تفسير البغوي سورة النازعات

الإسلام > القرآن > تفسير > البغوي > تفسير سورة النازعات

تفسيرُ سورةِ النازعات كاملةً من تفسير البغوي (أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

تفسير سورة النازعات كاملةً (أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي)

{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) } قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِنَّمَا هِيَ} يَعْنِي النَّفْخَةَ الْأَخِيرَةَ {زَجْرَةٌ} صَيْحَةٌ {وَاحِدَةٌ} يَسْمَعُونَهَا.

{فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} يَعْنِي: وَجْهَ الْأَرْضِ، أَيْ صَارُوا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدَمَا كَانُوا فِي جَوْفِهَا (١) وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْفَلَاةَ وَوَجْهَ الْأَرْضِ: سَاهِرَةٌ.

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ (٢) تَرَاهُمْ سَمَّوْهَا سَاهِرَةً لِأَنَّ فِيهَا نَوْمُ الْحَيَوَانِ وَسَهَرِهِمْ.

قَالَ سُفْيَانُ: هِيَ أَرْضُ الشَّامِ (٣) وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ جَهَنَّمُ (٤) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} يَقُولُ: قَدْ جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ حَدِيثُ مُوسَى.

{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} (٥) فَقَالَ يَا مُوسَى {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} عَلَا وَتَكَبَّرَ وَكَفَرَ بِاللَّهِ.

{فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَيَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ: أَيْ تَتَزَكَّى وَتَتَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ [بِالتَّخْفِيفِ] [وَأَصْلُهُ تَتَزَكَّى فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ الثانية في الزاء فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى وَحُذِفَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَعْنَاهُ تَتَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ] (٦) أَيْ: تُسْلِمَ وَتُصْلِحَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

{وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} أَيْ: أَدْعُوكَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ وَتَوْحِيدِهِ فَتَخْشَى عِقَابَهُ.

{فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} وَهِيَ الْعَصَا وَالْيَدَ الْبَيْضَاءُ.

{فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) } {فَكَذَّبَ} بِأَنَّهُمَا مِنَ اللَّهِ {وَعَصَى} {ثُمَّ أَدْبَرَ} تَوَلَّى وَأَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ {يَسْعَى} يَعْمَلُ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.

{فَحَشَرَ} فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَجُنُودَهُ {فَنَادَى} لَمَّا اجْتَمَعُوا.

{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} فَلَا رَبَّ فَوْقِي.

وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْأَصْنَامَ أَرْبَابٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ وَرَبُّهَا.

{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: عَاقَبَهُ اللَّهُ فَجَعَلَهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأَوْلَى، أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالْغَرَقِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ (١) .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ بِالْآخِرَةِ وَالْأُولَى كَلِمَتَيْ فِرْعَوْنَ قَوْلَهُ: "مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي" (الْقَصَصِ-٣٨) وَقَوْلُهُ: "أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى" وكان بينهما ١٨٤/ب أَرْبَعُونَ سَنَةً (٢) .

{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الَّذِي فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ حِينَ كَذَّبَ وَعَصَى {لَعِبْرَةٌ} لَعِظَةٌ {لِمَنْ يَخْشَى} اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

ثُمَّ خَاطَبَ مُنْكِرِي الْبَعْثِ فَقَالَ {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} يَعْنِي أَخَلْقُكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَشَدُّ عِنْدَكُمْ وَفِي تَقْدِيرِكُمْ أَمِ السَّمَاءُ؟

وَهُمَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِ "لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ" (غَافِرٍ-٥٧) ثُمَّ وَصَفَ خَلْقَ السَّمَاءِ فَقَالَ: {بَنَاهَا} {رَفَعَ سَمْكَهَا} سَقْفَهَا {فَسَوَّاهَا} بِلَا شُطُورٍ [وَلَا شُقُوقٍ] (٣) وَلَا فُطُورٍ.

{وَأَغْطَشَ} أَظْلَمَ {لَيْلَهَا} وَالْغَطْشُ وَالْغَبْشُ الظُّلْمَةُ {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أَبْرَزَ وَأَظْهَرَ نَهَارَهَا وَنُورَهَا، وَأَضَافَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ كِلَاهُمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ.

{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ} بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ {دَحَاهَا} بَسَطَهَا، وَالدَّحْوُ الْبَسْطُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْحُوَهَا قَبْلَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَالْأَرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحَاهَا، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ" (الْقَلَمِ-١٣) أَيْ مَعَ ذَلِكَ.

{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيْانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) } {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} يَعْنِي النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْبَعْثُ وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ: "طَامَّةً" لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ هَائِلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَتَعْلُو فَوْقَهَا وَتَغْمُرُ مَا سِوَاهَا، وَ"الطَّامَّةُ" عِنْدَ الْعَرَبِ: الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا تُسْتَطَاعُ.

{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} مَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} قَالَ مُقَاتِلٌ يُكْشَفُ عَنْهَا الْغِطَاءُ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا الْخَلْقُ.

{فَأَمَّا مَنْ طَغَى} فِي كُفْرِهِ.

{وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} عَلَى الْآخِرَةِ.

{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} عَنِ الْمَحَارِمِ الَّتِي تَشْتَهِيهَا، قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ مَقَامَهُ لِلْحِسَابِ فَيَتْرُكُهَا.

{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيْانَ مُرْسَاهَا} مَتَى ظُهُورُهَا وَثُبُوتُهَا.

{فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} لَسْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهَا وَذِكْرِهَا، أَيْ لَا تَعْلَمُهَا.

{إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} أَيْ مُنْتَهَى عِلْمِهَا عِنْدَ اللَّهِ.

{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) } {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "مُنْذِرٌ" بِالتَّنْوِينِ أَيْ [إِنَّمَا أَنْتَ] (١) مُخَوِّفٌ مَنْ يَخَافُ قِيَامَهَا، أَيْ: إِنَّمَا يَنْفَعُ إِنْذَارُكَ مَنْ يَخَافُهَا.

{كَأَنَّهُمْ} يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ {يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يُعَايِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {لَمْ يَلْبَثُوا} فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: فِي قُبُورِهِمْ {إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} قَالَ الْفَرَّاءُ: (٢) لَيْسَ لِلْعَشِيَّةِ ضُحًى، إِنَّمَا الضُّحَى لِصَدْرِ النَّهَارِ، وَلَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: آتِيكَ الْعَشِيَّةَ أَوْ غَدَاتَهَا، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: آخِرَ يَوْمٍ أَوْ أَوَّلَهُ، نَظِيرُهُ: قَوْلُهُ "كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" (الْأَحْقَافِ-٣٥) .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله