تفسير البيضاوي سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة الممتحنة

تفسيرُ سورةِ الممتحنة كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 17 دقيقة قراءة

تفسير سورة الممتحنة كاملةً (ناصر الدين البيضاوي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًۭا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، فَإنَّهُ «لَمّا عَلِمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يَغْزُو أهْلَ مَكَّةَ كَتَبَ إلَيْهِمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، وأرْسَلَ كِتابَهُ مَعَ سارَّةَ مُوَلّاةِ بَنِي المُطَّلِبِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا وعَمّارًا وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ وأبا مَرْثَدٍ وقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَخُذُوهُ مِنها وخَلُّوها فَإنْ أبَتْ فاضْرِبُوا عُنُقَها، فَأدْرَكُوها ثَمَّةَ فَجَحَدَتْ فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَسَلَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ السَّيْفَ فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فاسْتَحْضَرَ رَسُولُ اللَّهِ  حاطِبًا وقالَ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ لِي فِيهِمْ مَن يَحْمِي أهْلِي، فَأرَدْتُ أنْ آخُذَ عِنْدَهم يَدًا وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ كِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وعَذَرَهُ.» ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ تُفْضُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ بِالمُكاتَبَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ إخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ  بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ لا تَتَّخِذُوا أوْ صِفَةٌ لِأوْلِياءَ جَرَتْ عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ، ولا حاجَةَ فِيها إلى إبْرازِ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ في الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ.

﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ.

﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ وهو حالٌ مِن كَفَرُوا أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِهِ.

﴿ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ بِأنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وفِيهِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ الإيمانَ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ عَنْ أوْطانِكم.

﴿ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي ﴾ عِلَّةً لِلْخُرُوجِ وعُمْدَةً لِلتَّعْلِيقِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ لا تَتَّخِذُوا.

﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِن تُلْقُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ: أيُّ طائِلٍ لَكم في إسْرارِ المَوَدَّةِ أوِ الإخْبارِ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ.

﴿ وَأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ﴾ أيْ مِنكم.

وقِيلَ أعْلَمُ مُضارِعٌ والباءُ مَزِيدَةٌ و «ما» مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ.

﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ أيْ مَن يَفْعَلِ الِاتِّخاذَ.

﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أخْطَأهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا۟ لَكُمْ أَعْدَآءًۭ وَيَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ ٢ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ ۚ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٣

﴿ إنْ يَثْقَفُوكُمْ ﴾ يَظْفَرُوا بِكم.

﴿ يَكُونُوا لَكم أعْداءً ﴾ ولا يَنْفَعُكم إلْقاءُ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ.

﴿ وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ﴾ ما يَسُوؤُكم كالقَتْلِ والشَّتْمِ.

﴿ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ وتَمَنَّوُا ارْتِدادَكُمْ، ومَجِيءُ ودُّوا وحْدَهُ بِلَفْظِ الماضِي لِلْإشْعارِ بِأنَّهم ودُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ وِدادَتَهم حاصِلَةٌ وإنْ لَمْ يَثْقَفُوكم.

﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ ﴾ قَراباتُكم.

﴿ وَلا أوْلادُكُمْ ﴾ الَّذِينَ تُوالُونَ المُشْرِكِينَ لِأجْلِهِمْ.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ يُفَرِّقُ بَيْنَكم بِما عَراكم مِنَ الهَوْلِ فَيَفِرُّ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فَما لَكم تَرْفُضُونَ اليَوْمَ حَقَّ اللَّهِ لِمَن يَفِرُّ مِنكم غَدًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ والتَّشْدِيدِ وفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ يُفَصِّلُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو بَيْنَكُمْ، وقَرَأ عاصِمٌ يَفْصِلُ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ٤ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٥

﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ قُدْوَةٌ.

اسْمٌ لِما يُؤْتَسى بِهِ.

﴿ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ خَبَرُ كانَ ولَكم لَغْوٌ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( حَسَنَةٌ ) أوْ صِلَةٌ لَها لا لِـ أُسْوَةٌ لِأنَّها وُصِفَتْ.

﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِخَبَرِ كانَ.

﴿ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ جَمِيعُ بَرِيءٍ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ.

﴿ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ أيْ بِدِينِكُمُ أوْ بِمَعْبُودِكُمْ، أوْ بِكم وبِهِ فَلا نَعْتَدُّ بِشَأْنِكم وآلِهَتِكم.

﴿ وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ ﴾ فَتَنْقَلِبُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أُلْفَةً ومَحَبَّةً.

﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَإنَّ اسْتِغْفارَهُ لِأبِيهِ الكافِرِ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَأْتَسُوا بِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ.

﴿ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ المُسْتَثْنى ولا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْناءِ المَجْمُوعِ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أجْزائِهِ.

﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أوْ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ تَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا بِعَذابٍ لا نَتَحَمَّلُهُ.

﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ ما فَرَّطَ مِنّا ﴿ رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُجِيرَ المُتَوَكِّلَ ويُجِيبَ الدّاعِيَ.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ٦ ۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةًۭ ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧

﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ تَكْرِيرٌ لِمَزِيدِ الحَثِّ عَلى التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ ولِذَلِكَ صُدِّرَ بِالقَسَمِ وأُبْدِلَ قَوْلُهُ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ مِن ( لَكم ) فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يَتْرُكَ التَّأسِّيَ بِهِمْ، وأنَّ تَرْكَهُ مُؤْذِنٌ بِسُوءِ العَقِيدَةِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُوعَدَ بِهِ الكَفَرَةُ.

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً ﴾ لَمّا نَزَلَ لا تَتَّخِذُوا عادى المُؤْمِنُونَ أقارِبَهُمُ المُشْرِكِينَ وتَبَرَّؤُوا عَنْهُمْ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وأنْجَزَ إذْ أسْلَمَ أكْثَرُهم وصارُوا لَهُمُ أوْلِياءَ.

﴿ واللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ عَلى ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِما فَرَّطَ مِنكم في مُوالاتِهِمْ مِن قَبْلُ ولِما بَقِيَ في قُلُوبِكم مِن مَيْلِ الرَّحِمِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩

﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أيْ لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ.

﴿ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ وتُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ العادِلِينَ، رُوِيَ أنَّ قَتِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ العُزّى قَدِمَتْ مُشْرِكَةً عَلى بِنْتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ فَنَزَلَتْ.

﴿ إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ ﴾ كَمُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّ بَعْضَهم سَعَوْا في إخْراجِ المُؤْمِنِينَ وبَعْضَهُمُ أعانُوا المُخْرِجِينَ.

﴿ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.

﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ لِوَضْعِهِمُ الوِلايَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍۢ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍۢ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّۭ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـَٔلُوا۟ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ١٠

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ فاخْتَبِرُوهُنَّ بِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّكم مُوافَقَةُ قُلُوبِهِمْ لِسانَهُنَّ في الإيمانِ.

﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ ﴾ فَإنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى ما في قُلُوبِهِنَّ.

﴿ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ﴾ العِلْمَ الَّذِي يُمْكِنُكم تَحْصِيلُهُ وهو الظَّنُّ الغالِبُ بِالحَلِفِ وظُهُورِ الأماراتِ، وإنَّما سَمّاهُ عِلْمًا إيذانًا بِأنَّهُ كالعِلْمِ في وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ.

﴿ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ ﴾ أيْ إلى أزْواجِهِنَّ الكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ والتَّكْرِيرُ لِلْمُطابَقَةِ والمُبالَغَةِ، أوِ الأُولى لِحُصُولِ الفُرْقَةِ والثّانِيَةُ لِلْمَنعِ عَنِ الِاسْتِئْنافِ.

﴿ وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ﴾ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ، وذَلِكَ لِأنَّ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ جَرى: عَلى أنَّ مَن جاءَنا مِنكم رَدَدْناهُ.

فَلَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُنَّ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ لَزِمَهُ رَدُّ مُهُورِهِنَّ.

إذْ رُوِيَ«أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ إذْ جاءَتْهُ سَبِيعَةُ بِنْتُ الحَرْثِ الأسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً فَأقْبَلَ زَوْجُها مُسافِرٌ المَخْزُومِيُّ طالِبًا لَها فَنَزَلَتْ.

فاسْتَحْلَفَها رَسُولُ اللَّهِ  فَحَلَفَتْ فَأعْطى زَوْجَها ما أنْفَقَ وتَزَوَّجَها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.» ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ فَإنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ الكُفّارِ.

﴿ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ شَرَطَ إيتاءَ المَهْرِ في نِكاحِهِنَّ إيذانًا بِأنَّ ما أعْطى أزْواجُهُنَّ لا يَقُومُ مَقامَ المَهْرِ.

﴿ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ بِما يَعْتَصِمُ بِهِ الكافِراتُ مِن عَقْدٍ وسَبَبٍ جَمْعُ عِصْمَةٍ، والمُرادُ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَقامِ عَلى نِكاحِ المُشْرِكاتِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ ولا تُمَسِّكُوا بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ﴾ مِن مُهُورِ نِسائِكُمُ اللّاحِقاتِ بِالكُفّارِ.

﴿ وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ﴾ مِن مُهُورِ أزْواجِهِمُ المُهاجِراتِ.

﴿ ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ ما ذَكَرَ في الآيَةِ.

﴿ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِنَ الحُكْمِ عَلى حَذْفِ الضَّمِيرِ، أوْ جَعْلِ الحُكْمِ حاكِمًا عَلى المُبالَغَةِ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ يَشْرَعُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌۭ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ١١

﴿ وَإنْ فاتَكُمْ ﴾ وإنْ سَبَقَكم وانْفَلَتَ مِنكم.

﴿ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ وإيقاعُ ( شَيْءٌ ) مَوْقِعَهُ لِلتَّحْقِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّعْمِيمِ، أوْ شَيْءٌ مِن مُهُورِهِنَّ.

﴿ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ ﴾ فَجاءَتْ عَقَبَتُكم أيْ نَوْبَتُكم مِن أداءِ المَهْرِ، شَبَّهَ الحُكْمَ بِأداءِ هَؤُلاءِ مُهُورَ نِساءِ أُولَئِكَ تارَةً وأداءِ أُولَئِكَ مُهُورَ نِساءٍ هَؤُلاءِ أُخْرى بِأمْرٍ يَتَعاقَبُونَ فِيهِ كَما يُتَعاقَبُ في الرُّكُوبِ وغَيْرِهِ.

﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا ﴾ مِن مَهْرِ المُهاجِرَةِ ولا تُؤْتُوهُ زَوْجَها الكافِرَ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ أبى المُشْرِكُونَ أنْ يُؤَدُّوا مَهْرَ الكَوافِرِ فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ: مَعْناهُ إنْ فاتَكم فَأصَبْتُمْ مِنَ الكُفّارِ عُقْبى وهي الغَنِيمَةُ فَآتُوا بَدَلَ الفائِتِ مِنَ الغَنِيمَةِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يَقْتَضِي التَّقْوى مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍۢ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍۢ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢

﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ الفَتْحِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ أخَذَ في بَيْعَةِ النِّساءِ.

﴿ وَلا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ يُرِيدُ وأْدَ البَناتِ.

﴿ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ ﴾ في حَسَنَةٍ تَأْمُرُهُنَّ بِها، والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ  لا يَأْمُرُ إلّا بِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طاعَةُ مَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ.

﴿ فَبايِعْهُنَّ ﴾ إذا بايَعْنَكَ بِضَمانِ الثَّوابِ عَلى الوَفاءِ بِهَذِهِ الأشْياءِ.

﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا۟ مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ ١٣

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي عامَّةَ الكُفّارِ أوِ اليَهُودِ.

إذْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ كانُوا يُواصِلُونَ اليَهُودَ لِيُصِيبُوا مِن ثِمارِهِمْ.

﴿ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ لِكُفْرِهِمْ بِها أوْ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم لا حَظَّ لَهم فِيها لِعِنادِهِمُ الرَّسُولَ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ المُؤَيِّدَ بِالآياتِ.

﴿ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ ﴾ أنْ يُبْعَثُوا أوْ يُثابُوا أوْ يَنالُهم خَيْرٌ مِنهُمْ، وعَلى الأوَّلِ وُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ آيَسَهم.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُمْتَحِنَةِ كانَ لَهُ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ شُفَعاءَ يَوْمَ القِيامَةِ».»

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده