تفسير البيضاوي سورة الجن

الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة الجن

تفسيرُ سورةِ الجن كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 16 دقيقة قراءة

تفسير سورة الجن كاملةً (ناصر الدين البيضاوي)

قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًۭا ١ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًۭا ٢

سُورَةُ الجِنِّ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ وقُرِئَ «أُحِيَ» وأصْلُهُ وحى مِن وحى إلَيْهِ فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِضَمَّتِها ووَحى عَلى الأصْلِ وفاعِلُهُ: ﴿ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ والنَّفَرُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والجِنُّ أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ أوِ الهَوائِيَّةُ.

وقِيلَ: نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ وقِيلَ: نُفُوسٌ بَشَرِيَّةٌ مُفارِقَةٌ عَنْ أبْدانِها، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما رَآهم ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوها فَأخْبَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ.

﴿ فَقالُوا ﴾ لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ.

﴿ إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا ﴾ كِتابًا.

﴿ عَجَبًا ﴾ بَدِيعًا مُبايِنًا لِكَلامِ النّاسِ في حُسْنِ نَظْمِهِ ودِقَّةِ مَعْناهُ.

وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ.

﴿ فَآمَنّا بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا ﴾ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى التَّوْحِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةًۭ وَلَا وَلَدًۭا ٣ وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطًۭا ٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ٥

﴿ وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ﴾ قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَحْكِيِّ بَعْدَ القَوْلِ، وكَذا ما بَعْدَهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا ﴾ ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ ﴾ ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ ﴾ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ المُوحى بِهِ ووافَقَهم نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ ﴾ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ أوْ مَقُولٌ، وفَتَحَ الباقُونَ الكُلَّ إلّا ما صَدَرَ بِالفاءِ عَلى أنَّ ما كانَ مِن قَوْلِهِمْ فَمَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: صَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أيْ عَظَمَتُهُ مِن جَدَّ فُلانٌ في عَيْنِي إذا عَظُمَ، أوْ سُلْطانُهُ أوْ غِناهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجَدِّ الَّذِي هو البَخْتُ، والمَعْنى وصْفُهُ بِالتَّعالِي عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ لِعَظَمَتِهِ أوْ لِسُلْطانِهِ أوْ لِغِناهُ وقَوْلُهُ: ﴿ ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ، وقُرِئَ «جِدًّا» عَلى التَّمْيِيزِ «جِدُّ رَبِّنا» بِالكَسْرِ أيْ صِدْقَ رُبُوبِيَّتِهِ، كَأنَّهم سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما نَبَّهَهم عَلى خَطَأِ ما اعْتَقَدُوهُ مِنَ الشِّرْكِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.

﴿ وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا ﴾ إبْلِيسُ أوْ مَرَدَةُ الجِنِّ.

﴿ عَلى اللَّهِ شَطَطًا ﴾ قَوْلًا ذا شَطَطٍ وهو البُعْدُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ، أوْ هو شَطَطٌ لِفَرْطِ ما أشَطَّ فِيهِ، وهو نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلى اللَّهِ.

﴿ وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ اعْتِذارٌ عَنِ اتِّباعِهِمُ السَّفِيهِ في ذَلِكَ بِظَنِّهِمْ أنَّ أحَدًا لا يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، وكَذِبًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ أوِ الوَصْفِ المَحْذُوفِ، أيْ قَوْلًا مَكْذُوبًا فِيهِ، ومَن قَرَأ أنْ لَنْ تَقُولَ كَيَعْقُوبَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِأنَّ التَّقَوُّلَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٌۭ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍۢ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًۭا ٦ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا۟ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَدًۭا ٧

﴿ وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ فَإنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أمْسى بِقَفْرٍ قالَ أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ.

﴿ فَزادُوهُمْ ﴾ فَزادُوا الجِنَّ بِاسْتِعاذَتِهِمْ بِهِمْ.

﴿ رَهَقًا ﴾ كِبْرًا وعُتُوًّا، أوْ فَزادَ الجِنُّ الإنْسَ غَيًّا بِأنْ أضَلُّوهم حَتّى اسْتَعاذُوا بِهِمْ، والرَّهَقُ في الأصْلِ غِشْيانُ الشَّيْءِ.

﴿ وَأنَّهُمْ ﴾ وأنَّ الإنْسَ.

﴿ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ ﴾ أيُّها الجِنُّ أوْ بِالعَكْسِ، والآيَتانِ مِن كَلامِ الجِنِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوِ اسْتِئْنافُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن فَتَحَ أنَّ فِيهِما جَعَلَهُما مِنَ المُوحى بِهِ.

﴿ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنُّوا.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًۭا رَّصَدًۭا ٩

﴿ وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ ﴾ طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ أوْ خَبَرَها، واللَّمْسُ مُسْتَعارٌ مِنَ المَسِّ لِلطَّلَبِ كالجَسِّ يُقالُ: لَمْسُهُ والتَمَسَهُ وتَلَمَّسَهُ كَطَلَبَهُ واطَّلَبَهُ وتَطَلَّبَهُ.

﴿ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا ﴾ حُرّاسًا اسْمُ جَمْعٍ كالخَدَمِ.

﴿ شَدِيدًا ﴾ قَوِيًّا وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهم عَنْها.

﴿ وَشُهُبًا ﴾ جَمْعُ شِهابٍ وهو المُضِيءُ المُتَوَلِّدُ مِنَ النّارِ.

﴿ وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ﴾ مَقاعِدَ خالِيَةً عَنِ الحَرَسِ والشُّهُبِ، أوْ صالِحَةً لِلتَّرَصُّدِ والِاسْتِماعِ، ولِلسَّمْعِ صِلَةٌ لِ نَقْعُدُ أوْ صِفَةٌ لِ مَقاعِدَ.

﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا ﴾ أيْ شِهابًا راصِدًا لَهُ ولِأجْلِهِ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاسْتِماعِ بِالرَّجْمِ، أوْ ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاصِدِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ في «الصّافّاتِ».

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًۭا ١٠ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدًۭا ١١

﴿ وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ ﴾ بِحِراسَةِ السَّماءِ.

﴿ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا ﴾ خَيْرًا.

﴿ وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ﴾ المُؤْمِنُونَ الأبْرارُ.

﴿ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحَذَفَ المَوْصُوفَ وهُمُ المُقْتَصِدُونَ.

﴿ كُنّا طَرائِقَ ﴾ ذَوِي طَرائِقَ أيْ مَذاهِبَ، أوْ مِثْلَ طَرائِقَ في اخْتِلافِ الأحْوالِ أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ.

﴿ قِدَدًا ﴾ مُتَفَرِّقَةً مُخْتَلِفَةً جَمْعُ قِدَةٍ مِن قَدَّ إذا قَطَعَ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُۥ هَرَبًۭا ١٢ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦ ۖ فَمَن يُؤْمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخْسًۭا وَلَا رَهَقًۭا ١٣

﴿ وَأنّا ظَنَنّا ﴾ عَلِمْنا.

﴿ أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ﴾ كائِنِينَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها.

﴿ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴾ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ، أوْ لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.

﴿ وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى ﴾ أيِ القُرْآنَ.

﴿ آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ ﴾ فَهو لا يَخافُ، وقُرِئَ «فَلا يَخَفْ» والأوَّلُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ نَجاةِ المُؤْمِنِينَ واخْتِصاصِها بِهِمْ.

﴿ بَخْسًا ولا رَهَقًا ﴾ نَقْصًا في الجَزاءِ ولا أنْ يُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ، أوْ جَزاءٌ بَخْسٌ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ لِأحَدٍ حَقًّا ولَمْ يُرْهِقْ ظُلْمًا، لِأنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِ بِالقُرْآنِ أنْ يَجْتَنِبَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ تَحَرَّوْا۟ رَشَدًۭا ١٤ وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًۭا ١٥

﴿ وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ ﴾ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.

﴿ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ تَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا يُبَلِّغُهم إلى دارِ الثَّوابِ.

﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِكُفّارِ الإنْسِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقًۭا ١٦ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًۭا صَعَدًۭا ١٧

﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ أوِ الإنْسُ أوْ كِلاهُما.

﴿ عَلى الطَّرِيقَةِ ﴾ أيْ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى.

﴿ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، وتَخْصِيصُ الماءِ الغَدَقِ وهو الكَثِيرُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ والسَّعَةِ ولِعِزَّةِ وجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ.

﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمُ القَدِيمَةِ ولَمْ يُسَلِّمُوا بِاسْتِماعِ القُرْآنِ لِوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ مُسْتَدْرِجِينَ لَهم لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِهِمْ.

﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ مَوْعِظَتِهِ أوْ وحْيِهِ.

﴿ يَسْلُكْهُ ﴾ يُدْخِلْهُ وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ بِالنُّونِ.

﴿ عَذابًا صَعَدًا ﴾ شاقًّا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًۭا ١٨ وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا۟ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًۭا ١٩

﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ مُخْتَصَّةٌ بِهِ.

﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ فَلا تَعْبُدُوا فِيها غَيْرَهُ، ومَن جَعَلَ أنَّ مُقَدَّرَةٌ بِاللّامِ عِلَّةً لِلنَّهْيِ ألْغى فائِدَةَ الفاءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِ المَساجِدَ الأرْضُ كُلُّها لِأنَّها جُعِلَتْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسْجِدًا.

وقِيلَ: المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ ومَواضِعُ السُّجُودِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وآرابُهُ السَّبْعَةُ أوِ السَّجَداتُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.

﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ أيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ العَبْدِ لِلتَّواضُعِ فَإنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ كَلامِهِ عَنْ نَفْسِهِ، والإشْعارُ بِما هو المُقْتَضِي لِقِيامِهِ.

﴿ يَدْعُوهُ ﴾ يَعْبُدُهُ ﴿ كادُوا ﴾ كادَ الجِنُّ.

﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ مُتَراكِمِينَ مِنِ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ، أوْ كادَ الإنْسُ والجِنُّ يَكُونُونَ عَلَيْهِ مُجْتَمِعِينَ لِإبْطالِ أمْرِهِ، وهو جَمْعُ لِبْدَةٍ وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ كَلِبْدَةِ الأسَدِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ «لُبَدًا» بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ وهي لُغَةٌ.

وقُرِئَ «لُبَّدًا» كَـ سُجَّدًا جَمْعُ لابِدٍ ولُبْدًا كَصُبْرٍ جَمْعُ لَبُودٍ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُوا۟ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِهِۦٓ أَحَدًۭا ٢٠ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا رَشَدًۭا ٢١

﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا ﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا مُنْكَرٍ يُوجِبُ تَعَجُّبَكم أوْ إطْباقَكم عَلى مَقْتِي، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ قُلْ عَلى الأمْرِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُوافِقَ ما بَعْدَهُ.

﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ ولا نَفْعًا أوْ غَيًّا، عَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِاسْمِهِ وعَنِ الآخَرِ بِاسْمِ سَبَبِهِ أوْ مُسَبِّبِهِ إشْعارًا بِالمَعْنَيَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌۭ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ٢٢ إِلَّا بَلَـٰغًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًۭا وَأَقَلُّ عَدَدًۭا ٢٤

﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ إنْ أرادَ بِي سُوءًا.

﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ مُنْحَرِفًا أوْ مُلْتَجَأً وأصْلُهُ المَدْخَلُ مِنَ اللَّحْدِ.

﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ لا أمْلِكُ فَإنَّ التَّبْلِيغَ إرْشادٌ وإنْفاعٌ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِنَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ، أوْ مِن مُلْتَحَدًا أوْ مَعْناهُ أنْ لا أُبَلِّغَ بَلاغًا وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ.

﴿ وَرِسالاتِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى بَلاغًا ومِنَ اللَّهِ صِفَتُهُ فَإنَّ صِلَتَهُ عَنْ كَقَوْلِهِ  : «بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً».» ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إذِ الكَلامُ فِيهِ.

﴿ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ﴾ وقُرِئَ «فَإنَّ» عَلى فَجَزاؤُهُ أنَّ.

﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ جَمَعَهُ لِلْمَعْنى.

﴿ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ ﴾ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ، أوْ في الآخِرَةِ والغايَةُ لِقَوْلِهِ: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا بِالمَعْنى الثّانِي، أوْ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الحالُ مِنِ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ وعِصْيانِهِمْ لَهُ.

﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ هو أمْ هم.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌۭ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُۥ رَبِّىٓ أَمَدًا ٢٥ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًۭا ٢٧

﴿ قُلْ إنْ أدْرِي ﴾ ما أدْرِي.

﴿ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ غايَةً تَطُولُ مُدَّتُها كَأنَّهُ لَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ قالُوا مَتى يَكُونُ إنْكارًا، فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ولَكِنْ لا أدْرِي ما وقْتُهُ.

﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ هو عالِمُ الغَيْبِ.

﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ فَلا يُطْلِعُ.

﴿ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ أيْ عَلى الغَيْبِ المَخْصُوصِ بِهِ عِلْمُهُ.

﴿ إلا مَنِ ارْتَضى ﴾ لِعِلْمِ بَعْضِهِ حَتّى يَكُونَ لَهُ مُعْجِزَةً.

﴿ مِن رَسُولٍ ﴾ بَيانٌ لِ مِن، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إبْطالِ الكَراماتِ، وجَوابُهُ تَخْصِيصُ الرَّسُولِ بِالمُلْكِ والإظْهارِ بِما يَكُونُ بِغَيْرِ وسَطٍ، وكَراماتُ الأوْلِياءِ عَلى المُغَيَّباتِ إنَّما تَكُونُ تَلَقِّيًا عَنِ المَلائِكَةِ كاطِّلاعِنا عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ بِتَوَسُّطِ الأنْبِياءِ.

﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مِن بَيْنِ يَدَيِ المُرْتَضى ﴿ وَمِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَهُ مِنِ اخْتِطافِ الشَّياطِينِ وتَخالِيطِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا۟ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا ٢٨

﴿ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ المُوحى إلَيْهِ أنْ قَدْ أبْلَغَ جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ النّازِلُونَ بِالوَحْيِ، أوْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنْ قَدْ أبْلَغَ الأنْبِياءُ بِمَعْنى لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ مَوْجُودًا.

﴿ رِسالاتِ رَبِّهِمْ ﴾ كَما هي مَحْرُوسَةٌ مِنَ التَّغْيِيرِ.

﴿ وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ.

﴿ وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ حَتّى القَطْرَ والرَّمْلَ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الجِنِّ كانَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ صَدَّقَ مُحَمَّدًا أوْ كَذَّبَ بِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ».»

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله