تفسير البيضاوي سورة ق

الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة ق

تفسيرُ سورةِ ق كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 26 دقيقة قراءة

تفسير سورة ق كاملةً (ناصر الدين البيضاوي)

قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ ١ بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ ٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌۭ ٣

سُورَةُ ق مَكِّيَّةٌ، وهي خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ق والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.

والمَجِيدُ ذُو المَجْدِ والشَّرَفِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، أوْ لِأنَّهُ كَلامُ المُجِيدِ، أوْ لِأنَّ مَن عَلِمَ مَعانِيَهُ وامْتَثَلَ أحْكامَهُ مَجُدَ.

﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ ﴾ مِنهم إنْكارٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِمّا لَيْسَ بِعَجَبٍ، وهو أنْ يُنْذِرَهم أحَدٌ مِن جِنْسِهِمْ أوْ مِن أبْناءِ جِلْدَتِهِمْ.

﴿ فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ حِكايَةٌ لِتَعَجُّبِهِمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى اخْتِيارِ اللَّهِ مُحَمَّدًا لِلرِّسالَةِ.

وإضْمارُ ذِكْرِهِمْ ثُمَّ إظْهارُهُ لِلْإشْعارِ بِتَعَنُّتِهِمْ بِهَذا المَقالِ، ثُمَّ التَّسْجِيلِ عَلى كُفْرِهِمْ بِذَلِكَ أوْ عَطْفٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثِ عَلى تَعَجُّبِهِمْ مِنَ البِعْثَةِ، والمُبالَغَةِ فِيهِ بِوَضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ وحِكايَةِ تَعَجُّبِهِمْ مُبْهَمًا إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ مُجْمَلًا إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُنْذِرٌ، ثُمَّ تَفْسِيرُهُ أوْ تَفْصِيلُهُ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في الإنْكارِ إذِ الأوَّلُ اسْتِبْعادٌ لِأنْ يُفَضِّلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَهُمْ، والثّانِي اسْتِقْصارٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَمّا هو أهْوَنُ مِمّا يُشاهِدُونَ مِن صُنْعِهِ.

﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ﴾ أيْ أنَرْجِعُ إذا مِتْنا وصِرْنا تُرابًا، ويَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ أيْ بَعِيدٌ عَنِ الوَهْمِ أوِ العادَةِ أوِ الإمْكانِ.

وقِيلَ: الرَّجْعُ بِمَعْنى المَرْجُوعِ.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ ٤ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِىٓ أَمْرٍۢ مَّرِيجٍ ٥

﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ ما تَأْكُلُ مِن أجْسادِ مَوْتاهُمْ، وهو رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ بِإزاحَةِ ما هو الأصْلُ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ القَسَمِ واللّامُ مَحْذُوفٌ لِطُولِ الكَلامِ.

﴿ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها، أوْ مَحْفُوظٌ عَنِ التَّغْيِيرِ، والمُرادُ إمّا تَمْثِيلُ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ بِعِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ مَحْفُوظٌ يُطالِعُهُ، أوْ تَأْكِيدٌ لِعِلْمِهِ بِها بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ.

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ الثّابِتَةَ بِالمُعْجِزاتِ، أوِ النَّبِيِّ  ، أوِ القُرْآنِ.

﴿ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ وقُرِئَ «لِما» بِالكَسْرِ.

﴿ فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ مُضْطَرِبٍ مِن مَرَجَ الخاتَمُ في أُصْبُعِهِ إذا خَرَجَ، وذَلِكَ قَوْلُهم تارَةً أنَّهُ شاعِرٌ وتارَةً أنَّهُ ساحِرٌ وتارَةً أنَّهُ كاهِنٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍۢ ٦ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ٧ تَبْصِرَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ ٨

﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ حِينَ كَفَرُوا بِالبَعْثِ.

﴿ إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ﴾ إلى آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ.

﴿ كَيْفَ بَنَيْناها ﴾ رَفَعْناها بِلا عَمْدٍ.

﴿ وَزَيَّنّاها ﴾ بِالكَواكِبِ.

﴿ وَما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ فُتُوقٍ بِأنْ خَلَقَها مَلْساءَ مُتَلاصِقَةَ الطِّباقِ.

﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ بَسَطْناها.

﴿ وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ.

﴿ وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ.

﴿ بَهِيجٍ ﴾ حَسَنٍ.

﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ مُتَفَكِّرٍ في بَدائِعِ صُنْعِهِ، وهُما عِلَّتانِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعْنًى وإنِ انْتَصَبَتا عَنِ الفِعْلِ الأخِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ مُّبَـٰرَكًۭا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ٩ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَـٰتٍۢ لَّهَا طَلْعٌۭ نَّضِيدٌۭ ١٠ رِّزْقًۭا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ ١١

﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ كَثِيرَ المَنافِعِ ﴿ فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ ﴾ أشْجارًا وأثْمارًا.

﴿ وَحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ وحَبَّ الزَّرْعِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْصَدَ كالبُرِّ والشَّعِيرِ.

﴿ والنَّخْلَ باسِقاتٍ ﴾ طِوالًا أوْ حَوامِلَ مَن أبْسَقَتِ الشّاةُ إذا حَمَلَتْ فَيَكُونُ مِن أفَعْلَ فَهو فاعِلٌ، وإفْرادُها بِالذِّكْرِ لِفَرْطِ ارْتِفاعِها وكَثْرَةِ مَنافِعِها.

وقُرِئَ «باصِقاتٍ» لِأجْلِ القافِ.

﴿ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ مَنضُودٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، والمُرادُ تَراكُمُ الطَّلْعِ أوْ كَثْرَةُ ما فِيهِ مِنَ الثَّمَرِ.

﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ ﴾ عِلَّةٌ لِ أنْبَتْنا أوْ مَصْدَرٌ، فَإنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ.

﴿ وَأحْيَيْنا بِهِ ﴾ بِذَلِكَ الماءِ.

﴿ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ أرْضًا جَدْبَةً لا نَماءَ فِيها.

﴿ كَذَلِكَ الخُرُوجُ ﴾ كَما حَيِيَتْ هَذِهِ البَلْدَةُ يَكُونُ خُرُوجُكم أحْياءً بَعْدَ مَوْتِكم.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢ وَعَادٌۭ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَٰنُ لُوطٍۢ ١٣ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍۢ ۚ كُلٌّۭ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤

﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وَعادٌ وفِرْعَوْنُ ﴾ أرادَ بِفِرْعَوْنَ إيّاهُ وقَوْمَهُ لِيُلائِمَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ.

﴿ وَإخْوانُ لُوطٍ ﴾ أخْدانُهُ لِأنَّهم كانُوا أصْهارَهُ.

﴿ وَأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ سَبَقَ في «الحِجْرِ» و «الدُّخانِ».

﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ أوْ قَوْمٍ مِنهم أوْ جَمِيعُهُمْ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإفْرادِ لَفْظِهِ.

﴿ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ فَوَجَبَ وحَلَّ عَلَيْهِ وعِيدِي، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ  وتَهْدِيدٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍۢ مِّنْ خَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٥ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ١٦

﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ أيْ أفَعَجَزْنا عَنِ الإبْداءِ حَتّى نَعْجِزَ عَنِ الإعادَةِ، مَن عَيِيَ بِالأمْرِ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ عَمَلِهِ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ.

﴿ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ هم لا يُنْكِرُونَ قُدْرَتَنا عَلى الخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في خَلْطٍ، وشُبْهَةٍ في خَلْقٍ مُسْتَأْنِفٍ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ العادَةِ، وتَنْكِيرُ الخَلْقِ الجَدِيدِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ والإشْعارِ بِأنَّهُ عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُتَعارَفٍ ولا مُعْتادٍ.

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ وهو ما يَخْطِرُ بِالبالِ، والوَسْوَسَةُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ ومِنها وسْواسُ الحُلِيِّ، والضَّمِيرُ لِ ما إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً والباءُ مِثْلُها في صَوْتٍ بِكَذا، أوْ لِ ( الإنْسانَ ) إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ أيْ ونَحْنُ أعْلَمُ بِحالِهِ مِمَّنْ كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، تَجُوزُ بِقُرْبِ الذّاتِ لِقُرْبِ العِلْمِ لِأنَّهُ مُوجِبُهُ وحَبْلُ الوَرِيدِ مَثَلٌ في القُرْبِ قالَ: والمَوْتُ أدْنى مِنَ الوَرِيدِ.

وال ( حَبْلِ ) العِرْقُ وإضافَتُهُ لِلْبَيانِ، والوَرِيدانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفانِ بِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ورِيدًا لِأنَّ الرُّوحَ تَرِدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌۭ ١٧ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ ١٨

﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ مُقَدَّرٌ بِـ اذْكُرْ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ أقْرَبُ، أيْ هو أعْلَمُ بِحالِهِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى أيْ يَتَلَقَّنُ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِ المَلَكَيْنِ فَإنَّهُ أعْلَمُ مِنهُما ومُطَّلِعٌ عَلى ما يَخْفى عَلَيْهِما، لَكِنَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ وهي ما فِيهِ مِن تَشْدِيدٍ يُثَبِّطُ العَبْدَ عَنِ المَعْصِيَةِ، وتَأْكِيدٍ في اعْتِبارِ الأعْمالِ وضَبْطِها لِلْجَزاءِ وإلْزامٍ لِلْحُجَّةِ يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ.

﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ أيْ عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، أيْ مَقاعِدُ كالجَلِيسِ فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لِغَرِيبٌ.

وَقَدْ يُطْلَقُ الفَعِيلُ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ: والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ.

﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ.

﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ عَمَلَهُ.

﴿ عَتِيدٌ ﴾ مُعَدٌّ حاضِرٌ، ولَعَلَّهُ يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ وَفِي الحَدِيثِ: «كاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ».» <div class="verse-tafsir"

وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ١٩ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ٢٠

﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اسْتِبْعادَهُمُ البَعْثَ لِلْجَزاءِ وأزاحَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُلاقُونَ ذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المَوْتِ وقِيامِ السّاعَةِ، ونَبَّهَ عَلى اقْتِرابِهِ بِأنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي، وسَكْرَةُ المَوْتِ شِدَّتُهُ الذّاهِبَةُ بِالعَقْلِ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ بِعَمْرٍو.

والمَعْنى وأحْضَرَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ حَقِيقَةَ الأمْرِ أوِ المَوْعُودَ الحَقَّ، أوِ الحَقَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْتِ أوِ الجَزاءِ، فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ لَهُ أوْ مِثْلَ الباءِ في تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ.

وقُرِئَ «سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ» عَلى أنَّها لِشِدَّتِها اقْتَضَتِ الزَّهُوقَ أوْ لِاسْتِعْقابِها لَهُ كَأنَّها جاءَتْ بِهِ، أوْ عَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مَعَ.

وقِيلَ سَكْرَةُ الحَقِّ سَكْرَةُ اللَّهِ وإضافَتُها إلَيْهِ لِلتَّهْوِيلِ.

وقُرِئَ «سَكَراتُ المَوْتِ».

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَوْتُ.

﴿ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ تَمِيلُ وتَنْفِرُ عَنْهُ والخِطابُ لِلْإنْسانِ.

﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ يَعْنِي نَفْخَةَ البَعْثِ.

﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ أيْ وقْتُ ذَلِكَ يَوْمُ تَحَقُّقِ الوَعِيدِ وإنْجازُهُ والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ نُفِخَ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّعَهَا سَآئِقٌۭ وَشَهِيدٌۭ ٢١ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ ٢٢

﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ مَلَكانِ أحَدُهُما يَسُوقُهُ والآخَرُ يَشْهَدُ بِعَمَلِهِ، أوْ مَلَكٌ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ.

وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ.

وقِيلَ: السّائِقُ نَفْسُهُ أوْ قَرِينُهُ والشَّهِيدُ جَوارِحُهُ أوْ أعْمالُهُ، ومَحَلُّ مَعَها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن كُلٍّ لِإضافَتِهِ إلى ما هو في حُكْمِ المَعْرِفَةِ.

﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والخِطابُ لِكُلِّ نَفْسٍ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ اشْتِغالٌ ما عَنِ الآخِرَةِ أوْ لِلْكُفّارِ.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ الغِطاءَ الحاجِبَ لِأُمُورِ المَعادِ، وهو الغَفْلَةُ والِانْهِماكُ في المَحْسُوساتِ والإلْفُ بِها وقُصُورُ النَّظَرِ عَلَيْها.

﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ نافِذٌ لِزَوالِ المانِعِ لِلْإبْصارِ.

وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَعْنى: كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن أمْرِ الدِّيانَةِ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَ الغَفْلَةِ بِالوَحْيِ وتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ تَرى ما لا يَرَوْنَ وتَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ.

ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن كَسَرَ التّاءَ والكافاتِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ٢٣ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍۢ ٢٤ مَّنَّاعٍۢ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍۢ مُّرِيبٍ ٢٥

﴿ وَقالَ قَرِينُهُ ﴾ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ عَلَيْهِ.

﴿ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ هَذا ما هو مَكْتُوبٌ عِنْدِي حاضِرٌ لَدَيَّ، أوِ الشَّيْطانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ هَذا ما عِنْدِي وفي مِلْكَتِي عَتِيدٌ لِجَهَنَّمَ هَيَّأتْهُ لَها بِإغْوائِي وإضْلالِي، وما إنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَـ ( عَتِيدٌ ) صِفَتُها وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَبَدَلُها أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ.

﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ، أوْ لِمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ، أوْ لِواحِدٍ وتَثْنِيَةُ الفاعِلِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ وتَكْرِيرُهُ كَقَوْلِهِ: فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا أوِ الألِفُ بَدَلٌ مِن نُونِ التَّأْكِيدِ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «ألْقَيْنَ» بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.

﴿ عَنِيدٍ ﴾ مُعانِدٍ لِلْحَقِّ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ كَثِيرِ المَنعِ لِلْمالِ عَنْ حُقُوقِهِ المَفْرُوضَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ الإسْلامُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ لَمّا مَنَعَ بَنِي أخِيهِ عَنْهُ.

﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مُتَعَدٍّ.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ شاكٍّ في اللَّهِ وفي دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦ ۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ ٢٧

﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ وخَبَرُهُ.

﴿ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن كُلِّ كَفّارٍ فَيَكُونُ فَألْقِياهُ تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ، أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ فَألْقِياهُ.

﴿ قالَ قَرِينُهُ ﴾ أيِ الشَّيْطانُ المُقَيَّضُ لَهُ، وإنَّما اسْتُؤْنِفَتْ كَما تُسْتَأْنَفُ الجُمَلُ الواقِعَةُ في حِكايَةِ التَّقاوُلِ فَإنَّهُ جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ.

﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ كَأنَّ الكافِرَ قالَ هو أطْغانِي فَـ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ بِخِلافِ الأُولى فَإنَّها واجِبَةُ العَطْفِ عَلى ما قَبْلَها لِلدَّلالَةِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِما في الحُصُولِ، أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ وقَوْلَ قَرِينِهِ: ﴿ وَلَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ فَأعَنْتُهُ عَلَيْهِ فَإنَّ إغْواءَ الشَّياطِينِ إنَّما يُؤَثِّرُ فِيمَن كانَ مُخْتَلَّ الرَّأْيِ مائِلًا إلى الفُجُورِ كَما قالَ: ﴿ وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ <div class="verse-tafsir"

قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ٢٩

﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى.

﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ أيْ في مَوْقِفِ الحِسابِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، وهو اسْتِئْنافٌ مِثْلَ الأوَّلِ.

﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ عَلى الطُّغْيانِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلَمْ يَبْقَ لَكم حُجَّةٌ.

وهو حالٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تَخْتَصِمُوا عالَمَيْنِ بِأنِّي أوْعَدْتُكُمْ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالوَعِيدِ حالًا والفِعْلُ واقِعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ أيْ بِوُقُوعِ الخُلْفِ فِيهِ فَلا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ وعِيدِي.

وعَفْوُ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لِبَعْضِ الأسْبابِ لَيْسَ مِنَ التَّبْدِيلِ فَإنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ.

﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فَأُعَذِّبَ مَن لَيْسَ لِي تَعْذِيبُهُ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍۢ ٣٠

﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ سُؤالٌ وجَوابٌ جِيءَ بِهِما لِلتَّخْيِيلِ والتَّصْوِيرِ، والمَعْنى أنَّها مَعَ اتِّساعِها تُطْرَحُ فِيها الجِنَّةُ والنّاسُ فَوْجًا فَوْجًا حَتّى تَمْتَلِئَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ أوْ أنَّها مِنَ السِّعَةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها وفِيها بَعْدُ فَراغٌ، أوْ أنَّها مِن شِدَّةِ زَفِيرِها وحِدَّتِها وتَشَبُّثِها بِالعُصاةِ كالمُسْتَكْثِرَةِ لَهم والطّالِبَةِ لِزِيادَتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ يَقُولُ بِالياءِ وال ( مَزِيدٍ ) إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ أوْ مَفْعُولٌ كالمَبِيعِ، ويَوْمَ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِ نُفِخَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلَيْهِ فَلا يَفْتَقِرُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ٣١ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍۢ ٣٢ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍۢ مُّنِيبٍ ٣٣ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍۢ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ ٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌۭ ٣٥

﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ قُرِّبَتْ لَهم.

﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا وتَذْكِيرُهُ لِأنَّهُ صِفَةُ مَحْذُوفٍ، أوْ شَيْئًا غَيْرَ بَعِيدٍ أوْ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ أوْ لِأنَّ الجَنَّةَ بِمَعْنى البُسْتانِ.

﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والإشارَةِ إلى الثَّوابِ أوْ مَصْدَرِ أُزْلِفَتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ.

﴿ لِكُلِّ أوّابٍ ﴾ رَجّاعٍ إلى اللَّهِ تَعالى، بَدَلٌ مِنَ «المُتَّقِينَ» بِإعادَةِ الجارِّ.

﴿ حَفِيظٍ ﴾ حافِظٍ لِحُدُودِهِ.

﴿ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ أوْ بَدَلٌ مِن مَوْصُوفِ أوّابٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِهِ لِأنَّ مَن لا يُوصَفُ بِهِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ ادْخُلُوها ﴾ عَلى تَأْوِيلِ يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، فَإنَّ مَن بِمَعْنى الجَمْعِ وبِالغَيْبِ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ أيْ خَشْيَةً مُلْتَبِسَةً بِالغَيْبِ حَيْثُ خَشِيَ عِقابَهُ وهو غائِبٌ، أوِ العِقابُ بَعْدَ غَيْبٍ أوْ هو غائِبٌ عَنِ الأعْيُنِ لا يَراهُ أحَدٌ.

وتَخْصِيصُ الرَّحْمَنِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، أوْ بِأنَّهم يَخْشَوْنَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ، ووَصْفُ القَلْبِ بِالإنابَةِ إذِ الِاعْتِبارُ بِرُجُوعِهِ إلى اللَّهِ.

﴿ بِسَلامٍ ﴾ سالِمِينَ مِنَ العَذابِ وزَوالِ النِّعَمِ، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ يَوْمُ تَقْدِيرِ الخُلُودِ كَقَوْلِهِ: فادْخُلُوها خالِدِينَ.

﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ وهو ما لا يَخْطِرُ بِبالِهِمْ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًۭا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ.

﴿ مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا ﴾ قُوَّةً كَعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ.

﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ فَخَرَقُوا في البِلادِ وتَصَرَّفُوا فِيها، أوْ جالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالٍ حَذَرَ المَوْتِ، فالفاءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّسَبُّبِ وعَلى الثّانِي لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وأصْلُ التَّنْقِيبِ التَّنْقِيرُ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثُ عَنْهُ.

﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ أيْ لَهم مِنَ اللَّهِ أوْ مِنَ المَوْتِ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ في فَنَقَّبُوا لِأهْلِ مَكَّةَ أيْ سارُوا في أسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يَتَوَقَّعُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «فَنَقِّبُوا» عَلى الأمْرِ، وقُرِئَ «فَنَقِبُوا» بِالكَسْرِ مِنَ النَّقْبِ وهو أنْ يَنْتَقِبَ خُفُّ البَعِيرِ أيْ أكْثَرُوا السَّيْرَ حَتّى نَقَبَتْ أقْدامُهم أوْ أخْفافُ مَراكِبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌۭ ٣٧ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ ٣٨

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ فِيما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

﴿ لَذِكْرى ﴾ لَتَذْكِرَةً.

﴿ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ أيْ قَلْبٌ واعٍ يَتَفَكَّرُ في حَقائِقِهِ.

﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ ﴾ أيْ أصْغى لِاسْتِماعِهِ.

﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ حاضِرٌ بِذِهْنِهِ لِيَفْهَمَ مَعانِيَهُ، أوْ شاهِدٌ بِصِدْقِهِ فَيَتَّعِظُ بِظَواهِرِهِ ويَنْزَجِرُ بِزَواجِرِهِ، وفي تَنْكِيرِ ال قَلْبٌ وإبْهامُهُ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّ كُلَّ قَلْبٍ لا يَتَفَكَّرُ ولا يَتَدَبَّرُ كَلا قَلْبٍ.

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا.

﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ مِن تَعَبٍ وإعْياءٍ، وهو رَدٌّ لِما زَعَمَتِ اليَهُودُ مِن أنَّهُ تَعالى بَدَأ خَلْقَ العالَمِ يَوْمَ الأحَدِ وفَرَغَ مِنهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ واسْتَلْقى عَلى العَرْشِ.

<div class="verse-tafsir"

فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ٣٩ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠

﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ العالَمِ بِلا إعْياءٍ قَدَرَ عَلى بَعْثِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ ما يَقُولُ اليَهُودُ مِنَ الكُفْرِ والتَّشْبِيهِ.

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ونَزِّهْهُ عَنِ العَجْزِ عَمّا يُمْكِنُ والوَصْفِ بِما يُوجِبُ التَّشْبِيهَ حامِدًا لَهُ عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْكَ مِن إصابَةِ الحَقِّ وغَيْرِها.

﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ يَعْنِي الفَجْرَ والعَصْرَ وقَدْ عُرِفَتْ فَضِيلَةُ الوَقْتَيْنِ.

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ.

﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ وأعْقابَ الصَّلَواتِ جَمْعُ دُبُرٍ مِن أدْبَرَ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِالكَسْرِ مِن أدْبَرَتِ الصَّلاةُ إذا انْقَضَتْ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، فالصَّلاةُ قَبْلَ الطُّلُوعِ: الصُّبْحُ وقَبْلَ الغُرُوبِ: الظُّهْرُ، والعَصْرُ.

ومِنَ اللَّيْلِ: العِشاءانِ، والتَّهَجُّدُ.

وأدْبارَ السُّجُودِ النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ، وقِيلَ الوَتْرُ بَعْدَ العِشاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍۢ قَرِيبٍۢ ٤١ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ ٤٢ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ ٤٣

﴿ واسْتَمِعْ ﴾ لِما أُخْبِرُكَ بِهِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ.

﴿ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ ﴾ إسْرافِيلُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَيَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ والشُّعُورُ المُتَفَرِّقَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ.

﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ نِداؤُهُ إلى الكُلِّ عَلى سَواءٍ، ولَعَلَّهُ في الإعادَةِ نَظِيرُ «كُنْ» في الإبْداءِ، ويَوْمَ نُصِبَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ يَوْمُ الخُرُوجِ.

﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ والصَّيْحَةَ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ( الصَّيْحَةَ ) والمُرادُ بِهِ البَعْثُ لِلْجَزاءِ.

﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ﴾ مِنَ القُبُورِ، وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ وقَدْ يُقالُ لِلْعِيدِ.

﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ في الدُّنْيا.

﴿ وَإلَيْنا المَصِيرُ ﴾ لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًۭا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌۭ ٤٤ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍۢ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ٤٥

﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾ تَتَشَقَّقُ، وقُرِئَ «تَنْشَقُّ».

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الشِّينِ.

﴿ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ﴾ مُسْرِعِينَ.

﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ ﴾ بَعْثٌ وجَمْعٌ.

﴿ عَلَيْنا يَسِيرٌ ﴾ هَيِّنٌ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَتَيَسَّرُ إلّا عَلى العالِمِ القادِرِ لِذاتِهِ الَّذِي لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ما ﴿ خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  وتَهْدِيدٌ لَهم.

﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ بِمُسَلَّطٍ تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ، أوْ تَفْعَلُ بِهِمْ ما تُرِيدُ وإنَّما أنْتَ داعٍ.

﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ فَإنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ «ق» هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ تارّاتِ المَوْتِ وسَكَراتِهِ».» واللَّهُ أعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد