الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة المنافقون
تفسيرُ سورةِ المنافقون كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 51 دقيقة قراءةسُورَةُ المُنافِقُونَ مَدَنِيَّةٌ وعَدَدُ آياتِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ووَجْهُ اتِّصالِها أنَّ سُورَةَ الجُمُعَةِ ذُكِرَ فِيها المُؤْمِنُونَ، وهَذِهِ ذُكِرَ فِيها أضْدادُهم وهُمُ المُنافِقُونَ، ولِهَذا أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فَيُحَرِّضُ بِها المُؤْمِنِينَ.
وفي الثّانِيَةِ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ فَيُقَرِّعُ بِها المُنافِقِينَ»، وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبُ الِانْفِضاضِ عَنْ سَماعِ الخُطْبَةِ رُبَّما كانَ حاصِلًا عَنِ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهم ناسٌ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ لِسُرُورِهِمْ بِالعِيرِ الَّتِي قَدِمَتْ بِالمِيرَةِ إذْ كانَ الوَقْتُ وقْتَ مَجاعَةٍ ذَكَرَ المُنافِقِينَ وما هم عَلَيْهِ مِن كَراهَةِ أهْلِ الإيمانِ وأتْبَعَ بِقَبائِحِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ ﴾ أيْ حَضَرُوا مَجْلِسَكَ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ﴿ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ التَّأْكِيدُ بِأنَّ واللّامِ لِلازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو عِلْمُهم بِهَذا الخَبَرِ المَشْهُودِ بِهِ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَ الشَّهادَةِ، ويَدُلُّ عَلى ادِّعائِهِمْ فِيها المُواطَأةَ وإنْ كانَتْ في نَفْسِها تَقَعُ عَلى الحَقِّ والزُّورِ والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ حَقِيقَةً بِشَأْنِ الخَبَرِ، أوْ لَيْسَ إلّا لِيُوافِقَ صَنِيعَهم، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اعْتِراضًا لِإماطَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ مِن رُجُوعِ التَّكْذِيبِ إلى نَفْسِ الخَبَرِ المَشْهُودِ بِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِنَ التَّتْمِيمِ لَطِيفُ المَسْلَكِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ: وتَحْتَقِرُ الدُّنْيا احْتِقارَ مُجَرِّبٍ تَرى كُلَّ ما فِيها وحاشاكَ فانِيا فالتَّكْذِيبُ راجِعٌ إلى ﴿ نَشْهَدُ ﴾ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ وهو دَعْوى المُواطَأةِ في الشَّهادَةِ أيْ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمَّنُوهُ قَوْلَهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ مِن دَعْوى المُواطَأةِ وتَوافُقِ اللِّسانِ والقَلْبِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ، وقَدْ يُقالُ: الشَّهادَةُ خَبَرٌ خاصٌّ وهو ما وافَقَ فِيهِ اللِّسانُ القَلْبَ، وأمّا شَهادَةُ الزُّورِ فَتَجُوزُ كَإطْلاقِ البَيْعِ عَلى غَيْرِ الصَّحِيحِ فَهم كاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ المُتَفَرِّعِ عَلى تَسْمِيَةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ شَهادَةً، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ لَكاذِبُونَ في تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ شَهادَةً فَلا تَغْفُلْ.
وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ في تَحَقُّقِ كَذِبِهِمْ إلى ادِّعائِهِمُ المُواطَأةَ ضِمْنًا لِأنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمُواطِئِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ بِاعْتِبارِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو بِمَعْنى رُجُوعِهِ إلى الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما عِنْدَهم أيْ لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ كَذِبٌ وخَبَرٌ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ حالُ المُخْبَرِ عَنْهُ، قِيلَ: وعَلى هَذا الكَذِبِ هو الشَّرْعِيُّ اللّاحِقُ بِهِ الذَّمُّ ألا تَرى أنَّ المُجْتَهِدِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى الكَذِبِ وإنْ نُسِبُوا إلى الخَطَأِ.
وجَوَّزَ العَلّامَةُ الثّانِي أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى حَلِفِ المُنافِقِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ﴿ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ مِن حَوْلِهِ و ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ لِما ذُكِرَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في غَزاةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ ولَوْ رَجَعْنا مِن عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ فَحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوا: فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ وصَدَّقَهُ فَأصابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ في البَيْتِ فَقالَ لِي عَمِّي: ما أرَدْتُ إلى أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَقَتَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ ﴾ فَبَعَثَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ صَدَقَكَ يا زَيْدُ»» .
وجَوَّزَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّ المُنافِقِينَ شَأْنُهُمُ الكَذِبُ وإنْ صَدَقُوا في هَذا الخَبَرِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَتِمُّ لِلنِّظامِ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ صِدْقَ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ خَطَأً وكَذِبُهُ عَدَمَها، وإظْهارُ المُنافِقِينَ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والكَلامِ في ”إذا“ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ ﴾ أيِ الكاذِبَةَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الإضافَةُ ﴿ جُنَّةً ﴾ أيْ وِقايَةً عَمّا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِالقَتْلِ أوِ السَّبْيِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ قالَ قَتادَةُ: كُلَّما ظَهَرَ عَلى شَيْءٍ مِنهم يُوجِبُ مُؤاخَذَتَهم حَلَفُوا كاذِبِينَ عِصْمَةً لِأمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ، وهَذا كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ تَعْدادًا لِقَبائِحِهِمْ وأنَّهم مِن عادَتِهِمُ الِاسْتِجْنانُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ كَما اسْتَجَنُّوا بِالشَّهادَةِ الكاذِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأيْمانِهِمْ شَهادَتُهُمُ السّابِقَةُ، والشَّهادَةُ وأفْعالُ العِلْمِ واليَقِينِ أجْرَتْها العَرَبُ مَجْرى القَسَمِ وتَلَقَّتْها بِما يُتَلَقّى القَسَمُ، ويُؤَكَّدُ بِها الكَلامُ كَما يُؤَكَّدُ بِهِ، فَلِهَذا يُطْلَقُ عَلَيْها اليَمِينُ، وبِهَذا اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ أشْهَدُ يَمِينٌ، واعْتَرَضَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ غايَةَ ما في الآيَةِ أنَّهُ سُمِّيَ يَمِينًا، والكَلامُ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِذَلِكَ لا في إطْلاقِ الِاسْمِ، ولَيْسَ كُلُّ ما يُسَمّى يَمِينًا تَجِبُ فِيهِ الكَفّارَةُ، فَلَوْ قالَ: أحْلِفُ عَلى كَذا لا تَجِبُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، وإنْ كانَ حَلِفًا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ القائِلِينَ، والكَلامُ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ يَدُلُّ عَلى فائِدَةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَهم مَعَ الذَّمِّ البالِغِ بِما عَقَبَهُ، وقِيلَ: إنَّ ”اتَّخَذُوا“ جَوابُ ”إذا“ وجُمْلَةُ ”قالُوا“ السّابِقَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا وتَقْدِيرُ جَوابٍ - لِإذا - وقالَ الضَّحّاكُ: أيِ اتَّخَذُوا حَلِفَهم بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم جُنَّةً عَنِ القَتْلِ أوِ السَّبْيِ أوْ نَحْوِهِما مِمّا يُعامَلُ بِهِ الكُفّارُ.
ومِن هُنا أخَذَ الشّاعِرُ قَوْلَهُ: وما انْتَسَبُوا إلى الإسْلامِ إلّا لِصَوْنِ دِمائِهِمْ أنْ لا تُسالا وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا ذَلِكَ جُنَّةً مِن تَرْكِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ إذا ماتُوا، وهو كَما تَرى وكَذا ما قَبْلَهُ.
﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ مَن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ الإسْلامِ أوْ مَن أرادَ فِعْلَ طاعَةٍ مُطْلَقًا عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أوْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ حَقِيقَةً عَلى أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ عَلى ما قِيلَ: اسْتِمْرارُهم عَلى ذَلِكَ، وحَمَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأيْمانَ عَلى ما يَعُمُّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الشَّهادَةِ، ثُمَّ قالَ: واتِّخاذُها جُنَّةً عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَتَخَلَّصُوا عَنِ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ واتِّخاذُ الجُنَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المُؤاخَذَةِ، وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ في ﴿ فَصَدُّوا ﴾ أيْ مَن أرادَ الإسْلامَ أوِ الإنْفاقَ كَما سَيُحْكى عَنْهم، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الصَّدَّ مُتَقَدِّمٌ عَلى حَلِفِهِمْ، وقُرِئَ - أيْ قَرَأ الحَسَنُ - «إيمانَهم» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيِ الَّذِي أظْهَرُوهُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فاتِّخاذُهُ جُنَّةً عِبارَةٌ عَنِ اسْتِعْمالِهِ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ وِقايَةٌ دُونَ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَدُّوا ﴾ فاسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الصُّدُودِ والإعْراضِ عَنْ سَبِيلِهِ تَعالى.
انْتَهى، وفِيهِ ما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ فَتَأمَّلْ ﴿ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ النِّفاقِ وما يَتْبَعُهُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ”ساءَ“ غَيْرَ مَرَّةٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ النّاعِي عَلَيْهِمْ أنَّهم أسْوَأُ النّاسِ أعْمالًا أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ في النِّفاقِ والكَذِبِ والِاسْتِجْنانِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ أوِ الإيمانِ الصُّورِيِّ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ إشارَةً إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى ساءَ عَمَلُهم ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبٍ أنَّهم ﴿ آمَنُوا ﴾ أيْ نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ كَسائِرِ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ظَهَرَ كُفْرُهم وتَبَيَّنَ بِما اطُّلِعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ حَمِيرٌ، وقَوْلِهِمْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أيَطْمَعُ هَذا الرَّجُلُ أنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ كِسْرى وقَيْصَرَ هَيْهاتَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و«ثُمَّ» عَلى ظاهِرِها، أوْ لِاسْتِبْعادِ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، أوْ ثُمَّ أسَرُّوا الكُفْرَ - فَثُمَّ - لِلِاسْتِبْعادِ لا غَيْرَ، أوْ نَطَقُوا بِالإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ نَطَقُوا بِالكُفْرِ عِنْدَ شَياطِينِهِمُ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ، وقِيلَ: الآيَةُ في أهْلِ الرِّدَّةِ مِنهم.
﴿ فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ حَتّى يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ ﴿ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ حَقِيقَةَ الإيمانِ أصْلًا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «فَطَبَعَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلُ - أيْ فَطَبَعَ هو - أيْ تِلْعابُهم بِالدِّينِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأ فَطَبَعَ اللَّهُ مُصَرِّحًا بِالِاسْمِ الجَلِيلِ، وكَذا قَرَأ الأعْمَشُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ لِصَباحَتِها وتَناسُبِ أعْضائِها ﴿ وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ لِفَصاحَتِهِمْ وذَلاقَةِ ألْسِنَتِهِمْ وحَلاوَةِ كَلامِهِمْ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا يَحْضُرُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ في نَفَرٍ مِن أمْثالِهِ كالجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ومُتْعِبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ يَعْجَبُونَ مِن هَياكِلِهِمْ ويَسْمَعُونَ لِكَلامِهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِكْرِمَةَ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ - يُسْمَعُ -بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا أبْلَغُ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ أجْسامَهم إذا أعْجَبَتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأوْلى أنْ تُعْجِبَ غَيْرَهُ وكَذا السَّماعُ لِقَوْلِهِمْ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ ﴾ والسَّماعُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإصْغاءِ فَلَيْسَتِ اللّامُ زائِدَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِذَمِّهِمْ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم كَأنَّهم إلَخْ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ أيْضًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ صالِحٌ لِلِاسْتِئْنافِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿ لِقَوْلِهِمْ ﴾ أيْ تَسْمَعُ لِما يَقُولُونَ مُشَبَّهِينَ بِخُشُبٍ مُسَنَّدَةٍ كَما في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ عَسى أنْ تُبْصِرِينِي كَأنَّما بُنِيَ حَوالَيَّ الأُسُودُ الحَوادِرُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحالِيَّةَ تُفِيدُ أنَّ السَّماعَ لِقَوْلِهِمْ لِأنَّهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، و”خُشُبٌ“ جَمْعُ خَشَبَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، والمُرادُ بِهِ ما هو المَعْرُوفُ شُبِّهُوا في جُلُوسِهِمْ مَجالِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَنِدِينَ فِيها وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ بِخُشُبٍ مَنصُوبَةٍ مُسَنَّدَةٍ إلى الحائِطِ في كَوْنِهِمْ أشْباحًا خالِيَةً عَنِ الفائِدَةِ لِأنَّ الخُشُبَ تَكُونُ مُسَنَّدَةً إذا لَمْ تَكُنْ في بِناءٍ أوْ دِعامَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحِيطانِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ وقِلَّةِ جَدْواهم، وفي مِثْلِهِمْ قالَ الشّاعِرُ: لا يَخْدَعَنَّكَ اللِّحى ولا الصُّوَرُ ∗∗∗ تِسْعَةُ أعْشارِ مَن تَرى بَقَرُ تَراهم كالسَّحابِ مُنْتَشِرًا ∗∗∗ ولَيْسَ فِيها لِطالِبٍ مَطَرُ فِي شَجَرِ السَّرْوِ مِنهم شَبَهٌ ∗∗∗ لَهُ رُواءٌ وما لَهُ ثَمَرُ وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ والنَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ «خُشْبٌ» بِإسْكانِ الشِّينِ تَخْفِيفَ خُشُبٍ المَضْمُومِ، ونَظِيرُهُ بَدَنَةٌ وبُدْنٌ، وقِيلَ: جَمْعُ خَشْباءَ كَحُمُرٍ وحَمْراءَ، وهي الخَشَبَةُ الَّتِي نُخِرَ جَوْفُها شُبِّهُوا بِها في فَسادِ بَواطِنِهِمْ لِنِفاقِهِمْ، وعَنِ اليَزِيدِيِّ حَمَلَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالضَّمِّ عَلى ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعَلاءَ لا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ، ومِنهُ يُعْلَمُ ضَعْفُ القِيلِ إذِ الأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ جُبَيْرٍ «خَشَبٌ» بِفَتْحَتَيْنِ كَمَدْرَةٍ ومَدَرٍ وهو اسْمُ جِنْسٍ عَلى ما في البَحْرِ، ووَصْفُهُ بِالمُؤَنَّثِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ﴾ ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ واقِعَةً عَلَيْهِمْ ضارَّةً لَهم لِجُبْنِهِمْ وهَلَعِهِمْ فَكانُوا كَما قالَ مُقاتِلٌ: مَتى سَمِعُوا بِنِشْدانِ ضالَّةٍ أوْ صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ طارَتْ عُقُولُهم وظَنُّوا ذَلِكَ إيقاعًا بِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا عَلى وجَلٍ مِن أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ ما يَهْتِكُ أسْتارَهم ويُبِيحُ دِماءَهم وأمْوالَهم ومِنهُ أخَذَ جَرِيرٌ قَوْلَهُ يُخاطِبُ الأخْطَلَ: ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكُرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالا وكَذا المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: وضاقَتِ الأرْضُ حَتّى ظَنَّ هارِبُهم ∗∗∗ إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلا والوَقْفُ عَلى ”عَلَيْهِمْ“ الواقِعِ مَفْعُولًا ثانِيًا - لِيَحْسَبُونِ - وهو وقْفٌ تامٌّ كَما في الكَواشِيِّ، وعَلَيْهِ كَلامُ الواحِدِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ العَدُوُّ ﴾ اسْتِئْنافٌ أيْ هُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ والرّاسِخُونَ فِيها فَإنَّ أعْدى الأعادِي العَدُوُّ المُداجِي الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ كَكَثِيرٍ مِن أبْناءِ الزَّمانِ ﴿ فاحْذَرْهُمْ ﴾ لِكَوْنِهِمْ أعْدى الأعادِي ولا تَغْتَرَّنَّ بِظاهِرِهِمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ صِلَةَ ﴿ صَيْحَةٍ ﴾ و ﴿ هُمُ العَدُوُّ ﴾ والمَفْعُولُ الثّانِي - لِيَحْسَبُونِ - كَما لَوْ طُرِحَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى أنَّهم يَحْسُبُونَ الصَّيْحَةَ نَفْسَ العَدُوِّ، وكانَ الظّاهِرُ عَلَيْهِ هو أوْ هي العَدُوُّ لَكِنَّهُ أتى بِضَمِيرِ العُقَلاءِ المَجْمُوعِ لِمُراعاةِ مَعْنى الخَبَرِ أعْنِي العَدُوَّ بِناءً عَلى أنَّهُ يَكُونُ جَمْعًا ومُفْرَدًا وهو هُنا جَمْعٌ، وفِيهِ أنَّهُ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ جِدًّا لا حاجَةَ إلَيْهِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ لا يَخْلُو عَنْ بَلاغَةٍ ولُطْفٍ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ تَرَتُّبُ ﴿ فاحْذَرْهُمْ ﴾ لِأنَّ التَّحْذِيرَ مِنهم يَقْتَضِي وصْفَهم بِالعَداوَةِ لا بِالجُبْنِ ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ لَعَنَهم وطَرَدَهم فَإنَّ القَتْلَ قُصارى شَدائِدِ الدُّنْيا وفَظائِعِها، وكَذَلِكَ الطَّرْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى والبُعْدُ عَنْ جَنابِهِ الأقْدَسِ مُنْتَهى عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وغايَةُ نَكالِهِ جَلَّ وعَلا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والكَلامُ دُعاءٌ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ سُبْحانَهُ أنْ يَلْعَنَهم ويَطْرُدَهم مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وهو مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ فَلا يَكُونُ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ يَفُوتُ بِهِ نَضارَةُ الكَلامِ، أوْ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَهو عَلى مَعْنى قُولُوا: قاتَلَهُمُ اللَّهُ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطَّلَبِ في شَيْءٍ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ وُقُوعَ اللَّعْنِ بِهِمْ مُقَرَّرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قاتَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةُ ذَمٍّ وتَوْبِيخٍ، وتَسْتَعْمِلُها العَرَبُ في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى لَعْنٍ، والمَشْهُورُ تَعْقِيبُها بِالتَّعَجُّبِ نَحْوَ قاتَلَهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ .
﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، أيْ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ ؟
فَأنّى ظَرْفٌ مُتَضَمِّنٌ لِلِاسْتِفْهامِ مَعْمُولٌ لِما بَعْدَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ظَرْفًا - لِقاتَلَهم - ولَيْسَ هُناكَ اسْتِفْهامٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ”أنّى“ لا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ أصْلًا، فالقَوْلُ بِذَلِكَ باطِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ أيْ عَطَفُوها وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّكَبُّرِ والإعْراضِ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ حَرَّكُوها اسْتِهْزاءً، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ﴿ ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ ﴾ يُعْرِضُونَ عَنِ القائِلِ أوْ عَنِ الِاسْتِغْفارِ ﴿ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنْ ذَلِكَ.
رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا صَدَّقَ اللَّهُ تَعالى زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِ ابْنِ أُبَيٍّ مَقَتَ النّاسُ ابْنَ أُبَيٍّ ولامَهُ المُؤْمِنُونَ مِن قَوْمِهِ، وقالَ بَعْضُهم لَهُ: امْضِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ فَلَوى رَأْسَهُ إنْكارًا لِهَذا الرَّأْيِ، وقالَ لَهم: لَقَدْ أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ، وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ لَكم إلّا أنْ تَأْمُرُونِي بِالسُّجُودِ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «تُبْ» فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ إلَخْ»، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدٍ بَعْدَ نَقْلِ القِصَّةِ إلى أنْ قالَ: «حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقِيَ في ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ ﴾ ما نَصُّهُ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم فَلَوَوْا رُؤُوسَهم»، فَجَمْعُ الضَّمائِرِ: إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مِن بابِ بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإذا عَلى ما مَرَّ، ويَسْتَغْفِرْ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، ورَسُولُ اللَّهِ فاعِلٌ لَهُ، والكَلامُ عَلى ما في البَحْرِ مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّ رَسُولُ اللَّهِ يَطْلُبُهُ عامِلانِ: يَسْتَغْفِرْ وتَعالَوْا فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ ولَوْ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ تَعالَوْا يُسْتَغْفَرْ لَكم إلى رَسُولِ اللَّهِ، وجُمْلَةُ ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وأتَتْ بِالمُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، ومِثْلُها في الحالِيَّةِ جُمْلَةُ ﴿ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ ونافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والمُفَضَّلُ وأبانٌ عَنْ عاصِمٍ والحَسَنِ ويَعْقُوبَ - بِخِلافٍ عَنْهُما - «لَوَوْا» بِتَخْفِيفِ الواوِ، والتَّشْدِيدُ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ لِلتَّكْثِيرِ، <div class="verse-tafsir"
ولَمّا نَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ إباءَهم عَنِ الإتْيانِ لِيَسْتَغْفِرَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْراضَهم واسْتِكْبارَهم أشارَ عَزَّ وجَلَّ إلى عَدَمِ فائِدَةِ الِاسْتِغْفارِ لَهم لِما عَلِمَ سُبْحانَهُ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ واخْتِيارِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فَهو لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم وعَدَمِهِ، والمُرادُ الإخْبارُ بِعَدَمِ الفائِدَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ وتَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الفِسْقِ الخارِجِينَ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِصْلاحِ المُنْهَمِكِينَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ بِأنْواعِ القَبائِحِ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ فَرْعُ الهِدايَةِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ إمّا المُحَدَّثُ عَنْهم بِأعْيانِهِمْ.
والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في الفِسْقِ والإشارَةُ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ أوِ الجِنْسِ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والآيَةُ في ابْنِ أُبَيٍّ كَسَوابِقِها - كَما سَمِعْتَ - ولَواحِقِها - كَما صَحَّ - وسَتَسْمَعُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والِاسْتِغْفارُ لَهم قِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مَجِيئِهِمْ تائِبِينَ مُعْتَذِرِينَ مِن جِناياتِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ قَدِ اعْتُبِرَ في جانِبِ الأمْرِ الَّذِي جُزِمَ في جَوابِهِ الفِعْلُ وإلّا فَمُجَرَّدُ الإتْيانِ لا يَظْهَرُ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلِاسْتِغْفارِ، ويُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في خَبَرِ ابْنِ جُبَيْرٍ لِابْنِ أُبَيٍّ: «تُبْ» وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ عَلى تَقْدِيرِ الإصْرارِ عَلى القَبائِحِ والِاسْتِكْبارِ وتَرْكِ الِاعْتِذارِ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم تَوْبَةٌ لَمْ يَكُنْ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتِغْفارٌ لَهم.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم لِأنَّهم أظْهَرُوا لَهُ الإسْلامَ أيْ بَعْدَ ما صَدَرَ مِنهم ما صَدَرَ بِالتَّوْبَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ بَراءَةٍ ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ ﴾ إلَخْ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أسْمَعُ رَبِّي قَدْ رَخَّصَ لِي فِيهِمْ فَواللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَهم أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَ لَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ﴾ »» إلَخْ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ وإذا صَحَّ هَذا لَمْ يَتَأتَّ القَوْلُ بِأنَّ بَراءَةً بِأسْرِها آخِرُ ما نَزَلَ ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِالتِزامِهِ إلّا إنْ صَحَّ نَقْلٌ غَيْرُ قابِلٍ لِلتَّأْوِيلِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أنَّ المُرادَ بِالعَدَدِ هُناكَ التَّكْثِيرُ دُونَ التَّحْدِيدِ لِيَكُونَ حُكْمُ الزّائِدِ مُخالِفًا لِحُكْمِ المَذْكُورِ فَيَكُونُ المُرادُ بِالآيَتَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى واحِدًا وهو عَدَمُ المَغْفِرَةِ لَهم مُطْلَقًا، والآيَةُ الأُولى - فِيما اخْتارَ - نَزَلَتْ في اللّامِزِينَ كَما سَمِعْتَ هُناكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الأوْفَقُ بِالسِّياقِ، وهَذِهِ نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ويَجْمَعُ الطّائِفَتَيْنِ النِّفاقُ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ مَعَ اخْتِلافِ أعْيانِ الَّذِينَ نَزَلَتا فِيهِمْ، ثُمَّ إنِّي لَمْ أقِفْ في شَيْءٍ مِمّا أُعَوِّلُ عَلَيْهِ عَلى أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ كانَ مَرِيضًا إذْ ذاكَ، ورَأيْتُ في خَبَرٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ بِأيّامٍ قَلائِلَ اشْتَكى واشْتَدَّ وجَعُهُ، وفِيهِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بِشَفاعَةِ ولَدِهِ: حاجَتِي إذا أنا مُتُّ أنْ تَشْهَدَ غَسْلِي وتُكَفِّنَنِي في ثَلاثَةِ أثْوابٍ مِن أثْوابِكَ وتَمْشِيَ مَعَ جِنازَتِي وتُصَلِّي عَلَيَّ فَفَعَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿ ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ﴾ ولا يُشْكِلُ الِاسْتِغْفارُ إنْ كانَ قَدْ وقَعَ لِأحَدٍ مِنَ المُنافِقِينَ بَعْدَ نُزُولِ ما يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ إذْ لا يَتَعَيَّنُ انْدِراجُ كُلٍّ مِنهم إلّا بِتَبَيُّنِ أنَّهُ بِخُصُوصِهِ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ كَأنْ يَمُوتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُنا هو الَّذِي ظَهَرَ لِي بَعْدَ كِتابَةِ ما كَتَبْتُ في آيَةِ بَراءَةٍ، والمَقامُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى تَحْقِيقٍ فَراجِعْ وتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ -آسْتَغْفَرْتَ - مَدَّةً عَلى الهَمْزَةِ فَقِيلَ: هي عِوَضٌ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ، وهي مِثْلُ المَدَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ“ [الأنْعامَ: 143، 144] لَكِنَّ هَذِهِ المَدَّةَ في الِاسْمِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الِاسْتِفْهامُ بِالخَبَرِ ولا يُحْتاجُ ذَلِكَ في الفِعْلِ لِأنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ فِيهِ مَكْسُورَةٌ، وعَنْهُ أيْضًا ضَمُّ مِيمِ «عَلَيْهِمُ» إذْ أصْلُها الضَّمُّ ووَصْلُ الهَمْزَةِ ورَوى مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ العَنْبَرِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو كَسْرَ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ووَصْلَ الهَمْزَةِ فَتَسْقُطُ في القِراءَتَيْنِ واللَّفْظُ خَبَرٌ والمَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ حَذْفُ الهَمْزَةِ ثِقَةً بِدَلالَةِ ”أمْ“ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: بِسُبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «آسْتَغْفَرْتَ» إشْباعًا لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإظْهارِ والبَيانِ لا قَلْبًا لِهَمْزَةِ الوَصْلِ ألِفًا كَما في «آلسِّحْرِ» و«آللَّهِ» وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: بِمَدَّةٍ عَلى الهَمْزَةِ وهي ألِفُ التَّسْوِيَةِ.
وقَرَأ أيْضًا بِوَصْلِ الألِفِ دُونَ هَمْزَةٍ عَلى الخَبَرِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ لِأنَّهُ في الأُولى أثْبَتَ هَمْزَةَ الوَصْلِ وقَدْ أغْنَتْ عَنْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وفي الثّانِيَةِ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ وهو يُرِيدُها، وهَذا مِمّا لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِّعْرِ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ ما يَدُلُّ عَلى فِسْقِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهم ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذاكَ مُعَلَّلٌ بِما قَبْلَ، والقائِلُ رَأْسُ المُنافِقِينَ ابْنُ أُبَيٍّ وسائِرُهم راضُونَ بِذَلِكَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وكانَ مَعَنا ناسٌ مِنَ الأعْرابِ فَكُنّا نَبْتَدِرُ الماءَ وكانَ الأعْرابُ يَسْبِقُونا إلَيْهِ فَيَسْبِقُ الأعْرابِيُّ أصْحابَهُ فَيَمْلَأُ الحَوْضَ ويَجْعَلُ حَوْضَهُ حِجارَةً ويَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتّى يَجِيءَ أصْحابُهُ فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ أعْرابِيًّا فَأرْخى زِمامَ ناقَتِهِ لِتَشْرَبَ فَأبى أنْ يَدَعَهُ فانْتَزَعَ حَجَرًا فَفاضَ فَرَفَعَ الأعْرابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ رَأْسَ الأنْصارِيِّ فَشَجَّهُ فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ المُنافِقِينَ فَأخْبَرَهُ وكانَ مِن أصْحابِهِ فَغَضِبَ، وقالَ: ﴿ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ مِن حَوْلِهِ يَعْنِي الأعْرابَ، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى المَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قالَ زَيْدٌ: وأنا رِدْفُ عَمِّيَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُ عَمِّي فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَلَفَ وجَحَدَ وصَدَّقَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذَّبَنِي فَجاءَ عَمِّي إلَيَّ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلى أنْ مَقَتَكَ وكَذَّبَكَ المُسْلِمُونَ فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الهَمِّ ما لَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ قَطُّ فَبَيْنا أنا أسِيرُ وقَدْ خَفَضْتُ رَأْسِيَ مِنَ الهَمِّ إذْ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَحِقَنِي فَقالَ: ما قالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟
قُلْتُ: ما قالَ لِي شَيْئًا إلّا أنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي وضَحِكَ في وجْهِي فَقالَ: أبْشِرْ فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ » وقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ البُخارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قائِلٌ ذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، والأخْبارُ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتِلْكَ الغَزاةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها زَيْدٌ قالَ سُفْيانُ: يَرَوْنَ أنَّها غَزاةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وفي الكَشّافِ خَبَرٌ طَوِيلٌ في القِصَّةِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم عَنَوْا بِمَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ -بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أيْ بِهَذا اللَّفْظِ وقَعَ مِنهم ولا يَأْباهُ كُفْرُهم لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظاهِرًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قالُوهُ تَهَكُّمًا أوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى صارَ كالعَلَمِ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ إلّا الذّاتُ، ويُحْتَمَلْ أنَّهم عَبَّرُوا بِغَيْرِ هَذِهِ العِبارَةِ فَغَيَّرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إجْلالًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإكْرامًا، والِانْفِضاضُ التَّفَرُّقُ، وحَتّى لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ كَيْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَصْحَبُوهُ.
وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ عِيسى الرَّقّاشِيُّ «يَنْفُضُوا» مِن أنْفَضَ القَوْمُ فَنِيَ طَعامُهم فَنَفَضَ الرَّجُلُ وِعاءَهُ، والفِعْلُ مِمّا يَتَعَدّى بِغَيْرِ الهَمْزَةِ وبِالهَمْزَةِ لا يَتَعَدّى، قالَ في الكَشّافِ: وحَقِيقَتُهُ حانَ لَهم أنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوا مِن أنَّ عَدَمَ إنْفاقِهِمْ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُؤَدِّي إلى انْفِضاضِهِمْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ خَزائِنَ الأرْزاقِ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً يُعْطِي مِنها مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ﴿ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴾ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن مَقالاتِ الكَفَرَةِ ما يَقُولُونَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ﴾ قائِلُهُ كَما سَمِعْتَ ابْنُ أُبَيٍّ، وعَنى بِالأعَزِّ نَفْسَهُ أوْ ومَن يَلُوذُ بِهِ، وبِالأذَلِّ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ، وإسْنادُ المَذْكُورِ إلى جَمِيعِهِمْ لِرِضائِهِمْ بِهِ كَما في سابِقِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والسَّبْتِيُّ في اخْتِيارِهِ «لَنُخْرِجَنَّ» بِالنُّونِ، ونَصْبِ «الأعَزَّ» و«الأذَلَّ» عَلى أنَّ «الأعَزَّ» مَفْعُولٌ بِهِ، و«الأذَلَّ» إمّا حالٌ بِناءً عَلى جَوازِ تَعْرِيفِ الحالِ، أوْ زِيادَةُ ألْ فِيهِ نَحْوَ أرْسَلَها العِراكَ، وادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ وهو المَشْهُورُ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ مِثْلٍ وهو لا يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ أيْ مِثْلَ الأذَلِّ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِحالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ مُشْبِهًا الأذَلَّ، أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّ الأصْلَ إخْراجُ الأذَلِّ فَحُذِفَ المَصْدَرُ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْتَصَبَ انْتِصابَهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ قَوْمًا قَرَؤُوا «لَيَخْرُجُنَّ» بِالياءِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ.
ورَفْعِ «الأعَزُّ» عَلى الفاعِلِيَّةِ.
ونَصْبِ «الأذَلَّ» عَلى ما تَقَدَّمَ، بَيْدَ أنَّكَ تُقَدِّرُ عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ خُرُوجٌ، وقُرِئَ «لَيُخْرَجَنَّ» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ «الأعَزُّ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، ونَصْبِ «الأذَلَّ» عَلى ما مَرَّ.
وقَرَأ الحَسَنُ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ «لَنَخْرُجَنَّ» بِنُونِ الجَماعَةِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ، ونَصْبِ «الأعَزَّ» و«الأذَلَّ»، وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ نَصْبَ «الأعَزَّ» عَلى الِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، ونَصْبَ «الأذَلَّ» عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المارَّةِ فِيما حَكاهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والمَقْصُودُ إظْهارُ التَّضَجُّرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يُساكِنُوهم في دارٍ كَذا قِيلَ: وهو كَما تَرى، ولَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَيْرُ ثابِتَةٍ عَنِ الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ رَدٌّ لِما زَعَمُوهُ ضِمْنًا مِن عِزَّتِهِمْ وذُلِّ مَن نَسَبُوا إلَيْهِ الذُّلَّ، وحاشاهُ مِنهُ أيْ ولِلَّهِ تَعالى الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ لا لِلْغَيْرِ، ويُعْلَمُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ تَوْجِيهُ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ مُعْتَبَرٌ قَبْلَ نِسْبَةِ الإسْنادِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ ولا يَضُرُّ إعادَةُ الجارِّ لِأنَّها لَيْسَتْ لِإفادَةِ الِاسْتِقْلالِ في النِّسْبَةِ بَلْ لِإفادَةِ تَفاوُتِ ثُبُوتِ العِزَّةِ فَإنَّ ثُبُوتَها لِلَّهِ تَعالى ذاتِيٌّ ولِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِواسِطَةِ الرِّسالَةِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ الإيمانِ، وجاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وكانَ مُخْلِصًا - سَلَّ سَيْفَهُ عَلى أبِيهِ عِنْدَما أشْرَفُوا عَلى المَدِينَةِ فَقالَ: واللَّهِ عَلى أنْ لا أغْمِدَهُ حَتّى تَقُولَ: مُحَمَّدٌ الأعَزُّ وأنا الأذَلُّ فَلَمْ يَبْرَحْ حَتّى قالَ ذَلِكَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَفَ والنّاسُ يَدْخُلُونَ حَتّى جاءَ أبُوهُ فَقالَ: وراءَكَ، قالَ: ما لَكَ ويْلَكَ ؟
قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلْها أبَدًا إلّا أنْ يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَتَعْلَمَنَّ اليَوْمَ الأعَزَّ مِنَ الأذَلِّ فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ فَشَكا إلَيْهِ ما صَنَعَ ابْنُهُ فَأرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ خَلِّ عَنْهُ يَدْخُلْ فَفَعَلَ» وصَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ «لَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «دَعْهُ لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ»» وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْ مُعاذًا أنْ يَضْرِبَ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شَرَفِ المُؤْمِنِينَ ما فِيها، ومِن هُنا قالَتْ بَعْضُ الصّالِحاتِ وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ: ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ.
وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ ولَكِنَّهُ عَزَّةٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وأُرِيدَ بِالتِّيهِ الكِبْرُ، وأشارَ العِزُّ إلى أنَّ العِزَّةَ غَيْرُ الكِبْرِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو حَفْصٍ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فَقالَ: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ لِأنَّ العِزَّةَ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها أنْ لا يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلَتِها فالعِزَّةُ ضِدُّ الذِّلَّةِ كَما أنَّ الكِبْرَ ضِدُّ التَّواضُعِ، وفَسَّرَ الرّاغِبُ العِزَّةَ بِحالَةٍ مانِعَةٍ لِلْإنْسانِ مِن أنْ يُغْلَبَ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ عَزازٌ أيْ صُلْبَةٌ وتَعَزَّزَ اللَّحْمُ اشْتَدَّ كَأنَّهُ حَصَلَ في عِزازٍ يَصْعُبُ الوُصُولُ إلَيْهِ، وقَدْ تُسْتَعارُ لِلْحَمِيَّةِ والأنَفَةِ المَذْمُومَةِ وهي بِهَذا المَعْنى تَثْبُتُ لِلْكَفَرَةِ، وتَفْسِيرُها بِالقُوَّةِ والغَلَبَةِ كَما سَمِعْتَ شائِعٌ ولَكَ أنْ تُرِيدَ بِها هُنا الحالَةَ المانِعَةَ مِنَ المَغْلُوبِيَّةِ فَإنَّها أيْضًا ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكُلٍّ.
﴿ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغُرُورِهِمْ فَيَهْذُونَ ما يَهْذُونَ والفِعْلُ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلِذا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ ولا كَذَلِكَ الفِعْلُ فِيما تَقَدَّمَ، وهو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، وقِيلَ في وجْهِهِ: إنَّ كَوْنَ العِزَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الأرْزاقِ بِيَدِهِ دُونَ العَكْسِ فَناسَبَ أنْ يُعْتَبَرَ الأخْلاقُ في الجُمْلَةِ المُذَيَّلَةِ لِما يُفِيدُ كَوْنَ العِزَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ والتَّقْيِيدُ لِلْجُمْلَةِ المُذَيَّلَةِ لِما يُفِيدُ كَوْنَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ تَعالى، ثُمَّ قِيلَ: خَصَّ الجُمْلَةَ الأُولى بِـ ﴿ لا يَفْقَهُونَ ﴾ والثّانِيَةَ بِـ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لِأنَّ إثْباتَ الفِقْهِ لِلْإنْسانِ أبْلَغُ مِن إثْباتِ العِلْمِ لَهُ فَيَكُونُ نَفْيُ العِلْمِ أبْلَغَ مِن نَفْيِ الفِقْهِ فَأوْتَرَ ما هو أبْلَغُ لِما هو أدْعى لَهُ.
وعَنِ الرّاغِبِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا ﴾ إلَخْ أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالإضْرارِ بِالمُؤْمِنِينَ وحَبْسِ النَّفَقاتِ عَنْهم ولا يَفْطَنُونَ أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ أضَرُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ ولا يَفْطَنُونَ لَهُ، ومَعْنى الثّانِي إيعادُهم بِإخْراجِ الأعَزِّ لِلْأذَلِّ، وعِنْدَهم أنَّ الأعَزَّ مَن لَهُ القُوَّةُ والغَلَبَةُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ الَّتِي يَفْضُلُ بِها الإنْسانُ غَيْرَهُ إنَّما هي مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهي لَهُ سُبْحانَهُ ولِمَن يَخُصُّهُ بِها مِن عِبادِهِ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ الذُّلَّ لِمَن يُقَدِّرُونَ فِيهِ العِزَّةَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُعِزُّ أوْلِيائِهِ بِطاعَتِهِمْ لَهُ ومُذِلُّ أعْدائِهِ بِمُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدِ اخْتَصَّ كُلَّ آيَةٍ بِما اقْتَضاهُ مَعْناها فَتَدَبَّرْ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ في المَوْضِعَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يَشْغَلُكُمُ الِاهْتِمامُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها والِاعْتِناءِ بِمَصالِحِها والتَّمَتُّعِ بِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الصَّلاةِ وسائِرِ العِباداتِ المَذْكُورَةِ لِلْمَعْبُودِ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ فَذِكْرُ اللَّهُ تَعالى مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ العِبادَةِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ لِأنَّ العِبادَةَ سَبَبٌ لِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وهو المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ مِنها.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ الفَرائِضِ، وقالَ الضَّحّاكُ وعَطاءٌ: الذِّكْرُ هُنا الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القُرْآنُ، والعُمُومُ أوْلى، ويُفْهَمُ كَلامُ الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِهِما عَنْها لِكَوْنِهِما أرْغَبَ الأشْياءِ مِنها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فَإذا أُرِيدَ بِذِكْرِ اللَّهِ العُمُومُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لا تَشْغَلَنَّكُمُ الدُّنْيا عَنِ الدِّينِ والمُرادُ بِنَهْيِ الأمْوالِ وما بَعْدَها نَهْيُ المَخاطَبِينَ وإنَّما وُجِّهَ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها لِقُوَّةِ تَسَبُّبِها لِلَّهْوِ وشِدَّةِ مَدْخَلِيَّتِها فِيهِ جُعِلَتْ كَأنَّها لاهِيَةٌ، وقَدْ نَهَيْتُ عَنِ اللَّهْوِ فالأصْلُ لا تَلْهُوا بِأمْوالِكم إلَخْ، فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَجَوُّزٌ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ أيْ لا تَكُونُوا بِحَيْثُ تُلْهِيكم أمْوالُكم إلَخْ.
﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ اللَّهْوَ بِها وهو الشَّغْلُ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: ومَن تُلْهِهِ تِلْكَ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ حَيْثُ باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي، وفي التَّعْرِيفِ بِالإشارَةِ والحَصْرِ لِلْخُسْرانِ فِيهِمْ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وكَأنَّهُ لَمّا نُهِيَ المُنافِقُونَ عَنِ الإنْفاقِ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وأُرِيدَ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ لَكِنْ عَلى وجْهِ العُمُومِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ أيْ بَعْضَ ما أعْطَيْناكم وتَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ الأمْوالِ ادِّخارًا لِلْآخِرَةِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ أماراتُهُ ومُقَدِّماتُهُ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولِذا فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي ﴾ أيْ أمْهَلْتَنِي ﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أيْ أمَدٍ قَصِيرٍ ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ أيْ فَأتَصَدَّقَ، وبِذَلِكَ قَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ، ونُصِبَ الفِعْلُ في جَوابِ التَّمَنِّي والجَزْمُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أصَدَّقْ وأكُنْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
والزَّجّاجُ، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ عَلى تَوَهُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي لِأنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا يُقَدَّرُ حَتّى يُعْتَبَرَ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ﴾ ويَذَرْهم فِيمَن قَرَأ بِالجَزْمِ وهو حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّوَهُّمِ هُنا يَنْشَأُ مِنهُ تَوَهُّمٌ قَبِيحٌ، والفَرْقُ بَيْنَ العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ والعَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ أنَّ العامِلَ في العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ مَوْجُودٌ وأثَرَهُ مَفْقُودٌ، والعامِلَ في العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ مَفْقُودٌ وأثَرَهُ مَوْجُودٌ، واسْتُظْهِرَ أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ فَمُرادُ أبِي عَلِيٍّ والزَّجّاجِ العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ المُتَوَهَّمِ أيِ المُقَدَّرِ إذْ لا مَوْضِعَ هُنا في التَّحْقِيقِ لَكِنَّهُما فَرّا مِن قُبْحِ التَّعْبِيرِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ.
وأبُو عَمْرٍو «وأكُونَ» بِالنَّصْبِ وهو ظاهِرٌ، وقَرَأ عَبْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «وأكُونُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والنَّحْوِيُّونَ وأهْلُ المَعانِي قَدَّرُوا المُبْتَدَأ في أمْثالِ ذَلِكَ مِن أفْعالِ المُسْتَأْنَفَةِ، فَيُقالُ هُنا: أيْ وأنا أكُونُ ولا تَراهم يُهْمِلُونَ ذَلِكَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِئْنافِ مَعَ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ كَما هُنا ولا بِدُونِها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلى عَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِذَلِكَ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ وكَأنَّهُ لِهَذا صَرَّحَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ التِزامَ التَّقْدِيرِ مِمّا لَمْ يَظْهَرُ لَهُ وجْهُهُ، وقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ الِاسْتِئْنافَ بِالِاسْمِيَّةِ أظْهَرُ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ كَوْنُ الفِعْلِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَرْفُوعًا بِالعَطْفِ عَلى - أصَدَّقُ - عَلى نَحْوِ القَوْلَيْنِ السّابِقَيْنِ في الجَزْمِ، هَذا وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ والنَّفَقَةَ في الحَجِّ، وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ أُزَكِّي ﴿ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أحُجُّ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ سَألَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ»» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا ابْنَ عَبّاسٍ اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَإنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ فَقالَ: سَأتْلُو عَلَيْكم بِذَلِكَ قُرْآنًا ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ كَذا في الدُّرِّ المَنثُورِ.
وفِي أحْكامِ القُرْآنِ رِوايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وحُكِيَ عَنْهُ في البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مانِعِ الزَّكاةِ، وواللَّهِ لَوْ رَأى خَيْرًا لَما سَألَ الرَّجْعَةَ، فَقِيلَ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى يَسْألُ المُؤْمِنُونَ الكَرَّةَ ؟
!
فَأجابَ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ عَلَيْهِ وكَذا الجَوابَ أوْفَقُ بِكَوْنِهِ نَفْسِهِ ادَّعى سُؤالَ الرَّجْعَةِ ولَمْ يَرْفَعِ الحَدِيثَ بِذَلِكَ، وإذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي ﴾ إلَخْ سُؤالًا لِلرَّجْعَةِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا بَعْدَ المَوْتِ لَمْ يَحْتَجْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ أيْ ولَنْ يُمْهِلَها ﴿ إذا جاءَ أجَلُها ﴾ أيْ آخِرُ عُمُرِها أوِ انْتَهى الزَّمانُ المُمْتَدُّ لَها مِن أوَّلِ العُمُرِ إلى آخِرِهِ عَلى تَفْسِيرِ الأجَلِ بِهِ ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ في الغَيْبَةِ ونَفْسًا لِكَوْنِها نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ في مَعْنى الجَمْعِ، واسْتَدَلَّ الكَيا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْفِقُوا ﴾ إلَخْ عَلى وُجُوبِ إخْراجِ الزَّكاةِ عَلى الفَوْرِ ومَنعِ تَأْخِيرِها، ونَسَبَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الزَّجْرِ عَنِ التَّفْرِيطِ في هَذِهِ الحُقُوقِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَلا أحَدَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلّا ويَجُوزُ أنَّ يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَنْ قَرِيبٍ فَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ الشَّدِيدُ عَنْ هَذا التَّفْرِيطِ في كُلِّ وقْتٍ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المُجَبِّرَةِ مِن جِهاتٍ: مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْفِقُوا ﴾ ، ومِنها أنَّهُ كانَ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإنْفاقِ فَكَيْفَ يَتَمَنّى تَأْخِيرَ الأجَلِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى مُؤَيَّسًا لَهُ في الجَوابِ: ﴿ ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ ﴾ ولَوْلا أنَّهُ مُخْتارٌ لَأُجِيبَ بِاسْتِواءِ التَّأْخِيرِ والمَوْتِ حِينَ التَّمَنِّي، وأُجِيبَ بِأنَّ أهْلَ الحَقِّ لا يَقُولُونَ بِالجَبْرِ فالبَحْثُ ساقِطٌ عَنْهم عَلى أنَّهُ لا دَلالَةَ في الأوَّلِ كَما في سائِرِ الأوامِرِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، والتَّمَنِّي - وهو مُتَمَسَّكُ الفَرِيقِ - لا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والقَوْلُ المُؤَيِّسُ إبْطالٌ لِتَمَنِّيهِمْ لا جَوابَ عَنْهُ إذْ لا اسْتِحْقاقَ لِوُضُوحِ البُطْلانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.