدُّنْيا، أوْ أسْوَأ حالًا مِنهم في الكُفْرِ، وقَدْ أصابَ مَن هو خَيْرٌ ما أصابَ فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ هم في أنْ لا يُصِيبَهم نَحْوُذَلِكَ، وكَذا قِيلَ: في الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ ﴾ وجَعَلَ بِتَقْدِيرِ أمْ لِكُفّارِكم وهو إضْرابٌ وانْتِقالٌ إلى تَنْكِيتٍ آخَرَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ ألِكُفّارِكم بَراءَةٌ وأمْنٌ مِن تَبِعاتِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وغَوائِلِها في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَلِذَلِكَ يُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ولا يَخافُونَ، واخْتارَ بَعْضُهم في هَذا أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ إنَّهُ إضْرابٌ مِنَ التَّبْكِيتِ المَذْكُورِ إلى تَبْكِيتٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْإيذانِ بِإفْضاءِ حالِهِمْ إلى الإعْراضِ عَنْهم وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ قَبائِحِهِمْ لِغَيْرِهِمْ.
أيْ بَلْ أيَقُولُونَ واثِقِينَ بِشَوْكَتِهِمْ نَحْنُ جَماعَةٌ أمْرُنا مُجْتَمِعٌ لا يُرامُ ولا يُضامُ، أوْ ﴿ مُنْتَصِرٌ ﴾ مِنَ الأعْداءِ لا يُغْلَبُ، أوْ مُتَناصِرٌ يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا.
والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِ الفَقِيرِ أنَّ الخِطابَ في المَوْضِعَيْنِ خاصٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ بِكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ أوِ العَرَبِ وهو ظَهْرٌ في المَوْضِعِ الثّانِي لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، وأمّا في المَوْضِعِ الأوَّلِ فَوَجْهُهُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِثْلُها في الدَّراهِمِ كُلِّها كَذا، وطُورِ سَيْناءَ، ويَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَقُلْ أأنْتُمْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كُفْرِهِمُ المُقْتَضِي لِهَلاكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في ﴿ أكُفّارُكُمْ ﴾ ضَرْبٌ مِنَ التَّجْرِيدِ الَّذِي ذَكَرُوهُ في نَحْوِ ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ فَكَأنَّهُ جُرِّدَ مِنهم كُفّارٌ وأضِيفُوا إلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وجْهًا لِلْعُدُولِ عَنْ أأنْتُمْ، ورُبَّما يَتَرَجَّحُ بِهِ كَوْنُ الخَيْرِيَّةِ المَنفِيَّةِ بِاعْتِبارِ لِينِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ وكَأنَّهُ لَمّا خَوَّفَ سُبْحانَهُ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الآياتِ وأعْرَضُوا عَنْها، وقالُوا هي سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِمّا تَبْرُقُ وتُرْعِدُ مِنهُ أسارِيرُ الوَعِيدِ قالَ عَزَّ وجَلَّ لَهم: لِمَ لا تَخافُونَ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ أأنْتُمْ أقَلُّ كُفْرًا وعِنادًا مِنهم لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْنِ مِن حُلُولِ نَحْوِ عَذابِهِمْ بِكم أمْ أُعْطاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَراءَةً مِن عَذابِهِ أمْ أنْتُمْ أعَزُّ مِنهم مُنْتَصِرُونَ عَلى جُنُودِ اللَّهِ تَعالى وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْ أنْتُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا تَحَقُّقَ لَهُ أصْلًا إلّا بِاللَّفْظِ ومَحْضِ الدَّعْوى الَّتِي لا يُوافَقُ عَلَيْها فَتَأمَّلْ، فَأسْرارُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَتَناهى، ثُمَّ لا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ عَلى ما قُلْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَنا سَلَفٌ فِيهِ حَسْبَما تَتَبَّعْنا، ثُمَّ إنَّ ( جَمِيعٌ ) عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَعْنى الجَماعَةِ الَّتِي أمْرُها مُجْتَمِعٌ ولَيْسَ مِنَ التَّأْكِيدِ في شَيْءٍ بَلْ هو خَبَرُ ( نَحْنُ )، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو (أمْرُنا) والجُمْلَةُ خَبَرُ ( نَحْنُ ) وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ( ومُنْتَصِرٌ ) عَلى ما سَمِعْتَ إمّا بِمَعْنى مُمْتَنِعٍ يُقالُ: نَصَرَهُ فانْتَصَرَ إذا مَنَعَهُ فامْتَنَعَ.
والمُرادُ بِالِامْتِناعِ عَدَمُ المَغْلُوبِيَّةِ أوْ هو بِمَعْنى مُنْتَقِمٍ مِنَ الأعْداءِ أوْ هو مِنَ النَّصْرِ بِمَعْنى العَوْنِ والِافْتِعالِ بِمَعْنى التَّفاعُلِ كالِاخْتِصامِ والتَّخاصُمِ وكانَ الظّاهِرُ مُنْتَصِرُونَ إلّا أنَّهُ أُفْرِدَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الجَمِيعِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ لَفْظًا جَمْعٌ مَعْنى ورُجِّحَ هُنا جانِبُ اللَّفْظِ عَكْسَ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِخِفَّةِ الإفْرادِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ رِعايَةُ جانِبِ المَعْنى أوَّلًا، ثُمَّ رِعايَةُ جانِبِ اللَّفْظِ ثانِيًا عَلى عَكْسِ المَشْهُورِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا عَلى الصَّحِيحِ كَما لا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - أمْ تَقُولُونَ - بِتاءِ الخِطابِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ أيْ يُهْزَمُ جَمْعُهُمُ البَتَّةَ ﴿ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ أيِ الأدْبارَ، وقَدْ قُرِئَكَذَلِكَ، والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ الصّادِقِ عَلى الكَثِيرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ومُشاكَلَةِ القَرائِنِ، أوْ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ يُوَلِّي كُلُّ واحِدٍ مِنهم دُبُرَهُ عَلى حَدِّ: كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً مَعَ الرِّعايَةِ المَذْكُورَةِ أيْضًا وقَدْ كانَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ وهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وقَدْ نَزَلَتْ حَيْثُ لَمْ يُفْرَضْ جِهادٌ ولا كانَ قِتالٌ ولِذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَوْمَ نَزَلَتْ أيُّجَمْعٍ يُهْزَمُ أيْ مِن جُمُوعِ الكُفّارِ ؟
ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِقِتالِ أحَدٍ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ الخَبَرُ.
ومِمّا أشَرْنا إلَيْهِ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الطَّيِّبِيِّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ نَظَرٌ لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ في ( أمْ يَقُولُونَ ) إلَخْ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُنْهَزِمِينَ مَن هم ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومُوسى الأسْوارِيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ - سَتَهْزِمُ الجَمْعَ - بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَصْبِ الجَمْعِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ أيْضًا ويَعْقُوبُ - سَنَهْزِمُ - بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الزّايِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «سَيَهْزِمُ الجَمْعَ» بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الجَمْعِ أيْ سَيَهْزِمُ اللَّهُ تَعالى الجَمْعَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وداوُدُ بْنُ أبِي سالِمٍ عَنْ أبِي عَمْرو - وتُوَلُّونَ - بِتاءِ الخِطابِ <div class="verse-tafsir"
﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ أيْ لَيْسَ هَذا تَمامَ عُقُوبَتِهِمْ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَذا مِن طَلائِعِهِ ﴿ والسّاعَةُ أدْهى ﴾ أيْ أعْظَمُ داهِيَةً وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الفَظِيعُ الَّذِي لا يُهْتَدى إلى الخَلاصِ عَنْهُ ﴿ وأمَرُّ ﴾ وأشَدُّ مَرارَةً في الذَّوْقِ وهو اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ: وقِيلَ: أقْوى ولَيْسَ بِذاكَ وإظْهارُ السّاعَةِ في مَوْضِعِ إضْمارِها لِتَرْبِيَةِ تَهْوِيلِها ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ في هَلاكٍ ﴿ وسُعُرٍ ﴾ ونِيرانٍ مُسَعَّرَةٍ أوْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ ونِيرانٍ في الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ ﴾ أيْ يُجَرُّونَ ﴿ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ أيْ يَوْمَ يُسْحَبُونَ يُقالُ لَهم ﴿ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ وجُوِّزَأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمِقْدارٍ يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ أيْ يُعَذَّبُونَ، أوْ يُهانُونَ، أوْ نَحْوَهُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ عَلَيْهِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يُسْحَبُونَ ) وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا - بِذُوقُوا - عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُكَذِّبِينَ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أكُفّارُكُمْ ﴾ إلَخْ أيْ ذُوقُوا أيُّها المُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ يُسْحَبُ المُجْرِمُونَ المُتَقَدِّمُونَ، والمُرادُ حَشْرُهم مَعَهم والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في الآخِرَةِ كَما ساؤُوهم في الدُّنْيا وهو كَما تَرى، والمُرادُ - بِمَسِّ سَقَرَ - ألَمُها عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْهُ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّ مَسَّها سَبَبٌ لِلتَّألُّمِ بِها وتَعَلُّقُ الذَّوْقِ بِمِثْلِ ذَلِكَ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ، وفي الكَشّافِ ﴿ مَسَّ سَقَرَ ﴾ كَقَوْلِكَ وجَدَ مَسَّ الحُمّى وذاقَ طَعْمَ الضَّرْبِ لِأنَّ النّارَ إذا أصابَتْهم بِحَرِّهاوَلَحِقَتْهم بِإيلامِها فَكَأنَّها تَمَسُّهم مَسًّا بِذَلِكَ كَما يَمَسُّ الحَيَوانَ ويُباشِرُ بِما يُؤْذِي ويُؤْلِمُ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً نَحْوَ ﴿ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ ويُحْتَمَلُ غَيْرُذَلِكَ، ( وسَقَرَ ) عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها بِبَرَكَةِ كَلامِهِ العَظِيمِ وحُرْمَةِ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ - مِن سَقَرْتُهُ لِلنّارِ وصَقَرْتُهُ بِإبْدالِ السِّينِ صادًا لِأجْلِ القافِ إذا لَوَّحَتْهُ وغَيَّرَتْ لَوْنَهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرَ الوَحْشِ: إذا ذابَتِ الشَّمْسُ اتَّقى صَقَراتِها بِأفْنانِ مَرْبُوعِ الصَّرِيمَةِ مُعْبِلِ وعَدَمُ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ إلى النّارِ، وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرو «مَسْ سَّقَرَ» بِإدْغامِ السِّينِ في السِّينِ، وتَعَقَّبَذَلِكَ ابْنُ مُجاهِدٍ بِأنَّ إدْغامَهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ مُشَدَّدٌ، والظَّنُّ بِأبِي عَمْرو أنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ حَتّى حَذَفَ إحْدى السِّينَيْنِ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ ثُمَّ أدْغَمَ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ أيْ مُقَدَّرًا مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فالقَدَرُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ الَّذِي يُقابِلُ القَضاءَ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ هو المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««جاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ »» وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««صِنْفانِ مِن أُمَّتِي لَيْسَ لَهُما في الإسْلامِ نَصِيبٌ المُرْجِئَةُ والقَدَرِيَّةُ»» أُنْزِلَتْ فِيهِمْ آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْرَهُ القَدَرِيَّةَ جِدًّا، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي يَحْيى الأعْرَجِ قالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ - وقَدْ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ - يَقُولُ: لَوْ أدْرَكْتُ بَعْضَهم لَفَعَلْتُ بِهِ كَذا وكَذا ثُمَّ قالَ: الزِّنا بِقَدَرٍ والسَّرِقَةُ بِقَدَرٍ وشُرْبُ الخَمْرِ بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما تَقُولُ فِيمَن يُكَذِّبُ بِالقَدَرِ ؟
قالَ: اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ قالَ: ما تَصْنَعُ بِهِ ؟
قالَ: أخْنُقُهُ حَتّى أقْتُلَهُ، وقَدْ جاءَ ذَمُّهم في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ ومَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لا قَدَرَ إنْ مَرِضُوا فَلا تَعُودُوهم وإنْ ماتُوا فَلا تَشْهَدُوهم»» .
وجُوِّزَ كَوْنُ المَعْنى إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُسْتَوْفًى فِيهِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّكْوِينِ، فالآيَةُ مِن بابِ ﴿ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ ونُصِبَ ( كُلَّ ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَوْمٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِرَفْعِ كُلَّ وهو عَلى الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ( خَلَقْناهُ ) هو الخَبَرُ، و(بِقَدَرٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ بِقَدَرٍ ولا يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ خَلَقْناهُ صِفَةً، ويُجْعَلَ الخَبَرُ ( بِقَدَرٍ ) لِاخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى حِينَئِذٍ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ، وقالَ الرَّضِيُّ: لا يَتَفاوَتُ المَعْنى لِأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ كَلُّ مَخْلُوقٍ سَواءٌ نَصَبْتَ ( كُلَّ ) أوْ رَفَعْتَهُ وسَواءٌ جَعَلْتَ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً مَعَ الرَّفْعِ، أوْ خَبَرًا عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِ خَلَقْنا كُلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ جَمِيعَ المُمْكِناتِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ واسْمُ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى كُلٍّ مِنها، وحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّ مَعْنى ﴿ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ عَلى أنَّ خَلَقْناهُ هو الخَبَرُ ( كُلَّ ) مَخْلُوقُ مَخْلُوقٍ ( بِقَدَرٍ ) وعَلى أنَّ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةُ ( كُلَ شَيْءٍ ) مَخْلُوقٌ كائِنٌ ( بِقَدَرٍ ) والمَعْنَيانِ واحِدٌ إذْ لَفْظُ ( كُلَّ ) في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمَخْلُوقاتِ سَواءٌ كانَ ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً لَهُ أوْ خَبَرًا، وتَعَقَّبَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِأنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذْ جَعَلْنا ( خَلَقْناهُ ) صِفَةً كانَ المَعْنى ( كُلَّ ) مَخْلُوقٌ مُتَّصِفٌ بِأنَّهُ مَخْلُوقُنا كائِنٌ بِقَدَرٍ، وعَلى هَذا لا يَمْتَنِعُ نَظَرًا إلى هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ هُناكَ مَخْلُوقاتٌ غَيْرُ مُتَّصِفَةٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلا تَنْدَرِجُ تَحْتَ الحُكْمِ، وأمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا أوْ نَصَبْنا ( كُلَ شَيْءٍ ) فَلا مَجالَ لِهَذا الِاحْتِمالِ نَظَرًا إلى نَفْسِ المَعْنى المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ فَقَدِ اخْتَلَفَ المَعْنَيانِ قَطْعًا ولا يُجْدِيهِ نَفْعًا أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ في الواقِعِ لِأنَّهُ إنَّما يُفْهَمُ مِن خارِجِ الكَلامِ ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ ولِكَوْنِ النَّصْبِ نَصًّا في المَقْصُودِ اتَّفَقَتِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ عَلَيْهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّقْدِيرِ وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ عَلى الرَّفْعِ المُوهِمِ لِخِلافِهِ وإنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ ﴾ أيْ ما شَأْنُنا إلّا فِعْلَةٌ واحِدَةٌ عَلى نَهْجٍ لا يَخْتَلِفُ ووَتِيرَةٍ لا تَتَعَدَّدُ وهي الإيجادُ بِلا مُعالَجَةٍ ومَشَقَّةٍ، أوْ ما أمْرُنا إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُنْ ﴾ وغَيْرُها فالأمْرُ مُقابِلُ النَّهْيِ وواحِدِ الأُمُورِ، فَإذا أرادَ عَزَّ وجَلَّ شَيْئًا قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ أيْ في السَّيْرِ والسُّرْعَةِ، وقِيلَ: هَذا في قِيامِ السّاعَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ ﴾ أيْ أشْباهَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأصْلُهُ جَمْعُ شِيعَةٍ وهم مَن يَتَقَوّى بِهِمُ المَرْءُ مِنَ الأتْباعِ ولَمّا كانُوا في الغالِبِ مَن جِنْسٍ واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ ما ذُكِرَ إمّا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، والحالُ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: هو باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ أتْباعَكم ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ مُتَّعِظٍ بِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْأشْياعِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وجُمْلَةُ ( فَعَلُوهُ ) صِفَةُ ( شَيْءٍ ) والرّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( في الزُّبُرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الدُّنْيا مَكْتُوبٌ في كُتُبِ الحَفَظَةِ غَيْرُ مَغْفُولٍ عَنْهُ، وتَفْسِيرُ ( الزُّبُرِ ) بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما حَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في رَفْعِ ( كُلُّ ) ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ فَلا يَجُوزُ النَّصْبُ لِعَدَمِ بَقاءِ المَعْنى الحاصِلِ بِالرَّفْعِ لَوْ عَمِلَ المُشْتَغِلُ بِالضَّمِيرِ في الِاسْمِ السّابِقِ كَما هو اللّازِمُ في ذَلِكَ البابِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ها هُناحِينَئِذٍ فَعَلُوا في الزُّبُرِكُلَّ شَيْءٍ إنْ عَلَّقْنا الجارَّ - يَفْعَلُوا وهم لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن أفْعالِهِمْ في الكُتُبِ بَلْ فَعَلَوْها في أماكِنِهِمْ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَتَبُوها عَلَيْهِمْ في الكُتُبِ، أوْ فَعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ في الزُّبُرِإنْ جَعَلْنا الجارَّ نَعْتًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْنًى مُسْتَقِيمًا إلّا أنَّهُ خِلافُ المَعْنى المَقْصُودِ حالَةَ الرَّفْعِ وهو ما تَقَدَّمَ آنِفًا <div class="verse-tafsir"
﴿ وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ﴾ مِنَ الأعْمالِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: مِنها ومِن كُلِّ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ مُسْتَطَرٌ ﴾ مَسْطُورٌ مُكْتَتَبٌ في اللَّوْحِ بِتَفاصِيلِهِ وهو مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى الكَتْبِ، ويُقالُ: سَطَرْتُ واسْتَطَرْتُ بِمَعْنى، وقَرَأ الأعْمَشُ وعِمْرانُ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «مُسْتَطَرٌّ» بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِعِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن - طَرَّ - النَّباتَ والشّارِبَ إذا ظَهَرَ، والمَعْنى كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ظاهِرٌ في اللَّوْحِ مُثْبَتٌ فِيهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِطارِ لَكِنْ شَدَّدَ الرّاءَ لِلْوَقْفِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ( جَعْفَرٌّ ويَفْعَلُّ ) - بِالتَّشْدِيدِ وقْفًا أيْ ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ووَزْنُهُ عَلى التَّوْجِيهِ الأوَّلِ مُسْتَفْعَلٌ وعَلى الثّانِي مُفْتَعَلٌ، ولَمّا كانَ بَيانُ حالِ سُوءِ الكَفَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ إلَخْ <div class="verse-tafsir"
مِمّا يَسْتَدْعِي بَيانَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَكافَأ التَّرْهِيبُ والتَّرْغِيبُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما لَهم مِن حُسْنِ الحالِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ.
﴿ فِي جَنّاتٍ ﴾ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ ﴿ ونَهَرٍ ﴾ أيْ أنْهارٍ كَذَلِكَ، والإفْرادُ لِلِاكْتِفاءِ بِاسْمِ الجِنْسِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالسِّعَةِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ - كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ - أوْ قَيْسِ بْنِ الخَطِيبِ - كَما في البَحْرِ - يَصِفُ طَعْنَةً: مَلَكْتُ بِها كَفِّيَ فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها أيْ أوْسَعْتُ فَتْقَها، والمُرادُ بِالسِّعَةِ سِعَةُ المَنازِلِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: سَعَةُ الرِّزْقِ والمَعِيشَةِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُما وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ﴿ ونَهَرٍ ﴾ أيْ في نُورٍ وضِياءٍ وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ الضِّياءِ المُنْتَشِرِ بِالماءِ المُتَدَفِّقِ مِن مَنبَعِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهارِعَلى الحَقِيقَةِ، والمُرادُ أنَّهم لا ظُلْمَةَ ولا لَيْلَ عِنْدَهم في الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبُو السَّمّالِ والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ «ونَهْرٍ» بِسُكُونِ الهاءِ، وهو بِمَعْنى «نَهَرٍ» مَفْتُوحِها، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو نُهَيْكٍ وأبُو مِجْلَزٍ واليَمانِيُّ «ونُهُرٍ» بِضَمِّ النُّونِ والهاءِ، وهو جَمْعُ نَهْرٍ المَفْتُوحِ أوِ السّاكِنِ - كَأسَدٍ وأُسُدٍ، ورَهْنٍ ورُهُنٍ - وقِيلَ: جَمْعُ نَهارٍ، والمُرادُ أنَّهم لا ظُلْمَةَ ولا لَيْلَ عِنْدَهم كَما حُكِيَ فِيما مَرَّ، وقِيلَ: قُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ في مَكانٍ مَرْضِيٍّ عَلى أنَّ الصِّدْقَ مَجازٌ مُرْسَلٌ في لازِمِهِأوِ اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ صِدْقُ المُبَشَّرِ بِهِ وهو اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوِ المُرادُ أنَّهُ نالَهُ مَن نالَهُ بِصِدْقِهِ وتَصْدِيقِهِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَدَحَ المَكانَ بِالصِّدْقِ فَلا يَقْعُدُ فِيهِ إلّا أهْلُ الصِّدْقِ، وهو المَقْعَدُ الَّذِي يُصْدِقُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مَواعِيدَ أوْلِيائِهِ بِأنَّهُ يُبِيحُ عَزَّ وجَلَّ لَهُمُ النَّظَرَ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ، وإفْرادُ المَقْعَدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ - في مَقاعِدَ - عَلى الجَمْعِ وهي تُوَضِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَقْعَدِ المَقاعِدُ ﴿ عِنْدَ مَلِيكٍ ﴾ أيْ مَلِكٍ عَظِيمِ المُلْكِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ ولَيْسَتِ الياءُمِنَ الإشْباعِ ﴿ مُقْتَدِرٍ ﴾ قادِرٍ عَظِيمِ القُدْرَةِ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ صِفَةٌ لِمَقْعَدِ صِدْقٍ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والعِنْدِيَّةُ لِلْقُرْبِ الرُّتْبِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ سُبْحانَهُ أبْهَمَ العِنْدِيَّةَ والقُرْبَ ونَكَّرَ - مَلِيكًا، ومُقْتَدِرًا - لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُلْكَهُ تَعالى وقُدْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ لا تَدْرِي الأفْهامُ كُنْهَهُما وأنَّ قُرْبَهم مِنهُ سُبْحانَهُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ السَّعادَةِ والكَرامَةِ بِحَيْثُ لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ مِمّا يَجِلُّ عَنِ البَيانِ وتَكِلُّدُونَهُ الأذْهانُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ ﴾ إلَخْ قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ عَلى الجَبّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وقَدْ جَلَسَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم مَجْلِسَهُ الَّذِي هو مَجْلِسُهُ عَلى مَنابِرِ الدُّرِّ والياقُوتِ والزُّمُرُّدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالأعْمالِ فَلا تَقَرُّ أعْيُنُهم قَطُّ كَما تَقَرُّ بِذَلِكَ ولَمْ يَسْمَعُوا شَيْئًا أعْظَمَ مِنهُ ولا أحْسَنَ مِنهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلى رِحالِهِمْ قَرِيرَةً أعْيُنُهم ناعِمِينَ إلى مِثْلِها مِنَ الغَدِ» - وإذا صَحَّ هَذا فَهو مِنَ المُتَشابَهِ كالآيَةِ فَلا تَغْفُلْ، ولِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ شَأْنٌ في اسْتِجابَةِ الدُّعاءِعَلى ما في بَعْضِ الآثارِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ وأنا أرى أنِّي أصْبَحْتُ فَإذا عَلَيَّ لَيْلٌ طَوِيلٌ ولَيْسَ فِيهِ أحَدٌ غَيْرِي فَنِمْتُ فَسَمِعْتُ حَرَكَةً خَلْفِي فَفَزِعْتُ فَقالَ: أيُّها المُمْتَلِئُ قَلْبُهُ فَرَقًا لا تَفْرَقْ أوْ لا تَفْزَعْ وقُلِ اللَّهُمَّ إنَّكَ مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ ما تَشاءُ مِن أمْرٍ يَكُونُ ثُمَّ سَلْ ما بَدا لَكَ قالَ: فَما سَألْتُ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إلّا اسْتَجابَ لِي وأنا أقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ ما تَشاءُ مِن أمْرٍ يَكُونُ فَأسْعِدْنِي في الدّارَيْنِ وكُنْ لِي ولا تَكُنْ عَلَيَّ وانْصُرْنِي عَلى مَن بَغى عَلَيَّ وأعِذْنِي مِن هَمِّ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجالِ وشَماتَةِ الأعْداءِ، وصَلِّ اللَّهُمَّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.