تفسير سورة البقرة الآيات ٩٢-٩٥ عند الثعالبي

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 2 البقرة > الآيات ٩٢-٩٥

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ ٩٢ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩٣ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٤ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٩٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلم على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ.

وقيل: لكفرهم بعيسى- عليه السلام- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها.

ومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ» ، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «١» ، قال الفَرَّاء «٢» .

أي: بما سواه «٣» ، ويعني به:

القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ.

وقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: ٢٩ ب

بعزمٍ، ونشاطٍ.

وجِدٍّ.

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم.

وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» .

وقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.

وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ...

الآية: أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان» ، و «خالصة» : خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس» : محمّد صلّى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه صلّى الله عليه وسلم.

ت: قال عِيَاضٌ «١» : ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «٢» ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «٣» ...

الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «٤» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم:

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله

تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «١» ، يعني:

يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «٢» : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «٣» ، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم.

انتهى من «الشّفا» .

والمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «٤» ، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «٥» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله