تفسير البيضاوي سورة يوسف

الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة يوسف

تفسيرُ سورةِ يوسف كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 120 دقيقة قراءة

تفسير سورة يوسف كاملةً (ناصر الدين البيضاوي)

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ١ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢

سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ تِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ وهي المُرادُ بِـ ﴿ الكِتابِ ﴾ ، أيْ تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الظّاهِرِ أمْرُها في الإعْجازِ أوِ الواضِحَةِ مَعانِيها، أوِ المُبِينَةِ لِمَن تَدَبَّرَها أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ لِلْيَهُودِ ما سَألُوا إذْ رُوِيَ أنَّ عُلَماءَهم قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ أيِ الكِتابَ.

﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ سَمّى البَعْضَ قُرْآنًا لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْكُلِّ بِالغَلَبَةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو في نَفْسِهِ إمّا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ أوْ حالٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ وفي كُلِّ ذَلِكَ خِلافٌ.

﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أيْ أنْزَلْناهُ مَجْمُوعًا أوْ مَقْرُوءًا بِلُغَتِكم كَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِمَعانِيهِ، أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّ اقْتِصاصَهُ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ القَصَصَ مُعْجِزٌ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالإيحاءِ.

<div class="verse-tafsir"

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ٣

﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ لِأنَّ اقْتَصَّ عَلى أبْدَعِ الأسالِيبِ، أوْ أحْسَنَ ما يُقَصُّ لِاشْتِمالِهِ عَلى العَجائِبِ والحِكَمِ والآياتِ والعِبَرِ فَعَلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالنَّقْضِ والسَّلْبِ، واشْتِقاقُهُ مِن قَصَّ أثَرَهُ إذا تَبِعَهُ ﴿ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ بِإيحائِنا.

﴿ هَذا القُرْآنَ ﴾ يَعْنِي السُّورَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ هَذا مَفْعُولَ نَقُصُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ ﴾ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ لَمْ تَخْطُرْ بِبالِكَ ولَمْ تَقْرَعْ سَمْعَكَ قَطُّ، وهو تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مُوحًى وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ٤

﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ ﴾ بَدَلٌ مِن أحْسَنَ القَصَصِ إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا بَدَلَ الِاشْتِمالِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ و ﴿ يُوسُفُ ﴾ عِبْرِيٌّ ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَصُرِفَ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى التَّلَعُّبِ بِهِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ مِن آسَفَ لِأنَّ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعُجْمَتِهِ.

﴿ لأبِيهِ ﴾ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ» .

﴿ يا أبَتِ ﴾ أصْلُهُ يا أبِي فَعُوِّضَ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتُناسِبَهُما في الزِّيادَةِ ولِذَلِكَ قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وكَسَرَها لِأنَّها عِوَضُ حَرْفٍ يُناسِبُها، وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ في كُلِّ القُرْآنِ لِأنَّها حَرَكَةُ أصْلِها أوْ لِأنَّهُ كانَ يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ وبَقِيَ الفَتْحَةُ، وإنَّما جازَ يا أبَتا ولَمْ يَجُزْ يا أبَتِي لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ.

وقُرِئَ بِالضَّمِّ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ كَأصْلِها لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ.

﴿ إنِّي رَأيْتُ ﴾ مِنَ الرُّؤْيا لا مِنَ الرُّؤْيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ ﴾ ﴿ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ .

رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ، فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ إذا أخْبَرْتُكَ هَلْ تُسْلِمُ قالَ نَعَمْ، قالَ جَرَيانُ والطّارِقُ والذَّيّالُ وقابِسٌ وعَمُودانِ والفُلَّيْقُ والمُصْبِحُ والضَّرُوحُ والفُرُغُ ووَثّابٌ وذُو الكَتِفَيْنِ رَآها يُوسُفُ والشَّمْسُ والقَمَرُ نَزَلْنَ مِنَ السَّماءِ وسَجَدْنَ لَهُ فَقالَ اليَهُودِيُّ إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها» ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي رَآهم عَلَيْها فَلا تَكْرِيرَ وإنَّما أُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ لِوَصْفِها بِصِفاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٥

﴿ قالَ يا بُنَيَّ ﴾ تَصْغِيرُ ابْنٍ، صَغَّرَهُ لِلشَّفَقَةِ أوْ لِصِغَرِ السِّنِّ، لِأنَّهُ كانَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً.

وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي « الصّافّاتِ» بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِكَ حِيلَةً، فَهِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رُؤْياهُ أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِيهِ لِرِسالَتِهِ ويُفَوِّقُهُ عَلى إخْوَتِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَهم وبِغْيَهم والرُّؤْيا كالرُّؤْيَةِ غَيْرَ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما يَكُونُ في النَّوْمِ، فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كالقُرْبَةِ والقُرْبى وهي انْطِباعُ الصُّورَةِ المُنْحَدِرَةِ مِن أُفُقِ المُتَخَيَّلَةِ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ، والصّادِقَةُ مِنها إنَّما تَكُونُ بِاتِّصالِ النَّفْسِ بِالمَلَكُوتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ عِنْدَ فَراغِها مِن تَدْبِيرِ البَدَنِ أدْنى فَراغٍ، فَتَتَصَوَّرُ بِما فِيها مِمّا يَلِيقُ بِها مِنَ المَعانِي الحاصِلَةِ هُناكَ، ثُمَّ إنَّ المُتَخَيَّلَةَ تُحاكِيهِ بِصُورَةٍ تُناسِبُهُ فَتُرْسِلُها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشاهَدَةً، ثُمَّ إنْ كانَتْ شَدِيدَةَ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ المَعْنى بِحَيْثُ لا يَكُونُ التَّفاوُتُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتِ الرُّؤْيا عَنِ التَّعْبِيرِ وإلّا احْتاجَتْ إلَيْهِ، وإنَّما عَدّى كادَ بِاللّامِ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى فَعَلَ يُعَدّى بِهِ تَأْكِيدًا ولِذَلِكَ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ لِما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَوّاءَ فَلا يَأْلُوا جُهْدًا في تَسْوِيلِهِمْ وإثارَةِ الحَسَدِ فِيهِمْ حَتّى يَحْمِلَهم عَلى الكَيْدِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٦

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ وكَما اجْتَباكَ لِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى شَرَفٍ وعِزٍّ وكَمالِ نَفْسٍ.

﴿ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ أوْ لِأُمُورٍ عِظامٍ، والِاجْتِباءُ مِن جَبَيْتَ الشَّيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ.

﴿ وَيُعَلِّمُكَ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ وهو يُعَلِّمُكَ.

﴿ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ مِن تَعْبِيرِ الرُّؤْيا لِأنَّها أحادِيثُ المَلِكِ إنْ كانَتْ صادِقَةً، وأحادِيثُ النَّفْسِ أوِ الشَّيْطانِ إنْ كانَتْ كاذِبَةً.

أوْ مِن تَأْوِيلِ غَوامِضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وسُنَنِ الأنْبِياءِ وكَلِماتِ الحُكَماءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ كَأباطِيلَ اسْمُ جَمْعٍ لِلْباطِلِ.

﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِأنْ يَصِلَ نِعْمَةَ الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ.

﴿ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ سائِرَ بَنِيهِ، ولَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى نَبُّوتِهِمْ بِضَوْءِ الكَواكِبِ أوْ نَسْلِهِ.

﴿ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ ﴾ بِالرِّسالَةِ وقِيلَ عَلى إبْراهِيمَ بِالخَلَّةِ والإنْجاءِ مِنَ النّارِ وعَلى إسْحاقَ بِإنْقاذِهِ مِنَ الذَّبْحِ وفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِكَ أوْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ.

﴿ إبْراهِيمَ وَإسْحاقَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِأبَوَيْكَ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَفْعَلُ الأشْياءَ عَلى ما يَنْبَغِي.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ ٧

﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴾ أيْ في قِصَّتِهِمْ.

﴿ آياتٌ ﴾ دَلائِلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، أوْ عَلاماتُ نُبُوَّتِكَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « آيَةٌ» .

﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ لِمَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ، والمُرادُ بِإخْوَتِهِ بَنُو عِلّاتِهِ العَشَرَةُ وهم: يَهُوذا ورُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى وزَبالُونُ ويَشْخَرُ ودِينَةُ مِن بِنْتِ خالَتِهِ لَيا تَزَوَّجَها يَعْقُوبُ أوَّلًا فَلَمّا تُوُفِّيَتْ تَزَوَّجَ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ.

وقِيلَ جَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَكُنِ الجَمْعُ مُحَرَّمًا حِينَئِذٍ وأرْبَعَةٌ آخَرُونَ: دانُ ونَفْتالِي وجادُ وأشَرُ مِن سَرِيَّتَيْنِ زُلْفَةَ وبَلْهَةَ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٨

﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ ﴾ بِنْيامِينُ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُخُوَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.

﴿ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ وحْدَهُ لِأنَّ أفْعَلَ مَن لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ، والمُذَكَّرُ وما يُقابِلُهُ بِخِلافِ أخَوَيْهِ فَإنَّ الفَرْقَ واجِبٌ في المُحَلّى جائِزٌ في المُضافِ.

﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ والحالُ أنّا جَماعَةٌ أقْوِياءُ أحَقُّ بِالمَحَبَّةِ مِن صَغِيرَيْنِ لا كِفايَةَ فِيهِما، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ الأُمُورَ تُعْصَبُ بِهِمْ.

﴿ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ لِتَفْضِيلِهِ المَفْضُولَ أوْ لِتَرْكِ التَّعْدِيلِ في المَحَبَّةِ.

رُوِيَ أنَّهُ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ لِما يَرى فِيهِ مِنَ المَخايِلِ وكانَ إخْوَتُهُ يَحْسُدُونَهُ، فَلَمّا رَأى الرُّؤْيا ضاعَفَ لَهُ المَحِبَّةَ بِحَيْثُ لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ، فَتَبالَغَ حَسَدُهم حَتّى حَمَلَهم عَلى التَّعَرُّضِ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَـٰلِحِينَ ٩ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ١٠

﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ مِن جُمْلَةِ المَحْكِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ إذْ قالُوا كَأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ الأمْرِ إلّا مَن قالَ ﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ .

وقِيلَ إنَّما قالَهُ شَمْعُونُ أوْ دانُ ورَضِيَ بِهِ الآخَرُونَ.

﴿ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا ﴾ مَنكُورَةً بَعِيدَةً مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإبْهامِها ولِذَلِكَ نُصِبَتْ كالظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ.

﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ جَوابُ الأمْرِ.

والمَعْنى يَصْفُ لَكم وجْهَ أبِيكم فَيُقْبِلُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْكم ولا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكم ولا يُنازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ.

﴿ وَتَكُونُوا ﴾ جُزِمَ بِالعَطْفِ عَلى يَخْلُ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنْ.

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ يُوسُفَ أوِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ أوْ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ.

﴿ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ تائِبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جَنَيْتُمْ أوْ صالِحِينَ مَعَ أبِيكم بِصُلْحِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِعُذْرٍ تُمَهِّدُونَهُ، أوْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكم.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي يَهُوذا وكانَ أحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا.

وقِيلَ رُوبِيلُ.

﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ فَإنَّ القَتْلَ عَظِيمٌ.

﴿ وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ في قَعْرِهِ، سُمِّيَ بِها لِغَيْبُوبَتِهِ عَنْ أعْيُنِ النّاظِرِينَ.

وقَرَأ نافِعٌ في « غَياباتِ» في المَوْضِعَيْنِ عَلى الجَمْعِ كَأنَّهُ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٌ.

وقُرِئَ « غَيْبَةِ» و « غَياباتِ» بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ يَلْتَقِطْهُ ﴾ يَأْخُذْهُ.

﴿ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ بَعْضُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الأرْضِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ بِمَشُورَتِي أوْ إنْ كُنْتُمْ عَلى أنْ تَفْعَلُوا ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ ١١ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ١٢

﴿ قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ ﴾ لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ.

﴿ وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ ونَحْنُ نُشْفِقُ عَلَيْهِ ونُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ، أرادُوا بِهِ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما تَنَسَّمَ مِن حَسَدِهِمْ، والمَشْهُورُ ﴿ تَأْمَنّا ﴾ بِالإدْغامِ بِإشْمامٍ.

وعَنْ نافِعٍ بِتَرْكِ الإشْمامِ ومِنَ الشَّواذِّ تَرْكُ الإدْغامِ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ و « تِيمَنّا» بِكَسْرِ التّاءِ.

﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا ﴾ إلى الصَّحْراءِ.

(نَرْتَعْ) نَتْسِعْ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها مِنَ الرَّتْعَةِ وهي الخِصْبُ.

﴿ وَنَلْعَبُ ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (نَرْتَعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى أنَّهُ مِنِ ارْتَعى يَرْتَعِي ونافِعٌ بِالكَسْرِ والياءُ فِيهِ وفي (يَلْعَبْ) .

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ بِالياءِ والسُّكُونِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى يُوسُفَ.

وقُرِئَ « يَرْتَعْ» مِن أرْتَعَ ماشِيَتَهُ و « يَرْتَعِ» بِكَسْرِ العَيْنِ ويَلْعَبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ ١٣ قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ١٤

﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ.

﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مَذْأبَةً.

وقِيلَ رَأى في المَنامِ أنَّ الذِّئْبَ قَدْ شَدَّ عَلى يُوسُفَ وكانَ يَحْذَرُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ هَمَزَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وفي رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ دَرْجًا واشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.

﴿ وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.

﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ضُعَفاءُ مَغْبُونُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والواوُ في و (نَحْنُ عُصْبَةٌ) لِلْحالِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١٥

﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ وعَزَمُوا عَلى إلْقائِهِ فِيها، والبِئْرُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ بِئْرٌ بِأرْضِ الأُرْدُنِ أوْ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، أوْ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا بَرَزُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ أخَذُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ ويَسْتَغِيثُ فَقالَ يَهُوذا: أما عاهَدْتُمُونِي أنْ لا تَقْتُلُوهُ فَأتَوْا بِهِ إلى البِئْرِ، فَدَلُّوهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ لِيُلَطِّخُوهُ بِالدَّمِ ويَحْتالُوا بِهِ عَلى أبِيهِمْ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ فَقالُوا: ادْعُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ يُلْبِسُوكَ ويُؤْنِسُوكَ، فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ وكانَ فِيها ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ آوى إلى صَخْرَةٍ كانَتْ فِيها فَقامَ عَلَيْها يَبْكِي فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ.

كَما قالَ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ وكانَ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وقِيلَ كانَ مُراهِقًا أُوحِيَ إلَيْهِ في صِغَرِهِ كَما أُوحِيَ إلى يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وَفِي القَصَصِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ فَألْبَسَهُ إيّاهُ، فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ فَجَعَلَهُ في تَمِيمَةٍ عَلَّقَها بِيُوسُفَ فَأخْرَجَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وألْبَسَهُ إيّاهُ.

﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا ﴾ لَتُحَدِّثَنَّهم بِما فَعَلُوا بِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ يُوسُفُ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وبُعْدِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ وطُولِ العَهْدِ المُغَيِّرِ لِلْحِلى والهَيْئاتِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قالَ لَهم بِمِصْرَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ ﴿ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ .

بَشَّرَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ إيناسًا لَهُ وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ.

وقِيلَ ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِـ (أوْحَيْنا) أيْ آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وهم لا يَشْعُرُونَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ ١٦ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ ١٧

﴿ وَجاءُوا أباهم عِشاءً ﴾ أيْ آخِرَ النَّهارِ.

وقُرِئَ « عُشِيًّا» وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ و « عُشى» بِالضَّمِّ والقَصْرِ جَمْعُ أعْشى أيْ عَشَوْا مِنَ البُكاءِ.

﴿ يَبْكُونَ ﴾ مُتَباكِينَ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم فَزِعَ وقالَ ما لَكَمَ يا بَنِيَّ وأيْنَ يُوسُفُ.

﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ نَتَسابَقُ في العَدْوِ أوْ في الرَّمْيِ، وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ.

﴿ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ ﴾ لَنا بِمُصَدِّقٍ لَنا ﴿ وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ لِسُوءِ ظَنِّكَ بِنا وفَرْطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨

﴿ وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ بِمَعْنى مَكْذُوبٍ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الواوِ أيْ جاءُوا كاذِبِينَ و « كَدِبٍ» بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ أيْ كَدِرٍ أوْ طَرِيٍّ.

وقِيلَ: أصْلُهُ البَياضُ الخارِجُ عَلى أظْفارِ الأحْداثِ فَشَبَّهَ بِهِ الدَّمَ اللّاصِقَ عَلى القَمِيصِ، وعَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ أيْ فَوْقَ قَمِيصِهِ أوْ عَلى الحالِ مِنَ الدَّمِ إنْ جُوِّزَ تَقْدِيمُها عَلى المَجْرُورِ.

رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ بِخَبَرِ يُوسُفَ صاحَ وسَألَ عَنْ قَمِيصِهِ فَأخَذَهُ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ وقالَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمَ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهُ.

وَلِذَلِكَ قالَ ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أيْ سَهَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم وهَوَّنَتْ في أعْيُنِكم أمْرًا عَظِيمًا مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلَ، وفي الحَدِيثِ «الصَّبْرُ الجَمِيلُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ إلى الخَلْقِ» .

﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن إهْلاكِ يُوسُفَ وهَذِهِ الجَرِيمَةُ كانَتْ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ إنْ صَحَّ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٩

﴿ وَجاءَتْ سَيّارَةٌ ﴾ رُفْقَةٌ يَسِيرُونَ مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثٍ مِن إلْقائِهِ فِيهِ.

﴿ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.

﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ فَأرْسَلَها في الجُبِّ لِيَمْلَأها فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَلَمّا رَآهُ.

﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قالَ تَعالى فَهَذا أوانُكَ.

وقِيلَ هو اسْمٌ لِصاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ.

وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ « يا بُشْرايَ» بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.

وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وقُرِئَ « يا بُشْرى» بِالإدْغامِ وهو لُغَةٌ و « بُشْرايَ» بِالسُّكُونِ عَلى قَصْدِ الوَقْفِ.

﴿ وَأسَرُّوهُ ﴾ أيِ الوارِدُ وأصْحابُهُ مِن سائِرِ الرُّفْقَةِ.

وقِيلَ أخْفَوْا أمْرَهُ وقالُوا لَهم دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ وذَلِكَ أنَّ يَهُوذا كانَ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فِيها فَأخْبَرَهُ إخْوَتُهُ فَأتَوُا الرُّفْقَةَ وقالُوا: هَذا غُلامُنا أبْقِ مِنّا فاشْتَرَوْهُ، فَسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ.

﴿ بِضاعَةً ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البِضْعِ فَإنَّهُ ما بُضِعَ مِنَ المالِ لِلتِّجارَةِ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم أوْ صَنِيعُ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠

﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ وباعُوهُ، وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ الوَجْهانِ أوِ اشْتَرَوْهُ مِنَ إخْوَتِهِ.

﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ مَبْخُوسٍ لِزَيْفِهِ أوْ نُقْصانِهِ.

﴿ دَراهِمَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الثَّمَنِ.

﴿ مَعْدُودَةٍ ﴾ قَلِيلَةٍ فَإنَّهم يَزِنُونَ ما بَلَغَ الأُوقِيَّةَ ويَعُدُّونَ ما دُونَها.

قِيلَ كانَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وقِيلَ كانَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا.

﴿ وَكانُوا فِيهِ ﴾ في يُوسُفَ.

﴿ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ الرّاغِبِينَ عَنْهُ والضَّمِيرُ في ﴿ وَكانُوا ﴾ إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزَهَّدَهم فِيهِ، لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ خائِفٌ مِنَ انْتِزاعِهِ مُسْتَعْجِلٌ في بَيْعِهِ، وإنْ كانُوا مُبْتاعِينَ فَلِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ آبِقٌ وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِالزّاهِدِينَ إنْ جُعِلَ اللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى الَّذِي فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُبَيِّنُهُ الزّاهِدِينَ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٢١

﴿ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ واسْمُهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيَّ وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وماتَ في حَياتِهِ.

وقِيلَ كانَ فِرْعَوْنَ مُوسى عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ .

والمَشْهُورُ أنَّهُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ.

والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ.

رُوِيَ: أنَّهُ اشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَبِثَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

واخْتُلِفَ فِيما اشْتَراهُ بِهِ مَن جَعَلَ شِراءَهُ بِهِ غَيْرَ الأوَّلِ: عِشْرُونَ دِينارًا وزَوْجا نَعْلٍ وثَوْبانِ أبْيَضانِ.

وقِيلَ مِلْؤُهُ فِضَّةً وقِيلَ ذَهَبًا.

﴿ لامْرَأتِهِ ﴾ راعِيلَ أوْ زُلَيْخا.

﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ اجْعَلِي مَقامَهُ عِنْدَنا كَرِيمًا أيْ حَسَنًا والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ.

﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ في ضِياعِنا وأمْوالِنا ونَسْتَظْهِرَ بِهِ في مَصالِحِنا.

﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ نَتَبَنّاهُ وكانَ عَقِيمًا لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِنَ الرُّشْدِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ عَزِيزُ مِصْرَ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ الَّتِي قالَتْ ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ ، وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ وكَما مَكَّنا مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ العَزِيزِ أوْ كَما مَكَّنّاهُ في مَنزِلِهِ أوْ كَما أنْجَيْناهُ وعَطَفْنا عَلَيْهِ العَزِيزَ مَكَّنا لَهُ فِيها.

﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ عُطِفَ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لِيَتَصَرَّفَ فِيها بِالعَدْلِ ولِنُعَلِّمَهُ أيْ كانَ القَصْدُ في إنْجائِهِ وتَمْكِينِهِ إلى أنْ يُقِيمَ العَدْلَ ويُدَبِّرَ أُمُورَ النّاسِ، ويَعْلَمَ مَعانِيَ كُتِبِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ فَيُنَفِّذَها، أوْ تَعْبِيرَ المَناماتِ المُنَبِّهَةِ عَلى الحَوادِثِ الكائِنَةِ لِيَسْتَعِدَّ لَها ويَشْتَغِلَ بِتَدْبِيرِها قَبْلَ أنْ تَحِلَّ كَما فَعَلَ لِسِنِيهِ.

﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا يُنازِعُهُ فِيما يَشاءُ أوْ عَلى أمْرِ يُوسُفَ أرادَ بِهِ إخْوَتَهُ شَيْئًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ فَلَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَهُ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، أوْ لَطائِفَ صُنْعِهِ وخَفايا لُطْفِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٢٢

﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ مُنْتَهى اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وقِيلَ سِنُّ الشَّبابِ ومَبْدَؤُهُ بُلُوغُ الحُلُمِ.

﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً وهو العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ، أوْ حَكَمًا بَيْنَ النّاسِ.

﴿ وَعِلْمًا ﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما آتاهُ ذَلِكَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ في عَمَلِهِ وإتْقانِهِ في عُنْفُوانِ أمْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٣

﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ طَلَبَتْ مِنهُ وتَمَحَّلَتْ أنْ يُواقِعَها، مِن رادَ يَرُودُ إذا جاءَ وذَهَبَ لِطَلَبِ شَيْءٍ ومِنهُ الرّائِدُ.

﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ قِيلَ كانَتْ سَبْعَةً والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في الإيثاقِ.

﴿ وَقالَتْ هَيْتَ ﴾ لَكَ أيْ أقْبِلْ وبادِرْ، أوْ تَهَيَّأْتُ والكَلِمَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْمُ فِعْلٍ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَأيْنَ واللّامُ لِلتَّبْيِينِ كالَّتِي في سُقْيًا لَكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ وفَتْحِ الهاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحَيْثُ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ وكَسْرِ الهاءِ كَعِيطٍ.

وقَرَأ هُشامٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَهْمِزُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ضَمُّ التّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

وقُرِئَ « هِيتَ» كَجِيرٍ و « هِئْتُ» كَجِئْتُ مِن هاءَ يَهِيءُ إذا تَهَيَّأ وقُرِئَ « هُيِّئْتُ» وعَلى هَذا فاللّامُ مِن صِلَتِهِ.

﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا.

﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ الشَّأْنَ.

﴿ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ سَيِّدِي قِطْفِيرُ أحْسَنَ تَعَهُّدِي إذْ قالَ لَكِ فِيَّ ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ فَما جَزاؤُهُ أنْ أخُونَهُ في أهْلِهِ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أيْ إنَّهُ خالِقِي أحْسَنَ مَنزِلَتِي بِأنْ عَطَفَ عَلى قَلْبِهِ فَلا أعْصِيَهُ.

﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ المُجازُونَ الحَسَنَ بِالسَّيِّئِ.

وقِيلَ الزُّناةُ فَإنَّ الزِّنا ظُلْمٌ عَلى الزّانِي والمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ٢٤

﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ﴾ وقَصَدَتْ مُخالَطَتَهُ وقَصَدَ مُخالَطَتَها، والهَمُّ بِالشَّيْءِ قَصْدُهُ والعَزْمُ عَلَيْهِ ومِنهُ الهُمامُ وهو الَّذِي إذا هَمَّ بِالشَّيْءِ أمْضاهُ، والمُرادُ بِهَمِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَيْلُ الطَّبْعِ ومُنازَعَةُ الشَّهْوَةِ لا القَصْدُ الِاخْتِيارِيُّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلِ الحَقِيقُ بِالمَدْحِ والأجْرِ الجَزِيلِ مِنَ اللَّهِ مَن يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الفِعْلِ عِنْدَ قِيامِ هَذا الهَمِّ، أوْ مُشارَفَةِ الهَمِّ كَقَوْلِكَ قَتَلْتُهُ لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ.

﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ في قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ مَغَبَّتِهِ لَخالَطَها لِشَبَقِ الغُلْمَةِ وكَثْرَةِ المُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ﴿ وَهَمَّ بِها ﴾ جَوابَ ﴿ لَوْلا ﴾ فَإنَّها في حُكْمِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها جَوابُها، بَلِ الجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

وقِيلَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ.

وقِيلَ قِطْفِيرُ.

وقِيلَ نُودِيَ يا يُوسُفُ أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوِ الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ.

﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ خِيانَةَ السَّيِّدِ.

﴿ والفَحْشاءَ ﴾ الزِّنا.

﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالكَسْرِ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ في أوَّلِهِ الألِفُ واللّامُ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٥

﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ أيْ تَسابَقا إلى البابِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى الِابْتِدارِ.

وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ فَرَّ مِنها لِيَخْرُجَ وأسْرَعَتْ وراءَهُ لِتَمْنَعَهُ الخُرُوجَ.

﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن ورائِهِ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ والقَدُّ الشَّقُّ طُولًا والقَطُّ الشَّقُّ عَرْضًا.

﴿ وَألْفَيا سَيِّدَها ﴾ وصادَفا زَوْجَها.

﴿ لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ إيهامًا بِأنَّها فَرَّتْ مِنهُ تَبْرِئَةً لِساحَتِها عِنْدَ زَوْجِها وتَغْيِيرَهُ عَلى يُوسُفَ وإغْراءَهُ بِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ جَزاءَهُ إلّا السِّجْنُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٢٦ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٧

﴿ قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ طالَبَتْنِي بِالمُؤاتاةِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِما عَرَّضَتْهُ لَهُ مِنَ السَّجْنِ أوِ العَذابِ الألِيمِ، ولَوْ لَمْ تَكْذِبْ عَلَيْهِ لَما قالَهُ.

﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها ﴾ قِيلَ ابْنُ عَمٍّ لَها.

وقِيلَ ابْنُ خالٍ لَها صَبِيًّا في المَهْدِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ صِغارًا ابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» وإنَّما ألْقى اللَّهُ الشَّهادَةَ عَلى لِسانِ أهْلِها لِتَكُونَ ألْزَمَ عَلَيْها.

﴿ إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها، أوْ أنَّهُ أسْرَعَ خَلْفَها فَتَعْثَرَ بِذَيْلِهِ فانْقَدَّ جَيْبُهُ.

﴿ وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَبِعَتْهُ فاجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ.

والشَّرْطِيَّةُ مَحْكِيَّةٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ عَلى أنَّ فِعْلَ الشَّهادَةِ مِنَ القَوْلِ، وتَسْمِيَتُها شَهادَةٌ لِأنَّها أدَّتْ مُؤَدّاها والجَمْعُ بَيْنَ إنْ وكانَ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ كانَ ونَحْوَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلى اليَوْمِ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ مَعْناهُ أنْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ أمْنُنْ عَلَيْكَ بِإحْسانِي لَكَ السّابِقِ.

وقُرِئَ « مِن قُبُلٍ» « ومِن دُبُرٍ» بِالضَّمِّ لِأنَّهُما قُطِعا عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ، وبِالفَتْحِ كَأنَّهُما جُعِلا عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمُنِعا الصَّرْفَ وبِسُكُونِ العَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ ٢٨ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ٢٩

﴿ فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ أوْ إنَّ السُّوءَ أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ.

﴿ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ مِن حِيلَتِكُنَّ والخِطابُ لَها ولِأمْثالِها أوْ لِسائِرِ النِّساءِ.

﴿ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ فَإنَّ كَيْدَ النِّساءِ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ والشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ بِهِ مُسارَقَةً.

﴿ يُوسُفُ ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وتَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ.

﴿ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ اكْتُمْهُ ولا تَذْكُرْهُ.

﴿ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ يا راعِيلُ.

﴿ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ مِنَ القَوْمِ المُذْنِبِينَ مِن خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٣٠

﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ ﴾ هي اسْمٌ لِجَمْعِ امْرَأةٍ وتَأْنِيثُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِذَلِكَ جُرِّدَ فِعْلُهُ وضَمُّ النُّونِ لُغَةٌ فِيها.

﴿ فِي المَدِينَةِ ﴾ ظَرْفٌ لِقالَ أيْ أشَعْنَ الحِكايَةَ في مِصْرَ، أوْ صِفَةُ نِسْوَةٍ وكُنَّ خَمْسًا زَوْجَةُ الحاجِبِ والسّاقِي والخَبّازُ والسَّجّانُ وصاحِبُ الدَّوابِّ.

﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ تَطْلُبُ مُواقَعَةَ غُلامِها إيّاها.

والعَزِيزُ بِلِسانِ العَرَبِ المَلِكُ وأصْلُ فَتى فَتِيَ لِقَوْلِهِمْ فِتْيانٌ والفُتُوَّةُ شاذَّةٌ.

﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ شَقَّ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها حُبًّا، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ لِصَرْفِ الفِعْلِ عَنْهُ.

وقُرِئَ « شَعَفَها» مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذا هَنَأهُ بِالقَطْرانِ فَأحْرَقَهُ.

﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ٣١

﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ، وإنَّما سَمّاهُ مَكْرًا لِأنَّهُنَّ أخْفَيْنَهُ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ، أوْ قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ أوْ لِأنَّها اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها.

﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ ﴾ تَدْعُوهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً فِيهِنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ.

﴿ وَأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الوَسائِدِ.

﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ حَتّى يَتَّكِئْنَ والسَّكاكِينُ بِأيْدِيهِنَّ فَإذا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُبْهَتْنَ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها فَيُبَكَّتْنَ بِالحُجَّةِ، أوْ يَهابُ يُوسُفُ مَكْرَها إذا خَرَجَ وحْدَهُ عَلى أرْبَعِينَ امْرَأةً في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ.

وقِيلَ ﴿ مُتَّكَأً ﴾ طَعامًا أوْ مَجْلِسَ طَعامٍ فَإنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ تَرَفًا ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ.

قالَ جَمِيلٌ: فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَكَأْنا.

.

.

وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ وَقِيلَ المُتَّكَأُ طَعامٌ يُحَزُّ حَزًّا كَأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ بِالسِّكِّينِ.

وقُرِئَ « مُتَّكًا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ و « مُتَّكاءً» بِإشْباعِ الفَتْحَةِ كَمُنْتَزاحٍ و « مُتَّكًا» وهو الأُتْرُجُّ أوْ ما يُقْطَعُ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ و « مُتَّكَأً» مِن تَكِئَ يُتَّكَأُ إذا اتَّكَأ.

﴿ وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ عَظَّمْنَهُ وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» وقِيلَ كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ.

وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ مِن أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ لِأنَّها تَدْخُلُ الكِبَرَ بِالحَيْضِ، والهاءُ ضَمِيرٌ لِلْمَصْدَرِ أوْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حَذْفِ اللّامِ أيْ حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ كَما قالَ المُتَنَبِّي: خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعٍ.

.

.

∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ جَرَحْنَها بِالسَّكاكِينِ مِن فَرْطِ الدَّهْشَةِ.

﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن صِفاتِ العَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ، وأصْلُهُ « حاشا» كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرْجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا وهو حَرْفٌ يُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ.

وَقُرِئَ « حاشَ اللَّهُ» بِغَيْرِ لامٍ بِمَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ، و « حاشًا لِلَّهِ» بِالتَّنْوِينِ عَلى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ.

وقِيلَ « حاشا» فاعِلٌ مِنَ الحَشا الَّذِي هو النّاحِيَةُ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ أيْ صارَ في ناحِيَةِ اللَّهِ مِمّا يُتَوَهَّمُ فِيهِ.

﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ لِأنَّ هَذا الجَمالَ غَيْرُ مَعْهُودٍ لِلْبَشَرِ، وهو عَلى لُغَةِ الحِجازِ في إعْمالِ ما عَمَلَ لَيْسَ لِمُشارَكَتِها في نَفْيِ الحالِ.

وَقُرِئَ « بَشَرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « بِشَرى» أيْ بِعَبْدٍ مُشْتَرى لَئِيمٍ.

﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَمالِ الرّائِقِ والكَمالِ الفائِقِ والعِصْمَةِ البالِغَةِ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّ جَمالَهُ فَوْقَ جَمالِ البَشَرِ ولا يَفُوقُهُ فِيهِ إلّا المَلَكُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ٣٢

﴿ قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أيْ فَهو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي في الِافْتِنانِ بِهِ قَبْلَ أنْ تَتَصَوَّرْنَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ، ولَوْ تَصَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي أوْ فَهَذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ هَذا رَفْعًا لِمَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ.

﴿ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ﴾ فامْتَنَعَ طَلَبًا لِلْعِصْمَةِ، أقَرَّتْ لَهُنَّ حِينَ عَرَفَتْ أنَّهُنَّ يَعْذُرْنَها كَيْ يُعاوِنَّها عَلى إلانَةِ عَرِيكَتِهِ.

﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ﴾ أيْ ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ أمْرِي إيّاهُ بِمَعْنى مُوجِبِ أمْرِي فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ.

﴿ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ مِنَ الأذِلّاءِ وهو مِن صَغِرَ بِالكَسْرِ يَصْغُرُ صِغَرًا وصَغارًا والصَّغِيرُ مِن صَغُرَ بِالضَّمِّ صُغْرًا.

وقُرِئَ « لَيَكُونَنَّ» وهو يُخالِفُ خَطَّ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ فِيهِ بِالألِفِ « كَنَسْفَعًا» عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وذَلِكَ في الخَفِيفَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٣٣ فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٤

﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي مِن مُؤاتاتِها زِنًا نَظَرًا إلى العاقِبَةِ وإنْ كانَ هَذا مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وذَلِكَ مِمّا تَكْرَهُهُ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها.

أوْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ، وقِيلَ إنَّما ابْتُلِيَ بِالسَّجْنِ لِقَوْلِهِ هَذا وإنَّما كانَ الأوْلى بِهِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ العافِيَةَ ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ.

﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي ﴾ وإنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي.

﴿ كَيْدَهُنَّ ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ عِنْدِي بِالتَّثْبِيتِ عَلى العِصْمَةِ.

﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ أمِلْ إلى جانِبِهِنَّ أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ بِطَبْعِي ومُقْتَضى شَهْوَتِي، والصَّبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَّبا لِأنَّ النُّفُوسَ تَسْتَطِيبُها وتَمِيلُ إلَيْها.

وقُرِئَ ﴿ أصْبُ ﴾ مِنَ الصَّبابَةِ وهي الشَّوْقُ.

﴿ وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ فَإنَّهم والجُهّالُ سَواءٌ.

﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإلا تَصْرِفْ ﴾ .

﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ فَثَبَّتَهُ بِالعِصْمَةِ حَتّى وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى مَشَقَّةِ السَّجْنِ وآثَرَها عَلى اللَّذَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْيانِ.

﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يُصْلِحُهم.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ ٣٥ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٣٦

﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ كَشَهادَةِ الصَّبِيِّ وقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ واسْتِعْصامِهِ عَنْهُنَّ وفاعِلُ بَدا مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ.

﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها خَدَعَتْ زَوْجَها وحَمَلَتْهُ عَلى سَجْنِهِ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، أوْ يَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ فَلَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ.

وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ عَلى التَّعْظِيمِ أوِ العَزِيزِ ومَن يَلِيهِ، و « عَتّى» بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ أيْ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْنَ واتَّفَقَ أنَّهُ أُدْخِلَ حِينَئِذٍ آخَرانِ مِن عَبِيدِ المَلِكِ شَرّابِيُّهُ وخَبّازُهُ لِلِاتِّهامِ بِأنَّهُما يُرِيدانِ أنْ يَسُمّاهُ.

﴿ قالَ أحَدُهُما ﴾ يَعْنِي الشَّرّابِيُّ.

﴿ إنِّي أرانِي ﴾ أيْ في المَنامِ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ أيْ عِنَبًا وسَمّاهُ خَمْرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ.

﴿ وَقالَ الآخَرُ ﴾ أيِ الخَبّازُ.

﴿ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴾ تَنْهَشُ مِنهُ.

﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، أوْ مِنَ العالِمِينَ وإنَّما قالا ذَلِكَ لِأنَّهُما رَأياهُ في السِّجْنِ يُذَكِّرُ النّاسَ ويُعَبِّرُ رُؤْياهم، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْنا إنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ٣٧ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٣٨

﴿ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ، أوْ بِتَأْوِيلِ الطَّعامِ يَعْنِي بَيانَ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّهُ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَهُما إلى التَّوْحِيدِ ويُرْشِدَهُما إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ قَبْلَ أنْ يُسْعِفَ إلى ما سَألاهُ مِنهُ كَما هو طَرِيقَةُ الأنْبِياءِ والنّازِلِينَ مَنازِلَهم مِنَ العُلَماءِ في الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدَّمَ ما يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ لِيَدُلَّهُما عَلى صِدْقِهِ في الدَّعْوَةِ والتَّعْبِيرِ.

﴿ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ.

﴿ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ بِالإلْهامِ والوَحْيِ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّكَهُّنِ أوِ التَّنْجِيمِ.

﴿ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ عَلَّمَنِي ذَلِكَ لِأنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ.

﴿ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِتَمْهِيدِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والوُثُوقِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ لِلْحامِلِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ حَتّى يُعْرَفَ فَيُقْتَبَسُ مِنهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ وتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ.

﴿ ما كانَ لَنا ﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ.

﴿ أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيِّ شَيْءٍ كانَ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ.

﴿ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ﴾ بِالوَحْيِ.

﴿ وَعَلى النّاسِ ﴾ وعَلى سائِرِ النّاسِ يَبْعَثُنا لِإرْشادِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.

﴿ لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذا الفَضْلَ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَتَنَبَّهُونَ، أوْ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ إلَيْها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها فَيُلْغُونَها كَمَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُها.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٤٠

﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾ أيْ يا ساكِنِيهِ، أوْ يا صاحِبَيَّ فِيهِ فَأضافَهُما إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ: يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ ﴾ شَتّى مُتَعَدِّدَةٌ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ.

﴿ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ.

﴿ القَهّارُ ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُعادِلُهُ ولا يُقاوِمُهُ غَيْرُهُ.

﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ.

﴿ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ إلّا أشْياءَ بِاعْتِبارِ أسامٍ أطْلَقْتُمْ عَلَيْها مِن غَيْرِ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مُسَمَّياتِها فِيها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا الأسْماءَ المُجَرَّدَةَ.

والمَعْنى أنَّكم سَمَّيْتُمْ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ الأُلُوهِيَّةَ عَقَلٌ ولا نَقْلٌ آلِهَةً، ثُمَّ أخَذْتُمْ تَعْبُدُونَها بِاعْتِبارِ ما تُطْلِقُونَ عَلَيْها.

﴿ إنِ الحُكْمُ ﴾ ما الحُكْمُ في أمْرِ العِبادَةِ.

﴿ إلا لِلَّهِ ﴾ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الواجِبُ لِذاتِهِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ.

﴿ أمَرَ ﴾ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ.

﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ.

﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ الحَقُّ وأنْتُمْ لا تُمَيِّزُونَ المُعْوَجَّ عَنِ القَوِيمِ، وهَذا مِنَ التَّدَرُّجِ في الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ لَهم أوَّلًا رُجْحانَ التَّوْحِيدِ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ عَلى طَرِيقِ الخَطابَةِ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلى أنَّ ما يُسَمُّونَها آلِهَةً ويَعْبُدُونَها لا تَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ إمّا بِالذّاتِ وإمّا بِالغَيْرِ وكِلا القَسَمَيْنِ مُنْتَفٍ عَنْها، ثُمَّ نَصَّ عَلى ما هو الحَقُّ القَوِيمُ والدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَقْتَضِي العَقْلُ غَيْرَهُ ولا يَرْتَضِي العِلْمُ دُونَهُ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَخْبُطُونَ في جَهالاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ٤١

﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما ﴾ يَعْنِي الشَّرابِيَّ.

﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ كَما كانَ يَسْقِيهِ قَبْلُ ويَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.

﴿ وَأمّا الآخَرُ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَبّازَ.

﴿ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ ﴾ فَقالا كَذَبَنا فَقالَ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ أيْ قُطِعَ الأمْرُ الَّذِي تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ، وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، فَإنَّهُما وإنِ اسْتَفْتَيا في أمْرَيْنِ لَكِنَّهُما أرادا اسْتِبانَةَ عاقِبَةِ ما نَزَلَ بِهِما.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ٤٢

﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما ﴾ الظّانُّ يُوسُفُ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ وإنْ ذَكَرَهُ عَنْ وحْيٍ فَهو النّاجِي إلّا أنْ يُؤَوَّلَ الظَّنُّ بِاليَقِينِ.

﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ اذْكُرْ حالِي عِنْدَ المَلِكِ كَيْ يُخَلِّصَنِي.

﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ فَأنْسى الشَّرّابِيَّ أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فَأضافَ إلَيْهِ المَصْدَرَ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ أوْ عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ أخْبارِ رَبِّهِ، أوْ أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ اللَّهِ حَتّى اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الخَمْسِ» .

والِاسْتِعانَةُ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ وإنْ كانَتْ مَحْمُودَةً في الجُمْلَةِ لَكِنَّها لا تَلِيقُ بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ.

﴿ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ مِنَ البِضْعِ وهو القَطْعُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ٤٣ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ ٤٤

﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُهُ رَأى المَلِكُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ مَهازِيلَ فابْتَلَعَتِ المَهازِيلُ السِّمانَ.

﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها.

﴿ وَأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أُدْرِكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضَرِ حَتّى غَلَبَتْ عَلَيْها، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ حالِها بِما قَصَّ مِن حالِ البَقَراتِ، وأجْرى السِّمانَ عَلى المُمَيَّزِ دُونَ المُمَيِّزِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بِها ووَصِفَ السَّبْعُ الثّانِي بِالعِجافِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِها مُجَرَّدًا عَنِ المَوْصُوفِ فَإنَّهُ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِياسُهُ عُجُفٌ لِأنَّهُ جَمْعُ عَجْفاءَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى سِمانٍ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ.

﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ عَبِّرُوها.

﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ إنْ كُنْتُمْ عالِمِينَ بِعِبارَةِ الرُّؤْيا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ إلى المَعانِي النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِثالُها مِنَ العُبُورِ وهي المُجاوَزَةُ، وعَبَّرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُّ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا واللّامُ لِلْبَيانِ أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَإنَّ الفِعْلَ لَمّا أُخِّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ ضَعُفَ فَقُوِّيَ بِاللّامِ كاسْمِ الفاعِلِ، أوْ لِتَضَمُّنِ ﴿ تَعْبُرُونَ ﴾ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِاللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا.

﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ أيْ هَذِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وهي تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحِزَمٍ فاسْتُعِيرَ لِلرُّؤْيا الكاذِبَةِ، وإنَّما جَمَعُوا لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ الحِلْمِ بِالبُطْلانِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، أوْ لِتَضَمُّنِهِ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً.

﴿ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ يُرِيدُونَ بِالأحْلامِ المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً أيْ لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدِنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ فَهو كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ ثانِيَةٌ لِلْعُذْرِ في جَهْلِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ٤٥ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ٤٦

﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما ﴾ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ وهو الشَّرّابِيُّ.

﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ وتَذَكَّرَ يُوسُفَ بَعْدَ جَماعَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُجْتَمِعَةٍ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً.

وقُرِئَ « إمَّةٍ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي النِّعْمَةُ أيْ بَعْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، و « أُمَّهْ» أيْ نِسْيانٍ يُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ ومَقُولُ القَوْلِ.

﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ أيْ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ أوْ إلى السِّجْنِ.

﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ ﴾ أيْ فَأرْسَلَ إلى يُوسُفَ فَجاءَهُ فَقالَ يا يُوسُفُ، وإنَّما وصَفَهُ بِالصِّدِّيقِ وهو المُبالِغُ في الصِّدْقِ لِأنَّهُ جَرَّبَ أحْوالَهُ وعَرَفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ.

﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ.

﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أعُودُ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إذْ قِيلَ إنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ.

﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ تَأْوِيلَها أوْ فَضْلَكَ ومَكانَكَ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ فِيهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ جازِمًا بِالرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ ولا يُعْلِمُهم.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ٤٧ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ٤٨ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ٤٩

﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ أيْ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى دائِبِينَ، أوِ المَصْدَرِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا.

وقَرَأ حَفْصٌ (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكِلاهُما مَصْدَرُ دَأبَ في العَمَلِ.

وقِيلَ تَزْرَعُونَ أمْرٌ أخْرَجَهُ في صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ ﴾ لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ، وهو عَلى الأوَّلِ نَصِيحَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العِبارَةِ.

﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ في تِلْكَ السِّنِينَ.

﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أيْ يَأْكُلُ أهْلَهُنَّ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَأُسْنِدَ إلَيْهِنَّ عَلى المَجازِ تَطْبِيقًا بَيْنَ المُعَبِّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ.

﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ تُحْرِزُونَ لِبُذُورِ الزِّراعَةِ.

﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ مِنَ الغَوْثِ.

﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ ما يُعْصَرُ كالعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِكَثْرَةِ الثِّمارِ.

