الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 14 إبراهيم > الآية ٤٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ [يعني مكرهم بالنبيّ وما همُّوا به من قتله أو نفيه (١) ﴿ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ (٢) ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ أي: جزاؤه.
وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ (إن) هاهنا يعني بها: ما، واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد، ومن سبيلها نصبُ الفعل المستقبل، والنحويون يسمونها لام الجحود (٣) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُم ﴾ ، و ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ ﴾ والجبال هاهنا مَثلٌ لأمر النبيّ وأمرِ دين الإسلام وأعلامِه ودلالتِه، على معنى أن ثبوته كثبوت الجبال الراسية؛ لأن أدته تعالى قد وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان، ويدل على صحة هذا المعنى قوله بعدُ: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ أي (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ (٨) ﴿ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ (٩) (١٠) (١١) قال أبو علي: وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا، في تعظيم الشيء وتفخيمه (١٢) إذا مِتُّ عن ذِكرِ القوافي فَلَنْ تَرَى ...
لها شَاعِرًا مِثلي أطَبَّ وأَشْعَرَا وأكثرَ بَيْتًا شَاعِرًا ضُرِبَتْ به ...
بُطُون جِبَالِ الشِّعْرِ حتَّى تَيَسَّرا (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ يعني الأمم الكافرة من قبل؛ وهم الذين ذُكروا في قوله: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ وهو معنى قول ابن عباس: يريد ما مكر نمرود بإبراهيم، يجوز أن يعني أيضًا مكر الكفار بالنبيّ كما ذكرنا، ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾ معنى (إنْ) على هذه القراءة المخففة من الثقيلة، قاله أبو علي (١٦) وقال أبو بكر: (إنْ) مع اللام يعني بها هاهنا: (قد)؛ كما يقول العربي: إنْ كان عبد الله لَيزورنا، يريد: قد كان، واللام في: ﴿ لِتَزُولَ ﴾ لام الجواب، والمستقبل بعدها مرفوع، والمعنى قد كانت الجبال تزول من مكرهم على تعظيم أمر مكرهم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴾ .
وقال أبو إسحاق: وإن كان مكرُهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصرُ دينه (١٧) والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما لأهل المعاني، والثاني للمفسرين؛ أما أهل المعاني فإنهم قالوا: هذا مبالغة في وصف مكرهم بالعظيم، وإن لم يكن جبلٌ قط زال لمكرهم، فهذا على مذهب العرب في المبالغة؛ يقول: وإن كان مكرُهم قد بلغ من كِبَرِه وعِظَمِه أن يُزيلَ ما هو مثل الجبال في الامتناع على من (١٨) يدل على صحة ما ذكرنا قراءةُ جماعة من الصحابة: (وإن كاد مَكْرُهم لَتَزولُ) بالدال (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ألمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيِّنًا ...
على ابنِ لُبَيْنى الحارثِ بن هِشَامِ (٢٤) وهذا ليس على أنه شوهد صدع في السماء، ولكنه مبالغة على معنى أن الأمر قد قرب من ذلك، ومثله كثير في الشعر، وذكر ابن قتيبة باب ما أفرطت الشعراء في وصفه، وأنشد أبياتًا كثيرة، ثم قال: وهذا كله علي المبالغة في الوصف، وينوون في جمعه (٢٥) (٢٦) لئن كنتَ في جُبٍّ ثَمانينَ قامةً ...
ورُقِّيتَ أسبابَ السماءِ بِسُلّم لَيسْتَدرِكَنَّكَ القَوْلُ حتَّى تَهِرّهُ ...
وتَعْلَمَ أني عنكم غيرُ مُنَجِّمِ (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال أبو بكر في قول الأعشى: تأويله لئن كنت فيما تَقْدِر ويُقَدَّر لك في قعر الأرض أو في السماء، لَيَصلنَّ إليك مني ما كره، لذلك معنى ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ : عند أنفسهم وفيما يقدّرون، فليس ينفعهم ذلك إذا كان الله قد وعد على ألسنة رسله ظهورَ الحق على الباطل.
وأما المفسرون فإنهم ذهبوا إلى قصة نمرود مع التابوت والنسور، وأن الجبال حين سمعت حفيف النسور والتابوت عند هبوطها ظنت أن ذلك أمرٌ من الله تعالى عظيم، وأن الساعة قد قامت ففزعت وزالت، وهذا يُروى عن علي - - ومجاهد وعكرمة (٣٠) قال مجاهد: كان ذلك بختنصر (٣١) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 211، وابن الجوزي 4/ 374، والفخر الرازي 19/ 144، والخازن 3/ 85.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).
(٣) هي لام زائدة بعد كون منفي -كان يكون- فينُصبُ المضارعُ بعدها بـ (أنْ) المضمرة، وهي حرف مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، ويسميها سيبويه (لأم النفي) ولها عدة شروط.
انظر: "المغني" ص 278، و"الشامل" ص 196، و"معجم القواعد العربية" للدقر ص 400.
(٤) ساقطة من (ش)، (ع)، وهي ثابتة في المصدرة "الحجة للقراء" 5/ 33.
(٥) نقل طويل من "الحجة للقراء" 5/ 31 - 33 من قوله: قال أبو علي، تصرف فيه بالاختصار والتوضيح، والتقديم والتأخير.
(٦) أخرجه الطبري 13/ 247 بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 543 بنصه تقريباً، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 360، وابن الجوزي 4/ 374، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 165، وعزاه إلى ابن الأنباري.
(٧) لم يقل الحسن -رحمه الله- هذا بلفظه، إنما ذكر الأمثلة التي دلت على معنى ذلك.
انظر: "تفسير الطبري" 13/ 247.
(٨) أي: ما كنا فاعلين.
(المصدر السابق).
(٩) أي: ما مكناكم فيه.
(المصدر السابق).
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 166، وهو اختيار الطبري 13/ 247، وقد صوّبه وأيدّه بعدة أمور، انظرها.
(١١) "الحجة للقراء" 5/ 31.
(١٢) "الحجة للقراء" 5/ 33 بنصه.
(١٣) "ديوان ابن مقبل" ص 136 وفيه: (لها تالياً) بدل (لها شاعراً)، (مارداً) بدل == (شاعراً الثانية)، (له) بدل (به)، (حُزُون) بدل (بُطُون) وورد في "الحجة للقراء" 5/ 33، و"الحلبيات" ص 197، و"تفسير الطوسي" 6/ 307، و"الشعر والشعراء" ص 298، وفيه: (تالياً بعدي) بدل (شاعراً مثلي)، والبيت الثاني يختلف كثيراً، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 108، وفيه: (حبال) بدل (جبال)، و"دلائل الإعجاز" للجرجاني ص 391، وفيه: (قائلاً بعدي) بدل (شاعراً مثلي)، وفي البيت الثاني: (سائراً) مكان (شاعراً)، و (حُزون) مكان (بُطون)، ومعنى (أطب) أعْرَف، (مارداً)؛ المارد: العاتي الشديد، ويريد به الجيد السائر، (حُزُون): جمع الحزن، وهو ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة.
(١٤) انظر: "السبعة" ص 363، و"علل القراءت" 1/ 290، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 337، و"الحجة للقراء" 5/ 31، و"التيسير" ص 135، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 713، و"النشر" 2/ 300، و"الإتحاف" ص 273.
(١٥) المصادر المسابقة.
(١٦) "الحجة للقراء" 5/ 32 بنصه.
(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 167 بنصه.
(١٨) في جميع النسخ (ما) والتصويب من "الحجة للقراء" / 32 ليستقيم الكلام.
(١٩) قرأ بها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأُبي بن كعب م، وهي قراءة شاذة.
انظر: "تفسير الطبري" 13/ 245، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 187، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 74، و"المحتسب" 1/ 365، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 337، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 374، و"تفسير القرطبي" 9/ 380.
(٢٠) ساقطة من (أ)، (د).
(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 167.
(٢٢) لم أقف على مصدره، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 374، مختصراً.
(٢٣) "الحجة للقراء" 5/ 32.
(٢٤) ورد بلا نسبة في: "الحجة للقراء" 5/ 32، و"تفسير الطوسي" 6/ 307، وأبي حيان 6/ 218.
(٢٥) هكذا في جميع النسخ، ويحتمل أنها (جميعه) أي في جمغ ما ذكروا، وعلى المثبت أي ينوون في جمعه من الجمع وإن كان مفرداً.
(٢٦) لم أقف عليه في كتبه المطبوعة.
(٢٧) "ديوان الأعشى" ص 82، ورواية البيت الثاني تختلف عن الديوان، وهي: لَيَسْتَدرِجَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّهُ ...
وتَعْلَمَ أني عنكَ لستُ بمُلْجَم وورد البيت الأول فقط في "الكتاب" 2/ 28، و"مجاز القرآن" 1/ 302، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 187، و"شرح المفصل" 2/ 74، و"اللسان" (ثمن) 1/ 509، (رقا) 3/ 1711.
(تهرّه): يقال هرّ الشيء يهُره ويهِره هرّاً وهريراً، أي كرِهَهُ، (مُنَجِّم): اسم فاعل من التنجيم، وهو الناظر في النجوم للتفكر والتدبر، وهو أيضاً ادعاء علم الغيب بالنظر في النجوم، وهو أيضاً التجْزِيىء؛ ومنه قولهم نزل القرآن منجماً وعلى هذه الرواية يكون المعنى: إن تهديدي لك ليس رجماً بالغيب كما هو قول المنجِّم، (ملجم) من اللجام وهو معروف؛ وهو حبل أو عصا تُدخل في فم الدابة وتلُزق إلى قفاه، والممسك عن الكلام مُمَثَّلُ بمن ألجم نفسه بلجام، وعلى هذه الرواية، == المعنى: إن لساني غير ملجم عنك؛ لأنها من قصيدة قالها يهجو عمير بن المنذر.
انظر: "اللسان" (لجم) 7/ 4002، (هرر) 8/ 4650، (نجم) 7/ 4358.
(٢٨) في (أ)، (د): (لا يرقك)، وفي (ش)، (ع): (لا تزول) والتصويب من المصدر.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 168 بنصه.
(٣٠) أخرجه الطبري 13/ 244 - 245، مفصلاً عن علي ومجاهد من طرق، وورد مفصلاً في "تفسير السمرقندي" 2/ 211 عن علي، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 454 عن عكرمة، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 360، وابن الجوزي 4/ 373، وما بعدها، و"تفسير القرطبي" 9/ 381، وابن كثير 2/ 596، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 166، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن علي - -.
وهذه القصة ظاهرة الوضع أو أنها إسرائيلية، إذ لم يرو فيها حديث مرفوع إلى النبيّ بل وردت الروايات موقوفة على علي - - بطرق مضطربة وبأسانيد فيها جهالة، كما أنها ليست من الطرِق المشهورة عن علي - - فضلاً أن تكون من الصحيحة، ولعل هذا سبب نفي ابن عطية صحة نسبتها لعلي - - كما ضعفها من== جهة المعنى، فقال: وذُكر ذلك عن علي بن أبي طالب - - وذلك عندي لا يصح عن علي، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الإنسر كما وُصف، وبعيد أن يُغرِّر أحد بنفسه في مثل هذا.
(8/ 265)، وقد انتقد الزجاج هذه القصة من قبل فقال: وقيل هذا في قصة النمرود بن كنعان، ولا أرى لنمرود هاهنا ذكرًا.
"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 167، وكذلك نقل الرازي تضعيفها فقال: قال القاضي لم أقف عليه: وهذا بعيد جدًّا لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر صحيح معتمد، ولا حجة في تأويل الآية البتة.
"تفسير الفخر الرازي" 19/ 144.
(٣١) أخرجه الطبري 13/ 244، مفصلاً، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 374، وابن كثير 2/ 596، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 166، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
<div class="verse-tafsir"