الإسلام > القرآن > تفسير > البيضاوي > تفسير سورة العلق
تفسيرُ سورةِ العلق كاملةً من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) (ناصر الدين البيضاوي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةسُورَةُ العَلَقِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ أيِ اقْرَأِ القُرْآنَ مُفْتَتِحًا بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
أوْ مُسْتَعِينًا بِهِ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ أوِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ أفْرَدَ ما هو أشْرَفُ وأظْهَرُ صُنْعًا وتَدْبِيرًا وأدَلُّ عَلى وُجُوبِ العِبادَةِ المَقْصُودَةِ مِنَ القِراءَةِ فَقالَ: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ أوِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ فَأبْهَمَ أوَّلًا ثُمَّ فَسَّرَ تَفْخِيمًا لِخَلْقِهِ ودَلالَةً.
عَلى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ.
﴿ مِن عَلَقٍ ﴾ جَمَعَهُ عَلى الإنْسانِ في مَعْنى الجَمْعِ ولَمّا كانَ أوَّلُ الواجِباتِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَلَ أوَّلًا ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ وفَرْطِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اقْرَأْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوِ الأوَّلُ مُطْلَقٌ والثّانِي لِلتَّبْلِيغِ أوْ في الصَّلاةِ ولَعَلَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ الزّائِدُ في الكَرَمِ عَلى كُلِّ كَرِيمٍ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُنْعِمُ بِلا عِوَضٍ ويَحْلُمُ مِن غَيْرِ تَخَوُّفٍ، بَلْ هو الكَرِيمُ وحْدَهُ عَلى الحَقِيقَةِ.
﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيِ الخَطَّ بِالقَلَمِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ لِتُقَيَّدَ بِهِ العُلُومُ ويُعْلَمَ بِهِ البَعِيدُ.
﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ بِخَلْقِ القُوى ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ فَيُعَلِّمُكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ تَكُنْ قارِئًا، وقَدْ عَدَّدَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَبْدَأ أمْرِ الإنْسانِ ومُنْتَهاهُ إظْهارًا لِما أنْعَمَ عَلَيْهِ، مِن أنَّ نَقْلَهُ مِن أخَسِّ المَراتِبِ إلى أعْلاها تَقْرِيرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وتَحْقِيقًا لِأكْرَمِيَّتِهِ، وأشارَ أوَّلًا إلى ما يَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ عَقْلًا ثُمَّ نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْها سَمْعًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ أنْ رَأى نَفْسَهُ، واسْتَغْنى مَفْعُولُهُ الثّانِي لِأنَّهُ بِمَعْنى عَلِمَ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ومَفْعُولُهُ ضَمِيرَيْنِ لِواحِدٍ.
﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى ﴾ الخِطابُ لِلْإنْسانِ عَلى الِالتِفاتِ تَهْدِيدًا وتَحْذِيرًا مِن عاقِبَةِ الطُّغْيانِ، والرُّجْعى مَصْدَرٌ كالبُشْرى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ عَبْدًا إذا صَلّى نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ قالَ: لَوْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا ساجِدًا لَوَطِئْتُ عُنُقَهُ، فَجاءَهُ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ؟
فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً.
فَنَزَلَتْ ولَفْظُ العَبْدِ وتَنْكِيرُهُ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ النَّهْيِ والدَّلالَةِ عَلى كَمالِ عُبُودِيَّةِ المَنهِيِّ.
﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى ﴾ أرَأيْتَ تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ وكَذا الَّذِي في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ﴾ والشَّرْطِيَّةُ مَفْعُولُهُ الثّانِي وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي الواقِعِ مَوْقِعَ القَسِيمِ لَهُ.
والمَعْنى أخْبِرْنِي عَمَّنْ يَنْهى بَعْضَ عِبادِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى هُدًى فِيما يَنْهى عَنْهُ، أوْ آمِرًا بِالتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ كَما يَعْتَقِدُهُ، أوْ إنْ كانَ عَلى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ والتَّوَلِّي عَنِ الصَّوابِ كَما تَقُولُ، ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ مِن هُداهُ وضَلالِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي والمَنهِيَّ عَلى الهُدى آمِرًا بِالتَّقْوى، والنّاهِي مُكَذِّبٌ مَتُوَلٍّ فَما أعْجَبُ مِن ذا؟
وقِيلَ: الخِطابُ في الثّانِيَةِ مَعَ الكافِرِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كالحاكِمِ الَّذِي حَضَرَهُ الخَصْمانِ يُخاطِبُ هَذا مَرَّةً والآخَرَ أُخْرى، وكَأنَّهُ قالَ: يا كافِرُ أخْبِرْنِي إنْ كانَ صَلاتُهُ هُدًى ودُعاؤُهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرًا بِالتَّقْوى أتَنْهاهُ، ولَعَلَّهُ ذَكَرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى في التَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ في النَّهْيِ لِأنَّ النَّهْيَ كانَ عَنِ الصَّلاةِ والأمْرِ بِالتَّقْوى، فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ دَعْوَةٌ بِالفِعْلِ أوْ لِأنَّ نَهْيَ العَبْدِ إذا صَلّى يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَها ولِغَيْرِها، وعامَّةُ أحْوالِها مَحْصُورَةٌ في تَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِالعِبادَةِ وغَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِلنّاهِي.
﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ﴾ عَمّا هو فِيهِ.
﴿ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ﴾ لَنَأْخُذَنْ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وقُرِئَ لنَسْفَعَنَّ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ و «لَأسْفَعَنَّ»، وكِتابَتُهُ في المُصْحَفِ بِالألِفِ عَلى حُكْمِ الوَقْفِ والِاكْتِفاءِ بِاللّامِ عَنِ الإضافَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُرادَ ناصِيَةُ المَذْكُورِ.
﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وإنَّما جازَ لِوَصْفِها، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى هي ناصِيَةٌ والنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهْمًا لِصاحِبِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ أيْ أهْلَ نادِيهِ لِيُعِينُوهُ وهو المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ.
رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وهو يُصَلِّي فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ؟
فَأغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: أتُهَدِّدُنِي وأنا أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا؟
فَنَزَلَتْ.» ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ لِيَجُرُّوهُ إلى النّارِ وهو في الأصْلِ الشَّرْطُ واحِدُها زِبْنِيَةٌ كَعِفْرِيَةٍ مِنَ الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ، أوْ زَبْنِيٌّ عَلى النَّسَبِ وأصْلُها زَبانِيٌّ والتّاءُ مُعَوَّضَةٌ عَنِ الياءِ.
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ أيْضًا لِلنّاهِي.
﴿ لا تُطِعْهُ ﴾ أيِ اثْبُتْ أنْتَ عَلى طاعَتِكَ.
﴿ واسْجُدْ ﴾ داوِمْ عَلى سُجُودِكَ.
﴿ واقْتَرِبْ ﴾ وتَقَرَّبْ إلى رَبِّكَ وَفِي الحَدِيثِ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى رَبِّهِ إذا سَجَدَ».» عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ العَلَقِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ المُفَصَّلَ كُلَّهُ».»