وقِيلَ يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ المُسْتَفْتِي، وقُرِئَ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِن عَصَرَهُ إذا أنْجاهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ لِلْفاعِلِ مِنهُ أيْ يُغِيثُهُمُ اللَّهُ ويُغِيثُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ فَعُدِّيَ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَطَرِ.

وَهَذِهِ بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها بَعْدَ أنْ أوَّلَ البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، وابْتِلاعَ العِجافِ السِّمانَ بِأكْلِ ما جُمِعَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ، ولَعَلَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ أوْ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ بِالخِصْبِ، أوْ بِأنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ ٥٠

﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ﴾ بَعْدَ ما جاءَهُ الرَّسُولُ بِالتَّعْبِيرِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ لِيُخْرِجَهُ.

﴿ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ إنَّما تَأنّى في الخُرُوجِ وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ وفَحْصَ حالِهِنَّ لِتَظْهَرَ بَراءَةُ ساحَتِهِ ويُعْلَمَ أنَّهُ سُجِنَ ظُلْمًا فَلا يَقْدِرُ الحاسِدُ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَهَدَ في نَفْيِ التُّهَمِ ويُتَّقى مَواقِعُها.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «لَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ» وإنَّما قالَ ﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ ﴾ ولَمْ يَقُلْ فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ حالِهِنَّ تَهْيِيجًا لَهُ عَلى البَحْثِ وتَحْقِيقِ الحالِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِسَيِّدَتِهِ مَعَ ما صَنَعَتْ بِهِ كَرَمًا ومُراعاةً لِلْأدَبِ وقُرِئَ « النُّسْوَةِ» بِضَمِّ النُّونِ.

﴿ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ حِينَ قُلْنَ لِي أطِعْ مَوْلاتَكَ، وفِيهِ تَعْظِيمُ كَيْدِهِنَّ والِاسْتِشْهادُ بِعِلْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قُذِفَ بِهِ والوَعِيدُ لَهُنَّ عَلى كَيْدِهِنَّ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٥١ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ٥٢

﴿ قالَ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ قالَ المَلِكُ لَهُنَّ ما شَأْنُكُنَّ والخَطْبُ أمْرٌ يَحِقُّ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ صاحِبُهُ.

﴿ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ وتَعَجَّبٌ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ.

﴿ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ مِن ذَنْبٍ.

﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ قالَ: فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ.

.

.

وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما أوْ ظَهَرَ مِن حَصَّ شَعْرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشْرَةُ رَأْسِهِ.

وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ قالَهُ يُوسُفُ لَمّا عادَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ.

﴿ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ بِظَهْرِ الغَيْبِ وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي أوْ ظَرْفٌ أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الفِعْلَ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِراعِيلَ في خِيانَتِها زَوْجَها وتَوْكِيدٌ لِأمانَتِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥٣

﴿ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ أيْ لا أُنَزِّهُها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ والعُجْبَ بِحالِهِ، بَلْ إظْهارُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ ولا حِينَ هَمَمْتَ فَقالَ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّها بِالطَّبْعِ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ فَتَهُمُّ بِها، وتَسْتَعْمِلُ القُوى والجَوارِحُ في أثَرِها كُلَّ الأوْقاتِ.

﴿ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي، أوْ إلّا ما رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَهُ مِن ذَلِكَ.

وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ.

وقِيلَ الآيَةُ حِكايَةُ قَوْلِ راعِيلَ والمُسْتَثْنى نَفْسُ يُوسُفَ وأضْرابِهِ.

وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ (بِالسُّوِّ) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا ثُمَّ الإدْغامِ.

﴿ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَغْفِرُ هَمَّ النَّفْسِ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالعِصْمَةِ أوْ يَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِ لِذَنْبِهِ المُعْتَرِفِ عَلى نَفْسِهِ ويَرْحَمُهُ ما اسْتَغْفَرَهُ واسْتَرْحَمَهُ مِمّا ارْتَكَبَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ ٥٤

﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي.

﴿ فَلَمّا كَلَّمَهُ ﴾ أيْ فَلَمّا أتَوْا بِهِ فَكَلَّمَهُ وشاهَدَ مِنهُ الرُّشْدَ والدَّهاءَ.

﴿ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ.

﴿ أمِينٌ ﴾ مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرِيَّةِ فَقالَ المَلِكُ: ما هَذا اللِّسانُ قالَ: لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَعْرِفُ سَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ فَقالَ: أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ، فَحَكاها ونَعَتَ لَهُ البَقَراتِ والسَّنابِلَ وأماكِنَها عَلى ما رَآها فَأجْلَسَهُ عَلى السَّرِيرِ وفَوَّضَ إلَيْهِ أمْرَهُ.

وَقِيلَ تُوُفِّيَ قِطْفِيرُ في تِلْكَ اللَّيالِي فَنَصَّبَهُ مَنصِبَهُ وزَوَّجَ مِنهُ راعِيلَ فَوَجَدَها عَذْراءَ ووُلِدَ لَهُ مِنها أفْرائِيمُ ومِيشا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ ٥٥ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٥٧

﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ ولِّنِي أمْرَها والأرْضُ أرْضُ مِصْرَ.

﴿ إنِّي حَفِيظٌ ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في أمْرِهِ لا مَحالَةَ آثَرَ ما تَعُمُّ فَوائِدُهُ وتُجِلُّ عَوائِدُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَها والتَّوَلِّي مِن يَدِ الكافِرِ إذا عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إقامَةِ الحَقِّ وسِياسَةِ الخَلْقِ إلّا بِالِاسْتِظْهارِ بِهِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ.

﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ في أرْضِ مِصْرَ.

﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ يَنْزِلُ مِن بِلادِها حَيْثُ يَهْوى وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « نَشاءُ» بِالنُّونِ.

﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا.

﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الشِّرْكَ والفَواحِشَ لِعَظَمِهِ ودَوامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨

﴿ وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ ﴾ رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا اسْتَوْزَرَهُ المَلِكُ أقامَ العَدْلَ واجْتَهَدَ في تَكْثِيرِ الزِّراعاتِ وضَبْطِ الغَلّاتِ، حَتّى دَخَلَتِ السُّنُونُ المُجْدِبَةُ وعَمَّ القَحْطُ مِصْرَ والشَّأْمَ ونَواحِيَهُما، وتَوَجَّهَ إلَيْهِ النّاسُ فَباعَها أوَّلًا بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ ثُمَّ بِالدَّوابِّ ثُمَّ بِالضِّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا ثُمَّ عَرَضَ الأمْرَ عَلى المَلِكِ فَقالَ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ فَأعْتَقَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ أمْوالَهم، وكانَ قَدْ أصابَ كَنْعانَ ما أصابَ سائِرَ البِلادِ فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ- غَيْرَ بِنْيامِينَ- إلَيْهِ لِلْمِيرَةِ.

﴿ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ أيْ عَرَفَهم يُوسُفُ ولَمْ يَعْرِفُوهُ لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِمْ إيّاهُ في سِنِّ الحَداثَةِ ونِسْيانِهِمْ إيّاهُ، وتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ وبَعْدَ حالِهِ الَّتِي رَأوْهُ عَلَيْها مِن حالِهِ حِينَ فارَقُوهُ وقِلَّةِ تَأمُّلِهِمْ في حِلاهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ٥٩ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ٦٠ قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ ٦١

﴿ وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ أصْلَحَهم بِعِدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ، والجَهازُ ما يُعَدُّ مِنَ الأمْتِعَةِ لِلنَّقْلَةِ كَعُدَدِ السَّفَرِ وما يُحْمَلُ مِن بَلْدَةٍ إلى أُخْرى وما تُزَفُّ بِهِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها وقُرِئَ « بِجِهازِهِمْ» بِالكَسْرِ.

﴿ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ رُوِيَ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالَ: مَن أنْتُمْ وما أمْرُكم لَعَلَّكم عُيُونٌ ؟

قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ إنَّما نَحْنُ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ صِدِّيقٌ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ كَمْ أنْتُمْ ؟

قالُوا كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أحَدُنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، قالَ: فَكَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا عَشَرَةٌ، قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ ؟

قالُوا: عِنْدَ أبِينا يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ، قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم.

قالُوا: لا يَعْرِفُنا أحَدٌ ها هُنا فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتْ شَمْعُونَ.

وقِيلَ كانَ يُوسُفُ يُعْطِي لِكُلِّ نَفَرٍ حِمْلًا فَسَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا لِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ فَأعْطاهم وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِيَعْلَمَ صِدْقَهم.

﴿ ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ ﴾ أُتِمُّهُ.

﴿ وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ لِلضَّيْفِ والمُضِيفِينَ لَهم وكانَ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم.

﴿ فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ ﴾ أيْ ولا تَقْرَبُونِي ولا تَدْخُلُوا دِيارِي، وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى الجَزاءِ.

﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ سَنَجْتَهِدُ في طَلَبِهِ مِن أبِيهِ.

﴿ وَإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ ذَلِكَ لا نَتَوانى فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٦٢

﴿ وَقالَ لِفِتْيانِهِ ﴾ لِغِلْمانِهِ الكَيّالِينَ جَمْعُ فَتًى.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ لِفِتْيانِهِ ﴾ عَلى أنَّهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ لِيُوافِقَ قَوْلَهُ: ﴿ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ ﴾ فَإنَّهُ وكَلَ بِكُلِّ رَحْلٍ واحِدًا يُعَبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي شَرَوْا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدُمًا وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ تَوْسِيعًا وتَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وتَرَفُّعًا مِن أنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ الطَّعامِ مِنهم، وخَوْفًا مِن أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ.

﴿ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها ﴾ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها.

أوْ لِكَيْ يَعْرِفُوها.

﴿ إذا انْقَلَبُوا ﴾ انْصَرَفُوا ورَجَعُوا.

﴿ إلى أهْلِهِمْ ﴾ وفَتَحُوا أوْعِيَتَهم.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ لَعَلَّ مَعْرِفَتَهم ذَلِكَ تَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ٦٣ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤

﴿ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ ﴾ حُكِمَ بِمَنعِهِ بَعْدَ هَذا إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِبِنْيامِينَ.

﴿ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ ﴾ نَرْفَعِ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ ونَكْتَلْ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى الأخِ أيْ يَكْتَلْ لِنَفْسِهِ فَيَنْضَمُّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا.

﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.

﴿ قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ في يُوسُفَ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ .

﴿ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا ﴾ فَأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأُفَوِّضُ أمْرِي إلَيْهِ، وانْتِصابُ « حِفْظًا» عَلى التَّمْيِيزِ و ﴿ حافِظًا ﴾ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ يَحْتَمِلُهُ والحالُ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا، وقُرِئَ « خَيْرُ حافِظٍ» و « خَيْرُ الحافِظِينَ» .

﴿ وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعُ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ٦٥

﴿ وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ ﴾ وقُرِئَ « رِدَّتْ» بِنَقْلِ كَسْرَةِ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ نَقْلَها في بِيعَ وقِيلَ.

﴿ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي ﴾ ماذا نَطْلُبُ هَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى ذَلِكَ أكْرَمَنا وأحْسَنَ مَثْوانا وباعَ مِنّا ورَدَّ عَلَيْنا مَتاعَنا.

أوْ لا نَطْلُبُ وراءَ ذَلِكَ إحْسانًا أوْ لا نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَزِيدُ فِيما حَكَيْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ.

وَقُرِئَ « ما تَبْغِي» عَلى الخِطابِ أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُ وراءَ هَذا مِنَ الإحْسانِ، أوْ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِنا ؟

﴿ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِقَوْلِهِ ﴿ ما نَبْغِي ﴾ .

﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ رُدَّتْ إلَيْنا فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا بِالرُّجُوعِ إلى المَلِكِ.

﴿ وَنَحْفَظُ أخانا ﴾ عَنِ المَخاوِفِ في ذَهابِنا وإيابِنا.

﴿ وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ وسْقَ بَعِيرٍ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، هَذا إذا كانَتْ ﴿ ما ﴾ اسْتِفْهامِيَّةً فَأمّا إذا كانَتْ نافِيَةً احْتَمَلَ ذَلِكَ واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمَلُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ ، أيْ لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ ﴿ وَنَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ﴾ .

﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ أيْ مَكِيلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، اسْتَقَلُّوا ما كِيلَ لَهم فَأرادُوا أنْ يُضاعِفُوهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَلِكِ ويَزْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كَيْلِ بَعِيرٍ أيْ ذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ المَلِكُ ولا يَتَعاظَمُهُ، وقِيلَ إنَّهُ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ ومَعْناهُ، إنَّ حِمْلَ بِعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ ٦٦

﴿ قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ ﴾ إذْ رَأيْتُ مِنكم ما رَأيْتُ.

﴿ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ حَتّى تُعْطُونِي ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ عَهْدًا مُؤَكَّدًا بِذِكْرِ اللَّهِ.

﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ جَوابُ القَسَمِ إذِ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.

﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلا تُطِيقُوا ذَلِكَ أوْ إلّا أنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكم، أوْ مِن أعَمِّ العِلَلِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، في تَأْوِيلِ النَّفْيِ أيْ لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ إلّا لِلْإحاطَةِ بِكم كَقَوْلِهِمْ: أقْسَمْتُ بِاللَّهِ إلّا فَعَلْتُ، أيْ ما أطْلُبُ إلّا فِعْلَكَ.

﴿ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾ عَهْدَهم.

﴿ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ ﴾ مِن طَلَبِ المُوَثَّقِ وإتْيانِهِ.

﴿ وَكِيلٌ ﴾ رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ٦٧ وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٦٨

﴿ وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ لِأنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وأُبَّهَةٍ مُشْتَهِرِينَ في مِصْرَ بِالقُرْبَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا، ولَعَلَّهُ لَمْ يُوصِهِمْ بِذَلِكَ في الكَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ حِينَئِذٍ، أوْ كانَ الدّاعِي إلَيْها خَوْفَهُ عَلى بِنْيامِينَ.

ولِلنَّفْسِ آثارٌ مِنها العَيْنُ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَوْذَتِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .

﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا قَضى عَلَيْكم بِما أشَرْتُ بِهِ إلَيْكم فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ.

﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ يُصِيبُكم لا مَحالَةَ إنْ قَضى عَلَيْكم سُوءًا ولا يَنْفَعُكم ذَلِكَ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لَتَقَدُّمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ كَأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ والفاءَ لِإفادَةِ التَّسَبُّبِ، فَإنَّ فِعْلَ الأنْبِياءِ سَبَبٌ لِأنَّ يُقْتَدى بِهِمْ.

﴿ وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ ﴾ أيْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ في البَلَدِ.

﴿ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ رَأْيُ يَعْقُوبَ واتِّباعُهم لَهُ.

﴿ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَسُرِقُوا وأُخِذَ بِنْيامِينُ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعَفَتِ المُصِيبَةُ عَلى يَعْقُوبَ.

﴿ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ حاجَةً في نَفْسِهِ، يَعْنِي شَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ وحَرازَتَهُ مِن أنْ يُعانُوا.

﴿ قَضاها ﴾ أظْهَرَها ووَصّى بِها.

﴿ وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الحُجَجِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ولَمْ يَغْتَرَّ بِتَدْبِيرِهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ سِرَّ القَدَرِ وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٦٩

﴿ وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ ﴾ ضَمَّ إلَيْهِ بِنْيامِينَ عَلى الطَّعامِ أوْ في المَنزِلِ رُوِيَ: أنَّهُ أضافَهم فَأجْلَسَهم مَثْنى مَثْنى فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحِيدًا فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَجَلَسَ مَعِي، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ ثُمَّ قالَ: لِيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي فَباتَ عِنْدَهُ وقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ، قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ و ﴿ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ ﴾ فَلا تَحْزَنْ.

افْتِعالٌ مِنَ البُؤْسِ.

﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ في حَقِّنا فِيما مَضى.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ ٧٠ قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ٧١

﴿ فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ ﴾ المَشْرَبَةَ.

﴿ فِي رَحْلِ أخِيهِ ﴾ قِيلَ كانَتْ مَشْرَبَةً جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ وقِيلَ.

كانَتْ تُسْقى الدَّوابُّ بِها ويُكالُ بِها وكانَتْ مِن فِضَّةٍ.

وقِيلَ مِن ذَهَبٍ وقُرِئَ « وجُعِلَ» عَلى حَذْفِ جَوابِ فَلَمّا تَقْدِيرُهُ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا.

﴿ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ نادى مُنادٍ.

﴿ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ ﴾ لَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْهُ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كانَ تَعْبِيَةُ السِّقايَةِ والنِّداءُ عَلَيْها بِرِضا بِنْيامِينَ.

وقِيلَ مَعْناهُ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ أوْ أإنَّكم لَسارِقُونَ، والعِيرُ القافِلَةُ وهو اسْمُ الإبِلِ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَتَرَدَّدُ، فَقِيلَ لِأصْحابِها كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» .

وَقِيلَ جَمْعُ عِيرٍ وأصْلُهُ فَعَلَ كَسَقَفَ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبَيَضَ تَجُوزُ بِهِ لِقافِلَةِ الحَمِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ قافِلَةٍ.

﴿ قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ ﴾ أيُّ شَيْءٍ ضاعَ مِنكم ؟

والفَقْدُ: غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنِ الحِسِّ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ مَكانَهُ، وقُرِئَ « تَفْقِدُونَ» مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ فَقِيدًا.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ ٧٢ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ ٧٣

﴿ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ﴾ وقُرِئَ « صاعَ» و « صَوْعَ» بِالفَتْحِ والضَّمِّ والعَيْنِ والغَيْنِ و « صُواغَ» مِنَ الصِّياغَةِ.

﴿ وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ﴾ مِنَ الطَّعامِ جُعْلًا لَهُ.

﴿ وَأنا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى مَن رَدَّهُ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الجَعالَةِ وضَمانِ الجُعْلِ قَبْلَ تَمامِ العَمَلِ.

﴿ قالُوا تاللَّهِ ﴾ قَسَمٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، التّاءُ بَدَلٌ مِنَ الباءِ مُخْتَصَّةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ ﴾ اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ عَلى بَراءَةِ أنْفُسِهِمْ لَمّا عَرَفُوا مِنهم في كَرَّتَيْ مَجِيئِهِمْ ومُداخَلَتِهِمْ لِلْمَلِكِ مِمّا يَدُلُّ عَلى فَرْطِ أمانَتِهِمْ كَرَدِّ البِضاعَةِ الَّتِي جُعِلَتْ في رِحالِهِمْ وكَعْمِ الدَّوابِّ لِئَلّا تَتَناوَلَ زَرْعًا أوْ طَعامًا لِأحَدٍ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ ٧٤ قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ٧٥

﴿ قالُوا فَما جَزاؤُهُ ﴾ فَما جَزاءُ السّارِقِ أوِ السَّرْقِ أوِ الـ ﴿ صُواعَ ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ﴾ في ادِّعاءِ البَراءَةِ.

﴿ قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَتِهِ أُخِذَ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ واسْتِرْقاقِهِ، هَكَذا كانَ شَرْعُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَوْلُهُ ﴿ فَهُوَ جَزاؤُهُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْحَكَمِ وإلْزامٌ لَهُ، أوْ خَبَرُ ﴿ مَن ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ أوْ جَوابٌ لَها عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ.

والجُمْلَةُ كَما هي خَبَرُ ﴿ جَزاؤُهُ ﴾ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهو هو.

﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ بِالسَّرِقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ ٧٦

﴿ فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ ﴾ فَبَدَأ المُؤَذِّنُ.

وقِيلَ يُوسُفُ لِأنَّهم رُدُّوا إلى مِصْرَ.

﴿ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ بِنْيامِينَ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ.

﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها ﴾ أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

﴿ مِن وِعاءِ أخِيهِ ﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ وبِقَلْبِها هَمْزَةً.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ.

﴿ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ بِأنْ عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا بِهِ إلَيْهِ.

﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ مَلِكِ مِصْرَ لِأنَّ دِينَهُ الضَّرْبُ وتَغْرِيمُ ضَعْفِ ما أخَذَ دُونَ الِاسْتِرْقاقِ وهو بَيانٌ لِلْكَيْدِ.

﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمَ المَلِكِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ أخْذَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ.

﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ بِالعِلْمِ كَما رَفَعْنا دَرَجَتَهُ.

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ إذْ لَوْ كانَ ذا عِلْمٍ لَكانَ فَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

والجَوابُ أنَّ المُرادَ كُلُّ ذِي عِلْمٍ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولِأنَّ العَلِيمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْناهُ الَّذِي لَهُ العِلْمُ البالِغُ لُغَةً ولِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِنا فَوْقَ كُلِّ العُلَماءِ عَلِيمٌ وهو مَخْصُوصٌ.

<div class="verse-tafsir"

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧

﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ ﴾ بِنْيامِينُ.

﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.

قِيلَ ورِثَتْ عَمَّتُهُ مِن أبِيها مِنطَقَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ، فَلَمّا شَبَّ أرادَ يَعْقُوبُ انْتِزاعَهُ مِنها فَشَدَّتِ المِنطَقَةَ عَلى وسَطِهِ، ثُمَّ أظْهَرَتْ ضَياعَها فَتَفَحَّصَ عَنْها فَوُجِدَتْ مَحْزُومَةً عَلَيْهِ فَصارَتْ أحَقَّ بِهِ في حُكْمِهِمْ.

وقِيلَ كانَ لِأبِي أُمِّهِ صَنَمٌ فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ وألْقاهُ في الجِيَفِ.

وقِيلَ كانَ في البَيْتِ عَناقٌ أوْ دَجاجَةٌ فَأعْطاها السّائِلَ.

وقِيلَ دَخَلَ كَنِيسَةً وأخَذَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِنَ الذَّهَبِ.

﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ ﴾ أكَنَّها ولَمْ يُظْهِرْها لَهم، والضَّمِيرُ لِلْإجابَةِ أوِ المَقالَةِ أوْ نِسْبَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِ وقِيلَ إنَّها كِنايَةٌ بِشَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُفَسِّرُها قَوْلُهُ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن أسَرَّها.

والمَعْنى قالَ في نَفْسِهِ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا أيْ مَنزِلَةً في السَّرِقَةِ لِسَرِقَتِكم أخاكم، أوْ في سُوءِ الصَّنِيعِ مِمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، وتَأْنِيثُها بِاعْتِبارِ الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ المُفَسَّرُ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ وهو يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٧٨ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَـٰلِمُونَ ٧٩

﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾ أيْ في السِّنِّ أوِ القَدْرِ، ذَكَرُوا لَهُ حالَهُ اسْتِعْطافًا لَهُ عَلَيْهِ.

﴿ فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ ﴾ بَدَلَهُ فَإنَّ أباهُ ثَكْلانُ عَلى أخِيهِ الهالِكِ مُسْتَأْنِسٌ بِهِ.

﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ إلَيْنا فَأتْمِمْ إحْسانَكَ، أوْ مِنَ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ فَلا تُغَيِّرْ عادَتَكَ.

﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ﴾ فَإنَّ أخْذَ غَيْرِهِ ظُلْمٌ عَلى فَتْواكم فَلَوْ أخَذْنا أحَدَكم مَكانَهُ.

﴿ إنّا إذًا لَظالِمُونَ ﴾ في مَذْهَبِكم هَذا، وإنَّ مُرادَهُ أنَّ اللَّهَ أذِنَ في أخْذِ مَن وجَدْنا الصّاعَ في رَحْلِهِ لِمَصْلَحَتِهِ ورِضاهُ عَلَيْهِ فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ٨٠

﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ إيّاهم، وزِيادَةُ السِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ خَلَصُوا ﴾ انْفَرَدُوا واعْتَزَلُوا.

﴿ نَجِيًّا ﴾ مُتَناجِينَ، وإنَّما وحَّدَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ بِزِنَتِهِ كَما قِيلَ هو صِدِّيقٌ، وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ كَنَدِيٍّ وأنْدِيَةٍ.

﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، أوْ في الرَّأْيِ وهو شَمْعُونُ وقِيلَ يَهُوذا.

﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ عَهْدًا وثِيقًا، وأنَّما جَعَلَ حَلِفَهم بِاللَّهِ مَوْثِقًا مِنهُ لِأنَّهُ بِإذْنٍ مِنهُ وتَأْكِيدٍ مِن جِهَتِهِ.

﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ ومِن قَبْلِ هَذا.

﴿ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، و ﴿ ما ﴾ مَزِيدَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ تَعْلَمُوا، ولا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، أوْ عَلى اسْمِ ﴿ أنَّ ﴾ وخَبَرُهُ في ﴿ يُوسُفَ ﴾ أوْ (مِن قَبْلُ) أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ (مِن قَبْلُ) وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ ﴿ قَبْلُ ﴾ إذا كانَ خَبَرًا أوْ صِلَةً لا يُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ حَتّى لا يَنْقُصَ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ: ما فَرَّطْتُمُوهُ بِمَعْنى ما قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّهِ مِنَ الجِنايَةِ ومَحَلُّهُ ما تَقَدَّمَ.

﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ.

﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي ﴾ في الرُّجُوعِ.

﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ﴾ أوْ يَقْضِيَ لِي بِالخُرُوجِ مِنها، أوْ بِخَلاصِ أخِي مِنهم أوْ بِالمُقاتَلَةِ مَعَهم لِتَخْلِيصِهِ.

رُوِيَ: أنَّهم كَلَّمُوا العَزِيزَ في إطْلاقِهِ فَقالَ رُوبِيلُ: أيُّها المَلِكُ واللَّهِ لَتَتْرُكْنا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً تَضَعُ مِنها الحَوامِلُ، ووَقَفَتْ شُعُورُ جَسَدِهِ فَخَرَجَتْ مِن ثِيابِهِ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِهِ: قُمْ إلى جَنْبِهِ فَمِسَّهُ، وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا غَضِبَ أحَدُهم فَمَسَّهُ الآخَرُ ذَهَبَ غَضَبُهُ.

فَقالَ رُوبِيلُ مَن هَذا إنَّ في هَذا البَلَدِ لَبَزْرًا مَن بَزْرِ يَعْقُوبَ.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ لِأنَّ حُكْمَهُ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ ٨١ وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ٨٢

﴿ ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ عَلى ما شاهَدْناهُ مِن ظاهِرِ الأمْرِ.

وقُرِئَ « سُرِّقَ» أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ.

﴿ وَما شَهِدْنا ﴾ عَلَيْهِ.

﴿ إلا بِما عَلِمْنا ﴾ بِأنْ رَأيْنا أنَّ الصُّواعَ اسْتُخْرِجَ مِن وِعائِهِ.

﴿ وَما كُنّا لِلْغَيْبِ ﴾ لِباطِنِ الحالِ.

﴿ حافِظِينَ ﴾ فَلا نَدْرِي أنَّهُ سَرَقَ أوْ سِرِّقَ ودُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ، أوْ وما كُنّا لِلْعَواقِبِ عالِمِينَ فَلَمْ نَدْرِ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ أنَّهُ سَيَسْرِقُ، أوْ أنَّكَ تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ.

﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ أوْ قَرْيَةً بِقُرْبِها لَحِقَهُمُ المُنادِي فِيها، والمَعْنى أرْسِلْ إلى أهْلِها واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ.

﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ وأصْحابَ العِيرِ الَّتِي تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم.

﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٨٣ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ ٨٤

﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ أيْ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهم قالَ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وسَهَّلَتْ.

﴿ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أرَدْتُمُوهُ فَقَدَّرْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى المَلِكَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ.

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ.

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ بِيُوسُفَ وبِنْيامِينَ وأخِيهِما الَّذِي تَوَقَّفَ بِمِصْرَ.

﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِحالِي وحالِهِمْ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ في تَدْبِيرِهِما.

﴿ وَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ وأعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما صادَفَ مِنهم.

﴿ وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ أيْ يا أسَفًا تَعالَ فَهَذا أوانُكَ، والأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ أخَوَيْهِ والحادِثُ رُزْؤُهُما لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ المُصِيباتِ وكانَ غَضًّا آخِذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ، ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما دُونَ حَياتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  » .

ألا تَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ﴿ يا أسَفى ﴾ .

﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ مِنَ الحُزْنِ كَأنَّ العَبْرَةَ مَحَقَتْ سَوادَهُما.

وقِيلَ ضَعُفَ بَصَرُهُ.

وقِيلَ عَمِيَ، وقُرِئَ « مِنَ الحَزَنِ» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ التَّفَجُّعِ، ولَعَلَّ أمْثالَ ذَلِكَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ  عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: «القَلْبُ يَجْزَعُ والعَيْنُ تَدْمَعُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنَّما عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .

﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلْئِهِ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ مِن كَظَمَ الغَيْظَ إذا اجْتَرَعَهُ، وأصْلُهُ كَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ ٨٥

﴿ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ أيْ لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ تَذْكُرُهُ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ، فَحَذَفَ لا كَما في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ بِالإثْباتِ، فَإنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلاماتُ الإثْباتِ كانَ عَلى النَّفْيِ.

﴿ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ.

وقِيلَ الحَرَضُ الَّذِي أذابَهُ هَمٌّ أوْ مَرَضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ ولا يُجْمَعُ والنَّعْتُ بِالكَسْرِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ.

وقَدْ قُرِئَ بِهِ وبِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ.

﴿ أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ مِنَ المَيِّتِينَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨٦ يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨٧

﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي ﴾ هَمِّي الَّذِي لا أقْدِرُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ مِنَ البَثِّ بِمَعْنى النَّشْرِ.

﴿ إلى اللَّهِ ﴾ لا إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكم، فَخَلُّونِي وشِكايَتِي.

﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُخَيِّبُ داعِيَهُ ولا يَدْعُ المُلْتَجِئَ إلَيْهِ، أوْ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ مِنَ الإلْهامِ.

﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ.

قِيلَ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَقالَ هو حَيٌّ.

وقِيلَ عَلِمَ مِن رُؤْيا يُوسُفَ أنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَخِرَّ لَهُ إخْوَتُهُ سُجَّدًا.

﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ فَتَعَرَّفُوا مِنهُما وتَفَحَّصُوا عَنْ حالِهِما والتَّحَسُّسُ تَطَلُّبُ الإحْساسِ: ﴿ وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ ولا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.

وقُرِئَ « مِن رُوحِ اللَّهِ» أيْ مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي يُحْيِي بِها العِبادَ.

﴿ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ المُؤْمِنَ لا يَقْنَطُ مَن رَحْمَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ رَجْعَةً ثانِيَةً.

﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ شِدَّةُ الجُوعِ.

﴿ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ رَدِيئَةٍ أوْ قَلِيلَةٍ تُرَدُّ وتُدْفَعُ رَغْبَةً عَنْها، مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ ومِنهُ تَزْجِيَةُ الزَّمانِ.

قِيلَ كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا وقِيلَ صُوفًا وسَمْنًا.

وقِيلَ الصَّنَوْبَرُ والحَبَّةُ الخَضْراءُ.

وقِيلَ الأقْطُ وسَوِيقُ المَقْلِ.

﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ فَأتْمِمْ لَنا الكَيْلَ.

﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ بِرَدِّ أخِينا أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.

واخْتُلِفَ في أنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ تَعُمُّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ تَخْتَصُّ بِنَبِيِّنا  .

﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ أحْسَنَ الجَزاءِ والتَّصَدُّقُ التَّفَضُّلُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في القَصْرِ «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .

لَكِنَّهُ اخْتُصَّ عُرْفًا بِما يُبْتَغى بِهِ ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ ٨٩

﴿ قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ أيْ هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ عَنْهُ وفِعْلُهم بِأخِيهِ إفْرادُهُ عَنْ يُوسُفَ وإذْلالُهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ.

﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ قُبْحَهُ فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ أوْ عاقَبْتَهُ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ تَنْصِيحًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ، وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ لِما رَأى مِن عَجْزِهِمْ وتَمَسْكُنِهِمْ لا مُعاتَبَةً وتَثْرِيبًا.

وقِيلَ أعْطَوْهُ كِتابَ يَعْقُوبَ في تَخْلِيصِ بِنْيامِينَ وذَكَرُوا لَهُ ما هو فِيهِ مِنَ الحُزْنِ عَلى فَقْدِ يُوسُفَ وأخِيهِ فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وإنَّما جَهَّلَهم لِأنَّ فِعْلَهم كانَ فِعْلَ الجُهّالِ، أوْ لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ صِبْيانًا طَيّاشِينَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٩٠ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ ٩١

﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ حُقِّقَ بِأنَّ ودُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى الإيجابِ.

قِيلَ عَرَفُوهُ بِرَوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِهِ، وقِيلَ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ.

وقِيلَ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَرَأوْا عَلامَةً بِقَرْنِهِ تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ وكانَتْ لِسارَّةَ ويَعْقُوبَ مِثْلُها.

﴿ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ مِن أبِي وأُمِّي ذَكَرَهُ تَعْرِيفًا لِنَفْسِهِ بِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وإدْخالًا لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيْ بِالسَّلامَةِ والكَرامَةِ.

﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ﴾ أيْ يَتَّقِ اللَّهَ.

﴿ وَيَصْبِرْ ﴾ عَلى البَلِيّاتِ أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ وضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُحْسِنَ مَن جَمَعَ بَيْنَ التَّقْوى والصَّبْرِ.

﴿ قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ اخْتارَكَ عَلَيْنا بِحُسْنِ الصُّورَةِ وكَمالِ السِّيرَةِ.

﴿ وَإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ والحالُ أنَّ شَأْنَنا إنّا كُنّا مُذْنِبِينَ بِما فَعَلْنا مَعَكَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢ ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ٩٣

﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ لا تَأْنِيبَ عَلَيْكم تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي يَغْشى الكِرْشَ لِلْإزالَةِ كالتَّجْلِيدِ، فاسْتُعِيرَ لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ العِرْضَ ويُذْهِبُ ماءَ الوَجْهِ.

﴿ اليَوْمَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالـ ﴿ تَثْرِيبَ ﴾ أوْ بِالمُقَدَّرِ لِلْجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِـ ﴿ لا تَثْرِيبَ ﴾ والمَعْنى لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ الَّذِي هو مَظِنَّتُهُ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامِ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ لِأنَّهُ صَفَحَ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ واعْتَرَفُوا بِها.

﴿ وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَإنَّهُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ وقالُوا: إنَّكَ تَدْعُونا بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ إلى الطَّعامِ ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ لِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ، فَقالَ إنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكم وعَظُمْتُ في عُيُونِهِمْ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا ﴾ القَمِيصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ.

وقِيلَ القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذِ.

﴿ فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ أيْ يَرْجِعُ بَصِيرًا أيْ ذا بَصَرٍ.

﴿ وَأْتُونِي ﴾ أنْتُمْ وأبِي.

﴿ بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ بِنِسائِكم وذَرارِيكم ومُوالِيكم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ٩٥

﴿ وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ ﴾ مِن مِصْرَ وخَرَجَتْ مِن عُمْرانِها.

﴿ قالَ أبُوهُمْ ﴾ لِمَن حَضَرَهُ.

﴿ إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ أوْجَدَهُ اللَّهُ رِيحَ ما عَبَقَ بِقَمِيصِهِ مِن رِيحِهِ حِينَ أقْبَلَ بِهِ إلَيْهِ يَهُوذا مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا.

﴿ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ تَنْسِبُونِي إلى الفَنَدِ وهو نُقْصانُ عَقْلٍ يَحْدُثُ مِن هِرَمٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأنَّ نُقْصانَ عَقْلِها ذاتِيٌّ.

وجَوابُ ﴿ لَوْلا ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَصَدَّقْتُمُونِي أوْ لَقُلْتُ إنَّهُ قَرِيبٌ.

﴿ قالُوا ﴾ أيِ الحاضِرُونَ.

﴿ تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ ﴾ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا بِالإفْراطِ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وإكْثارِ ذِكْرِهِ والتَّوَقُّعِ لِلِقائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٩٦

﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ يَهُوذا.

رُوِيَ: أنَّهُ قالَ كَما أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ قَمِيصِهِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ فَأُفْرِحُهُ بِحَمْلِ هَذا إلَيْهِ.

﴿ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ﴾ طَرَحَ البَشِيرُ القَمِيصَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ.

﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ عادَ بَصِيرًا لِما انْتَعَشَ فِيهِ مِنَ القُوَّةِ.

﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْزالِ الفَرَحِ.

وقِيلَ ﴿ إنِّي أعْلَمُ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ والمَقُولُ (لا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ)، أوْ ﴿ إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ٩٧ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ ومِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يَصْفَحَ عَنْهُ ويَسْألَهُ المَغْفِرَةَ.

﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ أخَّرَهُ إلى السَّحَرِ أوْ إلى صَلاةِ اللَّيْلِ أوْ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ تَحَرِّيًا لِوَقْتِ الإجابَةِ، أوْ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَفا عَنْهم فَإنَّ عَفْوَ المَظْلُومِ شَرْطُ المَغْفِرَةِ.

ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ: أنَّهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ، وهو إنْ صَحَّ فَدَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِمْ، وأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم كانَ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ رَواحِلَ وأمْوالًا لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، واسْتَقْبَلَهُ يُوسُفُ والمَلِكُ بِأهْلِ مِصْرَ وكانَ أوْلادُهُ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُ مِصْرَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا وامْرَأةً، وكانُوا حِينَ خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةٍ وبِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا سِوى الذُّرِّيَّةِ والهَرْمى.

﴿ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ ﴾ ضَمَّ إلَيْهِ أباهُ وخالَتَهُ واعْتَنَقَهُما نَزَّلَها مَنزِلَةَ الأُمِّ تَنْزِيلَ العَمِّ مَنزِلَةَ الأبِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وَإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ أوْ لِأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا ﴿ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ مِنَ القَحْطِ وأصْنافِ المَكارِهِ، والمَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالدُّخُولِ المُكَيَّفِ بِالأمْنِ والدُّخُولُ الأوَّلُ كانَ في مَوْضِعٍ خارِجَ البَلَدِ حِينَ اسْتَقْبَلَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ١٠٠

﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ تَحِيَّةً وتَكْرِمَةً لَهُ فَإنَّ السُّجُودَ كانَ عِنْدَهم يَجْرِي مَجْراها.

وَقِيلَ مَعْناهُ خَرُّوا لِأجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والواوُ لِأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ والرَّفْعُ مُؤَخَّرٌ عَنِ الخُرُورِ وإنْ قُدِّمَ لَفْظًا لِلِاهْتِمامِ بِتَعْظِيمِهِ لَهُما.

﴿ وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ ﴾ الَّتِي رَأيْتُها أيّامَ الصِّبا.

﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ صِدْقًا.

﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الجُبَّ لِئَلّا يَكُونَ تَثْرِيبًا عَلَيْهِمْ.

﴿ وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ مِنَ البادِيَةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ المَواشِي وأهْلَ البَدْوِ.

﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ أفْسَدَ بَيْنَنا وحَرَّشَ، مِن نَزْغِ الرّائِضِ الدّابَّةَ إذا نَخَسَها وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ.

﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ ويَتَسَهَّلُ دُونَها.

﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِوُجُودِ المَصالِحِ والتَّدابِيرِ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ في وقْتِهِ وعَلى وجْهٍ يَقْتَضِي الحِكْمَةَ.

رُوِيَ: أنَّ يُوسُفَ طافَ بِأبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَزائِنِهِ فَلَمّا أدْخَلَهُ خِزانَةَ القَراطِيسِ قالَ: يا بَنِي ما أعَقَّكَ عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أوَما تَسْألُهُ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ مِنِّي إلَيْهِ فاسْألْهُ فَقالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ.

لِقَوْلِكَ: ﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قالَ فَهَلّا خِفْتَنِي.

<div class="verse-tafsir"

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ١٠١

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ بَعْضَ المُلْكِ وهو مُلْكُ مِصْرَ.

﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ الكُتُبِ أوِ الرُّؤْيا، ومِن أيْضًا لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ التَّأْوِيلِ.

﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مُبْدِعُهُما وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المُنادى أوْ مُنادى بِرَأْسِهِ.

﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ ناصِرِي ومُتَوَلِّي أمْرِي.

﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ أوِ الَّذِي يَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ فِيهِما.

﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ اقْبِضْنِي.

﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ مِن آبائِي أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ.

رُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوفِّيَ وأوْصى أنْ يُدْفَنَ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ، فَذَهَبَ بِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّةَ ثُمَّ عادَ وعاشَ بَعْدَهُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المُلْكِ المُخَلَّدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في مَدْفَنِهِ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ، فَرَأوْا أنْ يَجْعَلُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن مَرْمَرٍ ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا فِيهِ، ثُمَّ نَقَلَهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَدْفَنِ آبائِهِ وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِن راعِيلَ إفْرائِيمُ ومِيشا وهو جَدُّ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، ورَحْمَةَ امْرَأةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ١٠٢ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ١٠٣

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَبَإ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ  وهو مُبْتَدَأٌ.

﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ خَبَرانِ لَهُ.

﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِما والمَعْنى: أنَّ هَذا النَّبَأ غَيْبٌ لَمْ تَعْرِفْهُ إلّا بِالوَحْيِ لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ إخْوَةَ يُوسُفَ حِينَ عَزَمُوا عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، وهم يَمْكُرُونَ بِهِ وبِأبِيهِ لِيُرْسِلَهُ مَعَهم، ومِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مُكَذِّبِيكَ أنَّكَ ما لَقِيتَ أحَدًا سَمِعَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمْتَهُ مِنهُ، وإنَّما حُذِفَ هَذا الشِّقُّ اسْتِغْناءً بِذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ .

﴿ وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ ﴾ عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ عَلَيْهِمْ.

﴿ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ لِعِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٠٤ وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ١٠٥

﴿ وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ ﴾ عَلى الإنْباءِ أوِ القُرْآنِ.

﴿ مِن أجْرٍ ﴾ مِن جُعْلٍ كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ.

﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ ﴾ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ عامَّةً.

﴿ وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ ﴾ وكَمْ مِن آيَةٍ.

والمَعْنى وكَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ.

﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها ﴾ عَلى الآياتِ ويُشاهِدُونَها.

﴿ وَهم عَنْها مُعْرِضُونَ ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

وقُرِئَ ﴿ والأرْضِ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ يَمُرُّونَ ﴾ ، فَيَكُونُ لَها الضَّمِيرُ في ﴿ عَلَيْها ﴾ وبِالنَّصْبِ عَلى ويَطَؤُونَ الأرْضَ.

وقُرِئَ و « الأرْضَ يَمْشُونَ عَلَيْها» أيْ يَتَرَدَّدُونَ فِيها فَيَرَوْنَ آثارَ الأُمَمِ الهالِكَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ١٠٦ أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١٠٧ قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٠٨

﴿ وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ.

﴿ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ بِاتِّخاذِ الأحْبارِ أرْبابًا.

ونِسْبَةُ التَّبَنِّي إلَيْهِ تَعالى، أوِ القَوْلِ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ أوِ النَّظَرِ إلى الأسْبابِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وقِيلَ الآيَةُ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وقِيلَ في المُنافِقِينَ.

وقِيلَ في أهْلِ الكِتابِ.

﴿ أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ ﴾ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم.

﴿ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِها غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها.

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ يَعْنِي الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ والإعْدادَ لِلْمَعادِ ولِذَلِكَ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أدْعُو إلى اللَّهِ ﴾ وقِيلَ هو حالٌ مِنَ الياءِ.

﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ.

﴿ أنا ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَتِرِ في ﴿ أدْعُو ﴾ أوْ ﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ لِأنَّهُ حالٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ .

﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ.

﴿ وَسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ وأُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٠٩

﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ وقِيلَ مَعْناهُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ يُوحِي إلَيْهِمُ كَما يُوحِي إلَيْكَ ويُمَيَّزُونَ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ نُوحِي ﴾ في كُلِّ القُرْآنِ ووافَقَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في سُورَةِ « الأنْبِياءِ» .

﴿ مِن أهْلِ القُرى ﴾ لِأنَّ أهْلَها أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البَدْوِ.

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ، أوْ مِن مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا عَنْ حُبِّها.

﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ.

﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ.

﴿ أفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم لِيَعْرِفُوا أنَّها خَيْرٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ أيْ قُلْ لَهم أفَلا تَعْقِلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ١١٠

﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾ غايَةَ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لا يَغْرُرْهم تَمادِي أيّامِهِمْ فَإنَّ مَن قَبْلَهم أُمْهِلُوا حَتّى أيِسَ الرُّسُلُ عَنِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ عَنْ إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ مُتَرَفِّهِينَ مُتَمادِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ وازِعٍ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ أيْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ، أوْ كَذَّبَهُمُ القَوْمُ بِوَعْدِ الإيمانِ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم بِالدَّعْوَةِ والوَعِيدِ.

وقِيلَ الأوَّلُ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ والثّانِي لِلرُّسُلِ أيْ وظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا وأخْلَفُوا فِيما وُعِدَ لَهم مِنَ النَّصْرِ وخَلَطَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ.

وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الرُّسُلَ ظَنُّوا أنَّهم أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ، إنْ صَحَّ فَقَدْ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَهْجِسُ في القَلْبِ عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ.

هَذا وأنَّ المُرادَ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّراخِي والإمْهالِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.

وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ بِالتَّشْدِيدِ أيْ وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ القَوْمَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أوْعَدُوهم.

وقُرِئَ « كَذَبُوا» بِالتَّخْفِيفِ وبِناءِ الفاعِلِ أيْ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا فِيما حَدَّثُوا بِهِ عِنْدَ قَوْمِهِمْ لَمّا تَراخى عَنْهم ولَمْ يَرَوْا لَهُ أثَرًا.

﴿ جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ﴾ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهم لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَأْهِلُونَ إنْ يَشاءُ نَجاتَهم لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَلى لَفْظِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ « فَنَجا» ﴿ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِلْمَشِيئَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ١١١

﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ ﴾ في قَصَصِ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ أوْ في قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ.

﴿ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِذَوِي العُقُولِ المُبَرَّأةِ مِن شَوائِبِ الإلْفِ والرُّكُونِ إلى الحِسِّ.

﴿ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ ما كانَ القُرْآنُ حَدِيثًا يُفْتَرى.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ إذْ ما مِن أمْرٍ دِينِيٍّ إلّا ولَهُ سَنَدٌ مِنَ القُرْآنِ بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ.

﴿ وَهُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالِ.

﴿ وَرَحْمَةً ﴾ يُنالُ بِها خَيْرُ الدّارَيْنِ.

﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يُصَدِّقُونَهُ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «عَلِّمُوا أرِقّاءَكم سُورَةَ يُوسُفَ، فَإنَّهُ أيُّما مُسْلِمٍ تَلاها وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَراتِ المَوْتِ وأعْطاهُ القُوَّةَ أنْ لا يَحْسُدُ مُسْلِمًا» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد