الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة طه
تفسيرُ سورةِ طه كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 43 دقيقة قراءةقيل في ﴿ طه ﴾ : إنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه يا رجل، وانظر الكلام على حروف الهجاء في سورة البقرة: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى ﴾ قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الصلاة حتى تورّمت قدماه، فنزلت الآية تخفيفاً عنه، فالشقاء على هذا إفراط التعب في العبادة، وقيل: المراد به التأسف على كفر الكفار، واللفظ عام في ذلك كله، والمعنى أنه نفى عنه جميع أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة، لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو سبب السعادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً ﴾ نصب على الاستثناء المنقطع، وأجاز ابن عطية أن يكون بدلاً من موضع ﴿ لتشقى ﴾ إذ هو في موضع مفعول من أجله، ومنع ذلك الزمخشري لاختلاف الجنسين، ويصح أن ينتصب بفعل مضمر تقديره أنزلناه تذكرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَنزِيلاً ﴾ نصب على المصدرية، والعامل فيه مضمر وما أنزلنا وبدأ السورة بلفظ المتكلم في قوله، ما أنزلنا ثم رجع إلى الغيبة في قوله: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرض ﴾ الآية وذلك هو الالتفات ﴿ والسماوات العلى ﴾ جمع عُلْيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَلَى العرش استوى ﴾ تكلمنا عليه في [الأعراف: 53] ﴿ الثرى ﴾ هو في اللغة التراب النديّ، والمراد به هنا الأرض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن تَجْهَرْ ﴾ مطابقة هذا الشرط لجوابه كأنه يقول: إن جهرت أو أخفيت فإنه يعلم ذلك، لأنه يعلم السرّ وأخفى ﴿ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى ﴾ السر الكلام الخفيّ، والأخفى ما في النفس، وقيل: السر ما في نفوس البشر، والأخفى ما انفرد الله بعلمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأسمآء الحسنى ﴾ تكلمنا عليها في [الأعراف: 179].
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ لفظ استفهام والمراد به التنبيه ﴿ إِذْ رَأَى ﴾ العامل في إذ حديث لأن فيه معنى الفعل، وكان من قصة موسى أنه رحل بأهله من مدين يريد مصر، فسار بالليل واحتاج إلى النار، فقدح بزناده فلم ينقدح، فرأى ناراً فقصد إليها فناداه الله، وأرسله إلى فرعون ﴿ إني آنَسْتُ نَاراً ﴾ أي رأيت ﴿ بِقَبَسٍ ﴾ هو الجذوة من النار تكون على رأس العود والقصبة ونحوها ﴿ بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى ﴾ يعني هدى إلى الطريق من دليل أو غيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ ﴾ قيل: إنما أمر بخلع نعليه، لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلع النجاسة، واختار ابن عطية أن يكون أمر بخلعهما ليتأدب، ويعظم البقعة المباركة ويتواضع في مقام مناجاة الله وهذا أحسن ﴿ بالواد المقدس ﴾ أي المطهر ﴿ طُوًى ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه اسم للوادي، وإعرابه على هذا بدل، ويجوز تنوينه على أنه مكان، وترك صرفه على أنه بقعة، والثاني: أن معناه مرتين، فإعرابه على هذا مصدر: أي قدس الوادي مرة بعد مرة، أو نودي موسى مرة بعد مرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَقِمِ الصلاة لذكري ﴾ قيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بها، فالمصدر على الأول مضاف للمفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل، وقيل: معنى لذكري: عند ذكري كقوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس ﴾ [الإسراء: 178] أي عند دلوك الشمس، وهذا أرجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بالآية: على وجوب الصلاة على الناسي إذا ذكرها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ اضطرب الناس في معناه، فقيل أخفيها بمعنى أظهرها، وأخفيت هذا من الأضداد.
وقال ابن عطية: هذا قول مختل، وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال: أخفى بالألف من الإخفاء، وخفي بغير ألف بمعنى أظهر، فلو كان بمعنى الظهور لقال: أخفيها بفتح همزة المضارع، وقد قرئ بذلك من الشاذ، وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات أخفى بمعنى خفي: أي أظهر، فلا يكون هذا القول مختلاً على هذه اللغة، وقيل: أكاد بمعنى أريد، فالمعنى أريد أخفائها وقيل: إن المعنى إن الساعة آتية أكاد، وتم هنا الكلام بمعنى أكاد أنفذها لقربها، ثم استأنف الإخبار فقال أخفيها، وقيل: المعنى أكاد أخفيها عن نفسي فكيف عنكم، وهذه الأقوال ضعيفة، وإنما الصحيح أن المعنى أن الله أَبْهم وقت الساعة فلم يطلع عليه أحداً، حتى أنه كاد أن يخفي وقوعها لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها إذا أخبر بوقوعها، فالأخفى على معناه المعروف في اللغة، وكاد على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه وهذا المعنى هو اختيار المحققين ﴿ لتجزى ﴾ يتعلق بآتية ﴿ بِمَا تسعى ﴾ أي بما تعمل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا ﴾ الضيمر للساعة: أي لا يصدنك عن الإيمان بها والاستعداد لها، وقيل الضمير للصلاة وهو بعيد، والخطاب لموسى عليه السلام، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك بعيد ﴿ فتردى ﴾ معناه تهلك، والردى هو الهلاك وهذا الفعل منصوب في جواب: لا يصدّنك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ إنما سأله ليريه عظيم ما يفعله في العصا من قلبها حية، فمعنى السؤال تقرير أنها عصا؛ فيتبين له الفرق بين حالها قبل أن يقلبها، وبعد أن قلبها، وقيل: إنما سأله ليؤنسه ويبسطه بالكلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي ﴾ معناه أضرب بها الشجر لينتشر الورق للغنم ﴿ مَآرِبُ ﴾ أي حوائج.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَيَّةٌ تسعى ﴾ أي تمشي ﴿ سِيَرتَهَا الأولى ﴾ يعني أنه لما أخذها عادت كما كانت أول مرة، وانتصب ﴿ سِيَرتَهَا ﴾ على أنه ظرف أو مفعول بإسقاط حرف الجر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ الجناح هنا الجنب أي تحت الإبط، وهو استعارة من جناح الطائر ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ ﴾ روي أن يده خرجت وهي بيضاء كالشمس ﴿ مِنْ غَيْرِ سواء ﴾ يريد من غير برص ولا عاهة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ الكبرى ﴾ مفعول ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾ ، وأن تكون صفة للآيات ويختلف المعنى على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اشرح لِي صَدْرِي ﴾ إن قيل: لم قال ﴿ اشرح لِي ﴾ ﴿ وَيَسِّرْ لي ﴾ ، مع أن المعنى يصح دون قوله: ﴿ لي ﴾ ؟
فالجواب: أن ذلك تأكيد وتحقيق للرغبة ﴿ واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴾ العقدة هي التي اعترته بالجمرة حين جعلها في فيه وهو صغير، حين أراد فرعون أن يجرّبه، وإنما قال: ﴿ عُقْدَةً ﴾ بالتنكير لأنه طلب حلَّ بعضها ليفقهوا قوله، ولم يطلب الفصاحة الكاملة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَزِيراً ﴾ أي معيناً، وإعراب هارون بدل أو مفعول أول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَزْرِي ﴾ أي ظهري والمراد القوة ومنه: فآزره أي قوّاه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ﴾ أي قد أعطيناك كل ما طلبت من الأشياء المذكورة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ ﴾ يحتمل أن يكون وحي كلام بواسطة ملك، أو وحي إلهام كقوله: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ [النحل: 67] ﴿ مَا يوحى ﴾ إبهام يراد به تعظيم الأمر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم ﴾ الضمير الأول لموسى، والثاني للتابوت أو لموسى ﴿ اليم ﴾ البحر، والمراد به هنا النيل، وكان فرعون قد ذُكر له أن هلاكه وخراب ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بذبح كل ولد ذكر يولد لهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في التابوت وتلقي التابوت في البحر ففعلت ذلك، وكان فرعون في موضع يشرف على النيل، فرأى التابوت فأمر به فسيق، إليه وامرأته معه ففتحه فأشفقت عليه امرأته، وطلب أن تتخذه ولداً فأباح لها ذلك ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ هو فرعون ﴿ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ أي أحببتك، وقيل: أراد محبة الناس فيه إذ كان لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل: أراد محبة امرأة فرعون ورحمتها له، وقوله: ﴿ مِّنِّي ﴾ : يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ ﴾ ، أو يكون صفة لمحبة فيتعلق بمحذوف ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عيني ﴾ أي تربي ويحسن إليك بمرأى مني وحفظ، والعامل في ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ محذوف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ تمشي أُخْتُكَ ﴾ العامل في إذ تصنع أو ألقيت، أو فعل مضمر تقديره ومننا عليك ﴿ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ ﴾ كان لا يقبل ثدي امرأة فطلبوا له مرضعة، فقالت أخته ذلك ليرد إلى أمه ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً ﴾ يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم ﴾ يعني الخوف من أن يطلب بثأر المقتول ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ أي اختبرناك اختباراً حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوة والرسالة، وقيل: خلصناك من محنة بعد محنة، لأن خلصه من الذبح ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل، والفتون: يحتمل أن يكون مصدراً أو جمع فتنة ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ ﴾ يعني الأعوام العشرة التي استأجره فيها شعيب ﴿ جِئْتَ على قَدَرٍ ﴾ أي بميقات محدود قدره الله لنبوتك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ عبارة عن الكرامة والتقريب أي استخلصتك وجعلتك موضع صنيعتي وإحساني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَنِيَا ﴾ أي لا تضعفا ولا تقصرا، والوني هو الضعف عن الأمور والتقصير فيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَن يَفْرُطَ ﴾ أي يعمل بالشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي سرحهم، وكانوا تحت يد فرعون وقومه، وكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وتسريح بني إسرائيل ﴿ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ كان يعذبهم بذبح أبنائهم وتسخيرهم في خدمته وإذلالهم.
﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ ﴾ يعني قلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء، وإنما وحدَّهما وهما آيتان، لأنه أراد إقامة البرهان وهو معنى واحد، ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يريد التحية أو السلامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى ﴾ أفرد موسى بالنداء بعد جمعه مع أخيه، لأنه الأصل في النبوة وأخوة تابع له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ﴾ المعنى أن الله أعطى خلْقه كل شيء يحتاجون إليه، فخلقه على هذا بمعنى المخلوقين، وإعرابه مفعول أول، وكل شيء مفعول ثان، وقيل: المعنى أعطى كل شيء خلقته وصورته: أي أكمل ذلك وأتقنه، فالخلق على هذا بمعنى الخلقة وإعرابه مفعول ثان، وكل شيء مفعول أول والمعنى الأول أحسن ﴿ ثُمَّ هدى ﴾ أي هدى خلقه إلى التوصل لما أعطاهم، وعلمهم كيف ينتفعون به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى ﴾ يحتمل أن يكون سؤاله عن القرون الأولى محاجة ومناقضة لموسى: أي ما بالها لم تبعث كما يزعم موسى؟
أو ما بالها لم تكن على دين موسى أو ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب كما زعم موسى في قوله: ﴿ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى ﴾ [طه: 48]، ويحتمل أن يكون قال ذلك قطعاً للكلام الأول، ورَوَغاناً عنه وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة ولذلك أضرب موسى عن الكلام في شأنها، فقال ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ ، ثم عاد إلى وصف الله رجوعاً إلى الكلام الأول ﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ يعني اللوح المحفوظ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ أي فراشاً، وانظر كيف وصف موسى ربه تعالى بأوصاف لا يمكن فرعون أن يتصف بها، لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولو قال له هو القادر أو الرازق وشبه ذلك لأمكن فرعون أن يغالطه ويدعي ذلك لنفسه ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ أي نهج لكم فيها طرقاً تمشون فيها ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ يحتمل أن يكون من كلام موسى على تقدير يقول الله عز وجل ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ ، ويحتمل أن يكون كلام موسى ثم عند قوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ﴾ ثم ابتدأ كلام الله.
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى ﴾ أي أصنافاً مختلفة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ ﴾ المعنى أنها تصلح لأن تؤكل وترعاها الأنعام، وعبر عن ذلك بصيغة الأمر؛ لأنه أذن في ذلك فكأنه أمر به ﴿ لأُوْلِي النهى ﴾ أي العقول واحدها نهية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ الضمير للأرض يريد خلقه آدم من تراب ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ يعني بالدفن عند الموت ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ ﴾ يعني عند البعث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا ﴾ يعني الآيات التي رآها فرعون وهي تسع آيات، وليس يريد جميع آيات الله على العموم، فالإضافة في قوله: ﴿ آيَاتِنَا ﴾ تجري مجرى التعريف بالعهد: أي آياتنا التي أعطينا موسى كلها، وإنما أضافها الله إلى نفسه تشريفاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ﴾ يحتمل أن يكون الموعد اسم مصدر أو اسم زمان أو اسم مكان، ويدل على أنه اسم مكان قوله: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ ، ولكن يضعف بقوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ ، لأنه أجاب بظرف الزمان، ويدل على أن الموعد اسم زمان قوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ ولكن يضعفه بقوله: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ .
ويدل على أنه اسم مصدر بمعنى الوعد قوله: ﴿ لاَّ نُخْلِفُهُ ﴾ لأن الإخلاف إنما يوصف به الوعد لا الزمان ولا المكان.
ولكن يضعف ذلك بقوله: ﴿ مَكَاناً ﴾ وبقوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ ، فلابد على كل وجه من تأويل أو إضمار، ويختلف إعراب قوله: مكاناً باختلاف تلك الوجوه.
فأما إن كان الموعد اسم مكان فيكون قوله: ﴿ مَوْعِداً ﴾ و ﴿ مَكَاناً ﴾ مفعولين لقوله: ﴿ فاجعل ﴾ ، ويطابقه قوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ من طريق المعنى، لا من طريق اللفظ، وذلك أن الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة، وإن كان الموعد اسم زمان فينتصب قوله: ﴿ مَكَاناً ﴾ على أنه ظرف زمان، والتقدير: موعداً كائناً في مكان وإن كان الموعد اسم مصدر فينتصب ﴿ مَكَاناً ﴾ على أنه مفعول بالمصدر وهو الموعد، أو بفعل من معناه، ويطابقه قوله: ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ على حذف مضاف تقديره موعدكم وعد يوم الزينة، وقرأ الحسن يوم الزينة بالنصب وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ معناه: مستو في القرب منا ومنكم، وقيل: معناه مستوي الأرض ليس فيه انخفاض ولا ارتفاع، وقرئ بكسر السين وضمها، والمعنى متفق ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ يوم عيد لهم وقيل يوم عاشوراء ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ﴾ عطف على الزينة، فهو في موضع خفض أو على اليوم فهو في موضع رفع وقصد موسى أن يكون موعدكم عند اجتماع الناس على رؤوس الأشهاد لتظهر معجزته ويستبين الحق للناس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ معناه يهلككم، يقال سحت وأسحت، وقد قرئ بفتح الياء وضمها، والمعنى متفق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ ﴾ قرأ إن هذين بالياء ولا إشكال في ذلك، وقرأ بتخفيف إنْ وهي مخففة من الثقيلة، وارتفع بعدها هذان بالابتداء، وأما قراءة نافع وغيره بتشديد إنّ ورفع هذان، فقيل ﴿ إِنْ ﴾ هنا بمعنى نعم فلا تنصب، ومنه ما روي في الحديث أن الحمد بالرفع، وقيل: اسم إن ضمير الأمر والشأن تقديره: إن الأمر، و ﴿ هذان لَسَاحِرَانِ ﴾ مبتدأ وخبر في موضع خبر إن.
وقيل: جاء القرآن في هذه الآية بلغة بني الحرث بن كعب وهو إبقاء التثنية بالألف حال النصب، والخفض، وقالت عائشة رضي الله عنها، هذا مما لحن فيه كتاب المصحف ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى ﴾ أي يذهب بسيرتكم الحسنة ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أي اعزموا وأنفذوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ﴾ استدل بعضهم بهذه الآية على أن السحر تخييل لا حقيقة، وقال بعضهم: إن حيلة السحرة في سعي الحبال والعصيّ هو أنهم حشوها بالزئبق، وأوقدوا تحتها ناراً وغطوا النار لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها حبالهم وعصيهم، وقيل: جعلوها للشمس، فلما أحسّ الزئبق بحر النار أو الشمس سال، وهو في حشو الحبال والعصيّ فحملها، فتخيل للناس أنها تمشي، فألقى موسى عصاه فصارت ثعباناً فابتلعتها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ ﴾ ما هنا موصولة وهي اسم إن وكيد خبرها ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى ﴾ قدم هارون لتعادل رؤوس الآي ﴿ مِّنْ خِلاَفٍ ﴾ أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ﴿ والذي فَطَرَنَا ﴾ معطوف على ﴿ مَا جَآءَنَا مِنَ البينات ﴾ ، وقيل: هي واو القسم ﴿ هذه الحياة ﴾ نصب على الظرفية: أي: إنما قضاؤك في هذه الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ﴾ قيل: إن هنا وما بعدها من كلام السحرة لفرعون على وجه الموعظة، وقيل: هو من كلام الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ﴾ يعني ببني إسرائيل، وأضافهم إلى نفسه تشريفاً لهم، وكانوا فيما قيل ستمائة ألف ﴿ يَبَساً ﴾ أي يابساً، وهو مصدر وصف به ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى ﴾ أي لا تخاف أن يدركك فرعون وقومه، ولا تخشى الغرق في البحر ﴿ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ إبهام لقصد التهويل ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى ﴾ إن قيل: إن قوله: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ﴾ يغني عن قوله: ﴿ وَمَا هدى ﴾ ، فالجواب أنه مبالغة وتأكيد، وقال الزمخشري: هو تهكم بفرعون في قوله: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد ﴾ [غافر: 29].
<div class="verse-tafsir"
﴿ يابني إِسْرَائِيلَ ﴾ خطاب لهم بعد خروجهم من البحر، وإغراق فرعون، وقيل: هو خطاب لمن كان منهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر ﴿ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن ﴾ لما أهلك الله فرعون وجنوده أمر موسى وبني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه ربه، والطور هو الجبل، واختلف هل هذا الطور هو الذي رأى فيه موسى النار في أول نبوّته، أو هو غيره ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ ذكر في [البقرة: 57] ﴿ فَقَدْ هوى ﴾ استعارة من السقوط من علو إلى سفل ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى ﴾ المغفرة لمن تاب حاصلة ولا بد، والمغفرة للمؤمن الذي لم يتب في مشيئة الله عند أهل السنة، وقالت المعتزلة: لا يغفر إلا لمن تاب ﴿ ثُمَّ اهتدى ﴾ أي استقام ودام على الإيمان والتوبة والعمل الصالح، ويحتمل أن يكون الهدى هنا عبارة عن نور وعلم؛ يجعله الله في قلب من تاب وآمن وعمل صالحاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى ﴾ قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما أمره الله أن يسير هو وبنو إسرائيل إلى الطور، تقدم هو وحده مبادرة إلى أمر الله، وطلباً لرضاه، وأمر بني إسرائيل أن يسيروا بعده، واستخلف عليهم أخاه هارون، فأمرهم السامريّ حينئذ بعبادة العجل، فلما وصل موسى إلى الطور دون قومه قال الله تعالى: ما أعجلك عن قومك؟
وإنما سأل الله موسى عن سبب استعجاله دون قومه ليخبره موسى بأنهم ياتون على أثره، فيخبره الله بما صنعوا بعده من عبادة العجل، وقيل: سأله على وجه الإنكار لتقدّمه وحده دون قومه فاعتذر موسى بعذرين: أحدهما أن قومه على أثره: أي قريب منه، فلم يتقدّم عليهم بكثير فيوجب العتاب، والثاني أنه إنما تقدم طلباً لرضا الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَضَلَّهُمُ السامري ﴾ كان السامريّ رجلاً من بني إسرائيل يقال: إنه ابن خال موسى، وقيل: لم يكن منهم وهو منسوب إلى قرية بمصر يقال لها سامرة، وكان ساحراً منافقاً ﴿ فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ ﴾ يعني رجع من الطور بعد إكمال الأربعين يوماً التي كلمه الله بها ﴿ أَسِفاً ﴾ ذكر في [الأعراف: 149].
﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ يعني ما وعدهم من الوصول إلى الطور ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد ﴾ يعني المدة وهذا الكلام توبيخ لهم ﴿ بِمَلْكِنَا ﴾ قرئ بالفتح والضم والكسر، ومعناه ما أخلفنا موعدك بأن مَلَكْنا أمرنا، ولكن غُلبنا بكيد السامريّ، فيحتمل أنهم اعتذروا بقلة قدرتهم وطاقتهم ويناسب هذا المعنى القراءة بضم الميم، واعتذروا بقلة ملكهم لأنفسهم في النظر وعدم توفيقهم للرأي السديد، ويناسب هذ المعنى القراءة بالفتح والكسر ﴿ حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم ﴾ الأوزار هنا الأحمال؛ سميت أوزاراً لثقلها، أو لأنهم اكتسبوا بسببها الأوزار أي الذنوب، وزينة القوم هي: حُلّي القبط قوم فرعون؛ كان بنو إسرائيل قد استعاروه منهم قبل هلاكهم، وقيل: أخذوه بعد هلاكهم فقال لهم السامريّ اجمعوا هذا الحليّ في حفرة حتى يحكم الله فيه، ففعلوا ذلك وأوقد السامريّ ناراً على الحلّي وصاغ منه عجلاً وقيل: بل خلق الله منه العجل من غير أن يصنعه السامري، ولذلك قال لموسى قد فتنا قومك من بعدك ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ أي قذفنا أحمال الحلي في الحفرة ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ﴾ كان السامريّ قد رأى جبريل عليه السلام، فأخذ من وطء فرسه قبضة من تراب، وألقى الله في نفسه أنه إذا جعلها على شيء مواتاً صار حيواناً فألقاها على العجل فجاز العجل أي: صاح صياح العجول.
فالمعنى أنهم.
قالوا كما ألقينا الحلي في الحفرة ألقى السامريّ قبضة التراب ﴿ جَسَداً ﴾ أي جسماً بلا روح، والخوار صوت البقر ﴿ فَقَالُواْ هاذآ إلهكم ﴾ أي قال ذلك بنو إسرائيل بعضهم لبعض ﴿ فَنَسِيَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون من كلام بني إسرائيل والفاعل موسى: أي نسي موسى إلهه هنا، وذهب يطلبه في الطور، والنسيان على هذا بمعنى الذهول، والوجه الثاني: أن يكون من كلام الله تعالى، والفاعل على هذا السامريّ: أي نسي دينه وطريق الحق، والنسيان على هذا المعنى: الترك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً ﴾ معناه لا يردّ عليهم كلاماً إذا كلموه وذلك ردّ عليهم في دعوى الربوبية له، وقرئ ﴿ يَرْجِعُ ﴾ بالرفع، وأن مخففة من الثقيلة، وبالنصب وهي مصدرية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ ياهرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ لا زائدة للتأكيد، والمعنى ما منعك أن تتبعني في المشي إلى الطور، أو تتبعني في الغضب لله، وشدّة الزجر لمن عبد العجل، وقتالهم بمن لم يعبده؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ ﴾ ذكر في [الأعراف: 150] ﴿ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من شدّة غضبه، لما وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ ﴾ أي: لو قاتلت من عبد العجل منهم بمن لم يعبده، لقلت فرقت جماعتهم وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى قوله: ﴿ تَتَّبِعَنِ ﴾ في الزجر والقتال، ولو أتبعتك في المشي إلى الطور لاتبعني بعضهم دون بعض، فتفرقت جماعتهم وهذا على أن يكون معنى ﴿ تَتَّبِعَنِ ﴾ في المشي إلى الطور ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ يعني قوله له: اخلفني في قومي وأصلح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري ﴾ أي قال موسى ما شأنك؟
ولفظ الخطب يقتضي الانتهار، لأنه يستعمل في المكاره ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ أي رأيت ما لم يروه يعني: جبريل عليه السلام وفرسه ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول ﴾ أي قبضت قبضة من تراب من أثر فرس الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود ﴿ من أثر فرس الرسول ﴾ وإنما سمى جبريل بالرسول، لأن الله أرسله إلى موسى، والقبضة مصدر قبض، وإطلاقها على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ويقال: قبض بالضاد المعجمة إذا أخذ بأصابعه وكفه، وبالصاد المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع وقد قرئ كذلك في الشاذ ﴿ فَنَبَذْتُهَا ﴾ أي ألقيتها على الحلي، فصار عجلاً أو على العجل فصار له خوار ﴿ فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ عاقب موسى عليه السلام السامري؛ بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومؤاكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقول طول حياته: لا مساس؛ أي لا مماسة ولا إذاية، وروي أنه كان إذا مسه أحد أصابت الحمى له وللذي مسه، فصار هو يبعد عن الناس وصار الناس يبعدون عنه ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً ﴾ يعني العذاب في الآخرة وهذا تهديد ووعيد ﴿ ظَلْتَ ﴾ أصله ضللت، حذفت إحدى اللامين والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم استعمل في الدأب على الشيء ليلاً ونهاراً ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ من الإحراق بالنار، وقرئ بفتح النون وضم الراء بمعنى نبرده بالمبرد، وقد حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى، لأن الذهب لا يفنى بالإحراق بالنار، والصحيح أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد صورته، فيصح حمل قراءة الجماعة على ذلك ﴿ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً ﴾ أي نلقيه في البحر، والنسف تفريق الغبار ونحوه ﴿ إِنَّمَآ إلهكم الله ﴾ الآية: من كلام موسى لبني إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ مخاطبة من الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأنباء ما قد سبق: أخبار المتقدمين ﴿ ذِكْراً ﴾ يعني القرآن ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ يعني إعراض تكذيب به ﴿ وِزْراً ﴾ الوزر في اللغة الثقل، ويعني هنا العذاب لقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهِ ﴾ أو الذنوب لأنها سبب العذاب ﴿ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً ﴾ شبه الوزر بالحمل لثقله، قال الزمخشري: ﴿ وَسَآءَ ﴾ تجري مجرى بئس، ففاعلها، مضمر يفسره ﴿ حِمْلاً ﴾ ، وقال غيره: فاعلها مضمر يعود على الوزر ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ أي ينفخ الملك في القرن، وقرأ ننفخ بالنون أي بأمرنا ﴿ زُرْقاً ﴾ أي زرق الألوان كالسواد، وقيل: زرق العيون من العمى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ أي يقول بعضهم لبعض في السرّ: إن لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال وذلك لاستقلالهم مدّة الدنيا، وقيل: يعنون لبثهم في القبور ﴿ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ أي يقول أعلمهم بالأمور، فالإضافة إليهم إن لبثتم إلا يوماً واحداً فاستقل المدّة أشد مما استقلها غيره ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي ﴾ أي يجعلها كالغبار ثم يفّرقها ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ الضمير في يذرها للجبال، والمراد موضعها من الأرض، والقاع الصفصف: المستوي من الأرض الذي لا ارتفاع فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ﴾ المعروف في اللغة أن العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأشخاص والأرض شخص، فكان الأصل أن يقال فيها بالفتح، وإنما قاله بالكسر مبالغة في نفيه، فإن الذي في المعاني أدق من الذي في الأشخاص، فنفاه ليكون غاية في نفي العوج من كل وجه ﴿ ولا أَمْتاً ﴾ الأمت: هو الارتفاع اليسير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ يحتمل أن يكون الاستثناء متصلاً، ومن في موضع نصب ينتفع وهي واقعة على المشفوع له، فالمعنى لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن له الرحمن في أن يُشفع له، وأن يكون الاستثناء منطقعاً ومن واقعه على الشافع، والمعنى لكن من أذن له الرحمن يشفع ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ إن أريد بمن أذن له الرحمن المشفوع فيه، فاللام في له بمعنى لأجله، أي رضي قول الشافع لأجل المشفوع فيه، وإريد الشافع فالمعنى رضي له قوله في الشفاعة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الضميران لجميع الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ قيل: المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ﴾ [البقرة: 255]، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته؛ إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأوّل لقال ولا يحيطون بعمله، ولذلك استثنى إلا بما شاء هناك ولم يستثن هنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَنَتِ الوجوه ﴾ أي ذلت يوم القيامة ﴿ وَلاَ هَضْماً ﴾ أي بخساً ونقصاً لحسناته ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ أي تذكراً، وقيل: شرفاً وهو هنا بعيد ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ أي إذ أقرأك جبريل القرآن؛ فاستمع إليه واصبر حتى يفرغ، وحينئذ تقرأه أنت.
فالآية: كقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16]، وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه القرآن يأمر بكتبه في الحين، فأمر بأن يتأنى حتى تفسر له المعاني، والأول أشهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَهِدْنَآ إلى ءَادَمَ ﴾ أي وصيناه أن لا يأكل من الشجرة ﴿ فَنَسِيَ ﴾ يحتمل أن يكون النسيان الذي هو ضدّ الذكر، فيكون ذلك عذراً لآدم أو يريد الترك، وقال ابن عطية: ولا يمكن غيره، لأن الناسي لا عقاب عليه، وقد تقدّم الكلام على قصة آدم وإبليس في البقرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى ﴾ أي لا تطيعاه فيخرجكما من الجنة، فجعل المسبب موضع السبب وخص آدم بقوله: ﴿ فتشقى ﴾ لأنه كان المخاطب أولاً، والمقصود بالكلام، وقيل: لأن الشقاء في معيشة الدنيا مختص بالرجال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى ﴾ الظمأ هو العطش، والضحى هو البروز للشمس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ ذكر في [الأعراف: 21] وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ذلك في [البقرة: 35].
<div class="verse-tafsir"
﴿ اهبطا ﴾ خطاب لآدم وحواء ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها ﴿ فَمَنِ اتبع ﴾ ﴿ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ أي ضيقة، فقيل إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق المعيشة لشدّة حرصه وإن كان واسع الحال، وقد قال بعض الصوفية: لا يُعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته وتكدر عليه عيشه، وقيل: إن ذلك في البرزخ، وقيل: في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة وعذاب الآخرة ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾ أي يعني أعمى البصر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى ﴾ من الترك لا من الذهول ﴿ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ أي عذاب جهنم أشدّ وأبقى من العيشة الضنك ومن الحشر أعمى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ معناه: أفلم يتبين لهم، والضمير لقريش والفاعل بيهد مقدر تقديره: أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر، وقال الزمخشري: الفاعل الجملة التي بعده، وقيل: الفاعل ضمير الله عز وجل، ويدل عليه قراءة ﴿ أفلم نهد ﴾ بالنون، وقال الكوفيون: الفاعل كم ﴿ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ﴾ يريد أن قريشاً يمشون في مساكن عاد وثمود، ويعاينون آثار هلاكهم ﴿ لأُوْلِي النهى ﴾ أي ذوي العقول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾ الكلمة هنا القضاء السابق، والمعنى لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان العذاب لزاماً: أي واقعاً بهم ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ معطوف على ﴿ كَلِمَةٌ ﴾ : أي لولا الكلمة والأجل المسمى لكان العذاب لزاماً، وإنما أخره لتعتدل رؤوس الآي، والمراد بالأجل المسمى يوم بدر، وبذلك ورد تفسيره في البخاري، وقيل: المراد به أجل الموت، وقيل القيامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَسَبِّحْ ﴾ يحتمل أن يريد بالتسبيح الصلاة، أو قول سبحان الله وهو ظاهر اللفظ ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ في موضع الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح، ويحتمل أن يكون المعنى سبح تسبيحاً مقروناً بحمد ربك فيكون أمراً بالجمع بين قوله: سبحان الله وقوله الحمد لله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض» ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ إشارة إلى الصلوات الخمس عند من قال إن معنى ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ : الصلاة، فالتي قبل طلوع الشمس الصبح، والتي قبل غربوها الظهر والعصر، ومن آناء الليل المغرب والعشاء الآخرة وأطراف النهار المغرب والصبح، وكرر الصبح في ذلك تأكيداً للأمر بها، وسمى الطرفين أطرافاً لأحد وجهين: إما على نحو فقد صغت قلوبكما، وإما أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف، وآناء الليل ساعاته، واحدها إني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ ذكر في [الحجر: 88] ومدّ العينين هو تطويل النظر ففي ذلك دليل على أن النظر غير الطويل معفوّ عنه ﴿ زَهْرَةَ الحياة الدنيا ﴾ شبه نعيم الدنيا بالزهر وهو النوار، لأن الزهر له منظر حسن، ثم يذبل ويضمحل، وفي نصب زهرة خمسة أوجه: أن ينتصب بفعل مضمر على الذم، أو يضمن ﴿ مَتَّعْنَا ﴾ معنى أعطينا، ويكون ﴿ زَهْرَةَ ﴾ مفعولاً ثانياً له، أو يكون بدلاً من موضع الجار والمجرور، أو يكون بدلاً من أزواجاً على تقدير ذوي زهرة أو ينتصب على الحال.
﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ أي لنختبرهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك فتفرغ أنت وأهلك للصلاة فنحن نرزقك، وكان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ البينة هنا البرهان، والصحف الأولى هي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله بهذا الجواب، والمعنى قد جاءكم برهان ما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فلأي شيء تطلبون آية أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى: قد جاءكم القرآن وفيه من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بينة وبرهان على أنه من عند الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ الآية: معناها لو أهلكنا هؤلاء الكفار قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم لاحتجوا على الله بأن يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً، ولولا هنا: عرض فقامت عليهم الحجة ببعثه صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ﴾ أي قل كل واحد منا ومنكم منتظر لما يكون من هذا الأمر ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ تهديد ﴿ الصراط السوي ﴾ المستقيم.